رمضان.. بداية مشروع للنَّهضة!!
جاء هذا الشَّهر، شهر رمضان المبارك، وأمتنا العربيَّة والاسلاميَّة، ما زالت تُعاني وتفتقد إلى مشروع نهضة بعد سقوط الخلافة الإسلاميَّة.
جاء شهر رمضان وما زالت الأُمَّة مُتعثِّرة في أنْ تعود إلى مكانة الصَّدارة بين الأمم، بل جاء الشَّهر الكريم والأُمَّة ما زالت تائهةً في سبيلها لأنْ تضع قدمها على بداية طريق التَّغيير.
نعم بدأ العرب بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة رحلة مشروعٍ تنمويٍّ ونهضويٍّ، كانت شواهده إنشاءُ الصَّحافة والمدارس، وإنشاء الجامعات الحديثة والجسور والطُّرق والسُّدود ومدُّ السِّكك الحديديَّة، إلا أنَّ هذه كانت مُجرَّد مظاهر مُجرَّدةٌ من الرُّوح والحقيقة التي تبعث على نهضةٍ حقيقيَّةٍ لأمَّتنا.
لا نريد أنْ يستغرقنا المشهد القائم، فقد أصبح العرب لا يملكون ما يُقدِّمونه إلى العالم، لقد اختفينا كحضارةٍ، وغُيِّبْنَا عن خارطة العالم، وفقدنا الطَّاقة الخلاقة، في حين أنَّنا موجودون كشعوبٍ فقط، فالمظاهر تؤكد أنَّ العرب والمسلمين لم يبرحوا أماكنهم بعد سقوط الخلافة الإسلاميَّة.
إنَّ الأمر يحتاج إلى إفاقةٍ سريعةٍ، وتلمُّسٍ للطريق الصَّحيح بعيدًا عن تلك المظاهر الجوفاء، حتى نستطيع أنْ نخرج من هذا النَّفق المظلم، وحتى يكون لنا مشروع نهضةٍ حقيقيٍّ.. نهضة تجعل العرب والمسلمين قادرين على مواجهة المستعمر الذي يرغب في نهب خيراتهم وإقعادهم عن الِّلحاق بركب الحضارة، وكذلك قادرين على مواجهة أنظمةٍ مُستبدةٍ تُقيِّد الحرِّيَّات وتمنعهم من الإبداع.
وفي النِّهاية فجميل أنْ يصدر عدد جديد من مجلتكم (اتِّجاهات) خلال شهر رمضان المعظم، الذي دائمًا ما يحاول كل منَّا فيه أنْ يكون بمثابة مرحلة جديدة في حياته، ولذلك حرصت المجلة أنْ تطلع عليكم في هذا الشَّهر بأبوابٍ جديدة آملين أنْ تحظى بإعجابكم، ومؤكدين لكم أنَّنا لن ندخر أيِّ جهدٍ في أنْ نحمل لكم كل جديد ومفيد...
اتِّجاهات
تصنيفات
العدد 4,
رئيس التحرير,
كلمة العدد
الشَّارع السِّياسيِّ قبل الانتخابات التَّشريعيَّة.. "شبح التَّوريث"!!
بقلم: محمد سعيد
بات من المؤكد مع اقترب موعد انتخابات مجلس الشعب المصري نهاية العام القادم، والتي يسبقها انتخابات مجلس الشورى، الَّلذَيْن صار لهما تأثيرٌ كبيرٌ عقب التعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة في عامي 2005م، و2007م، أنَّ معالم التَّوريث وإجراءات تسليم السُّلطة لنجل الرئيس حسني مبارك الأصغر جمال مبارك أمين السياسات في الحزب الوطني الحاكم، باتت أمرٌ شبه محسومٍ من وجهة نظر الكثير من المراقبين.
وقال هؤلاء إنَّ معالم التَّوريث تزداد تأكيدًا، مع تصريحات مبارك الغامضة خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة بشأن مستقبل الأوضاع في مصر في مرحلة ما بعد حكمه؛ حيث لم يذكر ردًّا قاطعًا ينفي فيه أو يؤكِّد هذا الأمر.
ومع استمرار الوضع السِّياسيِّ المتدهور في مصر، تحاول القوى السِّياسيَّة والاحزاب لململة أوراقها سريعًا قبيل انتخابات مجلس الشَّعب المقررة في خريف العام القادم 2010م، والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى منتصف العام نفسه، ويظل شبح التَّوريث ماثلٌ أمام عينيها، فكلُّ فصيلٍ يحاول إعادة ترتيب أوراقه قبل تلك الَّلحظة الحاسمة.
الإخوان والمُعضلة الأمنيَّة
والأمر الَّلافت للنَّظر في ظلِّ الحملة الأمنيَّة الشَّرسة على جماعة الإخوان المسلمين، وتزايُد حدَّة الهجمات في محاولةٍ "لقصقصة الرِّيش والتَّعطيل والإلهاء" الجماعة عن عمليَّة تمرير السُّلطة باعتقال ثلاثةِ من أعضاء مكتب إرشادها، وهم: الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدُّكتور أسامة نصر، والدُّكتور محمود حسين، فضلاً عن سجن النَّائب الثَّاني لمرشدها العام المهندس خيرت الشاطر وعضو مكتب الإرشاد الدُّكتور محمد علي بشر ضمن المحكمة العسكريَّة الأخيرة، والتي صدر فيها الحكم في ابريل من العام 2007م.
زد علي ذلك احتجاز العشرات من مسئولي المكاتب الإداريَّة والقطاعات ومسئولوا الِّلجانٍ الفنِّيَّة المُتخصِّصة من العناصر المُؤثِّرة داخل الجماعة.
ومع تصاعد وتيرة الأحداث الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وتنامي حدَّة الضَّربات الأمنيَّة وجدت جماعة الإخوان نفسها وحيدةً في الشَّارع السَّياسيِّ، فالكلُّ تخلَّى عنها سواء الأحزاب أو الحركات والتَّجمُّعات السِّياسيَّة الأخرى، ووصل الأمر إلى درجة وكأن الإخوان "فيروس" يجب الابتعاد عنه خشية الإصابة بمرضٍ معدٍ لا يُشفَى منه إلا بالاعتقال والمحاكمات والتشويه.
ورغم المحاولات الحثيثة للإخوان للملمة الجماعة السِّياسيَّة وجمعها تحت رايةٍ واحدةٍ تستطيع من خلالها مواجهة البطش والعسف الحكوميِّ الذي طال الشَّعب المصريِّ، صغيره قبل كبيره، سواء المشتغلين بالعمل العام، السِّياسيِّ والإجتماعيِّ، أو الممتنعين عن الخوض فيه، كان الصَّد وأصابع الاتِّهام تُوجَّه إليهم بمحاولة تكوين تجمُّعٍ سياسيٍّ تُواجِه الجماعة به الحكومة من خلف السِّتار!
واستمرارًا لأزمة الإخوان، نجدها هي الأخرى تُثير لغطًا وشكوكًا حول مشروعها السِّياسيِّ والفكريِّ من خلال تصريحات أو كتابات يعتقد كثيرٌ من الباحثين أنَّه أمرٌ مقصودٌ من قيادات الجماعة، لتبقى في الصُّورة السِّياسيَّة والإعلاميَّة، بدلاً من حملات الإبعاد والتَّهميش، وهو ما تقوم الجماعة بمعالجته من خلال العمل الشَّعبيِّ الاجتماعيِّ، الذي يمحو تلك الحملات التَّشويهيَّة، وباستغلال القناعة العامَّة لدى الشَّعب، والتي تقول إنَّ الطَّرف الذي تقوم الحكومة بتشويهه من الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة، يكون هو على الحق، وأنَّ الحكومة خائفةُ منه ومن قوته.
ورغم حملة الاعتقالات والمُحاكمات والتَّشويه التي يُمارسها النِّظام الحاكم عبر أداته الأمنيَّة، تُصرُّ الجماعة على خوض الانتخابات، وإنْ كانت التَّجرُبة تلك المرَّة مشوبةٌ بالحذر بعد أحداث التَّزوير واسعة النِّطاق لانتخابات المحلِّيَّات والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى الأخيرتَيْن، بل إنَّ هناك أصواتًا تُنادي بعدم خوض تلك التَّجرُبة مرةً أخرى، وخاصة بعد التَّقدُّم الكبير الذي أحرزته الجماعة في انتخابات مجلس الشَّعب عام 2005م.
فببساطة فإنَّ النِّظام الحاكم لن يسمح بتكرار تلك التَّجرُبة التي وضعته في مآزقٍ قانونيَّةٍ وسياسيَّةٍ كبيرةٍ، بعدما أظهرته بأنَّه خارجٌ على الإرادة الوطنيَّة التي مثَّلها نوَّاب الإخوان والمُعارضة المائة بمجلس الشَّعب.
ومع استمرار تأكيد الجماعة عبر تصريحات سياسيِّيها وقياداتها بعزم الجماعة عللى خوض أيِّ انتخاباتٍ، فهناك مؤشراتٌ تقول إنَّ الجماعة لن تُشارك في انتخابات التَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى مُنتصف العام القادم، حفاظًا على أفرادها من الاعتقال، ولتوفير جهودها لمعركة انتخابات مجلس الشَّعب نهاية العام نفسه.
حزب التَّوريث
وفي المقابل، تظل الخلافات وشبح التَّوريث مُسيطران على أداء الجانب الآخر من المعادلة السِّياسيَّة في مصر، وهو الحزب الوطنيُّ الحاكم، وأصبح الحديث عن خلافة الرَّئيس مبارك هو الموضوع الأساسيُّ بصالون الحزب.
وأصبح الحديث السَّائد بشأن الأوضاع الموجودة في الحزب يتلخَّص في صراعٍ بين الحرس القديم والذي يمثله كمال الشاذلي القيادي بالحزب وصفوت الشَّريف أمين عام الحزب، وفي مقابله "طقم" أصدقاء نجل الرئيس في مقدمتهم المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم والمسئول الأساسيِّ عن تنفيذ الكثير من خطط الحزب، والدكتور محمد كمال أمين العضويَّة، بينما يظل الدُّكتور مفيد شهاب محتفظًا بدور "المحلل والتَّرزي" القانوني للحزب ولسياسته، ومعه الدُّكتور عليُّ الدِّين هلال أمين الإعلام كوجهٍ "ظريفٍ" على شاشات التِّلفاز والحلقات النَّقاشيَّة.
ولعل مشهد الاستقالات الجماعيَّة التي شهدتها الانتخابات الدَّاخليَّة للحزب، والتي أُجْرِيَت مؤخرًا، كشف عن خلافاتٍ كبيرةٍ بين عناصر الحزب، بمحاولة كل فردٍ الحصول علي أكبر قطعةٍ من "الكعكعة"، ولكن تدخُّلات المهندس عز لتمرير أشخاصٍ بعينهم لتولِّي مناصب الأمانة العامَّة، وأمانة المحافظات، فجرَّت الخلافات بين أعضاء الحزب، وصل لحد تحرير محاضرٍ بأقسام الشُّرطة!
وهو الأمر الذي سينعكس بالضَّرورة على اختيارات الحزب لمُرشَّحيه في الانتخابات التَّشريعيَّة القادمة، وستتكرَّر كالعادة أزمة التَّرشيحات، وسيتقدَّم الآلاف من المُرشَّحين بصفةِ مستقلٍّ، وسيقوم الحزب بفصلهم وعند نجاحهم بالتَّزوير والعصا الأمنيَّة، سيقوم الحزب بضمِّهم مرةً أخرى بدعوى "وحدة الصَّف" و"العفو والصَّفح عن أبنائه الغاضبين".
كفاية والأحزاب.. ماضي!!
نأتي إلى الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"- كنموذجٍ للحركات الشَّعبيَّة البديلة التي تكاثرت في مصر في الفترة الأخيرة- هي الأخرى في حالٍ يُرثى له بعد وفاة زعيمها الرَّوحي المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، وتنحِّي الدُّكتور عبد الجليل مصطفى وانشغال مُنسِّقها العام الجديد الدُّكتور عبد الحليم قنديل بمعاركٍ صحفيَّةٍ وإعلاميَّةٍ، بالاضافة لخفوت نجم الحركة بعد فترة الحراك السِّياسيِّ التي بدأت في العام 2005م، وانتهت بنهاية الانتخابات التَّشريعيَّة في نهاية العام نفسه.
في المقابل تقف الأحزاب المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل الوفد والتَّجمُّع والنَّاصري، في زاويةٍ سياسيَّةٍ حرجةٍ عنوانها "الفشل" و"الشِّلَليَّة" و"المصالح الخاصة"، فالحزب الناصري مع تقاعُد زعيمه التَّاريخيِّ ضياء الدِّين داوود لمرضه، ومحاولة سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق نائب رئيس الحزب الحثيثة للإستيلاء على الحزب، وتقديم نفسه مُرشَّحًا للرَّئاسة مُمثِّلاً للتَّيَّار النَّاصري.
أمَّا حزب الوفد فلا يزال يحاول لملمة أعضائِه وأوراقه بعد أزمة رئاسة الحزب التي أفقدته كثيرًا من تاريخه الوطني، فضلاً عن انشغال هيئته العليا في أعمالها الخاصة، أو ممارسة دورٍ تنظيريٍّ عن الحياة السِّياسيَّة من دون فعلٍ حقيقيٍّ.
أمَّا التَّجمُّع فهو الآخر يعيش أزمة، ولكنه بنبرةٍ منخفضةٍ قليلاً، كون رفعت السَّعيد رئيس الحزب يضع مصالحه الشَّخصيَّة مع النِّظام فوق كافة الاعتبارات، وسط صمتٍ مريبٍ من أعضاء الحزب الَّذين سلَّموا رقبتهم له انعكس ذلك في أزمة السَّعيد الأخيرة مع النَّائب أبو العز الحريري عضو الحزب بتخييره ما بين الاعذار للسعيد وإمَّا الفصل من الحزب.
أمَّا حزبي الجبهة والغد فكلاهما خيَّبا ظنَّ الكثير من المواطنين، بعد استمرار الأوَّل في رفع شعار الِّليبراليَّة التَّنظيريَّة، والثَّاني الِّليبراليَّة الواقعيَّة التي أدَّت إلى انقسامه ودخول طرفَيْ النِّزاع حول الحزب نفق القضاء المظلم.
الأقباط.. والدَّور الخفي
ويتبقَّى في المُعادلة السِّياسيَّة المصريَّة، الأقباط، كعاملٍ مؤثِّرٍ في الضَّغط على النِّظام المصريِّ باتِّصالاتها بدولٍ ومنظماتٍ أمريكيَّةٍ غربيَّةٍ، بهدف الحصول على امتيازاتٍ جديدةٍ وابقاء الوضع المصري مُتوتِّرًا لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب، وهو ماتنفيه قيادات الكنيسة بتأكيدها على تأييد الرَّئيس مبارك ونجله ولسياسات الحزب الوطني، وهو ما عبَّر عنه رأس الكنيسة القبطيَّة في مصر صراحةً البابا شنودة الثَّالث في أكثر من موضعٍ.
ورغم حملات التَّشويه التي تُمرِّرها الكنيسة ضد الدَّولة المصريَّة عبر ما يُسمَّى بأقباط المهجر، يحاول النِّظام المصري إيهام نفسه بأنَّ هناك فرقٌ بين الأقباط، رغم علمه اليقينيِّ أنَّ شعب الكنيسة وقياداته، الكهنوتيَّة والعلمانيَّة، غير راضيةٍ عن كمِّ الصَّمت الذي يمنحه النِّظام لهم ولأنشطتهم التَّنصيريَّة والسِّياسيَّة المشبوهة، في حين تظل العصا الأمنيَّة موجهةً للإخوان المسلمين، وهو ما تراه القيادة الكنسيَّة غير كافٍ.
ولكن الصُّورة داخل الجماعة المسيحيَّة في مصر غير بسيطة على هذا النَّحو؛ حيث توجد العديد من الرؤى ووجهات النظر، في الوسط المسيحي نفسه، ولنأخذ الموقف من الانتخابات الرَّئاسيَّة نموذجًا، فمنذ أيامٍ نشرت وكالة أنباء (إنتر برس سيرفيس) تقريرًا بعنوان "المسيحيُّون منقسمون بشأن الانتخابات الرَّئاسيَّة" لأدم مورو وخالد موسى العمري.
التَّقرير يتحدَّث عن دعم الكنيسة القبطيَّة في مصر رسميًّا، وكذلك الكنيسة الكاثوليكيَّة لجمال مبارك رئيسًا للجمهورية خلفا لوالده الرئيس المصري حسني مبارك، في حين يعترض جيل الشَّباب المسيحي على جمال مبارك والحزب الوطني الحاكم، متهمين جمال والحزب بإهدار حقوق الأقباط والتَّحيُّز إلى جانب المسلمين.
كما يتناول التَّقرير اعتراض الكاتب القبطي جمال أسعد على تصريحات للبابا شنودة بطريرك الكرازة المرقصيَّة في يوليو الماضي، قال فيها إنَّ أغلبيَّة الجمهور يحبون جمال مبارك.
أسعد أكد على أنَّه ليس من حق أحدٍ أنْ يقول بأنَّ الجمهور مع فلان أو ضد فلان إلا من خلال الاستفتاء، وهو ما لم يفعله شنودة.
التَّقرير كذلك تناول تصريحات لأشخاصٍ مؤيدين ومعارضين لجمال مبارك، لدرجة أنَّ بعض الأقباط أسَّسوا صفحةً على موقع (فيس بوك) أسموها "أقباط مصر"، للتَّنديد بمحاولات توريث الحكم لجمال مبارك.
وقال التَّقرير إنَّ الكنيسة في مصر لها سلطةٌ دينيَّةٌ فقط على المسيحيين، أمَّا في السِّياسة فكثيرٌ من المسيحيِّين لا يأخذون بتوصياتها، كما حدث عام 2005م، عندما طلبت الكنيسة القبطيَّة من أتباعها تأييد مرشحي الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانيَّة، ومع ذلك منح كثيرٌ من الأقباط ثقتهم لمرشحي جماعة الإخوان المسلمين.
على هذه الصورة، وما بين منقسم أو مأزوم أو مُشتَّت، تستقبل الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة عامًا من أهم الأعوام في الحياة السِّياسيَّة المصريَّة، فكيف سوف تنتهي الأمور.. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام وحدها!!...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
أوراق في السياسة المصرية,
العدد 4,
محمد سعيد
قضيَّة سياج.. واستكمال لمُسلسَل إهدار المال العام....
كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل
قصةٌ جديدةٌ نطالعها كحلقةٍ جديدةٍ ضمن حلقات مسلسل إهدار المال العام في مصر، مثلها مثل غيرها من قصصٍ كثيرةٍ عن وطن هناك من يسعي لاستباحته، وما استعادته مصر بالسِّلاح أو بالتَّحكيم الدَّوليِّ يمكن احتلاله من جديد بالدُّولار وباليورو.. إنَّها قصة رجل الأعمال وجيه إيلاي جورج سياج، الخواجة المصري الذي يحمل الجنسيَّة الايطاليَّة، ويعمل في مجال الاستثمار السِّياحيِّ، والذي كان يسعى لزرع الصَّهاينة في سيناء.
قد تتعدد مشاهد تلك القصَّة، وكان من المُمكن أنْ تنتهي نهايةً مؤلمةً، لولا استيقاظ بعض أجهزة الدَّولة من غفلتها؛ فمصير تلك الصَّفقة إذا ما كانت قد تمَّت كان الأمر سيسير لصالح إسرائيل؛ حيث كان سينتهي الأمر بتمليك بعض حملة الجنسيَّة الإسرائيليَّة650 ألف مترًا مُربَّعًا، ممتدةٌ على مساحة ثماني كليومترات على الحدود الصُّهيونيَّة بمنطقة طابا.
وقد أدَّت المشكلة التي يناقشها الملف بتحميل خزينة الدَّولة مبلغ 750 مليون جنيه، سيتم دفعها من جيوب الشَّعب المصرىِّ الذى سيتحملها من حصيلته من الضَّرائب، وسيتم توجيهها لتحمل أخطاء مسئولي الحكومة؛ حيث تمَّ الانتهاء من جولات التَّحكيم الدَّولي في قضية رجل الأعمال وجيه سياج، والتى أسفرت عن تلك الكارثة.
