مشروع قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ الجديد.. قائمٌ رغم الاحتجاجات!!...


-    مشروع قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ الجديد يجب وضعه في إطارٍ أشمل لأدوار الدولة المُتقلِّصة
-    يتساءل الخبراء عن سرِّيَّة مشروع القانون وأسباب عرضه على لجنة السِّياسات في الحزب.
-    الخدمات المُقدَّمة للمريض بدلاً من أنْ تكون خدماتٍ شاملةً، تحوَّلت إلى خدماتٍ جُزئيَّة

كتبت: شيماء جلال وإيمان إسماعيل
بَاتَ ملفُّ مشروع قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ الجديد أحد أبرز الملفات العامَّة ذات الطَّابع الإعلاميِّ والسِّياسيِّ، مع مساسه ببعض الجوانب الاجتماعيَّة في حياة المواطن المصريِّ، وتزايد الجدل حول مشروع القانون، الذي لا يزال غامضًا للآن، مع التَّرويج له ضمن ما تمَّ التَّرويج له في المؤتمر السَّنويِّ السَّادس للحزب الوطني الحاكم، والذي تمَّ الترويج له إعلاميًّا على نطاقٍ واسعٍ.
وانتقدت مصادرٌ في المُعارضة اليساريَّة المصريَّة بما أسمته بـ"إصرار الحكم في مصر على تمرير مشروعات القوانين التي تُضيف أعباءَ جديدةً علي المواطنين"، ومن بينها قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ بكل توابعه على الأمن الاجتماعيِّ بحسب أوساطٍ في حزب التَّجمُّع.
ومن بين الانتقادات التي تمَّ توجيهها إلى مشروع القانون الجديد، تحديده رسومٍ جديدةٍ يدفعها المريض تصل إلى 30% من تكلفة العلاج في العيادة الخارجيَّة، و25% من تكلفة العلاج داخل المستشفى ذاته.
وخلال المؤتمر وبات واضحًا إصرار الحكومة المصريَّة على رفع يدها عن غير القادرين في هذا المجال، كما في غيره من الخدمات التي تراجعت فيها الدَّولة؛ حيث قال رئيس الوزراء الدُّكتور أحمد نظيف خلال المؤتمر: "كل واحدٍ سيدفع على قدِّ دخله"، وما أكَّده وزير الصِّحَّة الدُّكتور حاتم الجبلي: "الدَّولة ملتزمةٌ بتغطية نفقات التَّأمين لغير القادرين وفقًا للقانون الجديد".
ويضاف ذلك ما أعلنه الرَّئيس حسني مبارك؛ حيث قال: "القادر يتحمَّل نفقات التَّأمين الصِّحِّيِّ، وغير القادر تتحمَّلُه الدَّولة والمجتمع".
وتأتي هذه المواقف التي صَدَرَتْ من أعلى سلطةٍ في الدَّولة رغم التحذيرات التي تقول بأنَّ ذلك الوضع سوف يؤدِّي إلى تذمُّرٍ اجتماعيٍّ؛ حيث ترتفع نسبة الفقراء الذين لا يشعرون بأنَّهم ملزمون فعليًّا من الدَّولة، خصوصًا مع وجود تأثيراتٍ عميقة لأزماتٍ اجتماعيَّةٍ مماثلةٍ لا تزال موجودةً، مثل ارتفاع نفقات النَّقل، وكذلك أزمة رغيف الخبز.
كما أنَّه، حتى مع التَّسليم بصحَّة موقف الدَّولة، فإنَّه لا يوجد تعريفٌ واضحٌ للقادر وغير القادر، ولا آليَّات الحصول علي الخدمة، خاصة إذا أجرى المريض عمليَّةً جراحيَّةً، تصل تكاليفها إلى 50 ألف جنيه؛ حيث إنَّه في ذلك الوقت سيكون المواطن مُطالبٌ بسداد 12.5 ألف جنيهٍ منها!!
اعتراضاتٌ مُتخصِّصةٌ!!
ولا يُعتَبَر المواطن المصري فقط هو صاحب الرُّؤية التَّشاؤميَّة في هذا؛ حيث رأى مُتخصِّصون ذات الرَّأي، ففي تصريحاتٍ له انتقد الدُّكتور محمد حسن خليل، استشاري القلب وعضو لجنة الدِّفاع عن الحق في الصحة، إسناد الحكومة المصريَّة عمليَّة إجراء دراسة الجدوى لمشروع قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ الجديد لشركةٌ إنجليزيَّةٌ تُدْعَى "HWIT"، وقال إنَّ بنود مشروع القانون الجديد قد اشتملت على عباراتٍ فضفاضةٍ، أمَّا التَّفاصيل، فهي لا تزال قيد السِّرِّيَّة لا يعلمها إلا الوزير الجبلي، ورئيس هيئة التَّأمين الصِّحِّيِّ الدُّكتور سعيد راتب، والشَّركة الإنجليزيَّة التي وضعت دراسة الجدوى.
وأضاف خليل أنَّ القانون القديم كان يٌلْزِمُ صاحب العمل بدفع 3% من قيمة الرَّاتب للعامل، أمَّا المُنْتَفِع فكان مُلزمًا بدفع 1% فقط، لكن في ذلك الحين كانت الحكومة هي صاحب العمل، والآن بعد الخصخصة، فإنَّ الحكومة قد تحرَّرت من دفع هذه النِّسبة، مع إلزام صاحب العمل بدفع 1% فقط من قيمة راتب العامل بدلاً من 3%، مع تقليل الخدمات الصِّحِّيَّة المُقدَّمة للمريض.
وانتقد خليل مشروع القانون الجديد لأسبابٍ أخرى، منها أنَّ الخدمات المُقدَّمة للمريض بدلاً من أنْ تكون خدماتٍ شاملةً، تحوَّلت إلى خدماتٍ جُزئيَّة، وبالتَّالي فإنَّ المريض لا يُعالَج من كلِّ الأمراض، وهو ما يضطرُّ المريض إلى الُّلجوء لشركات التَّأمين الخاصَّة، والتي تُعطي بوليصة تأمينيَّة خاصَّة لاستكمال العلاج، وهو أمرٌ أكَّده وزير الصِّحة الدُّكتور الجبلي.
كما أنَّ الخدمات التي تراجع عنها التَّأمين الصِّحِّيُّ غير مُعلنةٍ، وبالطبع هذا يُعدُّ باطلاً قانونًا ودستوريًّا، ومن هنا فإنَّ القانون الجديد مثَّل جريمةً في حقِّ المُنتفعين؛ حيث تمَّ تقليص الفوائد، أي تقليل الخدمات، في مُقابل زيادة نسبة الاشتراك، كما أنَّه يُعطي الحقَّ لرئيس الوزراء بأنْ يُعدِّل في مواده بقرار إداريٍ عن طريق الوزير المختص، ومن دون الرُّجوع إلى مجلس الشعب.
أمَّا الدُّكتور عبد المنعم عبيد رئيس هيئة التَّأمين الصِّحِّيِّ السَّابق، فقد شكَّك في نِسَبِ الاشتراكات التي وردت في مشروع القانون الجديد، وقال إنَّها لا يُمكن أنْ تُعطي للمريض خدماتٍ صحِّيَّةٍ شاملةٍ، ذلك لأنَّ القانون القديم كان يُلزِم صاحب العمل بدفع نسبة 3% من قيمة راتب العامل، وكان هناك دراسةٌ لرفع نسبة صاحب العمل إلى 5.4%.
ولكن القانون الجديد يُلْزِمُ صاحب العمل بدفع 1% فقط، وتقليل النِّسبة بهذه الصُّورة يعني تقليل الخدمات الصِّحِّيَّة المُقدَّمة للمريض، وهو ما لم يحدث في أيِّ بلدٍ في العالم؛ حيث مشروع قانون غير واضح المعالم، وبعض بنوده سرِّيَّةٌ، لا يعلمها إلا الحزب الوطني، ولا يُناقَش إلا في أمانة السِّياسات.
اعتراضاتٌ شعبيَّةٌ!!
وقد بدأت حالة التَّذمُّر الشَّعبيُّ بالفعل في هذا الشَّأن، فقبل أيامٍ احتشد المئات من أعضاء حزب التَّجمُّع وقوىً أخرى "من أجل المُطالبة بتأمينٍ صحِّيٍّ حقيقيٍّ لكل المصريين"، واتهموا الحكومة بتبنِّي سياساتٍ تهدف لخصخصة التَّأمين الصِّحِّيِّ، وتحويل المُستشفيات العامَّة لمُؤسَّساتٍ تجاريَّةٍ تهدف للرِّبح.
وأشار المتظاهرون إلى أنَّ الهدف الأساسي لوزير الصِّحَّة الحالي مُنذ أنْ جاء للوزارة، هو خصخصة القطاع الصِّحِّي في مصر.
مدللين على ذلك ببعض قرارات الوزير، ومن بينها قراره الصَّادر في صيف العام 2006م، بإغلاق ثُلُثَيْ مُستشفيات الحُمِّيَّات في مصر، ثم إغلاقه مُستشفيات التَّكامُل، وتحويلها إلى مُستشفياتٍ ريفيَّةٍ لطبِّ الأُسرة، بالرَّغم من أنَّ المواطن المصري كان في أمسِّ الحاجة إلى تلك المستشفيات عندما انتشر مرض أنفلونزا الطيور، والآن مشكلة أنفلونزا الخنازير، بدلاً من أنْ يسعى لتحسين الخدمات الصِّحِّيَّة فيها.
وبحسب هؤلاء فإنَّ الوزير بدلاً من أنْ يُطالِب بزيادة مُخصَّصات الخدمات الصِّحَّيَّة في ميزانيَّة الدَّولة، فإنَّه ارتضى تخفيضها من جانب وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي، من 3.4% من ميزانيَّة الدَّولة هذا العام، إلى 3.2% في الموازنة الجديدة. في الوقت الذي يتم فيها ضخ 30 مليار جنيه من اجل إنقاذ رجال الأعمال من تبعات الأزمة الماليَّة الأخيرة، في حين أنَّ الأمم المتحدة أوصت بأنَّ ميزانيَّة الصِّحَّة في أي دولةٍ لا يجب أنْ تقلَّ عن 15% من الميزانيَّة.
ولم يقتصر المشهد على الإسكندريَّة فحسب؛ حيث دعا الاتحاد المحلِّيِّ لنقابات عُمَّال أسوان مُنظَّمات المُجتمع المدنيِّ والأحزاب السِّياسيَّة والمجالس الشَّعبيَّة المحليَّة للتَّصدِّي للقرار الاخير الخاص بفرض رسومٍ جديدةٍ على الخدمات الصِّحِّيَّة العامَّة، وطالبوا بإلغاء الرُّسوم المفروضة على الكشف والجراحات والإقامة في المستشفيات.
وفي محافظة السويس صدر بيان عن القوى السِّياسيَّة وأحزاب المُعارضة وعددٍ من المنتفعين من أبناء المحافظة وممثلي لجنة الدِّفاع عن الحقِّ في الصِّحَّة، أكَّدوا فيه علي رفضهم تحميل المنتفعين أي رسومٍ إضافيَّةٍ، تمثِّل أعباءً اقتصاديَّةً جديدةً، لن يتحمَّلها الفقراء الآخذون في الازدياد في مصر.
خُلاصات
في خلاصةٍ لها عن هذه المشكلة المُستجدَّة على المجتمع المصريِّ، قالت جمعيَّة التَّنمية الصِّحِّيَّة والبيئيَّة، إنَّ جوهر قانون التَّأمين الصِّحِّيِّ الجديد، هو الانتقال من التَّأمين الصِّحِّيِّ الاجتماعيِّ الموجود حاليًا بشكلٍ أو بآخر إلى ما وصفته بـ"التَّأمين الصِّحِّيِّ التِّجاريِّ".
وينطلق التَّأمين الصِّحِّيِّ الاجتماعيِّ من مسئوليَّة المُجتمع عن صحَّة مواطنيه، ومن حقِّ المواطن في الصِّحَّة، وكذلك من مفهوم الصِّحَّة كمقدِّمَةٍ ضروريَّةٍ للتَّنمية، وكنتيجةٍ لها في آنٍ معًا، أمَّا التَّأمين الصِّحِّيِّ التِّجاريِّ، فينطلق من أولويَّة حافز الرِّبح، وحق القطاع الخاص في الانفراد بتقديم الخدمة الصِّحِّيَّة، وإعطاء الأولويَّة لتوازن إيرادات ومصروفات التَّأمين الصِّحِّيِّ، رغم تحميلها بأرباح القطاع الخاص المنفرد بتقديم الخدمة.
والسِّياق الذي يأتي فيه مشروع قانون التأمين الصِّحِّيِّ الجديد هو التَّحُّولات الاجتماعيَّة الجارية في سياق الخصخصة وسيادة مبدأ الرِّبح وتوفير الاحتياجات لمن يملُك الثَّمن، وليس لمن يستحق، وبالتَّالي انسحاق الضُّعفاء تحت وطأة قوانين سوقٍ لا ترحَم.
وإذا كان هذا ليس مجال الحديث عن التَّحوُّلات الجارية في المجتمع، فإنَّ تطبيقه في مجال الصِّحَّة بشكلٍ خاصٍّ يُمثِّل مُشكلةً اجتماعيَّةً خطيرةً بكلِّ المقاييس؛ حيث تتراوح نسبة أفراد مُجتمعنا الواقعة تحت خط الفقر بين النِّصف والثَّلاثة أرباع وفقًا لمختلف الدِّراسات والتَّقارير المُعلنة بما فيها الدِّراسات والتَّقارير الحكوميَّة..