حيث أنهى مركز التَّحكيم الدَّولى التَّابع للبنك الدَّولي "أكسيد" في واشنطن الحكم في قضية شركة سياج للاستثمارات السِّياحيَّة مع الحكومة المصريَّة حول السَّيطرة على أرض طابا، بتغريم مصر 74 مليون دولار بالاضافة إلى 60 مليون دولار أخرى كمصاريفٍ، وبذلك يكون المجموع 134 مليون دولار توازي نحو 750 مليون جنيه مصري.
وقد أكَّد الخبراء والمُتخصِّصُون أنَّ قضيَّة سياج مليئةٌ بالأخطاء الاجرائيَّة والقانونيَّة، لما تتوافر فيها من أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ، فضلاً عن إشارتهم إلى ازدواجيَّة الحكومة في التَّعامُل مع القضايا المختلفة ومراعتها لمصالح كبار رجال الحكومة على حساب الشَّعب، خاصةً في الفرق الواضح والكبير في التَّعامُل بين قضيَّة مصنع أجريوم في دمياط وقضية سياج.
وبالقاء نظرةٍ سريعةٍ فى صفحات التَّاريخ نجد أنَّه بعد حرب 1973م، وبموجب اتِّفاقيَّة السَّلام المُوقَّعة بين مصر والكيان الصهيونى، والتى تمت في 17 سبتمير 1978م، تم استرداد معظم الأراضي المصريَّة بسيناء، وكعادة اليهود الذين لا يحترمون أيِّ تعاقدٍ أو أيِّ اتِّفاقٍ، فقد ادَّعوا أنَّ لهم حقًّا تاريخيًّا في طابا لتُصبح هي المدخل الذي يعلقون عليه آمالهم؛ حتى يتواجدوا داخل الأراضي المصريَّة.
وبعد مداولاتٍ ومباحثاتٍ شاقَّةٍ ومريرةٍ تمَّ الاتِّفاق مع الكيان الصُّهيونيِّ على الُّلجوء للتَّحكيم، وفي 30 سبتمبر 1988م، أعلنت هيئة التَّحكيم الدَّوليَّة في الجلسة التي عُقِدَت في جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أنَّ طابا أرضًا مصريَّةً، وفي 19 مارس 1989م، رفع الرَّئيس حسني مبارك علم مصر على طابا المصريَّة.
ولكن السُّؤال هنا هو هل عادت طابا كاملةً لمصر؟، وما الذي حدث لهذه الأرض ليصبح جزءً منها ملكًا لأسرة رجل الأعمال وجيه سياج لتُصبِحَ مصر اليوم أمام هيئة التَّحكيم في منازعات الاستثمار (إكسيد)، التَّابعة للبنك الدَّولي.
جذور القضيَّة
بإلقاء الضَّوء على الجذور الأولى للقضيَّة، سنجد أنَّه في 14 يناير من العام 1989م، وأثناء حكومة رئيس الوزراء الرَّاحل عاطف صدقي، قام وزير السياحة آنذاك فؤاد سلطان بالموافقة على بيع 650 ألف متر من أرض طابا لشركة الاستثمارات السِّياحيَّة وإدارة الفنادق "سياج"، وتمَّ البيع دون دراسةٍ كافيةٍ بأنْ يشترى هذا المستثمر كل تلك المساحة، ومن دون معرفةٍ حكوميَّةٍ بطبيعة نشاطه، ومن دون توقُّفٍ أمام خطورة المنطقة التى اشترى فيها من النَّاحية الأمنيَّة، خاصةً وأنَّ هذه الأرض تبعد حوالي 6 كيلومترات فقط عن الحدود المصريَّة مع الكيان الصُّهيونيِّ.
وأرجع الخبراء أنَّ الحكومة قدَّمت مبرراتٍ واهيةٍ ووافقت على البيع بعيدًا عن التَّخصيص، الى أنَّ السِّياحة في هذه المنطقة شبه ميتةٍ، وهم في حاجةٍ لمن يُحييها، وللتباهي بأنَّها تفتح الطَّريق أمام الاستثمار، حتى لو كان استثمارًا مدموغًا بخاتم الصَّهاينة الذين يخططون للعودة إلى سيناء بطرقٍ ملتويةٍ مثل الاتفاق مع "سياج" ومن على شاكلته، لذلك تحجَّجت الحكومة المصريَّة بأنَّها لجئت لبيع هذه المنطقة لرجل الأعمال وجيه سياج؛ لإحياء السِّياحة في هذه المنطقة عن طريق بيعها.
ويقضي عقد البيع بأنْ تبيع الحكومة المصريَّة 650 ألف مترٍ مربعٍ، بطول 1500 متر على السَّاحل، بمبلغ 975 ألف جنيه بواقع جنيه ونصف للمتر، وكان الاتفاق يقضي بأنْ يدفع وجيه سياج 20% من المبلغ عند التَّوقيع مع سداد الباقي على 7 سنوات يستحق أوَّلها بعد 3 سنواتٍ من توقيع العقد، وبذلك يكون السَّداد خلال عشر سنوات.
وبعدها كوّن سياج وآخرون، في يوليو 1992م، شركة "سياج طابا" على أنْ تمتلك شركة سياج السِّياحيَّة 75% من "سياج طابا"، ثم زاد سياج من حصته لتصل إلى 88%، وحِصَّة والدته حوالي 11% ومنى سياج وثلاثة آخرين من الأبناء حوالي 1%، وكان من المُقرَّر أنْ يتم إنشاء منتجعٍ سياحيٍّ يتَّسع لحوالي 1650 شخصًا، وبنيةٍ تحتيَّةٍ على 3 مراحلٍ.
وانتهز الكيان الصُّهيوني تلك الفرصة وقاموا بالاتفاق مع رجل الأعمال سياج في أغسطس 1994م لإنشاء شركة "لومير هولدينج" الصّهيونيَّة لتمويل جزءٍ من المرحلة الأولى من المشروع.
ثمَّ أخذت القضيَّة أبعادًا أخرى تمثَّلت فى إلغاء التَّخصيص بقرارٍ رئاسيٍّ لدواعٍ أمنيَّةٍ، وفي العام 2003م تمَّ تخصيصها لشركة غاز شرق المتوسط، وبعدها بدأت جولات التَّحكيم الدَّولي لتنتهي بكارثة الحكم الأخير، الذى قضى بتغريم الحكومة المصرية 750 مليون جنيه.
أبعاد قانونيَّة
ذكر بعض الخبراء أنَّ سبب خسارة الحكومة المصريَّة في التَّحكيم الدَّولي دائمًا إلى نقص الكوادر القانونيَّة القادرة على التَّعامُل مع هذه القضايا، في حين اتَّهم آخرون ضعف القوانين المحلِّيَّة، وتضارُب السِّياسات الاستثماريَّة إلى جانب الفساد الإداريِّ، بأنَّها أهم العوامل التي مكَّنت رجال الأعمال الأجانب من الحصول على أحكامٍ لم يكونوا يستطيعون الحصول عليها إذا وجدت قوانين تحمي المصالح القوميَّة، بينما أرجعها خبراءٌ آخرون إلى تواطؤ كبار المسئولين في الدَّولة والطَّامعين في ثروات البلد، وتهاوُن المسئولين عند كتابة بنود التَّعاقُد في الحفاظ على حقوق البلد.
وفي تحليلٍ للدُّكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجيَّة الأسبق حول ملابسات تلك القضية أوضح أنَّ تلك القضيَّة تُعدُّ واحدةٌ من القضايا الكثيرة التي خسرت فيها مصر أموالاً طائلة في التَّقاضي، مشيراً إلى أنَّ تلك القضيَّة بالذَّات تُعْتَبَر نموذجًا وتصويرًا دقيقًا للحالة المصريَّة التي آن الأوان لفتح تحقيقٍ مستقلٍّ ومحاسبة المسئولين عن هدر هذه الأموال والإساءة إلى مصر و فرص الاستثمار فيها.
وفسر دكتور الأشعل أوجه الاختلاف في تلك القضية عن غيرها فيما يخص التَّحكيم أمام مركز (أكسيد)، موضحًا أنَّ هناك ثلاثة أمورٍ أساسيَّةٍ تمثِّل هذا الاختلاف، وأوَّلها أنَّ تلك القضيَّة مرَّت بمحطات فسادٍ واستهتارٍ وعدم إكتراثٍ من جانب المسئولين ممَّا تسبَّب في أنْ يكون الشَّعبَ المصريَّ هو الضَّحيَّة بأنْ يدفع الشَّعبُ المصريُّ ثمن هذا العبث الذي يرتكبه كبار المسئولين في مصر.
وثانيها فهي مسألة التعويض، مبرزًا الأشعل أنَّ قدر التَّعويض المطلوب من الحكومة المصريَّة خياليٌّ، ولم يحدث أنْ قرَّر حكم تحكيم في كل تاريخ التَّحكيم الدَّولي مثل هذا المبلغ.
أما الأمر الثَّالث فيتمثل في أنَّ الطرف الآخر يحمل الجنسية المزدوجة، وأنَّ جزءًا كبيرًا من عمليَّة التَّقاضي ركزت على قضيَّة الجنسيَّة.
وخلال تحليل الدكتور الأشعل للقضيَّة أوضح أنَّ قضيَّة سياج ترتبط بعددٍ من المحطَّات التي يجب التَّحقيق فيها؛ فالمحطة الأولى هي تخصيص أراضي في طابا للاستثمار، ولابد أنَّ الذي أَمَرَ بالتَّخصيص يعلم حساسيَّة هذه المنطقة للأمن القومي المصري، واحتمال تسرُّب شركاتٍ صُهيونيَّةٍ إلى المستثمرين الأصليِّين الذين استغلوا وضعهم وجنسيَّتَهم المصريَّة للحصول على هذا التَّخصيص ممَّا يتطلَّب النَّظر في إصدار قانونٍ يُراعي هذه الأخطاء.
وبالانتقال الى المحطة الثَّانية هي نزع ملكيَّة هذه الأراضي بتحويلها وإعادة تخصيصها إلى المنفعة العامَّة، وهذا موقفٌ صائبٌ؛ لأنَّه يُصحِّح الخطأ الأوَّل، وهو تخصيص الأرض أصلاً للمستثمرين، وكان يتعيَّن أنْ تكون الدَّولة طرفًا في هذا الاستثمار أو أنْ يتم الاكتتاب فيه من جانب الجمعيَّات الأهليَّة المصريَّة.
أمَّا المحطَّة الثَّالثة التي يجب التَّحقيق فيها هي صدور أحكامٍ من القضاء المصريِّ لصالح من نُزِعَت ملكيَّتهم في طابا، ثم إهدار قيمة هذه الأحكام من جانب الحكومة، ولابد من وقفةٍ مع الحكومة وتطبيق القانون الجنائيِّ المصريِّ الذي يقضي بحبس المسئول أيًّا كانت مرتبته في جنحةٍ مُباشرةٍ إذا لم يُنفَّذ الحكم، وعارٌ علينا في مصر أنْ تكون الحكومة قدوةً في امتهان الدُّستور وإهدار قيمة القضاء، ولكنَّها تتشدَّد لإرغام المواطنين على احترام هذه الأحكام، ويبدو أنَّها من السِّمات الأساسيَّة للنُّظم المتخلفة.
أما المحطَّة الرَّابعة، وكانت أصعب تلك المحطَّات جميعًا فهي إعادة تخصيص الأراضي ونقلها من المنفعةِ العامَّة إلى منفعة أحد المستثمرين، وهو رجل الأعمال حسين سالم، وكان طبيعيًّا أنَّ سياج الذي نُزعت ملكيته لصالح أحد المستثمرين بعد ذلك، بعد أنْ كانت قد نُزِعَتْ للمصلحة العامَّة فضلاً عن التَّلاعُب بحقِّه في التَّعويض من جانب الحكومة أنْ يفقد الثقة في مصر وحكومتها، مما جعله يلجأ إلى مركز "أكسيد" لكي تجني مصر ضحيَّة هذه التَّصرُّفات غير المسئولة لكي تُمثل أمام المركز، وتشهد المحطة الخامسة وهي تواضع الإدارة المصريَّة في إدارة عمليَّة التَّحكيم.
وأجمل دكتور الأشعل مجموعة الحلول واضعًا إياها بين أيدي المسئولين المصريين؛ حيث أوضح أنَّه لابد أنْ تُشكَّل لجنة للتَّحقيق، مكونةٌ من جميع النَّقابات المصريَّة من مهندسين ومحامين وصحفيِّين وغيرها من الجهات غير الحكوميَّة التي يعنيها الكشف عن مأساة مصر في تلك القضيَّة، وأشار إلى ضرورة أنْ يلتزم المسئولون في هذه القضية بدفع هذا التَّعويض من أموالهم الخاصَّة، وأنَّه لابد وأنْ يقف الشَّعب وقفةً صامدةً في وجه تلك القضيَّة، وأنْ تكون أعمال لجنة التَّحقيق شفَّافة، وأنْ تُحيط المجتمع المصريِّ بكل تطورات هذا التَّحقيق.
جريمةٌ جنائيَّةٌ
منذ أيامٍ قلائلٍ أعلن المحامي عصام سلطان الخبير فى قضايا التَّحكيم الدَّوليِّ أنَّ قضيَّة وجيه سياج تتوافر فيها كافَّة أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ؛ حيث تمثَّلت في جناية إهدار المال العام، مع تسهيل الاستيلاء عليه، والتَّربُّح غير الشَّرعيِّ، وتزوير مُحرَّرٍ رسميٍّ، لما ثبُت أنَّ رجل الأعمال سياج كان يحمل جوازَ سفرٍ لبنانيًّا مزوَّرًا بحسب ما أوردته الحكومة الِّلبنانيَّة.
وأستنكر المحامي سلطان تقاعُس الحكومة المصريَّة في توجيه أيَّة اتِّهاماتٍ من هذه النَّوعيَّة؛ حيث إنَّها حتى الآن لم تتقدَّم ببلاغٍ واحدٍ ضد كل المشاركين في الأمر، من وجيه سياج، ورئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد، ورجل الأعمال "المشبوه" حسين سالم، مؤكدًا أنَّ التَّحقيقات معهم ستفتح العديد من ملفات الفساد في مصر.
وأشار سلطان إلى أنَّ الازدواجيَة هي ما تعاملت به الحكومة مع هذه القضيَّة، مشيرًا إلى تعاملها في قضية مصنع أجريوم؛ حيث تمَّ الُّلجوء إلى التَّحكيم الدَّولي في قضيَّة سياج، قبل اتِّخاذ أيِّ إجراءٍ قانونيٍّ بمصر- والذي كان سيكشف الكثير- لإيقاف إجراءات إتمام التَّحكيم، طبقًا للقانون الجنائي.
وأكد سلطان أنَّ الحُكمَ الذي حصل عليه سياج مؤخرًا يشوبه أمورٌ عديدةٌ، أوَّلها أنَّه تمَّ من خلال إجراءاتٍ غير صحيحةٍ، بدءًا من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّوليِّ، بعكس ما تمَّ مع قضيَّة أجريوم، حينما قُدِّمَ أولاً بلاغٌ للنَّائب العام، وتمَّ فتح التَّحقيق في تخصيص الأرض للمشروع، وبالتَّحقيقات تمَّ إلغاء المشروع بأكمله، ولم يتمكَّن أحدٌ من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّولي أولاً، وهذا ما كان سيحدث لو التزمت الحكومة وقامت بواجب الدِّفاع في تلك القضية (قضيَّة سياج).
ألا أنَّ هذا لم يحدث بل إنَّ مكتب بيكر ماكنزى، الذى تولى قضيَّة سياج، هو نفسه محامي الحكومة في قضيَّة أجريوم، معلنًا أنَّ ذلك المكتب تقاضى أتعابًا وصلت لأكثر من 27 مليون جنيه في قضية سياج.
وفي تعليقٍ للدُّكتور أحمد كمال أبو المجد رئيس هيئة الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في الدَّعوى التَّحكيميَّة التى أقامها سياج ضد الحكومة المصريَّة، أشار إلى أنَّه بالمراجعة المتأنِّيَة لمنظومة الحكم التَّحكيميِّ والحيثيَّات التى بُنِيَ عليها أكَّد أنَّه تبيَّن وجود أخطاءٍ إجرائيَّةٍ وثغراتٍ قانونيَّةٍ عديدةٍ في تلك القضية من شأنها أنْ تؤدِّي إلى بطلانه.
وأشار أبو المجد إلى أنَّ تفاصيل ذلك كلِّه سيتم الكشف عنه أمام الهيئة التَّحكيميَّة الجديدة التى تنظر دعوى البطلان التي أقامتها الحكومة المصريَّة، وقال إنَّ الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في هذه القضيَّة سيجري في هذا الإطار التزامًا بالمبادئ القانونيَّة والقواعد المهنيَّة الواجبة...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
أوراق في السياسة المصرية,
إيمان إسماعيل,
العدد 4,
شيماء جلال
بنوك المرأة الحديديَّة!!...
بقلم: حسونة حمَّاد(*)
هدى عبد المنعم، المُلقَّبةُ بالمرأة الحديديَّة.. فتحت من جديد ملف "لصوص البنوك الهاربين"، أو بمعنى أدق "سياسة المكاييل العديدة" التي تكيل بها البنوك في برامج التَّمويل والإقراض العجيبة والغريبة، والتي تتعارض مع المبادئ الماليَّة والاقتصاديَّة العامَّة، ناهيك عن المبادئ الأخلاقيَّة!!
البنوك في الأصل تُهيمن على سيولةٍ لا تملكها في الحقيقة، بل هي أموال صغار المودعين. وما يحدث هو أنَّها حين تُقرِض أو تُموِّل أحدًا من عملائها، فإنَّها تُعطي المقترضين من أموال المودعين عبر طريقَيْن متضادَيْن..!!
حين يكون المموَّل- بتشديد وفتح الواو الثَّانية- من الصغار فإنَّها تفرض عليه عوائدًا وفوائدًا مرعبةً، وتطلب منه ضماناتٍ قاسيةً، وقد يصل الأمر إلى رهنٍ يُغطِّي قيمة التَّمويل ويزيد، أو إبقاء العقار أو السَّيارة- مثلاً- تحت ملكيَّة البنك حتى تسديد آخر قرشٍ من القرض التي اشتريت به السَّيارة أو العقار.
أمَّا حين يكون المموَّل من الكبار، فإنَّ المعيار يختلف، ولا تصل الضَّمانات مثل ما تصل إليه ضمانات الصَّغار.
ليست المفارقة هنا في المغزى الأخلاقي وحده، بل هي في المباديء الماليَّة والقواعد الاقتصاديَّة التي تقول بديهياتها إنَّ المخاطر العالية يجب أنْ تقابلها عوائدٌ عاليةٌ أيضًا، والعكس صحيح أيضًا؛ فالمخاطر المُنخفضة تقابلها عوائدُ منخفضةُ، والموظَّف المتوسِّط يضمن قرض منزله بتثبيت تحويل راتبه إلى البنك، ويبقى صك المنزل باسم البنك حتى تسديد كل القرض.
وهذا يعني أنَّ المخاطر منخفضة، ومن المنطقي- ماليًّا واقتصاديًّا- أنْ تكون عوائد البنك منخفضةٌ أو على الأقل معقولةٌ، ولكن ما يجري هو وصول العائد إلى ما هو أكثر من قيمة التَّمويل ذاته.
البنوك لا تُطبِّق سياساتها المعيار ذاته على كبار المقترضين، بل على العكس؛ فرغم أنَّ قروض رجال الأعمال تُصنَّف ضمن ذات المخاطر العالية؛ فإنَّ عوائدها منخفضةٌ بالنِّسبة للبنك.
ونتيجة للثِّقة العمياء في ملاءة البعض من رجال الأعمال؛ فإنَّ الكوارث المالية تقع "بفضل" هذه السِّياسات الغريبة العجيبة.
بعض البنوك تقوم بتمويل فئةٍ من المستثمرين بالرَّغم من درايتها بأنَّ التَّمويل قد يذهب إلى الاستثمار في سوق المال والمضاربة داخل وخارج البلاد، وليس لبناء مصانعٍ يستفيد منها الوطن، وتكون رصيدًا مستمرًّا للأجيال القادمة، أو لتخفيف أزمات الإسكان.
وأحيانًا يذهب مال القرض إلى عمليات إقراضٍ بطريقةٍ أو أخرى، فتتضاعف مجازفة البنك، وقد ينعكس سلبًا على أدائه، وعلى حجم السُّيولة التي هي في الأساس أموال مودعين يُحقِّق البنك من وراء إدارتها أرباحًا فلكيةً نتيجة الفوائد التي يجنيها.
ولكن هذه الأرباح يمكن أنْ تتحول إلى خسائرٍ كارثيَّةٍ، حين يتعثر رجل الأعمال في السَّداد، ويفقد البنك أموال المودعين التي خاطر بها رجل الأعمال وخسرها، ولا عزاء للمودعين..!!.
أقرأ المزيد...
تصنيفات
أوراق في الاقتصاد المصرى,
العدد 4,
حسونة حماد
المعونة الأمريكيَّة لمصر: كيفيَّة الاقتراب..
يقلم- أحمد التَّلاوي
تنامى الحديث في الفترة الأخيرة عن ملف المعونة الأمريكيَّة لمصر، وازدادت إلحاحيَّة هذا الحديث في الفترة الأخيرة بعد دخول هذا الملف إلى بند المساومات السِّياسيَّة بين البلدَيْن، والتي توجها قرار الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، والخاص بفاتورة المعونة الأمريكيَّة للعام 2009م، والتي تضمَّنت الموافقة على حسم مبلغ 100 مليون دولار أمريكي من المعونة العسكريَّة الأمريكيَّة السنويَّة لمصر، ليصل إجمالي المعونة الأمريكيَّة لمصر العام الحالي حوالي 1.5 مليار دولار، بمعدل 300 مليون كمساعداتٍ اقتصاديَّةٍ، و1.2 مليار دولار مساعدةً عسكريَّةً، نزولاً من مستوىً سنويٍّ ثابتٍ، وهو 1.3 مليار دولار.
والرَّقم يقل بنسبة 12% عن قيمة المساعدات الأمريكيَّة لمصر في العام الماضي 2008م؛ حيث تلقَّت مصر مبلغًا قدره 1.71 مليار دولار، وقد بلغ حجم المعونة الأمريكيَّة لمصر مُنذ كامب ديفيد وحتى الآن، حوالي 60 مليار دولار.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ ملف المعونة الأمريكيَّة لمصر شهد العديد من المماحكات خلال السَّنوات الماضية، وكانت دوائر اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكيَّة والكونجرس الأمريكي يضغطون باتِّجاه تقليص المساعدات المُقدَّمة لمصر، التي تُعتبر ثاني أكبر متلقٍّ للمعونات الأمريكيَّة في العالم بعد الكيان الصُّهيونيِّ.
وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يفرض فيها الكونجرس والإدارة الأمريكيَّة الرَّاحلة عن البيت الأبيض لونًا من ألوان العقوبات على مصر؛ حيث إنَّ التَّناقص الموجود في المعونة الاقتصاديَّة هو متفقٌ عليه من قبل في ترتيبات كامب ديفيد؛ حيث كان من المتفق عليه سلفًا بين القاهرة وواشنطن، بأنْ يتم تقليصها سنويًّا في حدود 10% حتى يتم الاستغناء عنها تمامًا بحلول العام 2020م.
وهناك مقترحاتٌ مصريَّةٌ بتحويل هذه الأموال- المعونة الاقتصاديَّة- إلى وديعة يتم الإنفاق منها، على أنْ يُستغل عائدها لمدة عشر سنوات، وبذلك تأخذ مصر عائد الوديعة فقط، وهو الاقتراح الذي تقدَّمت به فايزة أبو النَّجا وزيرة الدَّولة للتَّعاون الدَّوليِّ في ديسمبر من العام 2007م، ورفضه الأمريكيُّون، كما أنَّ هناك اتِّجاه يدعم استبدال المعونة بإطارٍ آخر هو اتِّفاق التجارة الحرة بين مصر والولايات المُتَّحدة، وهو ما تساوم عليه واشنطن القاهرة في الوقت الرَّاهن.
أمَّا التقليص الذي شمل 100 مليون دولار من المعونة العسكريَّة له دلالة عقابية لمصر؛ لأنَّ المعونة العسكريَّة لمصر ثابتة، وهي لتحقيق مجموعة من الأهداف، ومن أهمَّها:
ضمان ثبات مستوى الجيش المصري عند حدٍّ معيَّنٍ؛ بحيث يضمن استقرار الوضع العام في مصر.
ضمان متابعة جزء من أنشطة التَّسليح والتَّدريب في القوَّات الُمسلَّحة المصريَّة، والتي يتم تنسيقها وتمويلها من أموال المعونة.
ضمان تحويل العقيدة العسكريَّة للقوَّات المصريَّة للعقيدة العسكريَّة الغربيَّة.
ضمان ولاء بعض قيادات القوَّات المسلحة للسياسات الأمريكيَّة، وكذلك ضمان تأييد القوات المُسلَّحة المصريَّة للسِّياسات الأمريكيَّة في الشرق الأوسط.
ضمان الاتِّصال بالجهاز العسكريِّ المصري، وهو جهاز كُفء بالفعل، ويعتبر مدرسةً عسكريَّةً دوليَّةً موثوقًا فيها، وتعتبر مناورات النَّجم الساطع التي كانت تنظَّم كل عامَيْن بين القوات المصريَّة والأمريكيَّة في مدينة مبارك العسكرية في شمال الجمهوريَّة- تابعة لنطاق المنطقة العسكريَّة الغربيَّة- إحدى أهم المناسبات العسكريَّة في العالم.
دعم الجهاز العسكري المصري، والذي يُعتبر أحد أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط بحسب تقديرات الخبراء الأمريكيِّين، وهو "جهاز تقدُّمي" بحسب تقارير معهد الأمن العالمي الأمريكيِّ.
ومخاطر المس بالمعونة العسكريَّة تقع في مستويَيْن، سِّياسيِّ وعسكريِّ، باعتبار أنَّ المعونة العسكريَّة جزءٌ محسوسٌ من موازنة الدِّفاع المصريَّة- نحو 20% من موازنة الدفاع في مصر بحسب ما هو معلنٌ- والحسم منها، قد يؤثِّر على خطط التَّدريب والتَّسليح في الجيش المصريِّ، كما أنَّها ستعني على المستوى السِّياسيِّ مُؤشِّرٌ على تدهور العلاقات ما بين مصر والولايات المُتَّحدة، وهو ما يمسُّ بدوره خُطَط التَّحديث والتَّدريب المشتركة، كما أنَّه سيعني بعض الضِّيق داخل الجيش نتيجة نقص التَّمويل، وقد تنقلب هذه الأمور إلى ضغوط يمارسها على النِّظام الحاكم في مصر.
ولكن لا يمكن الحديث عن وجود شبهات خاصَّة بأموال يحصل عليها كبار ضباط وقادة القوَّات المسلَّحة من وراء المعونة، أو من وراء صفقات السلاح الأمريكي.
والمستهدف الأمريكي بالطَّبع هو أمران: ملف أمن الحدود مع الكيان الصُّهيونيِّ، بجانب موضوع الإصلاح وحقوق الإنسان في مصر.
وفي الحقيقة فإنَّ الخطوة الأمريكيَّة في شأن المعونة العسكريَّة في مصر، تعود إلى ضغوط القضايا التَّالية على النِّظام المصريِّ:
حبس رئيس حزب الغد السَّابق الدُّكتور أيمن نور، والذي أفرج عنه بعد رحيل الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة.
قضيَّة الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم رئيس مركز دراسات ابن خلدون للدِّراسات الإنمائيَّة، والذي كان محكومًا عليه بالسِّجن عامَيْن، بتهمة الإضرار بالمصالح القوميَّة المصريَّة، ولكن، وعلى غرار قضيَّة أيمن نور، تمَّ إسقاط الحكم عن إبراهيم كـ"هدية مودَّة" للإدارة الأمريكيَّة الجديدة.
نجاح الدَّعاية الإخوانيَّة في الخارج، وبالذَّات في الولايات المُتَّحدة، مع وجود دورٍ مرسومٍ للإخوان المسلمين في خطط الإدارات الأمريكيَّة فيما يتصل بالتَّصدِّي للتَّنظيمات المُتطرِّفة وفكرها.
تزايد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
عدم استجابة مصر بالشَّكل الكافي للمطالب الإسرائيليَّة فيما يخص أمن الحدود.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ المعونة الأمريكيَّة قد خدمت الولايات المتحدة أكثر مما خدمت مصر طيلة العقود الثَّلاثة التي ظلَّت فيها الولايات المتحدة تدفع لمصر فيها المعونة سنويًّا، فأصول المعونة الماليَّة لا يتم إنفاقه مُباشرة من جانب الحكومة المصريَّة، بل توضع في حسابٍ جارٍ باسم الحكومة المصريَّة يتم السَّحب والإنفاق منه بإشرافٍ وتوجيه من هيئة المعونة الأمريكيَّة الدَّوليَّة، التي تبحث أوجه الإنفاق والمشروعات التي تطلب الحكومة المصرية أموال المعونة لأجلها، اقتصاديَّة وعسكريَّة.
وفي هذا الإطار يتم صرف جزء من المعونة في شراء معدات أمريكيَّة ودفع رواتب للخبراء الأمريكيِّين والموظَّفين الفيدراليِّين الَّذين يأتون لمصر للرقابة والإشراف.
كما أنَّ الولايات المُتَّحدة تحصل على ثمن سياسي وأمني يتمثَّل في مساعدة واشنطن دبلوماسيًّا وأمنيًّا في سياساتها ضد الإرهاب، ورعاية المصالح والسياسات الأمريكيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط، مثل الضَّغط على الدِّول العربيَّة لقبول بعض السياسات الأمريكيَّة، ولا سيما التطبيع مع إسرائيل، كما تمَّ استخدام أموال المعونة الأمريكيَّة في تغيير مناهج التعليم، ولا سيما في الأزهر الشريف، مع إعطاء امتيازات خاصة للمنتجات الأمريكيَّة في السوق المصري، مع الاشتراط ألا تُستَخدم المعونات والمساعدات الأمريكيَّة ضد إسرائيل وحلفاء الولايات المُتَّحدة وأصدقائها بصفةٍ عامةٍ.
كما يتم استغلال المعونة في نشر القِيَم الِّليبراليَّة الغربيَّة عن طريق برامج التَّمكين الاجتماعيِّ للفتيات والمرأة في الصعيد والوجه البحري، وكذلك العبث في مناهج التَّعليم كما سبق القول.
ووفق الأرقام الصادرة عن مجلس الوزراء، فإنَّ 80% من المعونات تعود إلى الدِّول المانحة، والمعونة الأمريكيَّة لمصر ليست استثناءً منها.
أهمِّيَّة المعونة الأمريكيَّة
ليست القضيَّة في موضوع الاستغناء عن المعونة في ضآلة المبلغ، ولكن القضيَّة هي أنَّ المعونة الأمريكيَّة هي جزء من العلاقات السِّياسيَّة والاستراتيجيَّة المصريَّة- الأمريكيَّة، التي تصب لصالح الدَّولتَيْن.
فالمعونة الأمريكيَّة تقلَّصت بأكثر من 20% في غضون العقود الماضية، كما أنَّها الآن لا تُشكِّل أكثر من 2% من الناتج القومي المصريِّ الإجماليِّ، وخاصَّة بعد زيادة قدرة مصر الاقتصاديَّة من حيث الاستثمارات ومن حيث زيادة حجم الصَّادرات، وعلى ضوء مُعدَّل النُّمو الذي وصل إلى أكثر من7%، وزيادة احتياطي النَّقد الأجنبيِّ في مصر إلى مستواه القديم القريب من 30 مليار دولار.
لكن المعونة لا تحسب بالكم، ولكن تحسب بأهمِّيَّة تلك العلاقات، فعلى الجانب الاقتصاديِّ هذه المعونة ليس لها شكلٌ واحدٌ من أشكال المساهمة الأمريكيَّة في الاقتصاد المصري، ولكن هناك مساهمات أخرى في شكل معونات فنيَّة، أو في شكل تدفُّقٍ للاستثمارات، والمساعدة على النَّفاذ للأسواق، فالاستثمارات الأمريكيَّة في مصر تبلغ حوالي 11 مليار دولار، بينما حجم التِّجارة البينيَّة وصل إلى مستوى الخمسة مليارات دولار، كما أنَّ الولايات المتحدة تملك مفاتيح نفاذ السِّلع المصريَّة للأسواق الأوروبيَّة.
على المستوى السِّياسيِّ من الممكن أنْ يتعرَّض النِّظام المصريِّ لمُضايقات كثيرة أبسطها ضغوط القوَّات المُسلَّحة، وتنشيط المعارضة المصريَّة ضد الدولة، ومساعدتها على إسقاط النِّظام، أو إضعافه على الأقل، وإغراق البلاد في فوضى سياسيَّة، وليست أمنيَّة؛ لأنَّ إغراق مصر في فوضى أمنيَّة ليس من مصلحة أحد.
كما أنَّه من الممكن ممارسة بعض الضُّغوط في ملفَّاتٍ تتعلَّق بالأمن القومي المصري مثل العلاقات مع الكيان الصُّهيونيِّ، وكذلك العلاقات الاستراتيجيَّة بين مصر والاتحاد الأوروبيِّ، وعلى الجانب الآخر فإنَّ البديل غير كُفء، فلا يُمكن في ظل الخبرة السُّوفيتيَّة مع مصر وسوريا، والخبرة الرُّوسيَّة مع إيران التَّعويل على موقفٍ روسيٍّ بديلٍ، كما لا يُمكن القول إنَّ روسيا لديها ذات مُميزات العلاقات مع الولايات المُتَّحدة، فلا روسيا لديها القدرات الاقتصاديَّة أو التَّأثير السِّياسيِّ للأمريكيِّين، وذات الشَّيء يُقال على الصِّين والهند، وكلها بلدان بدأت أصلاً في التَّوجُّه في مصالحها إلى الولايات المُتَّحدة، فالولايات المُتَّحدة مثلاً الآن شريكٌ تجاريٌّ أساسيٌّ للصِّين، وتدعم البرنامج النَّووي والعسكري الهندي.
وفي نقاط نُشير إلى الآتي:
الكلام عن "منع المعونة الأمريكيَّة"، سيناريو افتراضي وغير مقبول، فالمعونة ليست شيئًا شخصيًّا ومعطيات اتخِّاذ القرار في أي ملفٍّ من ملفات الأمن القومي، تختلف عن معطيات رؤية الأفراد والجماعات السِّياسيَّة، على قصور ما هو مُتاحٍ لديها من معلوماتٍ.
القول بأنَّ المعونة الأمريكية "مِـنحة أو عطية أو هِـبة" من الولايات المُتَّحدة لمصر، أمرٌ باطلٌ وفق ما تقدَّم، كما أنَّ المعونة جاءت طِـبقًا لمعاهدة السَّلام المُوقعة بين مصر وإسرائيل، وذلك لأنَّ الإدارة الأمريكية كانت تُـزوِّد إسرائيل بشكل مُـستمرٍ بالسِّلاح والمعونات، ممَّا يُتيح لها تكرار العدوان على مصر، ومن خلال المعونة الأمريكيَّة تمَّـت المحافظة على توازن الرّدع بين مصر وإسرائيل بالحدّ المعقول والمقبول.
ورفض المعونة لا يعني نقض الاتفاقيَّة، ولكن المعونة هي تكمِـلة للاتِّفاقية، ولذلك فإنَّ فتح ملف المعونة سيعني بدوره المساس بملف اتِّفاقيَّة كامب ديفيد، لذلك فإنَّ قرار الرَّفض غير منطِـقي، كما أنَّ واشنطن- بدورها- لا تستطيع اتِّخاذ قرار بوقف المعونة بكاملها؛ لأنَّ ذلك يعني خسارة مصر كحليفٍ استراتيجيٍّ هو الأهم في المنطقة وربَّما من الأهم عالميًّا.
المساس بالمعونة يعني البحث عن مصدر جديد للسِّلاح، وسوق التَّسليح في العالم مرتبطة بالعلاقات السِّياسيَّة أساسًا، والسِّلاح الشَّرقي حاليًا باستثناء السِّلاح الرُّوسي ضعيف، وغير كُفء في مواجهة السِّلاح الأمريكيِّ لدى إسرائيل، وتوجُّه مصر تجاه روسيا بالكامل الآن ليس في مصلحة أحد.
كيف يتم التَّعامُل.؟!
أثارت عدد من القوى السِّياسيَّة في مصر ملف المعونة، وضرورات العمل على تحجيم قدرتها على التأثير على القرار السياسي والاقتصادي المصري، وفي هذا الإطار، لا يمكن لإستراتيجيَّة أحادية الجانب أو الطَّبيعة التَّعامُل في هذا الملف.
ولذلك، فإنَّ طرح ملف المعونة أمام أمام مُمثِّلي الخارجيَّة والأمن القومي والقوات المسلحة المصريَّة، ومُؤسَّسات الدَّولة الأخرى، يجب أنْ يكون متعدد الأبعاد، على النَّحو التَّالي:
اقتصاديًّا:
1. البحث عن مدى لمساومة الأمريكيِّين في أموال المعونة، وإظهار أنَّ مصر ليست في حاجة للأموال الأمريكيَّة [بديل قناة السويس/ البحث عن استثمارات صينيَّة، وبخاصَّة في مجالات النَّفط والطَّاقة/ المزيد من مشروعات الطَّاقة مع سوريا وفلسطين [مُهمَّة جدًّا للاعتبارات الخاصَّة بحركة حماس] ودول الجوار الأخرى/ فتح أسواق للمنتجات المصريَّة في الشرق الأقصى واستقطاب الاستثمارات المُحايدة سياسيًّا مثل الماليزيَّة والإندونيسيَّة].
2. تعديل وجهات إنفاق المعونة الأمريكيَّة إلى مجالات هامشيَّة أو غير محوريَّة؛ بحيث لا يكون سحبها مؤثِّرًا على قطاعاتٍ اقتصاديَّةٍ هامَّةٍ، متى تمَّ سحبها، وهو ما سوف يفهم الأمريكيِّين جيِّدًا دلالاته.
سياسيًّا:
التَّوجيه أو الاقتراح ببعض التَّحوُّل المدروس في السِّياسة المصريِّ، بشكلٍ يُقلق، ولكنَّه لا يستدعي رد فعل الطَّرف الآخر: تحسين العلاقات مع حركة حماس دون التَّطبيع الكامل/ زيارات لروسيا والصِّين، وتحسين مستوى العلاقات مع القوى الدَّوليَّة الأخرى الرَّاغبة في لعب دورٍ في الشرق الأوسط وأفريقيا/ تقليص مساحة التَّطبيع الاقتصاديِّ مع إسرائيل.. إلخ
وهنا يجب ملاحظة أمر، وهو أنَّ نجاح الوساطة المصريَّة في موضوع الحوار الوطني الفلسطينيِّ، يصب في اتِّجاه معاندة إسرائيل والولايات المُتَّحدة؛ حيث إنَّ ذلك معناه اعتراف وتثبيتٍ مصريٍّ وفلسطينيٍّ رسميٍّ لوضعية حماس كجزء من معادلة السِّياسة الفلسطينيَّة لا يمكن حذفه.
والملاحظ أنَّ تولِّي جهاز المخابرات العامَّة المصريَّة لهذا الملف يعني أمام إسرائيل والولايات المُتَّحدة دلالاتٌ بالغةُ الأهمِّيَّةُ، في أنَّ أعلى مُؤسَّسة في نظام الحكم هي التي تتولَّى تثبيت أعداء إسرائيل في أماكنهم، فالمشروع المصري ينص على انتخابات جديدة مثلاً، يمكن لحماس الفوز بها، ولم يقل مثلاً على حماس ترك مواقعها، والعودة إلى مرحلة ما قبل انتخابات يناير 2006م.