أقرأ المزيد...

صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...




الدَّواء هو السِّلعة الوحيدة التي لم تتأثَّر بالأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة
-    قيمة استهلاك الدَّواء في مصر مليار ونصف المليار دولار سنويًّا
-    اتِّفاقيَّة التِّريبس أدَّت إلى حرمان الدِّول النَّامية من التِّقنية المُتقدِّمة
-    إنتاج مصر من الأدوية يغطي 90% من الاستهلاك المحلِّي والباقي يتم استيراده من الخارج

كتبت: شيماء جلال وإيمان إسماعيل
تُعدُّ صناعة الدَّواء في العالم من أكثر القضايا الحيويَّة التي تهمُّ الملايين من مواطني العالم، كما أنَّها من أكبر الصناعات العالميَّة، بل تُعتبر في مساحة انتقالها، التِّجارة الأكبر حول العالم، أكثر من صناعة السَّلاح، والأقرب إلى قيمة تداول المُنتجات النَّفطيَّة والغاز.
وتشير الإحصائيَّات إلى أنَّ قيمة استهلاك الأدوية في مصر تصل إلى مليار ونصف المليار دولار سنويًّا، ومن ثمَّ، ومع الظُّروف التي تمر بها الحالة الصِّحِّيَّة العامَّة في مصر وعبر الوطن العربيِّ والعالم الخارجيِّ، فيما يخص الحالة الوبائيَّة لانتشار أمراض مثل أنفلونزا الخنازير ومن قبل أنفلونزا الطيور، فإنَّه يجب إعادة النظر في سياسة إنتاج الدواء في مصر والوطن العربي.
وتزداد إلحاحيَّة هذه المسألة مع وجود عددٍ كبيرٍ من التَّحدِّيات التي تحول دون ازدهار هذه النَّوعيَّة من الصناعات الإستراتيجيَّة أو تجارتها، مثل عدم إعطاء اهتمامٍ أكبر للبحث العلمي في المجال الدوائي، والعلوم الطِّبِّيَّة بشكلٍ عامٍ، وإغراق الأسواق العربيَّة بالأدوية مُنْتَهِيَة الصَّلاحية وعديمة الفاعلية، في المقابل جاءت اتفاقيَّات التِّجارة العالميَّة مثل "الجات" ثم اتفاقيَّة حقوق الملكيَّة الفكريَّة "التِّريبس"، لتعرقل أحلام وطموحات الملايين من أبناء المُجتمعات النَّامية، ومنها الدِّول العربيَّة في الحصول على الدَّواء الجيِّد بأسعارٍ معقولةٍ.
ويبرز أمامنا حجم المشكلة الحقيقي إذا ما علمنا أنَّ استهلاك المنطقة العربيَّة من المُنتجات الدَّوائيَّة يصل إلى 15% من الاستهلاك العالميِّ، في حين أن إنتاجها المحلي لا يتجاوز نسبة 4.5%.
الدَّواء والأزمة الاقتصاديَّة
لا يمكن القول إنَّ الأزمة الماليَّة العالميَّة الحالية سوف تؤثر بالسَّلب علي قطاع صناعة وتجارة الدَّواء، لأنَّ الدَّواء سلعةٌ إستراتيجيَّةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، ويرى خبراء هذه الصِّناعة سواءً في مصر أو خارجها، أنَّ شركات صناعة الأدوية في مختلف أنحاء العالم، حتى في البلدان النامية، سوف تستمر في تحقيق أرباحٍ.
وهو أمرٌ مُتحقِّقٌ بالفعل؛ حيث كشفت شركة "نوفارتس" السِّويسريَّة العملاقة العاملة في هذا المجال، عن ارتفاع صافي أرباحها خلال الرُّبع الثَّالث من العام الحالي 2009م، لتصل إلى 2.11 مليار دولار بزيادةٍ نسبتها 1% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يُخالف الاتجاه العام لأداء قطاع الشركات عبر العالم؛ حيث تميل إمَّا إلى تحقيق خسائرٍ وتسريح عمالتها، أو الإفلاس، الذي طال حتى رموز الرَّأسماليَّة الأمريكيَّة العتيدة، مثل شركة جنرال موتورز.
وقد يظنُّ البعض أنَّ ذلك يعود إلى مشكلة انتشار وباء أنفلونزا الخنازير عبر العالم، وما استتبعه ذلك في صدد تطوير بحوث وصناعات الأمصال والأدوية المُضادَّة للمرض، إلا أنَّ الشَّركة ذكرت في بيانٍ لها أنَّ صافي مُبيعات المجموعة تُحقِّق حاليًا نموًّا بمعدَّلٍ يقترب من 10%، حتى مع استبعاد المبيعات المُتوقَّعة للمصل الواقي من مرض أنفلونزا الخنازير، في الرُّبع الأخير من العام 2009م.
كما يعود سبب حفاظ شركات الأدوية على موقفها المالي هذا، هو حفاظ هذه الشَّركات سواءً أكانت قطاعًا عامًّا أو استثمارًا خاصًّا على مستوى أسعارها التَّنافسيَّة، والسوق المصري دليلٌ قاطعٌ على ذلك؛ حيث إنَّ معظم الشَّركات استمرَّت في تنفيذ خُطَطها الانتاجيَّة عند نفس مستويات الانتاج وبنفس الأسعار، ذلك بخلاف الزِّيادات التي تقرَّرت.
والملاحظ خلال العام الماضي هو زيادة عدد الشَّركات العاملة في مجال صناعة الدَّواء في مصر؛ حيث ارتفع عددها ليصل إلى 384 شركةٍ، بعد أنْ كان هذا العدد لا يتجاوز العشر شركاتٍ خلال فترة السَّبعينيَّات، وظل السوق المحلي في العام 2008م يعمل بُمعدَّلاته الطَّبيعيَّة حتى انتهاء العام.
وبطبيعة الحال، فإنَّ معظم الانتاج يتم توجيهه للسُّوق المحلي الذي يمكنه استيعاب كل الانتاج، مع تصدير ما قيمته المليار جنيه مصري (حوالي 183 مليون دولار) في حين أنَّ الاستهلاك المحلِّي تجاوز حاجز الـ4.12 مليار جنيه (حوالي 750 مليون دولار).
الانتاج وشركاته في مصر