عسكريًّا:
إفهام الأمريكيِّين أنَّ المساس بالمعونة العسكريَّة لا يضر مصر بقدر ما يضر الأمن القوميِّ الأمريكيِّ والصُّهيونيِّ، والمصالح الأمريكيَّة العامَّة في المنطقة، مع العمل على إيجاد بدائل تسليح جيِّدة وسرِّيَّة.
خلاصة:
تظل هذه الرُّؤى في النَّهاية كلها مجرَّد اجتهادات مطروحةٌ أمام صانع القرار المصريِّ، كما أنَّها تخضع في الكثير من جوانبها لتقييماتٍ تكنوقراطيَّة أو فنِّيَّة؛ حيث يظل للجانب السياسي وقراره القول الفضل في نهاية الأمر في هذا المقام.
وإنْ كان من المُرجَّح أمام كثيرٌ من المراقبين أنْ يتراجع ملف المعونة الأمريكيَّة في أدوات السِّياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة تجاه مصر في المرحلة المقبلة، لعددٍ من العوامل، من بينها تحسُّن العلاقات الأمريكيَّة المصريَّة مع مجيء إدارةٍ أمريكيَّةٍ جديدةٍ، راجعت أولويَّاتها في الشرق الأوسط والعالم، ونحَّت جانبًا ملف حقوق الإنسان والإصلاح في مصر لحساب ملفَّاتٍ أخرى، من بينها مكافحة ما يُعرف بـ"الإرهاب"، وتحسين مستوى الأمن على الحدود بين مصر وكلٍّ من قطاع غزة وإسرائيل.
وفي كلا الملفَيْن، مكافحة "الإرهاب" وأمن الحدود، فإنَّ الحكومة المصريَّة ناجحةٌ للغاية، كما هو واضحٌ من مؤشراتٍ من بينها ازدياد التَّنسيق الأمنيِّ بين القاهرة وواشنطن فيما يخص مُتابعة العناصر والتَّنظيمات الأصوليَّة، وتزايد مساحة الزِّيارات المسموح للمسئولين الدِّبلوماسيِّين والعسكريِّين الأمريكيِّين القيام بها عند الحدود مع قطاع غزة والكيان الصهيوني، وتشديد السُّلطات المصريَّة لإجراءاتها الأمنيَّة على الحدود، وخصوصًا فيما يتعلق بالأنفاق التي تربط ما بين رفح المصريَّة وشقيقتها الفلسطينيَّة في قطاع غزة، والاستمرار في إغلاق معبر رفح، كجزءٍ من إجراءاتٍ تطالب بها إسرائيل والولايات المتحدة، القاهرة لمنع إدخال السِّلاح إلى قطاع غزة.
ولذلك فإنَّ الخارجيَّة الأمريكيَّة قرَّرت إلغاء التَّمويل السَّنوي الذي كان يُمْنَح لبعض منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني في مصر، كما كانت زيارة الرَّئيس المصري حسني مبارك الأخيرة إلى واشنطن خاليةً تمامًا من أيَّة "مُنغِّصاتٍ ديمقراطيَّة" تُقلق ذهن النِّظام المصري الحاكم!!...
تصنيفات
أحمد التلاوي,
العدد 4,
ملف العدد
معضلات العلاقات المصريَّة- الأمريكيَّة من 11 سبتمبر إلى أوباما...
يقلم- علاء عياد
شهدت العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة مرحلةً من التَّوتُّرات والانقسامات، والشَّدِّ والجذبِ غير المعهود في العلاقات بين البلدَيْن بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م، وقد بدأ هذا التَّوتُّر منذ السَّنوات الأولى لإدارة الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، بعد تبنِّيه أجندة نشر الدِّيمقراطيَّة ولو بالقوة في العالم- مع تحفظنا على الفكرة ومدى مصداقيَّة الإدارة الأمريكيَّة فيها- مع ما صاحب ذلك في صدد ربط جزءٍ من المعونة الأمريكيَّة لمصر بمدى التزامها بتنفيذ المطالب الأمريكية فيما يخص الدَّاخل والخارج، الفلسطيني تحديدًا، ليتوقف الرئيس المصري عن زيارة العاصمة الأمريكية منذ العام 2005م.
وتدهورت العلاقات أكثر مع إلقاء القبض على الدكتور أيمن نور مُؤسِّس حزب الغد، ومرَّشح الرَّئاسة في انتخابات العام 2005م، وأحد منتقدي الرَّئيس؛ حيث أجلت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة في ذلك الحين كوندوليزا رايس زيارةً كان من المقرر أن تقوم بها إلى مصر، وعندما زارت القاهرة في يونيو 2005م، ألقت خطابًا سياسيًّا حول الدِّيمُقراطيَّة.
وزاد هذا التَّوتُّر مع موافقة الكونجرس الأمريكي، في ديسمبر 2007م، على مشروع قانون لتجميد 100 مليون دولار من المساعدات العسكريَّة السَّنويَّة المُقدَّمة لمصر؛ إلى أنْ تستجيب مصر لثلاثة طلباتٍ أساسيَّةٍ هي:
- أولاً: إغلاق الأنفاق على الحدود المصرية مع قطاع غزة، والتي يتم من خلالها تهريب الأسلحة إلى غزة وإسرائيل.
- ثانيًا: إعادة تأهيل وتدريب الشُّرطة المصريَّة للتَّعامُل مع مسائل حقوق الإنسان.
- ثالثًا: الفصل بين ميزانيَّة وزارة العدل والقضاء المصريِّ.
ومع تولي إدارة الرَّئيس الدِّيمقراطيِّ باراك أوباما زمام الأمور، اتخذت مصر اجراءات تؤكد رغبتها في فتح صفحةٍ جديدةٍ مع الادارة الجديدة، بدأتها مصر بتنفيذ مطالب أمريكية قديمة بالإفراج عن أيمن نور وإسقاط الاتهامات الموجهة ضد الناشط المصري الأمريكي الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم، كخطوةٍ تسبق استقبال الرئيس المصري حسني مبارك في البيت الأبيض.
وقد أكَّدت دوائرٌ إعلاميَّةٌ وسياسيَّةٌ أمريكيَّةٌ ذلك؛ حيث جاء في افتتاحيَّة جريدة (واشنطن بوست)- المُقرَّبة من البيت الأبيض- في 16 فبراير الماضي: "إنَّه (الرئيس المصري حسني مبارك) سيكون موضع ترحيبٍ في البيت الأبيض فور إسقاط الاتهامات المُوجَّهة إلى سعد الدِّين إبراهيم، والإفراج عن مرشح الرئاسة السَّابق أيمن نور، هذه هي الخطوات البسيطة والصَّغيرة التي ينبغي على مبارك أنْ يتبعها إذا ما أراد أنْ يحظى بمقابلة الرئيس الجديد".
وأفرجت السُّلطات المصريَّة عن أيمن نور بعد يومَيْن من نشر الافتتاحيَّة، كما ألغى الحكم الصَّادر عن محكمة أوَّل درجةٍ، بمعاقبة سعد الدِّين إبراهيم بالحبس سنتَيْن مع الشُّغل، وكفالة 10 آلاف جنيه في قضيَّة تشويه سمعة مصر والإضرار بمصالحها القوميَّة، وكان ذلك في نفس يوم زيارة كل من أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري والوزير عمر سليمان مدير المخابرات العامَّة لواشنطن، والتي كانت تُعْتَبر أول زيارةٍ لمسئولٍ عربيٍّ لواشنطن بعد تولى إدارة الرئيس أوباما.
في المقابل كشف تقرير صادر عن برنامج الديمقراطية في الشرق الأوسط، نشره معهد الأمن العالمي، أنَّ قضيَّة الدِّيمقراطيَّة والحُكم في مصر لم تعد أولويَّةً في العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة، ودلَّل على ذلك بانخفاض مستوى التَّمويل الأمريكي للديمقراطية والحكم الرشيد الموجهة إلى مصر في ميزانيَّة العام المالي الحالي 2009م من 54.8 مليون دولار في العام المالي 2008م إلى 20 مليون دولار في العام المالي 2009م.
وانعكس هذا الانخفاض على الأموال المُخصَّصة لمُؤسَّسات المجتمع المدني، والتي كانت تُقدَّر بــ31.75 مليون دولار في ميزانية العام المالي 2008م، ولكنَّها انخفضت في ميزانيَّة العام الماضي إلى 7.3 مليون دولار، وتصل في ميزانية العام المالي القادم إلى 7 مليون دولار فقط.
وهذا وقد طلبت الحكومة المصرية من نظيرتها الأمريكيَّة عدم تقديم الدَّعم إلى المُنظَّمات غير المُسجَّلة من قِبَلِ الحكومة المصريَّة على أنَّها منظماتٌ غير حكوميَّةٍ، منها منظماتٌ محليَّةٌ ودوليَّةٌ غير مُسجَّلةٍ من قِبَلِ الحكومة المصريَّة على أنَّها منظماتٌ غير حكوميَّةٍ مثل "بيت الحُرِّيَّة" أو "الفريدوم هاوس" و"المعهد الجمهوريِّ الدَّوليِّ"، و"المعهدُ الدِّيمُقراطيُّ القوميُّ للشُّئون الدَّوليَّة".
ومنذ أنْ وصل أوباما إلى البيت البيض في العشرين من يناير الماضي، وقبل زيارة مبارك الأخيرة إلى واشنطن، التقى الرئيسان المصري والأمريكي مرتَيْن، الأولى في القاهرة عندما استقبل الرَّئيس مبارك الرَّئيس الأمريكي بقصر القبة بالقاهرة، خلال زيارة أوباما لمصر في الرَّابع من يونيو الماضي، أمَّا الِّلقاء الثَّاني الذي جمع بينهما، فكان في يوليو الماضي في مدينة لاكويلا الإيطاليَّة على هامش قمة مجموعة الثماني، وتعد زيارة الرئيس مبارك لواشنطن أغسطس الجاري ثالث لقاء لهما.
ويستند اهتمام أمريكا في فتح صفحةٍ جديدةٍ في العلاقات مع مصر إلى الرَّغبة في حل الصِّراع العربيِّ- الإسرائيليِّ؛ لأنَّه لا يُمثِّل تهديدًا لمنطقة الشرق الأوسط فقط، ولكن للعالم أيضًا، فمصر من خلال نشاطها في التَّوسُّط بين الفصائل الفلسطينيَّة تُعتَبَر أفضل شريكٍ لأمريكا لإنهاء هذه الملف المُعلَّق منذ عقودٍ.
كما أنَّ استقرار منطقة الخليج العربي، لما تذخر به من احتياطاتٍ نفطيَّةٍ، واحتواء الثَّورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة والحد من تَمدُّدها خارج حدودها، فرض على واشنطن البحث عن طرفٍ يلعب دورٌ حيويٌّ في وقف تمدُّد النُّفوذ الإيرانيِّ في المنطقة وتهديد المصالح الأمريكيَّة.
ولا يعني تحسن العلاقات الأمريكية- المصرية على الوجه المنظور الآن، استمرار ذلك خلال إدارة أوباما، فقد يشوبها بعض حالات التَّوتُّر، نظرًا لدور الُّلوبيِّ الصُّهيونيِّ ذي التأثير الكبير على صانعي القرار الأمريكي، لاسيما لجنة الشُّئون العامَّة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة (AIPAC)، والسَّاعي إلى ربط التَّحسُّن في العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة بعددٍ من الإجراءات، أهمُّها وقف تهريب الأسلحة من الأراضي المصريَّة إلى الأراضي الفلسطينيَّة عبر الأنفاق "السِّرِّيَّة".
وقبل زيارة الرئيس المصري للعاصمة الأمريكية وقَّع 71 سيناتور بمجلس الشيوخ الأمريكيِّ الذي يضم مائة سيناتور، على خطابٍ دعوا فيه الرئيس أوباما إلى الضَّغط على القادة العرب من أجل التَّطبيع مع إسرائيل، والى إنهاء مقاطعتهم لإسرائيل، وأنْ يتقابلوا علنًا مع المسئولين الإسرائيليِّين وإصدار تأشيرات لدخول المواطنين الإسرائيليِّين للدول العربية، بجانب دعوة الإسرائيليِّين إلى المشاركة في المؤتمرات والنَّدوات الأكاديميَّة وفي الأنشطة الرِّياضيَّة، وغير ذلك من مظاهر التَّطبيع.
رأي المحافظين الجُدُد
كان ملف الدِّيمُقراطيَّة وحقوق الإنسان هو الملف الطاغي على نقاشات المجموع السِّياسيِّ في الولايات المتحدة خلال زيارة مبارك الأخيرة إلى هناك، وكانت هناك انتقاداتٌ جمهوريَّةٌ لإدارة الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما وصلت لدرجة أنْ أحد رموز المحافظين الجدد قالوا إنَّ أوباما "نَسِيَ الدِّيمُقراطيَّة" عند زيارة مبارك.
هذا المسئول هو إليوت أبرامز، الذي كان مستشارًا للأمن القوميِّ لشئون الشَّرق الأوسط في البيت الأبيض في إدارة الرئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، وفي تصريحاته قال إنَّ إدارة أوباما ربطت أجندة الدِّيمُقراطيَّة ودعم حقوق الإنسان في العالم العربي خصوصًا في مصر والسعودية وسوريا بالرئيس السَّابق بوش الابن "لذا يرفضونها".
وقال إنَّ إدارة أوباما لا تمتلك سياسةً حقيقيةً لنشر الاحترام لحقوق الإنسان في العالم و"إنَّ الإدارة تضع حقوق الإنسان في منزلةٍ ثانويَّةٍ لأهدافٍ أُخرى"، مثل القضيَّة الفلسطينية؛ حيث قال أبرامز وهو يهودي في الأصل، إنَّه في الشَّرق الأوسط على سبيل المثال، "قرروا (إدارة أوباما) أنْ يسعوا إلى اتفاقٍ إسرائيليٍّ فلسطينيٍّ بأيِّ ثمنٍ".
وأضاف أبرامز في تصريحاته التي نشرتها مجلَّة (فرونت بيدج ماجازين) الأمريكيَّة، المُقرَّبة من دوائر المُحافظين الجُدُد أنَّ "هذا يعني أنَّ علاقاتنا بمصر معنيةٌ فقط بالشئون الإسرائيليَّة الفلسطينيَّة، وليس بمصر في حد ذاتها كبلدٍ"، مؤكدًا أنَّ "حقوق الإنسان والدِّيمُقراطيَّة في مصر تحوَّلت (لدى إدارة أوباما) لمسألةٍ صغيرٍة، مسألةٍ هامشيَّةٍ"، مضيفًا أنَّ "أوباما نَسِيَ أمر الدِّيمُقراطيَّة إلى حدٍ كبيرٍ".
وتابع أبرامز أنَّ الرئيس الأمريكي "لم يتفوه بكلمة "الحُرِّيَّة" أو كلمات مثل الدِّيمُقراطيَّة وحقوق الإنسان والانتخابات الحُرَّة، بينما كان يجلس في البيت الأبيض في مواجهة مبارك".
ويعارض المحافظون الجدد في الولايات المتحدة أنْ تكون إسرائيل في موضع ضغطٍ من جانب إدارة أوباما لتعزيز أجندة أهداف الرَّئيس الأمريكي في الشَّرق الأوسط، خصوصًا في موضوع الاستيطان في الضِّفة الغربيَّة الفلسطينيَّة المُحتلَّة، ويُؤكِّدون على أنَّ إسرائيل من حقِّها أنْ تحيا كدولةٍ يهوديَّةٍ في الشرق الأوسط.
وينتقدون في الوقت ذاته مساعي أوباما لإيجاد مسافة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لصالح علاقاتٍ أفضل مع العالم الإسلامي، ومصر في القلب منه بطبيعة الحال.
وبشكلٍ عامٍ يرى المراقبون إنَّ حالة الهدوء التي تمر بها العلاقات المصريَّة الأمريكيَّة مُرشَّحةٌ للاستمرار في غضون العامَيْن القادمَيْن، انتظارًا لما سوف تسفر عنه التَّغييرات المقبلة في مصر بعد انتخابات 2010م التَّشريعيَّة وانتخابات 2011م الرَّئاسيَّة.!!...
مبارك في واشنطن.. ما لم يتحدث فيه الرَّئيسان!!!...
كتب: أحمد عبد الفتَّاح
"باستثناء أنَّ الرَّئيس حسني مبارك عاد من واشنطن سالمًا معافىً والحمد لله، فلست أجد في أخبار الزيارة شيئًا يَسرُّ أو يُشرِح الصَّدر، وإنَّما حدث العكس تمامًا".. بتلك الجملة المُوجزة والمُركَّزة لخَّص الكاتب الإسلاميُّ الكبير فهمي هويدي في مقاله اليومي بجريدة (الشروق الجديد) اليومية رأيه في زيارة الرَّئيس المصري حسني مبارك إلى الولايات المتحدة الأسبوع قبل الماضي، ولقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بعد انقطاعٍ دام نحو خمس سنواتٍ لم يزُر خلالها الرئيس مبارك الولايات المتحدة، رغم حرصه علي زيارتها مرَّةً واحدةً على الأقل كل عامٍ، منذ تولِّيه منصبه.
أحداث الزِّيارة معروفةٌ، وتفاصيلها تمَّ تغطيتها على الوجه الأمثل سواءً من الصحافة المصريَّة أو العالميَّة، فالكل تابع عبر شاشات التِّلفاز مظاهرات التَّأييد للرَّئيس، التي قادها أحد الجزارين المصريِّين الذين يعملون بالولايات المتحدة، وهو في الوقت ذاته صاحب فرقةٍ موسيقيَّةٍ مُتخصِّصةٍ في الزَّفَّة بالمزمار الصَّعيدي، كما تابعنا على الجانب الآخر مظاهرات المعارضين للرَّئيس، والتي قادتها مجموعةٌ من أقباط المهجر وبعض الوجوه المعروفة في تلك المحافل، أمثال الدكتور سعد الدين إبراهيم.
لكن، وبالرَّغم من التَّغطية الإعلاميَّة الواسعة والمُكثَّفة، تبقى تفاصيل ساعتَيْن، هما مُدَّة الِّلقاء الذي جمع بين الرَّئيسَيْن، المصري والأمريكي بالمكتب البيضاويِّ بالبيت الأبيض، سرٌّ لم تُعرَف تفاصيله على وجه الدِّقَّة، بالرَّغم من أحاديث المُتحدِّثين باسم البيت الأبيض الأمريكيِّ ورئاسة الجمهوريَّة المصريَّة.
وقبل الزِّيارة بعدَّةِ أسابيعٍ انهالت الطَّلبات والخطابات والمُناشدات عبر وسائل الإعلام للرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما، ليفتح مواضيعَ بعينها مع الرَّئيس المصري، كان على رأس تلك المواضيع ملفَّيْ حقوق الإنسان والإصلاح السياسي في مصر، ولم تنتهي تلك الملفَّات بقضيَّة أمٍّ مصريَّةٍ لم تستطع أنْ ترى إبنتها مُنذ عدَّة أعوامٍ، وطالبت الرَّئيسَيْن بالتَّدخل لحلِّ مشكلتها.
نظرةٌ للوراء
لا يمكنُنا أنْ نستنتج ما تحدَّث فيه الرَّئيسَيْن، وما تجنَّبا الحديث فيه متعمِّدين، إلا أنَّنا إذا ألقينا نظرةً سريعةً على التَّاريخ الذي عاصر وقف الرَّئيس مبارك لزياراته للولايات المتحدة، وما حدث منذ ذلك الحين حتى الآن، يمكننا أنْ نستشف ما لم يتحدَّثا فيه.
فالرَّئيس مبارك زار الولايات المتحدة آخر مرَّةٍ في العام 2004م، وقتها كانت الإدارة الأمريكيَّة الجمهوريَّة السَّابقة تتحدَّث وبشكلٍ مستمرٍّ عن قضايا الإصلاح في بعض دول العالم، وكانت على رأسها مصر، وشعر البعض أنَّ الولايات المتحدة مارست بعض الضُّغوط علي مصر، أدَّت إلى نوعٍ من أنواع الانفراجة السِّياسيَّة في مصر.