وبجانب الإحصائيَّات السَّابقة، فإنَّ إنتاج مصر من الأدوية يغطي 90% من الاستهلاك المحلِّي، والباقي يتم استيراده من الخارج، وعلى الرَّغم من بساطة النِّسبة، إلا أنَّها تخص الأدوية عالية التَّقنية، مثل أدوية أمراض القلب والسرطان وبعض الأمراض الخطيرة الأخرى، ويوجد في مصر 72 مصنعًا لتصنيع الأدوية، بينما يبلغ عدد الشركات العاملة في قطاع الأدوية في مصر والمرتبطة بهذا القطاع، حوالي 600 شركة تقريبًا، من بينها 7 شركات تتبع القطاع الخاص.
وتستحوذ الشَّركات الأجنبيَّة على حُصَّةٍ تبلغ 29% من إجمالي حجم سوق الأدوية في مصر، في مقابل 14% لشركات القطاع العام، في حين تستحوذ شركات القطاع الخاص على باقي السوق.
ولا يغطي إنتاج مصر من الأدوية معظم الأمراض الموجودة في مصر التي تنتج 26 مجموعةً دوائيَّةً، وكلٍّ منها لا يُغطِّي الأمراض الخاصَّة به بنسبة 100%، ويتم استيراد بعض الأصناف، ليس لأنَّها تحتاج إلى تقنيةٍ ليست موجودةً في مصر، ولكن لأسبابٍ أخرى اقتصاديَّةٍ تتعلَّق بتكلفة التَّشغيل والإنتاج، وكذلك لأسبابٍ تسويقيَّةٍ؛ حيث إنَّ الطَّلب على بعض هذه الأصناف ضعيفٌ، كما أنَّ هناك أصناف ترتفع تكلفة إنتاجها، ولهذا يكون الاتجاه لاستيرادها أسهل وأقل كلفةٍ من عمليَّة التَّصنيع.
ولا يمكن حساب حجم الاستثمارات في قطاع الأدوية في مصر بشكلٍ دقيقٍ، ولكن هناك إحصائيَّاتٌ غير رسميَّةٍ متداولةٍ، تشير إلى وجود حوالي 14 مليار جنيه مصري (حوالي 2.6 مليار دولار)، ولكن القيمة الحقيقيَّة أكثر من عشرة أضعاف هذا الرَّقْم بحسب مصادر في صناعة الدَّواء في مصر.
إسرائيل والتِّريبس
وفي ملفات صناعة الأدوية في مصر الكثير من القضايا المفتوحة، ومن بينها طبيعة التَّواجُد الإسرائيليِّ فيها.
وقد ثارت هذه المشكلة بعد توقيع وزير الاستثمار الدُّكتور محمود محيي الدِّين لاتفاقيَّةٍ مع مجموعة "راف" الكوريَّة الجنوبيَّة في يوليو من العام 2008م، لإنشاء 6 مصانعَ متخصصةً في مجال إنتاج المُضادات الحيويَّة والأمصال والأمبولات والعبوَّات الدوائيَّة والأدوية المُضادة للسَّرطان، تضخ بمقتضاها مجموعة "راف" حوالي 100 مليون دولار كاستثماراتٍ في سوق الأدوية في مصر، مع خلق حوالي ثلاثة آلاف فرصة عمل في المصانع السِّتَّة.
والمجموعة معروفٌ عنها صلاتها بشركاتٍ إسرائيليَّةٍ؛ حيث إنَّ هناك مصانع مشتركة بين المجموعة الكوريَّة الجنوبيَّة وشركاتٍ إسرائيليَّةٍ، وبعضها مقامٌ في داخل إسرائيل، وفي أحد المستوطنات بالقدس الشَّرقيَّة المُحتلَّة، بجانب أنَّ إسرائيل تملك نسبةً كبيرةً من أسهم مجموعة "راف" في الأساس، وهو ما جعل هناك تعاونًا علميًّا واسع النِّطاق وعلاماتٍ تجاريَّةً مشتركةً بين الشركة الكورية ونظيراتها الإسرائيليَّة.
بجانب هذه المُشكلة، فإنَّ هناك تحديًا آخر أمام صناعة الدواء في مصر، وهو اتفاقيَّة حماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة أو "التِّريبس"، والتي أقرَّتها مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة في أبريل من العام 1994م، وأصبحت سارية المفعول من العام 1995م، ولكن تم تطبيقها تدريجيًّا، حتى وصلت إلى التَّطبيق الشَّامل في يناير من العام 2005م.
ومن بين مساوئ الاتِّفاقيَّة، أنَّها قيَّدت من إمكانات تصنيع الأدوية، في بلدان الجنوب، ومن بينها مصر والدول العربيَّة العالم العربي من خلال اشتمالها على بنودٍ وُصِفَتْ بأنَّها غير عادلةٍ، من بينها حماية براءات اختراع الأدوية لمدة 20 عامًا، ممَّا يحرم صناعة الدَّواء في مصر من أجزاءٍ شديدة الأهمِّيَّة من مُكوَّنات التَّصنيع، بما سوف يؤدِّي إلى تقليص الإنتاج ورفع الأسعار، مع إتاجة الفرصة لشركات الدَّواء العالميَّة للتَّحكُّم في الأدوية الجديدة وعالية التِّقَنِيَة
وانطلاقًا ممَّا سبق فإنَّ الاتفاقيَّة تحرم الدِّوَل النَّامية من الحصول على الابتكارات الجديدة، مع رفع أسعار التِّقنيات الجديدة، بما سيؤدِّي إلى احتكاراتٍ واسعة قد تشمل في وقتٍ من الأوقات جميع جوانب العمليَّة التَّصنيعيَّة، وفي هذا يكفي أنْ نعرف أنَّه في عقد التِّسعينيَّات الماضية، وقبل تطبيق الاتِّفاقيَّة بشكلٍ كاملٍ، كان نصيب الدِّول النَّامية 6% فقط من بين 3.5 ملايين براءة اختراع، في مقابل حصول الشَّركات متعدِّدة الجنسيات على أكثر من 80% منها.
كما أنَّ الاتِّفاقية وضعت قيودًا على التَّصنيع بنظام الاتِّفاق؛ حيث إنَّ الشَّركات المالكة لبراءات الاختراع تمنح حقوق الإنتاج للشَّركات في مصر وغيرها من البلدان النَّامية لفتراتٍ ما بين ‏5‏ إلى‏10‏ سنواتٍ فقط, كما يجب على البلدان النَّامية الالتزام بمطابقة المُنتجات الدَّوائيَّة للمواصفات العالميَّة كشرطٍ لدخول إنتاجها الأسواق, كما تفرض عليها فتح أسواقها، وعدم حماية الإنتاج المحلي كما تمنع السِّياسات التَّفضيليَّة من هذه الحكومات لصناعاتها المحلِّيَّة‏.
وعلى الرَّغم من أنَّ الدِّول النَّامية قد فهمت ضرورة اجراء المزيد من الأبحاث والدِّراسة في هذا المجال، حتى لا تتعرض لهذا الغُبْنِ، إلا أنَّها لم تستطع تطوير بدائلٍ أخرى، حيث التَّخلُّف والفقر وضعف القدرات التَّنافُسيَّة، بما يعرِّضُها للاستغلال من جانب الشركات الكبرى والدِّول المُتقدِّمة.
وبحسب دراسةٍ حديثةٍ لاتحاد الصِّناعات المصري، فإنَّ "التِّريبس" رفعت كُلْفَة الحصول على حقوق التَّصنيع المحليِّ والأجنبي، وحذَّرت الدِّراسة من أنَّ استيراد الدَّواء والمواد الأساسيَّة لهذه الصِّناعة وفق ترتيبات "التِّريبس"، سيدمر صناعة الأدوية في مصر في غضون الخمسة عقودٍ القادمة.
وفي هذا يُشار إلى أنَّ مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة، عقدت منذ إنشائها- في صورة اتفاقيَّة الجات- منذ العام 1947م، ثماني جولاتٍ، كان أهمها دورة أوروجواي التي استمرَّت في الفترة من العام 1986م إلى العام 1993م، التي تمَّ التَّوصُّل إلى اتفاقيَّة "التِّريبس" في إطارها، وأثارت جدلاً واسعًا حول إقرارها نتيجة لتعارض المصالح بين الدِّول الغنيَّة والدِّول الفقيرة في هذا الإطار.
الدَّواء والبحث العلمي
لا يمكن فصل قطاع الأدوية في مصر، صناعةً وتجارةً عن واقع قطاع البحث العلمي، وهو أحد أسوأ القطاعات على الأقل في مستوى إنفاق الدولة عليه؛ حيث لم تزد ميزانيَّة البحث العلمي في مصر عمَّا نسبته 0.4% من حجم الموازنة العامة السَّنويَّة.
ولعلَّه لا يمكن المبالغة بالقول إنَّ أيَّة مشكلاتٍ قائمةٍ في مجال صناعة الأدوية في مصر والعالم العربيِّ تعود بالأساس إلى تراجُع مستوى البحث العلمي.
وتقول مصادر في صناعة الدواء المصريَّة إنَّ صناعة الدواء في مصر والوطن العربي تُعاني تدهورًا شديدًا نتيجة عدم امتلاك تكنولوجيا هذه الصِّناعة، وتراجع البحث العلمي القائمة عليه؛ حيث لا يملك الوطن العربي من براءات الاختراع العالمية سوى نسبة 5 في المائة، وبينما لديه كفاءاتٌ بشريَّةٌ علميَّةٌ على أعلى مستوىً، إلا أنَّه لا يوجد إنفاقٌ على هذا المجال، فضلاً عن عدم وجود سياسةٍ عامَّةٍ تُساعد على قيام البحث العلمي بتقديم المعرفة له.
ومصر- كجزءٍ من الوطن العربي- تٌعاني من عدم وجود منظومةٍ بحثيَّةٍ، أو هي موجودةٌ ولكنَّها ضعيفةٌ، وتعود أسباب ذلك بجوار ضعف الإرادة السِّياسيَّة لدى الحكومة في مصر، إلى وجود رغبةٍ سياسيَّةٍ لدى الدِّول المُتقدِّمة في إضعاف مجالات البحث العلمي المُختلفة في دول العالم النَّامي، وهو ما يؤدِّي بدوره إلى تأثيراتٍ على عمليَّة التَّنمية، ومن ذلك تتفرَّع نقطة الاستثمار في مجال الأدوية.
في المُقابل فإنَّ القطاع الخاص يتسم بالجُبن، أو ما يُعرَف في العلوم الاقتصاديَّة بعبارة "رأس المال جبان"، فلا يُقدِم على الاستثمار في مجالات البحث العلميِّ؛ حيث إنَّ المردود أو العائد الاستثماري في هذه المجالات طويل الأمد، بما يتنافى مع اعتبارات الرِّبحيَّة التي يسعى إليها القطاع الخاص.
كما يُعاني قطاع البحث العلمي في مصر في مجال الأدوية إلى انتشار السِّرقات العلميَّة في كثيرٍ من الهيئات الطِّبِّيَّة في مصر، وهو ما يعود إلى غياب الرَّقابة، مع الاستمرار غير المُبرَّر في الاستعانة بالخبراء الأجانب.
وكل هذه العوامل ذات الطَّبيعة "العلميَّة" تُساعد على إضعاف هذا القطاع المهم في مصر، وتمرير كمِّيَّاتٍ غير عاديةٍ من الأدوية الفاسدة إلى مصر.
وفي روشتة العلاج، حدَّد خبراء يعملون في القطاع الصِّحِّيِّ في مصر مجموعةً من الخطوات، من بينها:
-    المحافظة على كل المراكز البحثيَّة في مصر، وتطويرها.
-    ضخ رؤوس أموال جديدة فيها، مع الاستعانة برؤوس الأموال الخليجيَّة في هذا السِّياق.
-    إطلاق حُرَّيَّة الإبداع والتَّفكير والسَّعي إلى تكوين سياسيةٍ أكاديميَّةٍ سليمةٍ، وترشيد وتنظيم البحث العلمي.
-    تطوير حوافزٍ استثماريَّةٍ لتدعيم دور القطاع الخاص في هذا المجال.
-    تطوير الواقع القانوني الذي يحكم هذا المجال.
-    مكافحة كل أشكال الفساد.
التَّهريب.. وجهٌ آخر للفساد
كما أنَّ واقع قطاع الدواء في مصر يواجه إلى جانب ذلك مُشكلةً أخرى شديدة الأهمِّيَّة، وهي مشكلة الأدوية المهرَّبة.
فمُنظَّمة الصِّحَّة العالميَّة قالت إنَّ حجمَ هذه التِّجارة غير المشروعة قد يرتفع من 40 مليار دولار إلى 75 مليارًا سنويًّا بحلول عام 2010م، وهو حجمٌ يمثِّل ما نسبته 10% من مبيعات الدَّواء على مستوى العالم، وبطبيعة الحال فإنَّ نسبة الأدوية المغشوشة تكون أعلى ما يكون في مثل هذه التَّجارة السوداء، التي لا تقل خطورتها عن خطورة الاتِّجار في السِّلاح.
وفي مصر تشير بعض التَّقديرات إلى أنَّ هذه النَّوعيَّة من التِّجارة قد قفز حجمها إلى 10 مليارات جنيه (حوالي 1.83 مليار دولار)، ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ حيث إنَّ الرَّغبة في تلبية احتياجات السُّوق المحلِّيَّة المتزايدة للدَّواء، وتراجع المستوى الثَّقافيِّ والفكريِّ للمواطنين، وضعف الرَّقابة، فتحت شهية مصانع "بير السِّلِّم" التي بدأت تتوغَّل داخل سوق الدَّواء المصريَّة!!..
.