وكُلِّلت هذه الانفراجة- على حدِّ زعم البعض- بفوز 88 من جماعة الإخوان المسلمين بعضويَّة مجلس الشَّعب المصريِّ، وظهور حراكٍ سياسيٍّ مصريٍّ في الأعوام من 2004م وحتى العام 2006م، شهدت فيها مصر للمرَّة الأولى منذ أعوامٍ طويلةٍ مُظاهراتٍ في الشَّارع تُطالب بالإصلاح.
وقتها رجَّح البعض أنَّ زيارات الرَّئيس مبارك إلى الولايات المتحدة قد توقَّفت بسبب غضبه من التَّدخُّلات الأمريكيَّة، في حين أعلن النِّظام المصريِّ أنَّ وقف الزِّيارات جاء بسبب السِّياسات الأمريكيَّة الخارجيَّة، خاصَّة في العراق وأفغانستان، أما علي أرض الواقع، فما كان يحدث برهن بالأدلة القاطعة أنَّ قطع الزِّيارات لم يكن له علاقة بالسبب الأخير المعلن من جانب الحكومة المصريَّة.
فالتَّعاون المصريِّ- الأمريكيِّ شهد ازدهارًا في الأعوام الأخيرة على أصعدةٍ عدَّةٍ، لعل أبرزها على صعيد الحرب على ما يُسمَّى بالإرهاب، باعتباره الملف الأهم لدي الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001م، فمصر عاونت الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، ووصل الأمر إلى درجة أنْ تطوَّعت مصر لتلعب دورَ الجلاد بالنِّيابة عن واشنطن.
فبحسب ما كشفت عنه تحقيقاتٌ أُجْرِيَت في بلادٍ أوروبيَّةٍ عدَّة، تورَّطت مصر في تعذيب معتقلين على الأراضي المصريَّة، كانت قد اعتقلتهم القوات الأمريكيَّة في إطار حربها على الإرهاب؛ حيث أرسلتهم وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة إلى مصر لتعذيبهم، وانتزاع الاعترافات منهم.
كما أنَّ مصر لعبت دورَ البطولة في فرض الحصار على قطاع غزَّةٍ، وفرض نوع من أنواع العقاب الجماعيِّ على الشَّعب الفلسطينيِّ لاختياره حركة حماس لحكمه بعد انتخاباتٍ نزيهةٍ، وهو ما حقَّق أهداف الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، في حصار الحركة، والضَّغط على الشَّعب الفلسطينيِّ للتَّخلِّي عن الحركة والتَّخلِّي عن خيار الكفاح المسلح ضد العدو الصهيونيِّ.
إذن فقطع زيارات الرَّئيس مبارك إلى الولايات المتحدة لم يكن له علاقةٌ بسياسات مصر تجاه العراق وأفغانستان، ويتبقى السَّبب الأوَّل، وهو غضب الحكومة المصريَّة من الضُّغوط الأمريكيَّة في موضوع الحُرِّيَّات والإصلاح.
نظريًّا، يُمكن تصديق تلك الفرضيَّة إلى حدٍّ كبيرٍ، ولكن لا تنطبق تلك الفرضيَّة علي السَّنوات الخمس جميعها، فالمُتابع يلاحظ أنَّ الضُّغوط الأمريكيَّة على مصر، رُفِعَت بشكلٍ كبيرٍ في نهاية العام 2005م، بعد أنْ أيقنت الإدارة الأمريكيَّة أنَّ مصلحتها مع النِّظام الحالي في مصر، وذلك بعد أنْ لوَّح النِّظام بفزَّاعة الإخوان في وجه الولايات المتحدة بفوز 88 من الإخوان بعضويَّة مجلس الشَّعب.
وهو الأمر الذي كان من نتيجته رفع الإدارة الأمريكيَّة للضُّغوط من على النِّظام المصري، وهو ما أدَّى إلى تفشِّي حالات انتهاك حقوق الانسان في مصر، وتراجُع وتيرة الإصلاح، وكان من أبرز مظاهر ذلك القضيَّة العسكريَّة الأخيرة التي تمَّ تحريكها ضد الإخوان المسلمين، والتي حوكم فيها 40 من قيادات الإخوان، على رأسهم المهندس خيرت الشَّاطر النَّائب الثَّاني للمرشد العام للإخوان المسلمين، وحُكِمَ عليهم بأحكامٍ تتراوح ما بين السَّجن عشر سنواتٍ، والبراءة، في حين لم يسمع أحد ولو انتقادًا خفيفَ الَّلهجة من قِبَلِ الإدارة الأمريكيَّة تجاه ما يحدث للإخوان في مصر.
ورحل بوش الابن بعد ذلك بسياساته، وجاء أوباما خلفًا له كأوَّلِ رئيسٍ للولايات المتحدة من أصولٍ أفريقيَّةٍ، جاء ومعه الوعود بالتَّغيير، إلا أنَّ الأسابيع الأولى في فترة ولايته، أثبتت أنَّه لا يختلف كثيرًا عن سلفه، إلا أنَّه كان يختلف عنه في أنَّه أقل فجاجةٍ في حديثه، وأنَّه يجيد حملات الدَّعاية جيِّدًا، ولعل زيارته للقاهرة في الرابع من يونيو الماضي، وتوجيه خطابه للعالم الإسلاميِّ من داخل جامعة القاهرة، أكبر دليلٍ على ذلك.
وهنا فقط قرَّر الرَّئيس مبارك زيارة الولايات المتحدة، لفتح ما يُمكن تسميته بـ"صفحةٍ جديدةٍ" مع الولايات المتحدة.
ما لم يتحدَّث فيه الرَّئيسان
صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة تساءلت في افتتاحيَّتِها يوم الزِّيارة عمَّا إذا ما كان الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس المصري حسني مبارك، سيشعران أنَّ محادثاتهما اليوم في المكتب البيضاوي سينقصها التَّطرُّق إلى بعض القضايا التي تتصدرها مصالح واهتمامات 83 مليون مواطنٍ مصريٍّ، وأكَّدت الصَّحيفة حينها أنَّ الإدارة الأمريكيَّة، أسقطت آمالهم وتطلُّعاتهم الجماعيَّة التي عقدوها عليها، منذ أنْ انطفأت شعلة أجندة الحُرِّيَّة التي دعا إليها الرَّئيس الأمريكيُّ السَّابق جورج بوش الابن منذ عدة سنواتٍ.
وأبرزت الصَّحيفة الأمريكيَّة أنَّ المشكلة الآن هي أنَّه في حين تسعى واشنطن لإعادة عقارب السَّاعة إلى الوراء في سياستها تجاه القاهرة، فإنَّ مصر تتَّجه إلى مرحلةٍ انتقاليَّةٍ في الحكم، وهي القضية التي لا يمكن تجاهلها، قمصر ستنتخب برلمانًا جديدًا في العام المقبل، وستنتخب رئيسًا جديدًا عام 2011م، وبحلول ذلك الوقت سيكون مبارك قد بلغ 83 عامًا من عمره، وحتى في حال اتخاذه لقرار ترشيح نفسه مرةً أخرى، بعد 30 عامًا قضاها في السُّلطة في ظل قانون الطوارئ، الذي يسمح له بتعليق الكثير من القوانين، فسوف يبقى على التَّغيير بضع سنوات أخرى.
وفيما حثَّت (الواشنطن بوست) أوباما على نقل رسالةِ دُعاة الدِّيمُقراطيَّة في مصر والولايات المتحدة على السَّواء إلى مبارك، موضحة أنَّ ذلك سيكون من السَّهل نسبيًّا الآن، وخلال فترة الهدوء الحالية، وبعيدًا عن التَّوتُّر الذي من المُتوقَّع أنْ يُسيطر علي فترة الانتخابات أو مرحلة الخلافة، لاسيما في المُناخ الحالي الذي تتجدَّد فيه العلاقات الوديَّة بين الولايات المتحدة ومصر.
وأشارت الصحيفة إلى أنَّه ينبغي على الإدارة الأمريكيَّة تصحيح الفكرة السَّائدة في القاهرة الآن، حول أنَّ الولايات المتحدة لم تعد تهتم بدفع عجلة الدِّيمُقراطيَّة في مصر، لاسيما بعد الانطباع الذي خلَّفه أوباما لدى المصريين بقيامه بخفض تمويل برامج ترويج الدِّيمُقراطيَّة الأمريكيَّة في مصر، فقد اقتطع أوباما أكثر من نصف هذا التَّمويل، وقام بخفض المساعدات لمُنظَّمات المجتمع المدني المُستقلَّة أكثر من الثُّلُثَيْن.
وأرجعت الصَّحيفة تراجع أوباما عن تعزيز الدِّيمُقراطيَّة في الوقت الذي تُواجه فيه مصر انتخاباتٍ حاسمةً، وتغييرًا في القيادة إلى شعوره بالقلق من أنْ يسحب مبارك تعاونه مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بجهود إرساء السَّلام والاستقرار في المنطقة، إذا أزعجته واشنطن بالتَّعبير عن قلقها بشأن حقوق المصريين.
إرث بوش
أجمع جميع المراقبين والمُحلِّلين على اختفاء كلمة "حقوق الإنسان" من ملف زيارة مبارك إلى واشنطن، فوفق ما نشرته تقاريرٌ صحفيَّةٌ أمريكيَّةٌ لم يتطرَّق أوباما ومبارك علنًا إلى مسألة حقوق الإنسان أو الدِّيمُقراطية في مصر، ولكن المتحدث باسم الرئيس المصري سليمان عواد قال إنَّ المسألة طُرِحَت بين الرَّئيسَيْن، إلا أنَّه لم يُوضِّح تفاصيل النِّقاش.
أمَّا بخصوص قضايا الإصلاح فلم تختفي تمام كأختها "حقوق الإنسان"، ولكن طالعتنا عبر ما وصفه الرَّئيس مبارك ببرنامجه الانتخابيِّ الذي خاض عبره الانتخابات الرَّئاسيَّة في العام 2005م، فوفق المتحدث باسم رئاسة الجمهوريَّة تمَّ التطرق إلى قضايا الإصلاح عبر برنامج الرَّئيس الانتخابيِّ، والذي وضع خطط للإصلاح على مختلف المناحي!!.
ولعل ذلك هو ما دفع الدكتور أيمن نور مؤسس حزب الغد، والذي أُطْلِقَ سراحه في فبراير الماضي بعد أنْ أمضى ثلاث سنواتٍ في السَّجن، إلى اتِّهام باراك أوباما صراحةً بالتَّراجُع عن برنامجه فيما يخص قضايا حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، عشيَّة الِّلقاء بين مبارك وأوباما.
وقال نور لوكالة الصَّحافة الفرنسيَّة: "هناك تراجعٌ في القِيَمِ التي كان أوباما يدافع عنها في حملته الانتخابيَّة، وهذه خيانةٌ للمبادئ الأمريكيَّة".
وأضاف نور: "إنَّنا نُريد أنْ نرى تحسُّنًا في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، ولكن هذا التَّحسُّن ينبغي أنْ يعكس تقدُّمًا" في قضية حقوق الإنسان.
وهو نفسه الأمر الذي دفع مُنظَّمات حقوق الإنسان عن قلقها حيال مسألتَيْ حقوق الإنسان والدِّيمُقراطية في مصر.
ودخلت منظَّمات حقوق الإنسان الأمريكيَّة على خطِّ هذه الانتقادات، وكان من بين ما ظهر من مواقفٍ في هذا الإطار، ما قاله مساعد مدير قسم الشَّرق الأوسط في منظمة هيومان رايتس ووتش، جو ستورك، في بيانٍ له قبيل لقاء مبارك- أوباما، إنَّه يتوجب على الرَّئيس أوباما أنْ ينقل بكل وضوح رسالة مفادها أنَّ حقوق الإنسان في مصر "هي مصدر قلقٍ مركزيٍّ للإدارة الأمريكيَّة"، ولكن الرَّجُل عاد وقال فيما بعد إنَّ ذلك لم يحدث (!!)، وهو ما يثير العديد من التَّساؤلات حول ذلك!!
وكعادتهم، انطلق الكُتَّاب المُوالين للنِّظام، وعلى رأسهم مُمتاز القط رئيس تحرير جريدة (أخبار اليوم) الحكوميَّة للدِّفاع عن الرَّئيس مبارك، وعن عدم طرح ملف حقوق الانسان للنِّقاش (!!)؛ حيث قال في مقالٍ له نشرته جريدة (الأخبار) اليوميَّة خلال قِمَّة مبارك- أوباما: "لم يتطرَّق الرَّئيس الأمريكيِّ إلى "الإسطوانة المشروخة" التي كان سلفه بوش يجد فيها ملاذًا يُخفى من خلاله فشله"، في إشارةٍ منه إلى قضيَّة حقوق الإنسان في مصر.
وأضاف القط: "لكن الرئيس مبارك طرحها مؤكدًا استمرار عمليَّة الإصلاح واستكمال برنامجه الرَّئاسيِّ، والذي يحمل عديدًا من أوجه الإصلاح، تتزامن مع الإصلاحات الاقتصاديَّة التي تتم على أرض مصر"!!
أما الكاتب والصَّحفي عبد الله حسن كتب في (الأهرام) حول ذات القضيَّة، قضيَّة حقوق الإنسان، قائلاً: "لم يتطَّرق الزَّعيمان للحديث فى ملف حقوق الإنسان وغير هذه القضايا، التي تُعْتَبَر من صميم الشُّئون الدَّاخليَّة لمصر، والتى لا يقبل الرَّئيس مبارك، أو أيُّ مواطنٍ مصرىٍّ حرٍّ لأحدٍ- مهما كان- أنْ يتدخل فيها"!!
التَّوريث.. السِّر المعروف!!
لم يكن سرًّا أنَّ جمال مبارك نجل رئيس الجمهوريَّة وأمين السِّياسات في الحزب الوطني الحاكم، قد زار الولايات المتحدة في نفس وقت زيارة والده لها، وأنَّ أجراءات إقامته أُحيطَت بشكلٍ من السِّرِّيَّة، فوفق تقاريرٍ صحفيَّةٍ مصريَّةٍ وأمريكيَّةٍ، شُوهد جمال مبارك في أكثر من مكانٍ بالعاصمة الأمريكيَّة واشنطن؛ حيث شوهد للمرَّة الأولى في فندق "كارلتون تاور" بالعاصمة الأمريكيَّة في حراسة خمسةٍ من رجال الأمن المصريِّين.
كما تمت مشاهدته مرةً أخرى يقوم بالتَّسوق من أحد محال سلسلة متاجر الجواهر والملابس المعروفة (شانيل) بمنطقة تايسونز كورنر في حراسة نفس الرِّجال الخمسة، ولكن في هذه المرَّة كان يرافقه في جولة التَّسوُّق كلٌّ من وزير التِّجارة والصِّناعة المهندس رشيد محمد رشيد، ووزير الماليَّة الدكتور يوسف بطرس غالي، الَّلذان وقفا لانتظارة خارج المحل لأكثر من 45 دقيقةٍ حتي ينتهي من تسوقه!!
كما شوهد مبارك الابن أيضًا في فندق "سان ريجي" والواقع بتقاطع شارع "تي" مع شارع "16" بالعاصمة الأمريكيَّة واشنطن السَّاعة الثالثة بعد الظُّهر، في ذات توقيت الاجتماع الذي عقده السفير سليمان عوَّاد المتحدث الرَّسمي لرئاسة الجمهوريَّة مع مجموعةٍ من العاملين بحقل الإعلام في الولايات المتحدة، وشوهد جمال مبارك وهو يرتدي قميصًا و"تي. شرت"، وعندما لاحظ بعض الإعلاميِّين وجوده تمَّ التَّنبيه عليهم بعدم نشر وجوده بواشنطن.
جدير وقد أقام الرَّئيس مبارك بفندق "فور كورنرز" في العاصمة الأمريكيَّة، وهو يقع بمنطقة جورج تاون، بينما أقام جمال مبارك في فندق "كارلتون تاورز" بولاية فيرجينيا، وهو ما لم يُعْرَف سببه حتى الآن.
ولعل تزامُن زيارة نجل الرَّئيس مع زيارة الأب للولايات المتحدة يطرح عدَّةَ تساؤلاتٍ، أهمُّها على الإطلاق لماذا كان جمال مبارك في الولايات المتحدة؟، ومن قابَل؟، وفي أيِّ المواضيع تحدَّث؟.
لم يكن سرًّا أنَّ جمال مبارك زار الولايات المتحدة عدَّةَ مرَّاتٍ في السَّنوات التي تخلَّف فيها والده عن زيارة الولايات المتحدة، ورُجِّح حينها أنَّها إحدى خطوات تصعيد الإبن ليحل محل والده، وخاصة أنَّ علاقة الرَّئيس القادم بالولايات المتحدة، هي إحدى أهم المؤهِّلات لأيِّ رئيسٍ مصريٍّ قادم.
خطوات توريث جمال مبارك للحُكم في مصر لم تعد سرًّا، فجمال يجول البلاد طولاً وعرضًا للدَّعاية لنفسه، ويُجنِّد من أجل ذلك كل إمكانيَّات الحزب الوطنيِّ الحاكم والنِّظام، ولكن وبالرغم من تصدُّر تلك القضيَّة المشهد المصريِّ، إلا أنَّه ووفق كل التَّقارير الرَّسمية وغير الرَّسميَّة والإعلاميَّة، فإنَّ الرَّئيسان لم يتحدَّثا خلال لقائهما عن ملف التَّوريث، بالرغم من أنَّ التَّوريث لم يعد السِّر الذي يخفى على أحدٍ!!
إذن، فيمكن تلخيص كل ما مضى في عبارةٍ مختصرةٍ استخدمتها صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة؛ حيث قالت إنَّ الرَّئيسان لم يتحدَّثا في كلِّ ما يخصُّ 85 مليون مصريٍّ، ذلك هو الوصف الصَّحيح والدَّقيق لجلسة مباحثات استمرت لنحوِ السَّاعتَيْن بين الرَّئيسَيْن المصريِّ والأمريكيِّ، وصفها البعض بالتَّاريخيَّة، في حين وصفها البعض الآخر بالتَّمثيليَّة"!!...
تصنيفات
أحمد عبد الفتاح,
العدد 4,
ملف العدد
مُؤسَّسيَّة الجماعة وهلهلة النِّظام.. كلمةٌ أخيرةٌ!!...
بقلم: محمد سعيد
عادةٌ ما يتحوَّل النَّقد المُوجَّه إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى اتهامٍ، يتمُّ معه وضع الجماعة في قفص المُذنبين، وعليها أنْ تُثْبِتَ- في كلِّ لحظةٍ- أنَّها جماعةً سلميَّةً مُعتدلةً ذات منهجٍ إسلاميٍّ صحيحِ الوجهةِ والتَّوجُّه.
ورغم تلك المُمارسات التي يعتمد عليها الباحثون في استفزاز الجماعة لإخراج مافي جعبتها من رؤىً وتصوراتٍ، يرى هؤلاء الباحثين أنَّ الجماعة تحاول دائمًا إخفاء شيئًا ما، ولا تريد أحدًا أنْ يطَّلع عليها لسببَيْن، الأوَّل خاصٌّ بالجماعة التي ترى أنَّ خُطَطَها أمرٌ داخليٌّ خاصٌّ بها، ولا يملك أحدٌ حقَّ التَّعرُّف عليها الإ عندما تريد الجماعة ذلك.
والثاني خاصٌّ بالباحثين الذي يرَوْنَ أنَّ محاولة إخفاء الجماعة ذلك الشَّيء إنَّما هو محاولةٌ لإخفاء توجُّهٍ مُتشدِّدٍ ضد الدَّولة والحُرِّيَّات، أو أنَّ ذلك يرجع لتاريخ الجماعة الذين يرونه بأنَّه مليءٌ بالغموض والسِّرِّيَّة، وهو ما تنفيه الجماعة.