......

أقرأ المزيد...

الاقتصاد الأسود في مصر.. الوجه القبيح للانفتاح والعجز الرَّقابيِّ الحكوميِّ!!...



الاقتصاد الخفي في مصر يساوي حجم الاقتصاد القوميِّ الشَّرعيِّ!!
-    بعض رجال الأعمال استغلَّ المناخ غير الواضح من السِّياسات الاقتصاديَّة في جمع الثروات بطرقٍ غير قانونيَّةٍ
-    ازدادت القروض غير المغطاة من البنوك مع ازدياد أعداد المشروعات الوهميَّة
-    ظاهرة شركات توظيف الأموال ظهرت في إطار مشكلة الاقتصاد الخفي

كتبت: شيماء جلال وإيمان إسماعيل
عندما بدأت مصر مرحلة الانفتاح الاقتصادي في منتصف عقد السبعينيات الماضي، وبدء الحكومات المصريَّة المُتعاقبة في تنفيذ "توصيات" البنك الدَّولي وغيره من المُؤسَّسات الماليَّة العالميَّة التي تولَّت زمام الاقتصاد المصري، لم يكن لأحدٍ يتصوَّر أنَّ سحب الدَّولة ليدها عن إدارة أمور الاقتصاد في مصر أنْ تصل الصُّورة إلى ما وصلت إليه في الوقت الرَّاهن؛ حيث نصف الاقتصاد القومي لا تعرف الحكومة المصرية عنه أيَّ شيءٍ.
فمع غياب الرقابة الرَّسمبَّة وتراجُع دَوْر الدَّولة المصريَّة في إدارة الاقتصاد الكُلِّيِّ في مصر، وتنامي مؤشرات الفساد الماليِّ والإداريِّ، خصوصًا على مستوى المحلِّيَّات، تنامت في مصر ظاهرةٌ مُخيفةٌ، هي ظاهرة "الاقتصاد الأسود"، بكل ما تشتمل عليه هذه الظَّاهرة من دلالاتٍ وتأثيراتٍ، ليس أقلها فقدان الدَّولة لنصف عائداتها الضَّريبيَّة، بالإضافة إلى تنامي عمليَّات غسيل الأموال في مصر.
ومدعاة هذا الكلام، أو ما فتح الحديث مُجدَّدًا بقوَّةٍ حول هذه الظَّاهرة، تلك الدِّراسة التي نشرتها قبل فترةٍ صحيفة (اليديعوت أحرونوت) الإسرائيليَّة، والتي كشفت عن أنَّ مصر على رأس دول العالم العربي التي تعاني من ظاهرة الاقتصاد الأسود"، أو "الأموال السوداء"، والمقصود به الأموال والاستثمارات والأنشطة الاقتصاديَّة المختلفة التي تتم بعيدًا عن معرفة الدَّولة، للتَّهرُّب من دفع ضريبة الدَّخل عليها.
وعلى الرَّغم من أنَّ التَّقرير الإسرائيليَّ كان يهدف إلى الرَّد على الانتقادات التي كانت تُوجَّه لإسرائيل باعتبار أنَّها تحوز مكانةً خاصَّة في مجال الاتِّجار في البشر والأعضاء البشريَّة والسِّلاح والفساد المالي، إلا أنَّ التقرير الذي أعدَّه الصَّحفيُّ ديفيد جروسمان، كشف عن وضع مصر على رأس قائمة الدِّول العربيَّة التي قال إنَّ اقتصادها يقوم على فكرة التَّهرُّب الضَّريبيِّ، وذلك بالتَّوازي مع كون مصر وكثيرٍ من الدول العربيَّة على قائمة البلدان الأعلى على مقياس الفساد العالمي.
وكان أمام ذلك التَّقرير، كان هناك ضرورةٌ حتميَّةٌ للوقوف عليه ومعرفة أسباب وخلفيات وجذور هذه الظَّاهرة، التي تثبت فشل الحكومات المصريَّة المُتعاقبة في الأداء الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ.
فوضى رأسماليَّة!!
عندما تمَّ الإعلان عن تخلِّي مصر عن سياسات التَّخطيط المركزي وتبنِّي سياسات الانفتاح الاقتصاديِّ رسميًّا في العام 1974م، فإنَّ الخبراء يُؤكِّدون أنَّ الرَّأسماليَّة المصريَّة لم تكُن جاهزةٌ أو مُستعدَّةٌ للقيام بدورها المُفتَرَض في عمليَّة التَّنمية، سواءً إمَّا لأنَّها لم تكن تملك الأموال الكافية، بعد أكثر من عقدَيْن من تطبيق السِّياسات الاشتراكيَّة، ومن بينها التَّأميم، أو لأنَّها- بالتَّالي- لم تكُن على استعدادٍ للمخاطرة بنفسها مرَّةً أخرى.
ولذلك، فإنَّ القطاع الخاص في مصر بدأ بأموال المُهاجرين المصريِّين ورؤوس الأموال الأجنبيَّة ، ودخل في مشروعاتٍ ضعيفة الإنتاجيَّة، وأغلبها كان إمَّا خدميًّا أو تجاريًّا، مثل صناعة الأغذيبة أو استيراد السِّلع الكماليَّة، وذلك خدمةً للمطالب الاستهلاكيَّة للطَّبقة الجديدة التي كانت تتكوَّن في مصر.
وفي الإطار استغل بعض رجال الأعمال المناخ غير الواضح من السِّياسات الاقتصاديَّة غير المناسبة في جمع الثروات بطرقٍ غير قانونيَّةٍ، مثل الاستيلاد على أموال البنوك أو استيراد السِّلع الفاسدة، وتداول الإعلام أسماءً شهيرةً، مثل توفيق عبد الحي، الذي كان عنوانًا لهذه المرحلة.
وبحسب وصف الرَّئيس الرَّاحل أنور السادات، فإنَّ "القطط السِّمان" من أرباب الاقتصاد الأسود، كوَّنوا طبقةً اتسعت واستعت أعمالها، بحيث شملت تجارة العملة الأجنبيَّة، وبلغ درجة تأثير وحجم السُّوق السَّوداء للنَّقد الأجنبيِّ في مصر، أنَّه- أي الاقتصاد الأسود في هذا المجال- أصبح الملجأ الأخير للبنك المركزي فى أوقات نقص السُّيولة من العملة الأجنبية.
كما شملت تجارة الأسواق السوداء في مصر السِّلَع التَّموينيَّة، مثل الدَّقيق والأسمنت وحديد التَّسليح والخشب، وقائمة أخرى ممتدةٌ من السِّلع التي كانت تُباع في السُّوق السَّوداء، إمَّا لكونها مُدعَّمة، أو لأنَّ السُّوق كانت تعاني من نقصٍ حادٍّ في المعروض منها.
وفي الإطار ازدادت القروض غير المغطاة من البنوك، مع ازدياد أعداد المشروعات الوهميَّة، وكانت ظاهرة شركات توظيف الأموال، ظاهرةٌ لصيقةٌ بذلك، كما ازدادت عمليَّات الاحتيال على الأفراد وعلى الدَّولة، ممَّا جعل منصب المُدَّعي العام الاشتراكيِّ من أهم المناصب الرَّسميَّة.
والأخطر من ذلك أنَّ الاقتصاد الخَفي للدَّولة في شمل ظواهر أخرى بخلاف الفساد والرِّشوة، مثل السِّلع غير الشَّرعيَّةٍ مثل المخدرات بأشكالها المختلفة، وعمليَّات غسيل الأموال أو ما يُعَرف بـ"الجريمة البيضاء"؛ حيث يتم تدوير أموال تجارة المُخدرات وغيرها من الأموال التي أتت من مصادرٍ غير شرعيَّةٍ كالتَّهريب في أعمالٍ مشروعةٍ، بحيث تختفي الأموال غير المشروعة في أعمالٍ مشروعةٍ وعوائدها.
وتشمل عمليَّات غسيل الأموال الأنشطة التَّالية:

-    المُتاجرة في السِّلع والخدمات غير المشروعة، مثل المخدرات بأنواعها المختلفة، وأنشطة البغاء أو الدَّعارة أو ما يُعرَف بعبارةٍ مُهذَّبة بـ"شبكات الرَّقيق الأبيض".
-    أنشطة التَّهريب عبر الحدود من دون دفع الرُّسوم أو الجمارك المُقرَّرة.
-    تهريب السِّلاح.
-    السُّوق السَّوداء، والتي تعني الاتجار غير المُقنَّن لبعض السِّلع والخدمات خارج الرَّقابة الحكوميَّة، وبأسعارٍ أعلى، مثل السِّلع الإستراتيجيَّة أو تلك التي تُعاني السُّوق المصريَّة من نقصٍ حادِّ في المعروض منها، والعملات الأجنبيَّة.
-    الرِّشوَة والفساد الإداريِّ والتَّربُّح من وراء الوظيفة العامَّة، وخصوصًا في مجال منح التَّراخيص أو الموافقات الحكوميَّة أو ترسية العطاءات في المعاملات المحلِّيَّة والخارجيَّة، ويدخل في ذلك العمولات التي يحصل عليها البعض مُقابل عقد صفقاتٍ في مجال السِّلع الرَّأسماليَّة أو الاستثماريَّة أو الحصول على السِّلاح والتكنولوجيا المُتقدِّمة، أو حتى أيَّة صفقةٍ تجاريَّةٍ كبيرة.
-    التَّهرُّب الضَّريبيُّ من خلال التَّلاعب في دفاتر الحسابات أو إخفاء مصادر الدَّخل، وتحويل الأموال الفائضة إلى خارج البلاد.
-    الدَّخل النَّاتج عن أنشطةٍ أمنيَّةٍ وسياسيَّةٍ غير مشروعة مثل الجاسوسيَّة، والسَّرقات أو الاختلاسات من الأموال العامَّة، وتزوير الأموال والنَّقد، بما في ذلك الأوراق الماليَّة مثل الشِّيكات والسَّندات، وتهريب هذه الأموال في الخارج.
-    الأموال النَّاتجة عن المضاربات غير المشروعة في الأوراق الماليَّة والسلع الإستراتيجيَّة.

كما يدخل في نطاق أنشطة الاقتصاد الأسود، الاقتراض من البنوك المحلِّيَّة من دون ضماناتٍ كافيةٍ، وتحويل هذه الأموال إلى الخارج، في مُقابل عدم سداد مُستحقَّات البنوك المحلِّيَّة، والهروب في النهاية إلى خارج البلاد.
كما يعتمد الأقتصاد الأسود في مصر على ظواهرٍ وأنشطةٍ أخرى، مثل الصِّناعات الصَّغيرة غير المُرخَّصة، أو ما يُعرَف في مصر بـ"مصانع بير السُّلَّم"؛ حيث تصنيع بعض السِّلع والمُنتجات المنزليَّة غالبًا، بما في ذلك الأجهزة الكهربائيَّة، وإعداد شهادات منشأ مُزوَّرةٍ لها.
وفي هذا الإطار تُعتَبَر الأموال النَّاتجة عن عمليَّات الغش التِّجاري أو الاتِّجار في السِّلع الفاسدة وتقليد الماركات العالميَّة أو المحلِّيَّة ذات الجودة والشُّهرة، بما في ذلك تزوير الكتب والمُصنَّفات الفنِّيَّة والفكريَّة، أحد أهم مصادر الأموال السوداء في مصر.
حجم الظَّاهرة
بالرَّغم من صعوبة تحديد حجم هذه الظَّاهرة، باعتبار أنَّها تتم بعيدًا عن رقابة الدَّولة، إلا أنَّ بعض المراكز والمُؤسَّسات الماليَّة العالميَّة حاولت ذلك، وقدَّرت أنَّ حجم الأموال السوداء في العالم ما بين 750 مليار دولار الى تريليونٍ من الدولارات، أمَّا صندوق النَّقد الدَّوليِّ فقد قدَّر حجم عمليات غسيل الأموال ما بين 620 مليار دولار إلى 1.6 تريليون دولار بما نسبته 2% الى 5% من الناتج المحلي الاجمالي العالمي، من بينها نحو 85 مليارًا من أرباح تجارة المخدرات فقط.
وبينما تُشير المعلومات المتوافرة إلى أنَّ عمليات غسيل الاموال في روسيا- مثلاً- تتراوح ما بين 25% إلى 50% من النَّاتج المحليِّ الإجماليِّ، وحوالي 10% في جمهورية التِّشيك، وما بين 7% إلى 13% في بريطانيا، فإنَّ التَّقديرات أشارت إلى أنَّ الاقتصاد المصري الأسود يعادل ذات حجم الاقتصاد القومي الرَّسمي!!
وتُعتَبر عمليَّات التَّهرُّب الضَّريبيِّ في مصر واحدةٌ من أكثر أوجه هذه المشكلة شغلاً لفكر الدَّولة، مع تراجُع مستوى عائدات الدَّولة السِّياديَّة بسبب الخصخصة، بينما في العام 2007م، وصلت حجم أموال التَّهرُّب الضَّريبيِّ إلى حوالي 30 مليار جنيه، وكان من بين 153 قضيَّة تهرُّب ضريبي وافق وزير الماليَّة الدُّكتور يوسف بطرس غالي على تحريك دعاوى جنائيَّة ضدها بناءً على طلبٍ من مصلحة الضَّرائب قضايا تورَّط فيها عددٌ من رجال الأعمال وكبار الصَّحفيِّين الذين كانوا مسئولين عن إدارة كبرى المُؤسَّسات الصَّحفيَّة القوميَّة، وشخصيَّاتٍ عامَّةٍ.
وكان من بين هؤلاء إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة مُؤسَّسة (الأهرام) السَّابق، وسمير رجب رئيس مجلس إدارة مُؤسَّسة (دار التحرير) السَّابق، والدُّكتور عمرو علواني رئيس الاتحاد المصري للكرة الطَّائرة، والدكتور كمال درويش رئيس نادي الزَّمالك الأسبق، ومصطفى النَّجَّار رئيس الغرفة التِّجاريَّة بالإسكندريَّة، ومحمد فرج عامر عضو مجلس الشُّورى ورئيس مجلس إدارة نادي سموحة.
وفي ذلك العام، 2007من الذي نتخذه كعامِ أساسٍ في هذا المجال، فإنَّ "الاقتصاد الأسود" في مصر شملت تقريبًا كافَّة القطاعات الاقتصاديَّة الرَّئيسيَّة، مثل أنشطة تجارة السَّيَّارات وتقسيم وبيع الأراضي والاستثمارات العقاريَّة وتجارة الحديد والتَّصدير والاستيراد وصناعات الُّلحوم والمواد الغذائيَّة وخدمات البترول والدَّعاية وسمسرة عمليَّات بَيْع الَّلاعبين.
والمدهش أنَّ بيانات مصلحة الضرائب المصريَّة أشارت إلى أنَّ أغلب الحالات متهمة بالتَّهرُّب الضَّريبيِّ لمددٍ تتراوح ما بين عامٍ إلى عشرة أعوامٍ، بينما البعض مُتَّهمٌ بالتَّهرُّب لمددٍ تراوح ما بين 15 إلى 20 عامًا، بينما هناك حالة لمواطن "ضحك على الدَّولة" أو ربما بالاتفاق مع بعض مسئوليها أكثر من 30 عامًا، وهي حالةٌ لمواطنٍ من محافظة الغربيَّة يُدعى الحسين محمد عشماوي، وكان يُمارس أنشطة تجارة تقسيم الأراضي منذ العام 1976م!!
كما تكشف الأرقام الرَّسميَّة حقائق أخرى لها العديد من الدلالات السَّيئة، مثل أنَّ نسبة من يقومون بسداد ضريبة الدَّخل لا يزيد على 5% من مستحقي سداد الضَّريبة، والبالغين حوالي 6 ملايين مواطن، كما أنَّه من بين هؤلاء 1.7% فقط يسددون الضَّريبة المستحقَّة عليهم فعلاً.
كما أنَّ عدد من يتقدمون بإقراراتهم الضَّريبيَّة لا يزيدون على 6 ملايين مواطن، من حوالي 14 مليونًا؛ حيث إنَّ 20% من المواطنين المصريِّين يحصلون سنويًّا على 46% من الدَّخل الإجماليِّ القوميِّ لمصر، والذي وصل في عام الأساس لدينا، وهو العام 2007م، إلى 450 مليار جنيه، وهو ما يعني أنَّ هناك حوالي 14 مليون مواطنٍ يحصل كلٌّ منهم في المُتوسِّط على أكثر من 15 ألف جنيه سنويًّا، بينما طبقًا للقانون فإنَّ كل من يتجاوز دخله السَّنوي 4 آلاف جنيه، عليه سداد ضريبة الدَّخل.
وذلك بالرَّغم من أنَّه، وبحسب حديث الدُّكتور يوسف بطرس غالي، فإنَّ الضَّرائب هي عماد الموازنة العامَّة للدَّولة؛ حيث إنَّ ايرادات الحكومة المصريَّة تقتصر على ثلاثة مواردٍ فقط، هي: عائدات قناة السُّويس، بمتوسِّط سنوي يصل إلى 18 مليار جنيه، و27 مليار جنيه من صادرات البترول، و70 مليار جنيه من الضَّرائب، بجانب بضعة ملايين في مُقابل الصَّادرات الزِّراعيَّة.
فاعليَّةٌ قانونيَّةٌ؟!
ولا يُبدي الخبراء تفاؤلاً بالحملة الحكوميَّة الحالية لعلاج هذه المشكلات، بما في ذلك حالات التَّهرُّب الضَّريبيِّ؛ فمن قبل قانون الضَّرائب الجديد الذي يحمل رقم 91 للعام 2005م، كان هناك قانون الضَّرائب رقم 157 لسنة 1981م، والذي تمَّ تعديله بسبب عدم فاعليَّته، بإصدار القانون رقم 187 لسنة 1993م، والذي ثبت أيضًا عدم فاعليَّته، وأخيرا جاء القانون رقم 91، والذي لا يزال في طَوْر التَّقييم.
ولذلك يُعوِّل الخبراء على دَور الدَّولة ذاتها في مواجهة "الاقتصاد الأسود" أو الاقتصاد الخفي، وخصوصًا مواجهة التَّهرُّب الضَّريبيِّ؛ حيث أوضح الخبير الإقتصادي الدُّكتور حمدي عبد العظيم الرَّئيس الأسبق لأكاديميَّة السَّادات للعلوم الإداريَّة، أنَّ الدَّولة يقع على عاتقها دورٌ أساسيٌّ في سدِّ الثَّغرات المُتواجدة ببعض القوانيين التي تَمكَّن بعض المفسدين من التَّهرُّب من المُساءلة والمُحاكمة، فضلاً عن سنِّ تشريعاتٍ جديدةٍ ضدِّ كُلِّ مُفسد أو مُتهرِّب.
وأشار عبد العظيم في تصريحاتٍ خاصَّة لـ(اتِّجاهات)، أنَّه لابد من إحكام الرَّقابة على كافَّة الإدارات الاقتصاديَّة والمُؤسَّسات التي قد تُمارَس فيها أيَّة مُمارساتٍ اقتصاديَّةٍ فاسدةٍ أو ضارَّةٍ، ومن ضمن تلك المُؤسَّسات الجمارك؛ الضَّرائب؛ هيئة الصَّادرات والوارادات، وأكَّد أنَّه لابد من تشديد الرَّقابة على تلك المُؤسَّسات بالتَّحديد، مع تشديد العقوبات على كافَّة الجهات المُرتكِبَة والمُتسبِّبة في عمليَّات الفساد المالي والتَّهرُّب الضَّريبيِّ.
كما ألمح الدُّكتور عبد العظيم إلى أهمِّيَّة مُشاركة المجتمع المدني في مكافحة الفساد وعمليَّات غسيل الأموال التي تكاثرت بشكلٍ كبيرٍ خلال الفترة الحالية، مشيرًا إلى أنَّ التَّقرير الإسرائيلي الذي قال إنَّ مصر جاءت في المرتبة الأولى للأموال السَّوداء، يبرز أنَّ هُناك تراخٍ كبيرٍ من جانب الدَّولة والمسئولين في مكافحة تلك العملِّيَّات الضَّارة بالاقتصاد.
من جهته يطرح محمد الأشقر رئيس "الجمعيَّة الشَّعبيَّة لحماية المواطن من الجباية" أسبابًا أخري تُشجِّع علي انتشار عمليَّات التَّهرُّب الضَّريبيِّ، وقال في تصريحاتٍ خاصَّة لـ(اتِّجاهات)، إنَّ نِسَبَ الضَّرائب في مصر هي الأعلى في منطقة الشَّرق الأوسط كله، بل وتفوق مثيلاتها في أعتى الدِّول الرَّأسماليَّة، ولهذا فإنَّ الكثيرين يفضلون العمل في مصر، للتَّهرُّب من سداد الضَّرائب.
ويشيرأن الفساد الذي انتشر في مصر في السَّنوات الأخيرة وأصبح "لا يعدُّ ولا يُحصى، حتى صرنا في مصر نتنفس فساداً؛ وهذا الفساد شجَّع الكثيرين على التَّهرُّب الضَّريبيِّ، خاصَّة في ظلِّ عمليَّات نهب المال العام من البنوك، وفي ظلِّ جرائم الرِّشوة التي يرتكبها الكبار، وفي ظلِّ حالة الضَّباب السِّياسيِّ التي تعيشها مصر حاليًا، وهي الحالة التي سمحت لكلِّ محافظٍ أو وزيرٍ في مصر أنْ يتحصَّل على دخلٍ شهريٍّ يتراوح ما بين 5 إلى 10 ملايين جنيه، ومع ذلك فقلما يسدد أحد منهم الضرائب المستحقة عن هذا الدَّخل الخياليِّ!!