وتتركَّز أغلب الانتقادات التي يُوجِّهُها الباحثون إلى جماعة الإخوان المسلمين حول أمورٍ تراها الجماعة ضمن سياستها بأنَّها فرعيَّةٌ ولا تُؤثِّر في العمل السِّياسيِّ للجماعة وصورتها بالشَّكل الذي يتم إبرازه خلال المؤتمرات والصُّحف والفضائيَّات مثل برنامج الحزب، وسياسة "السمع والطَّاعة"، وقضايا مثل الموقف من المرأة والأقباط والدَّولة المدنيَّة والدَّولة الدِّينيَّة والعنف.
وكلها أمورٌ حَسَمَت الجماعة فيها موقفها، وترى أنَّ إعادة فتحها بين الحين والآخر، إنَّما هو محاولةٌ من النِّظام الحاكم، لتشويه صورة الجماعة أمام الرَّأي العام.
وبعيدًا عن تلك الانتقادات الخارجيَّة نجد أنَّ صورًا من الانتقاد الدَّاخليِّ الذَّاتيِّ الذي يُمارسه أفراد الجماعة ضد سياسات الجماعة وضد النِّظام المُؤسسيِّ الذي تبنَّته الجماعة، والذي يحتكم إلى الشُّورى والانتخابات في المراكز القياديَّة بدايةً من مجالس شُورى الشُّعَبْ "أصغر وحدةٍ إداريَّةٍ داخل الجماعة"، وحتى مكتب الإرشاد الذي هو رأس الجماعة التَّنظيمي، ورأس هرمها الإداريِّ.
أبرز تلك الصور مُخالفة بعض اللوائح، وسيطرة بعض الأفراد علي بعض الوحدات الإداريَّة، وتولِّي بعض أبناء قيادات الجماعة مسئوليَّات داخل بعض الِّلجان الفنِّيَّة رغم وجود كفاءاتٍ، إهمال بعض الوحدات وسقوطها من حسابات الجماعة علي حساباتِ وحداتِ أخرى.
من الصَّعب على فردٍ بالإخوان أنْ ينتقد جماعته الأم، ليس لاتباع قياداته أسلوب القهر والإسكات، بل لأنَّ الجماعة استطاعت أنْ تُقدَّم نموذجًا فريدًا، حقَّقت معه معادلةً صعبةً بين المزج بين العمل الإداريِّ المُؤسَّسيِّ، وبين معاني الإخلاص والأُخوَّة والحُب، وهو ما لا يعترف به المُنظِّرون السِّياسيُّون، وهو الأمر نفسه الذي جعلهم يشكُّون في أسلوب الجماعة في العديد من المواقف، وإنْ كان السِّر يمكن في "الحب".
فالجماعة على مدار أكثر من 80 عامًا، ومنحنى صعودها وهبوطها متوازنٌ إلى حدٍّ جعلها حركةً سياسيَّةً ودعويَّةً مُتجذِّرةً في الفكر والوعي المصريَّيْن، ورغم محاولات التَّشويه والاعتقال منذ أربعينيات القرن الماضي، والجماعة قادرةٌ على الحفاظ على حيويِّتِها وقدرتِها التَّنظيميَّة في التَّعامُل مع الأحداث المُختلفة، وإنْ شابها بعض التَّقصير كأيِّ عملٍ بشريٍّ في النِّهاية قد يُصيب، وقد يُخطئ.
ورغم تلك الملاحظات السَّريعة على بعض المُمارسات داخل الجماعة نجد أنَّ الجماعة لا ترى أنَّ هناك عزيزًا علي منهجها، فمن رأى أنَّ مكانه أصبح خارجها تحاول معه أكثر من مرَّةٍ فإنَّ أبى تتركه وشأنه بلا تجريحٍ أو تشويهٍ، وليس رجال حزب الوسط ببعيدٍ، ومَنْ أخلَّ بأمانته وشرفه التي هي في الأساس شرف وأمانة الجماعة، تتركه وشأنه أيضًا، بحيث تبقى الجماعة بعيدةٌ عن أيِّ شيءٍ يُلوِّثُها، والمواقف والأحداث كثيرةُ تدلل علي تلك المواقف، ولكن ليس هذا مجالٌ لسردها.
وفي الأخير، فإنَّه رغم تلك الجملة من الإشادات والانتقادات، فإنَّه يجب على الجماعة في كلِّ لحظةٍ أنْ تحتوي شبابها ورجالها، وتُعيد تقييم مواقفها أولاً بأوَّل، وأنْ تُعيد تقييم أدائها الإعلاميِّ والسِّياسيِّ، وأيضًا التِّنظيميِّ، ليكون متواكبًا مع الأحداث والمواقف، والتَّنوُّع في الوسائل التَّربويَّة التي تتَّخذها الجماعة، بحيث يكونا جناحَيْ الجماعة، التَّربية والعمل العام، في وضعٍ أفضلٍ...
أقرأ المزيد...
موائد غزة في رمضان.. على أنقاض المنازل المدمرة وذكريات الشهداء!!...
غزَّة- كارم الغرابلي
يعيش ذوو الشُّهداء والأسرى في قطاع غزة مشاعر الحزن والألم في كلِّ مناسبةٍ، وخاصَّة شهر رمضان، الذي عادة ما يفتح الجروح بفقدان الأحبة مستذكرين "الجَمْعَة" على مائدة الافطار.
وتزداد قتامة الوضع ومأساويَّته مع الأطفال، ففي حالة الأطفال الذين فقدوا الأهل والعائلة، سواءً بفعل الحصار أو بفعل الحرب الصُّهيونيَّة المجنونة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، نجد معالم نضجٍ مُبكِّرٍ يعصف بضمير الإنسان، ويذكِّرُه في كلِّ وقتٍ بواقع المأساة التي يعيشها الغزاويون وخصوصًا أطفالهم.
(اتِّجاهات) جالت في أنحاء القطاع، وحاولت رصد بعض من معالم هذه المأساة.. بعضها فقط، وليس كلَّها!!
الطفلة ألماظة السَّمُّوني التي فقدت جميع أفراد عائلتها بعدما تعرَّضت للقصف إبَّان الحرب الصُّهيونيَّة الأخيرة، تقضي معظم وقتها في خيمةٍ مُمزَّقةٍ فوق ركام منزلها الذي دمره الاحتلال، وهي تستذكر مع والدها الجريح أمها وأخوتها الستة الذين قتلوا في الحرب.
تقول ألماظة وقد امتزج صوتها بمشاعر الحزن: "لن أنسى أمِّي وإخوتي.. رمضان صعبٌ من دونهم.. أنا حزينةٌ لأنَّ أمِّي لا تُعدُّ لنا الإفطار والسحور، وأبي جريحٌ لا يقدر على العمل.. أُمِّي وإخوتي ذهبوا شهداء.. الله يرحمهم".
ويأمل والد ألماظة، لإبراهيم السموني الذي أُصيبَ بشظايا قذيفةِ دبابةٍ قتلت زوجته وأولاده، وهدمت بيته، إلى جانب عشرات المنازل المُهدَّمة في منطقته في حي الزَّيتون شرق غزة، في أنْ تبدأ عمليَّة إعادة إعمار غزة ليعيد بناء بيته، كما يأمل في أنْ يتمكَّن من تعليم ابنته لتصبح محاميةً تدافع عن حقوق المظلومين.
الوالد أحمد عبد ربه من سكان جباليا يقول مستذكرًا عائلته التي فقدها بالكامل: "شهر رمضان يفتح الجرح ويذكرنا بمصيبتنا.. زوجتي وأولادي وإخوتي وأعمامي وأولادهم.. كلهم استشهدواأ وبيوتهم دُمِّرَت.. الأيام الحلوة راحت".
ويضيف: "لا طعم لشهر رمضان ولا لأي شيءٍ بعد الحرب في غزة.. الحصار دمَّرنا ولا توجد أجواءٌ رمضانيةٌ.. في السوق لا بضائع ولا حاجات الشهر الفضيل، وإذا وجدت بضائع فهي بأسعارٍ جنونيَّةٍ".
وتقضي المئات من العائلات الغَزيَّة شهر رمضان من إفطارٍ وسحورٍ فوق أنقاض منازلها التي دمرها الاحتلال الصهيوني إبَّان الحرب الأخيرة، بينما تعرقل إسرائيل إعادة إعمار غزة منذ انتهاء الحرب؛ حيث تفرض حصارًا مشدَّدًا على قطاع غزة، وتمنع دخول مواد البناء الَّلازمة لإعادة الإعمار.
الحاج توفيق عبد ربه "62عامًا" يجلس بجانب أنقاض منزله المُدَمَّر، ورغم مرور سبعة أشهر لا يستطيع تفسير منطلق رغبته في القدوم لمشاهدة الرُّكام.
وتتملك عبد ربه حالة اليأس هو وكافة أصحاب البيوت المُدمَّرة في عزبة عبد ربه إذا ما طرح موضوع إعادة الاعمار، خاصَّة وأنَّه لا حلولَ تلوح في الأفق منذ انتهاء الحرب.
يستذكر الحاج عبد ربه أجواء شهر رمضان في السَّابق قائلاً: "كنا نستقبل رمضان، وكلنا فرحةٌ وأملٌ، لأنَّنا بلغنا هذا الشَّهر، أمَّا اليوم فهذه المناسبة تُجدِّد أحزاننا".
ويتابع: "منذ أيامٍ قليلةٍ عادت إلى ذاكرتي صورة أبنائي وأحفادي، ونحن نجلس على سُفرةٍ رمضانيَّةٍ واحدةٍ، نأكل، ثُمَّ نصلي المغرب جماعةً، ونتسامر، ونشاهد التلفاز، لقد كانت أيامٌ رائعةٌ، ولا اعتقد أنِّي سأعيشها مجدَّدًا.. ما ظل بالعمر قدر ما راح".
وأكد أنَّ أسرته تعيش الآن مُشتَّتةٌ فى بيوتِ الإيجار وبيوت الأقارب، وأضاف أنَّ رمضان سيكون هذا العام من أصعب الأوقات التي مرَّت عليهم.
المواطن محمد الشاعر لم يتخيل يومًا أنْ تتحوَّل حياتُه إلى كابوسٍ بعد أنْ تحوَّل منزله إلى جزءٍ من الماضي، ويضيف الشاعر وقد بدت على وجهه ملامح الحزن والحسرة الممزوجة بالصَّبر والصُّمود: "رمضان سيكون قاسٍ جدًّا، وسيُجدِّد أحزان أُسرتي بمجملها فقد كانت زوجتي تُعدُّ الولائم وأجمل الأكلات الرمضانيَّة، وتهتم بكافَّة التَّفاصيل ابتداءً من الأثاث، وانتهاءً بأدوات الطَّعام".
وتابع بصوتٍ ملؤه الحزن: "كان رمضان مناسبةً تُضفي على بيتي الكثير من التَّغيير والحيويَّة، أمَّا الآن فزوجتي لا تجد شيئًا مناسبًا لتقديم الطعام، سنحتفل بمزيدٍ من الدُّموع والحسرةِ على تعب سنواتٍ طويلةٍ من الغُربة حطَّمها الاحتلال بصواريخه".
فى حين تستقبل أم محمد السلطان أحد ساكني مخيم العزَّة للإيواء رمضان في ظروفٍ حياتيَّةٍ لا تُطاق وتفتقد الحد الأدنى من وسائل الحياة المعروفة.
وتقول أم محمد لـ(اتِّجاهات) إنَّها تضطر يوميًّا لقضاء جزءٍ كبيرٍ من نهارها في منزل أقاربها، ولا تدرك ماذا ستفعل خلال شهر رمضان، ولا كيف سيكون شكل حياتها، بعد أنْ فقدت كل ما تملك في بيتها المدمر.
وتضيف لن أستطيع شراء فوانيس لأبنائي، فالحالة الماديَّة التي تحياها أُسرتي في غاية الصُّعوبة، فقد جرَّفوا الأراضي الزِّراعيَّة التي كنا نعيش من خيرها، ومنذ انتهاء الحرب لم يدخل إلى جيب زوجي مليمٌ واحدٌ!
وبحسب تقاريرٍ فلسطينيَّةٍ ودوليَّةٍ متطابقةٍ، فإنَّ قوات الاحتلال الصهيوني دمرت نحو أربعة آلاف منزلٍ بشكلٍّ كليٍّ، من بينها 500 منزلاً تمَّ تدميرها بواسطة الصواريخ الجوية، والبقيَّة تمَّ تجريفها، فيما أصيب أكثر من 16 ألفَ منزلٍ أخرى بأضرارٍ متفاوتةٍ...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
أمة واحدة,
العدد 4,
كارم الغرابلي
أفغانستان(*) والانتخابات الرَّئاسيَّة.. معضلة المصير الغامض!!...
كتب: سامر إسماعيل
شهدت أفغانستان يوم 20 أغسطس الجاري انتخاباتٍ رئاسيَّةً اختلف كثيرٌ من المُحلِّلين في تقييمها، فالبعض وصفها بالانتخابات الدِّيمُقراطيَّة، والبعض وصفها بالمزوَّرةن وهناك من اعتبرها لعبةً لاختيار رئيسٍ بلا سلطةٍ في دولةٍ تقع تحت الاحتلال الأجنبي، وتغوص في بحرٍ من الفساد المستشري في كافَّة مُؤسَّساتها التي لم تنجح الولايات المتحدة وحلفائها المُحتلِّين لأفغانستان حاليًا من تحقيق أيِّ تقدُّمٍ يُذكَر في بناء تلك المُؤسَّسات بسبب انشغالهم بقتال حركة طالبان التي أسقطت عقب الغزو الأمريكي الأطلنطي لهذا البلد في أكتوبر من العام 2001م.
بعد انهيار حكم طالبان في أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، التي هزت الولايات المتحدة، والتي اتهم فيها تنظيم القاعدة، الذي كان يحظى برعاية حركة طالبان، حينها بالمسئولية عن تلك الأحداث، على يد القوات الأجنبيَّة بقيادة الولايات المتحدة، فكَّرت واشنطن في إقامة سلطةٍ محلِّيَّةٍ تحكم أفغانستان، ولكنها تفتقد إلى الأهليَّة الكاملة باعتبار أنَّها سُلطة في ظل الاحتلال الأجنبي.
ولكن الحقيقة أنَّ الولايات المتحدة وحلفائها أقدموا على هذه الخطوة في محاولةٍ منهم لنقل الحرب في أفغانستان من حربٍ بين الأفغان والقوَّات الأجنبيَّة إلى حربٍ بين الأفغان أنفسهم بين السُّلطة مُمثَّلةٍ في الحكومة المُنتخبة وبين المقاومة التي تسعى لطرد المحتل، ممثلةٌ في حركة طالبان بالأساس.
انتخاباتٌ جداليَّةٌ
في العام 2004م قرَّرت الولايات المتحدة السَّماح بإجراء أوَّل انتخاباتٍ رئاسيَّةٍ في أفغانستان بعد سقوط حكم طالبان، شارك فيها 23 مرشحًا من بينهم إمراةٌ واحدةٌ، وهي ظاهرة لم تعهدها أفغانستان من قبل؛ أنْ تترشَّح إمرأةٌ لمنصب رئيس البلاد، وصوَّت في هذه الانتخابات حوالي 70% ممَّن يملكون حق التَّصويت وعددهم 12.5 مليون من بين 32 مليون أفغاني، كما شارك بالتَّصويت في هذه الانتخابات مليونَيْ أفغانيُّ يعيشون في باكستان وإيران.
واستطاع الرئيس الحالي حامد قرضاي، وكان وقتها مرشَّحٌ مُستقلٌّ ينتمي لعرقيَّة البشتون الذين يشكلون ما نسبته 65% من تعداد سكان أفغانستان الفوز بهذه الانتخابات من الجولة الأولى، ليصبح أوَّل رئيسٍ لأفغانستان بعد سقوط حكم طالبان، وذلك بحصوله على 4443029 صوتًا أي ما نسبته 55.4% في حين حصل أقرب منافسيه، وهو يونس قانوني على 1306503 صوتًا أي ما نسبته 16.3%.
أمَّا في الانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانية التي جرت مُؤخَّرًا فقد اختلفت عن سابقتها بكثيرٍ، فقد تمَّ تأجيلها من موعدها المحدَّد في مايو الماضي إلى 20 اغسطس الجاري، وذلك بعد توصيةٍ من الَّلجنة المشرفة على الانتخابات، والتي أكدت استحالة إجراء الانتخابات الرَّئاسيَّة في مايو، بسبب الوضع الأمنيِّ المتدهور، وعدم توفُّر المال الَّلازم لإجراء الانتخابات والإشراف عليها.
وأصرَّت الولايات المتحدة وحلفائها الموجودون حاليًا بقواتهم في أفغانستان، على إتمام العمليَّة الانتخابيَّة واختيار رئيسٍ لأفغانستان مهما كلَّفهم ذلك من مالٍ وعتادٍ وأفرادٍ، وهو ما تمَّ بالفعل؛ حيث تمَّ استقدام عشرات الآلاف من الجنود التَّابعين لدول حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، للمُشاركة في تأمين مراكز الاقتراع لإقناع الأفغان بالمشاركة في اختيار رئيسهم في ظلِّ التَّهديدات المُستمرَّة لحركة طالبان، بأنَّها لن تسمح بإجراء هذه الانتخابات، وستهاجم مراكز الاقتراع، بل وتعهدت الحركة بقطع أصابع من سيصوت في الانتخابات، وهو التَّهديد الذي نفَّذَته الحركة بالفعل مع عدد ممَّن صوَّتوا في الانتخابات في ولاياتٍ أفغانيةٍ مُختلفةٍ.
وتنافس في الانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانيَّة التي جرت يوم 20 أغسطس 37 مرشحًا رئاسيًّا، من بينهم إمرأتَيْن بعد انسحاب أربعة مرشَّحين.
واعتبر مراقبون الرَّئيس الأفغاني الحالي حامد قرضاي ووزير الخارجية السابق الدكتور عبد الله عبد الله، ووزير المالية السَّابق أشرف غاني، ووزير التَّخطيط السَّابق رمضان بشار دوست، أبرز المتنافسين على منصب رئيس أفغانستان؛ حيث ينتمي قرضاي لعرقية البشتون التي تمثِّل غالبيَّة سُكَّان أفغانستان، بينما ينتمي عبد الله لعرقية الطاجيك، وهم يمثلون 15% من الأفغان، في حين ينتمي غاني إلى عرقية البشتون التي ينتمي لها قرضاي، وبشار دوست إلى عرقية الهزارة، وهؤلاء يمثلون 5% فقط من الأفغان.
وشهد يوم إجراء الانتخابات الخميس 20 أغسطس 2009م، أعمال عنفٍ في مناطقٍ مختلفةٍ في أفغانستان راح ضحيتها 50 قتيلاً، بعد استهداف حركة طالبان لمراكز الاقتراع في محاولة منها لتعطيل الانتخابات الرَّئاسيَّة أو إفشالها من خلال منع الأفغان من المشاركة بالتَّصويت فيها.
ولكن مع كل هذا تمكَّن الأفغان من الوصول لمراكز الاقتراع، وأدلوا بأصواتهم، ولكن بنسبةٍ أقلُّ بكثيرٍ عمَّا كانت عليه عام 2004م، فقد صوت في هذه الانتخابات ما بين 40% إلى 50% من الأفغان الذين يملكون حقَّ التَّصويت، وهي نسبةٌ أقلُّ ممَّا كانت عليه انتخابات الرَّئاسة الأفغانيَّة عام 2004م، والتي شارك فيها بالتَّصويت 70% ممن يملكون حق الإدلاء بأصواتهم.
وما أنْ انتهى التَّصويت في الانتخابات، حتى أعلنت قوات التحالف أنَّها نجحت في تأمين 6200 مركز اقتراع من بين 6500 مركز اقتراعٍ في 34 ولايةً أفغانيَّةً، أي أنَّ قوَّات التَّحالُف تمكَّنت من تأمين 95% من مراكز الاقتراع.
وبعد مرور أيامٍ قليلةٍ على انتهاء عمليَّة التَّصويت، وبداية فرز الأصوات ظهرت أصواتٌ من بين المُرشَّحين الرِّئاسيِّين تقول بأنَّ هناك حالاتُ تزويرٍ كبيرةٍ لصالح الرَّئيس الأفغانيِّ والمُرشَّح للفوز بالانتخابات حامد قرضاي، وتزعم هذه الأصوات أكبر منافس لقرضاي وهو عبد الله عبد الله، كما ظهرت أصواتٌ أخرى تقول بأنَّ التَّصويت في بعض مراكز الاقتراع، تمَّ تحت التَّهديد بالسلاح من قبل عناصرٍ من الأمن الأفغاني لصالح قرضاي.
ومنذ اللحظة الأولى، كان "الالتباس" هو اسم الُّلعبة، فبعد أنْ أعلن كلٌّ من قرضاي وعبد الله فوزه، ظهرت توقعاتٌ وتقاريرٌ تتحدث عن فوز قرضاي بالرئاسة الأفغانية لفترةٍ ثانيةٍ مُدَّتها خمس سنوات بحصوله على 70% من أصوات النَّاخبين إلى أنْ جاء بيانٌ صادرٌ عن الَّلجنة المُشرفة على الانتخابات يوم الثلاثاء 25 أغسطس يؤكِّد أنَّ عمليَّة فرز 10% من الأصوات أظهرت تقدم الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على منافسه الرئيسي عبد الله عبد الله بفارق 2% فقط.
ثم جاء بيانٌ آخرٌ يوم الأربعاء صادرٌ عن الَّلجنة يؤكِّد تقدُّم قرضاي بفارقٍ كبيرٍ على عبد الله، بما نسبته 9%، بعد فرز 17% من الأصوات.
الَّلجنة المُشرفة على الانتخابات أكَّدت أنَّ النَّتائج النَّهائيَّة للانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانيَّة ستصدر يوم 17 سبتمبر المُقبلة، ومعها سيتم إعلان نتائج انتخابات مجالس الأقاليم الـ34 والتي جرت في نفس يوم الانتخابات الرَّئاسيَّة، وتنافس فيها ثلاثة آلاف مُرشَّحٍ.
انتخاباتٌ كاشفةٌ
سواءٌ أفاز قرضاي بفترةٍ رئاسيَّةٍ ثانيةٍ أو فاز عبد الله عبد الله بالرَّئاسة، أو أحدٌ غيرهما، فإنَّ هذه الانتخابات كشفت عن كثيرٍ من الحقائق، أهمَّها أنَّ الأفغان لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع حُبًّا في الدِّيمُقراطيَّة، إنَّما ذهبوا لتأييد مرشَّحٍ عرقيَّتِهم ضد مُرشَّح عرقيَّةٍ أخرى.
كما كشفت هذه الانتخابات عن هشاشة الوضع الأمنيِّ في أفغانستان بعد مرور 8 سنوات على غزو ما يُعرف بقوَّات التَّحالُف لأفغانستان، فقد شارك في تأمين يوم الانتخابات أكثر من 300 ألف عنصر أمنٍ أفغانيٍّ وأجنبيٍّ، ومع ذلك تمكَّنت طالبان من تعطيل الانتخابات في 5% على الأقل من مراكز الاقتراع، وتسبَّبت في إحجام الأفغان عن المشاركة في التَّصويت بعد تهديد طالبان للمشاركين في التَّصويت بقطع أصابعهم.
بالإضافة إلى ذلك تراجعت نسبة المُصوِّتين في هذه الانتخابات؛ حيث تؤكِّد الإحصائيَّات التي تحدَّثت عن انتشار الفساد في أفغانستان في كافَّة مُؤسَّسات الدَّولة، وانشغال الحكومة والقوات الأجنبيَّة بمحاربة طالبان عن تطوير البنية التَّحتيَّة في أفغانستان وإقامة المشاريع التَّنمويَّة.
خلاصة القول أنَّ هذه الانتخابات أكَّدت فشل الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان في القضاء على حركة طالبان التي صَعَّدت من هجماتها على قوات الاحتلال الأجنبي، وأصبحت الحرب في أفغانستان تُهدِّد إدارات وحكومات الدِّول التي لها قواتٌ في أفغانستان بعد سقوط المزيد من القتلى كل يومٍ في صفوف القوات الأجنبيَّة.
كما تؤكِّد هذه الانتخابات على فشل الأحزاب الأفغانيَّة؛ حيث لم تستطع التَّواجُد على السَّاحة السِّياسيَّة، بما أدى إلى غيابها الفاعل عن الانتخابات الرَّئاسيَّة، مع كون المرشَّحين الرَّئيسيِّين قرضاي وعبد الله وغاني وبشار دوست، وهم أقوى المُرشَّحين، مُصنَّفين كمستقلِّين.
وفي الأخير، فإنَّ هذه الانتخابات كانت اختبارًا لشعبيَّة طالبان من جهةٍ، ولمدى نجاح قوات الاحتلال والحكومة الأفغانيَّة من جهةٍ أخرى، أكثر من كونها انتخابات بين أفرادٍ متنافسين على الرَّئاسة الأفغانيَّة، وتراجُع نسبة التَّصويت في هذه الانتخابات عن نسبة التَّصويت في انتخابات عام 2004م دليلٌ على انتصار طالبان وهزيمة الحكومة الأفغانيَّة وقوَّات التَّحالُف التي تحتل أفغانستان...
--------------------
(*) أفغانستان: دولةٌ آسيويَّةٌ تقع في وسط آسيا يبلغ تعداد سكانها ما بين 33 مليون نسمةٍ إلى 44 مليونًا، وأغلب سكانها من المسلمين السنة وتتراوح نسبتهم مابين 74% إلى 80% من المسلمين، في حين تبلغ نسبة المسلمين الشِّيعة حوالي 5% من المسلمين، أما باقي السكان فهم من الهندوس والسِّيخ، وتبلغ مساحة أفغانستان حوالي 647.5 ألف كيلومترًا مربَّعًا، وبها 34 ولاية، وتعتبر اللغة الأورديَّة هي الُّلغة الرَّسميَّة تليها لغة البشتو..
أقرأ المزيد...
تصنيفات
أمة واحدة,
العدد 4,
سامر إسماعيل
لن تسير أبدًا بمفردك!!...
إسرائيل: تأييد أوباما للعرب لم يؤثر على الدعم المقدم لإسرائيل
إعداد: قسم التَّرجمة بوحدة الدِّراسات
ثارت في الفترة الأخيرة مجموعة من النَّقاشات في دهاليز السِّياسة الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، بما في ذلك الأوساط الإعلاميَّة ودوائر صناعة القرار في كلا البلدَيْن حول موقف الإدارة الأمريكيَّة الجديدة من الأوضاع في الشرق الأوسط، والضُّغوط التي تمارسها الولايات المتحدة في الوقت الرَّاهن على إسرائيل فيما يخص مسألة تجميد المستوطنات في الضفة الغربيَّة المحتلة.
ويرى البعض أنَّ الموقف الأمريكي غير جادٍّ فيما يخص فرض ضغوط على إسرائيل تلزمُها بوقف بناء المستوطنات، ويدللون على ذلك بموقف الإدارة الأمريكيَّة الأخير الذي أعلن عنه مسئول إسرائيلي رفيع، والذي أكَّد قبول واشنطن لعرضٍ إسرائيليٍّ يعتمد على أساس تجميد البناء والتوسيع المستوطنات لمدة تسعة أشهر، ولكن القرار الإسرائيلي استثنى القدس المحتلة، وكذلك أعمال بناء مُؤسَّسات خدميَّة وحكوميَّة في المستوطنات القائمة بالفعل!!
وكان من بين الآراء والمواقف التي أثارت عاصفة من النقاشات والانتقادات ما طرحه يورام إتينجر، القنصل الإسرائيلي العام السابق في الولايات المتحدة؛ حيث خالف الاتجاه العام القائم في إسرائيل، وقال إنَّ الطريقة التي تتعامل بها الحكومة الإسرائيليَّة مع واشنطن في هذا الإطار، تهدد المصالح الإسرائيليَّة.
وفي هذا الإطار نشرت صحيفة (اليديعوت أحرونوت) الإسرائيلية مقالاً مهمًّا لأتينجر بتاريخ 17 أغسطس 2009م عرض فيه الدِّبلوماسي الإسرائيليِّ خلاصة آراءه حول هذا الأمر.
ويخلص المقال في النَّهاية إلى أنَّ كل ما يجيء من مواقفٍ على لسان الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما وأركان إدارته في هذا الإطار، أو ما وصفه بتأييد أوباما للعرب لن يمس الدعم الأمريكي لإسرائيل، باعتبار أنَّ المصالح بين الطَّرفَيْن أكبر بكثيرٍ من عوارض السِّياسة الإقليميَّة والدَّوليَّة، وباعتبار الرَّابط الدِّيني القائم بين الجانبَيْن!!
فإلى المقال:
لقد قدَّم الشعب الأمريكي عرضًا طويل الأجل لدعم الدَّولة اليهوديَّة على الرَّغم من سياسة الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما المؤيدة للعرب، وتحديًا لتوجهات صحيفتَيْ (النيويورك تايمز) و(الواشنطن بوست)، اللتَيْن هما على النَّقيض من توجهات صحيفة (الوول ستريت جورنال) التي تدعم إسرائيل.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجراه مركز راسموسن في 10 أغسطس الجاري، وهو المركز الذي يمكن الاعتماد عليه واعتماد استطلاعات الرَّأي الصادرة عنه، فإنَّ 70 % من النَّاخبين الأمريكيِّين يعتبرون إسرائيل حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، في حين كان 66% من النَّاخبين الأمريكيِّين قد قالوا بأنَّ إسرائيل حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وذلك في الاستطلاع الذي أجراه مركز راسموسن في 2 يونيو 2009م، بينما اعتبر 8 % فقط من الأمريكيِّين أنَّ إسرائيل تُعتَبَر عدوٌ للولايات المتحدة.
استطلاع الرَّأي الأخير الذي أجراه مركز راسموسن كشف عن تأييد 39% من النَّاخبين الأمريكيين لمصر باعتبارها حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وحصلت المملكة العربية السعودية على تأييد 23% من الأمريكيِّين، وحصل العراق على تأييد 17% من الأمريكيِّين.
وأظهر الاستطلاع كذلك أنَّ 32% فقط من المسلمين بالأقطار الإسلاميَّة نواياهم حسنةُ تجاه الولايات المتحدة الأمريكيَّة، واعتبر 21% أنَّ علاقات الولايات المتحدة بالأقطار الإسلاميَّة ستتحسن عام 2010م، في حين اعتبر 25% بأنَّ علاقة الولايات المتحدة بالأقطار الإسلاميَّة ستشهد تدهورًا عام 2010م.
وأظهر الاستطلاع كذلك أنَّ 34% من الأمريكيِّين يعتقدون أنَّ الفلسطينيِّين من الممكن أنْ يعترفوا بحق إسرائيل في الوجود، في حين يعتقد 74% من النَّاخبين الأمريكيِّين أنَّ تحقيق السَّلام الدَّائم بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين لن يتحقَّق في غضون 10 سنوات.
في 3 مارس 2009م أظهر استطلاعٌ للرَّأي أجراه معهد جالوب في الولايات المتحدة أنَّ إسرائيل تأتي في المرتبة الرَّابعة بعد بريطانيا وكندا واليابان، وقبل ألمانيا، كحليفٍ قويٍّ للولايات المتحدة.
نتائج استطلاع الرَّأي الذي أجراه معهد جالوب في 3 مارس 2009م تتَّفق إلى حدٍّ ما مع نتائج الاستطلاع الذي أُجرِيَ في 3 مارس 2008م، واعتبر أنَّ إسرائيل تأتي في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا وقبل الهند وفرنسا وكوريا الجنوبية والمكسيك كحليفٍ قويٍّ للولايات المتحدة بنسبة تأييدٍ بلغت 71%، في حين اعتبر 14% فقط من الأمريكيِّين أنَّ السُّلطة الفلسطينيَّة هي حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وحصلت كوريا الشمالية على 12%، وإيران على 8%، لتصبحان بذلك أقل دول العالم في نظر الأمريكيِّين تحالفًا وتأييدًا للولايات المتحدة.
استطلاعات الرَّأي السَّابقة تدلُّ على أنَّ تصريحات أوباما وكبار مستشاريه المُؤيِّدة للعرب والمسلمين، ومحاولة إدانة إسرائيل باعتبارها عقبةٍ في طريق السَّلام لم تؤثِّر على دعم الأمريكيِّين لإسرائيل، وفي ذات الوقت لم تُغيِّر وجهة نظر الأمريكيِّين الذين يَشكُّون في نوايا العرب والمسلمين، بمن فيهم الفلسطينيين.
وينظر الرَّأي العام الأمريكيِّ لإسرائيل باعتبارها نموذجٍ لمكافحة الإرهاب، ويمكن أنْ يكون لها دورٌ في منع تكرار هجمات 11 سبتمبر 2001م، في حين ينظر الأمريكيُّون للعرب على أنَّهم مناهضين للولايات المتحدة، ويمكن أنْ يُكرِّروا سيناريو 11 سبتمبر.
دافع الضَّرائب الأمريكيُّ يعتبر المسلمين هم السَّبب الحقيقي في زيادة الضَّرائب المفروضة عليه، بسبب الإجراءات الأمنيَّة المُشدَّدة في المطارات الأمريكيَّة، والتي تحتاج إلى أموالٍ طائلةٍ تحصل عليها الإدارة الأمريكيَّة من أموال دافعي الضَّرائب الأمريكيِّين، وتُؤثِّر وسائل الإعلام الأمريكيَّة سلبًا على الدَّعم الشَّعبيِّ الأمريكيِّ للمسلمين بسبب نقلها واهتمامها بإبراز صورة المسلمين في العراق وأفغانستان الذي يفجرون ويقتلون الأمريكيِّين هناك.
الدَّعم الأمريكيُّ لإسرائيل لم يتوقَّف منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948م، باعتبارها دولةٍ تُقيم العدل وتُحارب الظُّلم، وتُواجه نفس التَّحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، في حين يُنْظَرُ للعرب والمسلمين على أنَّهم ظالمين ومُخادعين، ودائمًا يُشكِّلون تهديدًا للولايات المتحدة وإسرائيل على السَّواء.
الدَّعم الأمريكيُّ لإسرائيل ما كان له أنْ يتمَّ ويستمرَّ لولا المصالح المُشتركة بين الجانبَيْن، كما أنَّ هناك استثماراتٌ كبيرةٌ بينهما في مجالات التِّجارة والطِّب والزِّراعة والتَّعاون العسكريِّ، وأبعد من ذلك، يمكن القول بأنَّ الولايات المتحدة كانت تدعم إقامة دولةٍ يهوديَّةٍ منذ القرن السَّابع عشر الميلاديِّ.
الولايات المتحدة هي أكثر الدِّول الدِّيمُقراطيَّة الغربيَّة تديُّنًا؛ حيث يؤمن 91% من الأمريكيِّين بالله، وهؤلاء تقوم عقيدتهم على التَّعاليم الدِّينيَّة المشتركة بين اليهوديَّة والمسيحيَّة، وليس على التَّعاليم المشتركة بين الإسلام والمسيحيَّة، وللعقيدة اليهوديَّة دورٌ كبيرٌ في تشكيل الفكر الثَّقافيِّ والقضائيِّ والسِّياسيِّ عند الأمريكيِّين.
ويهتم 45% من الأمريكيين بحضور درس الأحد بالكنيسة للاستماع إلى تعاليم وخطبة الكتاب المقدس الذي يوجد في كل غرفةٍ بفنادق الولايات المتحدة، كما يُباع حوالي 15 مليون نسخةٍ من الكتاب المقدس سنويًّا بالولايات المتحدة، حتى أنَّ القنوات الدِّينيَّة في الولايات المتحدة زادت خلال الثَّلاثين عامًا الماضية من 9 قنوات إلى 275 قناة.
وممَّا يدل على تعاطف الأمريكيِّين مع اليهود، فإنَّ تمثال سيدنا موسى يقع في واجهة مكتب رئيس الكونجرس الأمريكيِّ بواشنطن، وعلى مكتب قاضي المحكمة العليا الأمريكيَّة، كما تُوجد خُطط لنشر الوصايا العشر لسيدنا موسى وتماثيل له في عددٍ من الولايات الأمريكيَّة.
الحقيقة أنَّ إسرائيل تعتمد على النَّاخبين الأمريكيِّين كوسيلةٍ للضَّغط على أعضاء مجلس النُّواب ومجلس الشُّيوخ إذا ما حاولوا رفع أيديهم عن دعم إسرائيل، لذلك تُركِّز إسرائيل ومُؤيِّدوها على كسب الرَّأي العام الأمريكيِّ كوسيلةٍ للضَّغط على السِّياسيِّين...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
العدد 4,
شئون عالمية,
وحدة الدراسات
الصُّهيونيَّة...
إعداد: وحدة الدِّراسات والبحوث
الصُّهيونيَّة هي حركة سياسيَّة هدفها الرئيسي إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بتشجيع الهجرة اليهوديَّة من أنحاء العالم إلى فلسطين.
استطاعت الحركة الصُّهيونيَّة أن تحقق أهدافها بسرعة، ففي مايو 1948م تمكنت الصُّهيونيَّة من تأسيس دولة سميت بـ"إسرائيل" اعترفت معظم دول العالم بها، ومع ذلك فالحركة الصُّهيونيَّة استمرت في دعوة اليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إلى الكيان الصُّهيوني المسمى بـ"إسرائيل"، كما وتلعب الحركة الصُّهيونيَّة دورًا كبيرًا في توثيق العلاقات بين اليهود في أنحاء العالم والكيان في فلسطين المحتلة.
أما عن سبب تسميَّة الحركة بالصُّهيونيَّة فهذا يعود إلى جبل صهيون عند اليهود والمسيحيين ويسمى عند المسلمين بجبل داوود، وهو جبلٌ كبيرٌ موجود بالقدس الشريف، ويعتقد اليهود بأنَّه أقرب جبل موجود بالقرب من هيكلهم المزعوم المسمى بهيكل سليمان، ويعتبر الفيلسوف الصُّهيوني اليهودي النمساوي ناثان برنباوم هو أول من استخدم لفظ الصُّهيونيَّة عام 1890م.
بدأت الصُّهيونيَّة تتحول من مجرد فكرة إلى حركة سياسيَّة عمليَّة عام 1897م، عندما قام الصحفي المجري تيودور هيرتزل مؤلف كتاب "الدولة اليهوديَّة" بإقامة وتنظيم أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا، حضره 200 من الشخصيات اليهوديَّة نيابة عن يهود العالم، واتفقوا على إقامة وطن قومي لليهود، وإنشاء فروع للحركة بجميع دول العالم.
تمكن هيرتزل من كسب إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني لفكرته بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ولكن لم يتمكن هيرتزل من إقناع الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني بالتنازل عن أرض فلسطين التي كانت خاضعة للدولة الإسلاميَّة العثمانيَّة في ذلك الحين، في مقابل دفع اليهود لديون الدولة العثمانيَّة كلها.
بعد موت هيرتزل استطاعت الحركة الصُّهيونيَّة عام 1917م أن تحقق أهم إنجازاتها بالحصول على وعد بلفور من بريطانيا، والذي أعطى لليهود الحق في إقامة دولة لهم في فلسطين العربيَّة المسلمة.
وفي عام 1948م تمكنت الحركة الصُّهيونيَّة من إقامة وطن لليهود اعترفت به معظم دول العالم بعدما قام اليهود بتهجير مليون فلسطيني، وإحلال اليهود القادمين من دول العالم مكانهم، وتعاطفت الدول الغربيَّة مع الصهاينة بحجة أنهم تعرضوا لأشكال متنوعة من الاضطهاد في دول العالم، ولابد من إنشاء وطن خاص بهم يجمعهم.
الحقيقة أن الحركة الصُّهيونيَّة لا تعتبر ممثلة لكافة اليهود، فاليهود المتدينين يعتبرون أن إقامة وطن لليهود في فلسطين عن طريق البشر مخالف لتعاليم التوراة التي تؤكد قيام دولة لليهود على يد المسيح المنتظر في عقيدتهم.
وقبل فلسطين، كانت هناك خيارات أخرى أمام اليهود لإقامة وطنٍ قوميٍّ لهم فيها، فكان أمام الحركة الصُّهيونيَّة أن تختار الأرجنتين أو أوغندا أو السنغال، ثم فلسطين، التي تم اختيارها باعتبار أن فلسطين لها تاريخ عند اليهود، تمكنت الحركة الصُّهيونيَّة من خلال بعض أساطيره من جذب اليهود إلى فلسطين بدعوى أنها ارض الآباء وفيها قبلتهم المفقودة.
ويقول المفكر الإسلامي المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة عن الصُّهيونيَّة إن الهدف الرئيسي لإنشاء الكيان الصُّهيوني في فلسطين، هو تحقيق أهداف الاستعمار الغربي في العالم العربي والإسلامي، عبر زرع كيان دخيل يفصل بين شطرَيْ الأمة، ويكون رأس حربة متقدمة لقوى الاستعمار الغربي.
ولعل من أبرز الأدلة على صحة هذا الكلام، هو المؤتمر الذي عقد بين عامَي 1905م و1907م، بعنوان "مؤتمر كامبل بانر مان"، تحت مسمى رئيس الوزراء البريطاني الذي دعا لعقده في ذلك الحين، وحضره خبراء من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وأسبانيا وإيطاليا، واجتمعوا لبحث التحديات والتهديدات التي تواجه الحضارة الغربيَّة، وخلصوا إلى أن التحدي الأكبر يأتي من جهة الجنوب الشَّرقي للبحر المتوسط.
التقرير النهائي خلص فيه المجتمعون إلى أن البحر المتوسط يعتبر حلقة الوصل والشُّريان الحيوي الذي يربط الغرب بمستعمراته في آسيا وأفريقيا.
وفي التوصيات التي ظهرت وتدعو للتعايش بين الإمبرياليَّة الاستعماريَّة والأفكار الصُّهيونيَّة، اقترح تقرير كامبل بانر مان إقامة دولة على أرض فلسطين تعبر عن الاراء والمقترحات الصُّهيونيَّة، وتتفق مع ما دعا إليه مؤتمر بازل الذي عقده زعيم الحركة الصُّهيونيَّة في ذلك الحين تيودور هيرتزل، بضرورة خلق كيانٍ قويٍّ يميل ناحيَّة الغرب بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الدور الذي يلعبه الكيان الصُّهيوني في الوقت الراهن بالفعل...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
العدد 4,
وثيقة العدد,
وحدة الدراسات
حوار الرَّئيس المصريُّ حسني مبارك للمذيع الأمريكي تشارلي روز...
فيما يلي أجزاء كاملة من الحوار الذي أجراه المذيع الأمريكي تشارلي روز مع الرئيس حسني مبارك، والذي تمَّ بثُّه مساء الإثنين بتوقيت الولايات المتحدة أو فجر الثلاثاء بتوقيت القاهرة، برنامج حواري يحمل اسم المذيع، وبثته شبكة (بي. بي. إس) الإخباريَّة الأمريكيَّة.
والمقتطفات من واقع ما نشرته وكالة أنباء (أمريكا إن أرابيك) في سلسلةٍ من الأخبارٍ على موقعها على شبكة الإنترنت.
وقد تمَّ تبويب الأخبار المنشورة، بحيث يتم عرضها في صورة ملفَّات السِّياسة المصريَّة في الدَّاخل والخارج ومواقف مبارك منها، من واقع ما قاله للمذيع الأمريكي.
الحالة السِّياسيَّة في مصر: التَّوريث وحل البرلمان وملفات أخرى
قال الرئيس المصري حسني مبارك في حواره في هذا الشَّأن إنَّ مسألة التَّجديد لفترةٍ رئاسيَّةٍ جديدةٍ لا تهمه في الفترة الحالية وان تفكيره منصب على اتمام برنامجه الانتخابي الذي قطعه على نفسه في عام 2005. وقال ان مصر بلد مستقر وستبقى مستقر "حتى بعد الرجل الذي يأتي بعد مبارك".
وردا على سؤال للمذيع عمَّا إذا كان الرَّئيس سوف يجدد فترته الرِّئاسية لأم لا قال الرئيس إنَّه لا يفكر في ذلك الآن.
وسأله تشارلي روز: "هل ستكون هذه هي آخر فترةٍ رئاسيَّةٍ للرَّئيس مبارك؟، فقال مبارك: "إنَّ همِّي الأساسيِّ هو إكمال البرنامج من أجل الشَّعب.. لقد تقدمت ببرنامج في الحملة الانتخابيَّة.. وكل فقرات البرنامج تسير بشكلٍ جيدٍ جدًّا.. هذا هو اهتمامي الرَّئيسي، لا أنْ أُجدِّد أو لا أجدِّد.. لا أُفكِّر في ذلك الآن".
ورد روز قائلاً: "لكنهم يكتبون كتبًا يؤلفونها الآن عن مصر بعد مبارك"، فقال الرَّئيس: "اسمع.. إنَّ هذا (مصر) بلدٌ مستقرٌّ، وسوف تبقى بلدًا مستقرًّا بعد مبارك، وحتى بعد الرَّجل الذي يأتي بعد مبارك".
وعن مسألة التَّوريث، قال الرَّئيس مبارك إنَّه لم يناقش الأمر مع نجله جمال مبارك، وإنَّه لا يُفكِّر في أنْ يكون ابنه خليفةً له، وكشف مبارك عن أنَّ نجله كان يرفض في بادئ الأمر الانضمام للحزب الوطني الحاكم في مصر.
وقال روز: "هل تريد لابنك أنْ يأتي من بعدك؟"، فرد مبارك: "لم أُثِر هذا الموضوع مع ابني.. لقد بدأ حياته العمليَّة في البنوك في "بنك اوف أمريكا"، ثم بعد ذلك في لندن، ثم رجع مصر".
وأضاف الرَّئيس المصريِّ في الحوار: لقد كان هو (أي جمال مبارك) ضد الانضمام للحزب، وكان انضمامه فقط بعد فترةٍ طويلةٍ.. ليس ضمن تفكيري أنْ يرثني ابني.. إنَّه قرار الشَّعب أنْ يختاروا من سيُمثِّل الشَّعب.. ليس لي أنْ أُقرِّر ذلك.. إنَّه قرار الشَّعب أنْ يختاروا الشَّخص الذي يثقون فيه.. فمن سيكون هذا الشَّخص.. حسنا أمامنا وقتٌ طويلٌ.. أمامنا سنتَيْن".
وعن شائعات حل مجلس الشَّعب المصريِّ قال الرئيسُ المصريُّ إنَّه لا يستطيع أنْ يجزم بأنَّ البرلمان لن يُحلَّ، لكنَّه قال إنَّه لا يوجد على الإطلاق ما يستدعي ذلك الآن"، فقال روز: "ألن تحل البرلمان.. ألن تحله قريبًا؟"، فقال مبارك: "لا يمكنني القول إنَّني لن أحل البرلمان.. قد تكون هناك بعض الظُّروف.. لكن ليس هناك أيٌّ منها في هذه اللحظة، لكن قد تكون هناك ظروفٌ تستوجب حل البرلمان، لكن في هذه الَّلحظة لا توجد نقطةٌ واحدةٌ تستحق حل البرلمان.. يكون هذا لا محالةً منه، عندما تكون هناك حاجةٌ ماسَّةٌ فقط".
أما عن موقف الجيش من أوضاع ما بعد مبارك، قال الرَّئيس المصريُّ حسني مبارك إنَّ الجيشَ المصريَّ لن يُعارض وجود رئيسٍ مصريٍّ من خارج المُؤسَّسة العسكريَّة، يتمَّ انتخابه شعبيًّا.
جاء ذلك في ردٍّ من الرئيس المصري على سؤالٍ من روز قال فيه: "سيِّدي الرَّئيس، مع احترامي، يقول كثيرون إنَّه لنْ يكون هناك قائدٌ لمصر غير مقبولٍ من الجيش، كما كنت أنت، وكما كان (الرَّئيس السَّابق) أنور السادات، وكما كان الرَّئيس ناصر، جميعكم تتبعون نفس التَّقاليد، تقاليد الضُّباط الأحرار، وهذا لم يتغيَّر في مصر، وأنت تعلم هذا، وأنا أعلم هذا".
وفي رده قال الرئيس مبارك: "هذا الأمر ربما.. يمكن أنْ يتغير بعد ذلك.. هذا ربما يتغيَّر.. لا أحد يعرف من سينجح، فنحن لدينا انتخابات، وعندما يأتي الوقت للانتخابات، سيصوِّت النَّاس".
وأضاف الرَّئيس المصري: "ناصر كان ضابطًا في الجيش، والسَّادات كان ضابطًا في الجيش، وأنا ظللت في الجيش والقوَّات المُسلَّحة حتى وصلت إلى أعلى منصب، وشهدت التَّحرُّك في أكتوبر، وتمَّ تقليدي أرفع الأوسمة على أعلى المستويات، وهذه ليست نقطةً سلبيَّةً.. لقد عملتُ نائبًا للرَّئيس، وقمتُ بالعديد من الجهود طوال ستِّ سنواتٍ كنائبٍ للرَّئيس، ثمَّ تولَّيت منصب الرَّئيس".
لكن روز أضاف: "نعم هذا النُّقطة التي أعنيها، وهي أنَّه لن يُصبح هناك رئيسٌ لمصر غير مقبولٍ من الجيش"، فأجاب الرئيس المصري: "لا، لا، لا.. لا أوافق على هذه العبارة".
وردًّا على سؤالٍ عمَّا حقَّقه لمصر طوال فترة حكمه قال مبارك إنَّه أمضى 60 عامًا في الخدمة العامَّة، وأعاد بناء بلاده بعد انتهاء الأعمال العسكريَّة، وإنَّه ما كان ليحقق شيئًا "لو كانت مصر دولة رجلٍ أوحد كما يُقال".
وقال مبارك ردًّا على سؤال من جانب روز عمَّن سيخلفه، قال: "ما سأتركه هو أنَّني ظللتُ أعمل في الخدمة العامَّة 60 عامًا.. شاركت وشهدت تحرُّكًا.. أعدت بناء البلاد بعد العمل العسكريِّ".
وتابع: "أصلحنا البنية التحتية في مصر بالكامل.. نعمل على تحسين التَّعليم.. نمد نطاق التَّعليم.. نبني جامعات.. نفعل العديد والعديد من الأشياء الأخرى".
وردا على قول روز "إنَّ تاريخ مصر خلال 28 عامًا هو تاريخ رجلٍ واحدٍ، هو حسني مبارك"، وسؤاله للرَّئيس "هل ستكون مصر آمنة إذا غادرت؟"، قال مبارك: "مصر دولةٌ كبيرةٌ.. مصر لديها دستورٌ، والدُّستور يوضِّح دور كل واحدٍ ودور الجميع، ولا يمكن لأحد أنْ ينتهك الدُّستور"، وأردف القول: "لكن لو كانت مصر دولة رجلٍ أوحدٍ كما قلت أو كما يُقال، لما استطعت أنْ أُحقِّق أيَّ شيءٍ".
وأضاف: "أعمل بمساعدة المُؤسَّسات ومساعدة البرلمان، فالبرلمان قويٌّ إلى حدٍّ ما الآن.. يمكنه أنْ يُقيل حكومةً.. يمكنه أنْ يُغيِّر الميزانيَّة من الطَّريقة التي تقرِّرها الحكومة إلى الطَّريقة التي يقررها البرلمان.. عدلنا 34 مادة في الدُّستور، وهذا أمرٌ غير مسبوقٍ".
الملفُّ الإيرانيُّ بما فيه الجانب الإسرائيليِّ
في هذا الملف قال الرَّئيس مبارك إنَّ مصر ليست في منافسةٍ مع إيران على الزَّعامة الإقليميَّة، وإنَّه لا يُريد أنْ يقارن مصر بإيران، وقال مبارك: "أولاً نحن لا نقارن أنفسنا بإيران.. إيران ليست دولةً عربيَّةً، هذا في بادئ الأمر".
وتابع ردًّا على تعقيب من روز بأنَّ إيران موجودةٌ في المنطقة، قال: "إذًا فهي في المنطقة، في مناطق الخليج والدِّول العربيَّة، وهذا يعني أنَّهم يسعون ويحاولون، أما نحن، لا.. إنَّ جهودنا معروفة.. هم يحاولون أنْ يسيطروا على مناطقٍ مُعيَّنةٍ، لكنهم لنْ يُفلحوا في هذا.. نحن قادرون.. نحن لا ننافسهم، ودورنا معروفٌ جيِّدًا في المنطقة، ومع هذا، فإنَّنا لن ندخل في سباقٍ على المنطقة".
وقال الرَّئيس المصري ردًّا على سؤالٍ من الإعلاميِّ الأمريكيِّ ما إذا كان يعتقد بأنَّ إسرائيل ستسمح لإيران بامتلاك سلاحٍ نوويٍّ.
وأضاف مبارك: "قابلت رئيس وزراء إسرائيل (بنيامين نتنياهو)، ومن قبل نتنياهو، (أيهود) أولمرت، ووزير الدفاع في إسرائيل (أيهود باراك)، والرَّئيس شيمون بيريز.. جميعهم ضد وجود أسلحةٍ نوويَّةٍ في إيران، لكن مفهومنا هو أنَّ المنطقة بأكملها يجب أنْ تكون خاليةً من كلِّ أشكال وكلِّ أنواع الأسلحة ذات التَّأثير الشَّامل، نوويَّةٌ وغير نوويَّةٍ، سواءً في إيران أو إسرائيل، ومن ثَمَّ فهذا لا يعني أنَّه لأنَّ إسرائيل تمتلكها، فيجب أنْ تحوز إيران على بعضٍ منها، وآخرين أيضًا.. فهذا سيكون مشكلةٌ".
وقال مبارك ردًّا على سؤالٍ من روز حول ما تردَّد عن حثِّه للرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما على دفع إسرائيل إلى عدم استخدام أو الدُّخول في هجومٍ على إيران، قال إنَّه "إذا سارت الأمور على هذا النَّحو، وحدث أنْ تمَّ استخدام القوَّة العسكريَّة، فسيكون هذا ضد المنطقة بأكملها.. إنني ضد استخدام القوَّة العسكريَّة، وهذا ما يدعوني إلى القول إنَّه يجب أنْ يتم حلَّ هذا وديًّا وسلميًّا، وإنَّني أنصح إيران، وأدعو إيران أنْ تتحلَّى بهذا القدر الكافي من المرونة للتفاوُض مع ممثلي الولايات المتحدة الأمريكيَّة لحلِّ هذه القضيَّة، من أجل ألا يتم اللجوء لأيِّ أعمالٍ عسكريَّةٍ.. إنَّنا نُريد أنْ نوقف كل النَّشاط العسكريِّ".
وأبدى الرئيس المصري اعتقاده بأنَّ "المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة هي حلٌّ أفضل كثيرًا إذا ما استطاعوا أنْ يتوصَّلوا لبعض النَّتائج من دون استخدام القوَّة العسكريَّة".
الملفُّ الفلسطيني والصِّراع العربي الإسرائيلي
في هذا الملف قال الرَّئيس المصريُّ حسني مبارك إنَّ العرب يمكن أنْ يقوموا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا ما قامت الدَّولة العبريَّة بحل المشكلات مع الفلسطينيِّين، وكان هناك حلٌّ للصِّراع بقيام دولتَيْن، إسرائيليَّةٌ وفلسطينيَّةٌ مؤكدًا على أنَّ "المبادرة العربيَّة واضحةٌ".
وقال الرئيس المصري إنَّ لديه "وجهةُ نظرٍ أخرى" بشأن وقف بناء المستوطنات، وذلك ردًّا على سؤال من روز ما إذا كان يجب أنْ يتمَّ وقف الاستيطان، وتابع مبارك في حديثه للصحفي الأمريكي قائلاً: "بدلاً من القول بوقف المستوطنات، وقد سمعنا هذا مرَّاتٍ عديدةً، لعشر سنوات حتى الآن، ولم يصل هذا إلى نهاية، ما يمكنني أنْ أقوله هو أنَّ علينا أنْ ننظر في القضيَّة بأكملها بصفةٍ شاملةٍ للتَّفاوُض على الحلِّ النَّهائيِّ".
وأضاف مبارك: "وجهة نظري هي أنَّه لنرى الحلَّ النَّهائيَّ، فنفس الأمر حدث معنا وهو نفسه (المطلوب) لهذا الحل.. كان لدينا اتِّفاقٌ على الحلِّ النَّهائيِّ وغادروا (الإسرائيليُّون) سيناء.. إذا تمكَّنا من أنْ نصنع هذا مع الفلسطينيِّين، فأعتقد بأنَّ هذا سيكون مُؤشِّرًا جيدًا جدًّا".
وأكد مبارك على أهمِّيَّة حلِّ الخلاف بين السُّلطة الفلسطينيَّة وحركة حماس بقوله: "إنَّنا نعمل لأجل التَّوصُّل لهذا الحل بين حماس والسُّلطة الفلسطينيَّة، وإذا كان بمقدورنا أنْ نتوصَّل لنتيجةٍ، وخاصَّة إذا توقف التَّدخُّل الخارجيِّ، يمكننا أنْ نقنع السُّلطة الفلسطينيَّة بالجلوس إلى المفاوضات مع إسرائيل كل عامٍ، من دون شروطٍ مسبقةٍ من كلا الطَّرفَيْن، وعندئذ سنؤكد جميعًا على هذا الأمر، وهذا هو الحل الأفضل".
وأكَّد الرَّئيس المصريُّ صحَّة القول بأنَّه لا يمكن أنْ يكون هناك سلامٌ حتى تتَّفق فتح وحماس "ونحن نعمل على هذا ونبذل جهودًا حثيثةً لكي يكون هناك بعض التَّقارُب، ولا تزال بعض النِّقاط الصُّغرى التي نسعى للتغلُّب عليها بين حماس وفتح، وإذا وصلنا إلى هذه النُّقطة فأعتقد أنَّه بعدها ستسير عملية السَّلام بشكلٍ أسهل كثيرًا".
وفي شأنٍ متصلٍ قال الرئيس مبارك إنَّ قطر من المُمْكن أنْ تلعب دورًا جيدًا، "إذا ما أراد القطريُّون الاضطلاع بمثل هذا الدَّور".
وقال: "قطر يمكن أنْ تلعب دورًا جيدًا"، لكنَّه شدَّد على أنَّ هذا سيحدث فقط إذا رغب القطريُّون في لعب هذا الدَّور، حيث كرَّر عبارته "إذا ما أرادوا" مرتَيْن.
لكن الرَّئيس المصري قال في تصريحاته للإعلاميِّ الأمريكيِّ إنَّه ليس متأكدًا ما إذا كانت قطر تقوم بهذا الدَّور حاليًا، وقال ردًّا على سؤالٍ من روز عمَّا إذا كانت قطر تقوم بدورٍ جيدٍ في الشَّرق الأوسط الآن، قال: "لا يمكنني أنْ أقول ذلك متأكدًا، لأنَّه لا شيئًا واضحًا أمامي لأقرِّر هذا".
وفيما عقب الإعلامي الأمريكي بالقول إنَّ القطريِّين "يريدون أنْ يلعبوا دورًا" ردَّ مبارك: "حسنًا، هم يلعبون دورًا.. إذا كان بمقدورهم أنْ يلعبوا دورًا جيِّدا لأجل السَّلام فسنصفِّق لهم.. نحن نريد السَّلام.. أنت تقوم به، أنا أقوم به، أي أحد، ليست تلك هي القضية لكن المهم هو السَّلام"...
أقرأ المزيد...
تصنيفات
العدد 4,
وثيقة العدد
Subscribe to:
Posts (Atom)
تقرأون في العدد الجديد
تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..
تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر
صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...
تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..ملف خاص عن تركيا ...
الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري
الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره
جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...
القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...

الصحافة العالمية في الأسبوع
لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!