أقرأ المزيد...

عُمَّال مصر.. رأس حربة العمل السِّياسيِّ أم احتجاجات اجتماعيَّة فئويَّة؟!...

كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

مُقدِّمةٌ
تشهد السَّاحة المصريَّة منذ العام 2004/2005م، حالةً جديدةً أو ظاهرةً جديدةً لم تشهدها منذ عقودٍ، ونعني بها الاعتصامات والإضرابات العُمَّاليَّة التي تُعدُّ ظاهرةٌ حديثةُ العهد بالمجتمع المصري؛ ولعل إضراب 6 أبريل الكبير في العام 2008م، وما صاحبه من إضرابات وحراكٍ مستمرٍّ لعمَّال غزل المحلة، كان هو العلامة الرَّئيسيَّة والأساسيَّة التي دفعت إلى خروج أعدادٍ كبيرةٍ من العُمَّال المصريِّين من مرحلة كمونهم وسكونهم، بل يُمكن أنْ نطلق عليه صبرهم على آلام العمل، إلى مرحلة انطلاقة، شهدت معها حالةٌ من الإضرابات والإعتصامات المتتالية والمتوالية، التي تكاد لا يمر يوم إلا ونسمع عنها.
وكان العام 2005م، هو أوَّل عامٍ عرف هذه الظاهرة بكثافةٍ في سنوات ما يُعرَف بالحراك السِّياسيِّ في مصر، وتطوَّرت هذه الظاهرة من أقل من خمسين إضرابًا واعتصامًا في العام، إلى حوالي ألف في العام 2007م، تضاعفت لتصل إلى ألفَيْ إضرابٍ وعصيانٍ مدنيٍّ في العام 2008م المنصرم.
ولكن وبالرَّغم من وضوح مطالب وشكل هذه التَّحرُّكات، التي يُفضِّل النَّاشط المصري الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم إطلاق اسم "العصيان المدني" عليها، فإنَّ طبيعتها لا يزال الباحثين حائرون في صددها، فهل هي جزءٌ من الحراك السِّياسيِّ الذي كانت مصر قد بدأت تشهده منذ العام 2004م؟!، أم نتيجةً له؟!، أم هي مجرَّد احتجاجاتٍ فئويَّةٍ لمجموعاتٍ بعينها تُعبِّر عن نفسها من دون غطاءٍ سياسيٍّ، ووجدت في حالة الانفتاح هذه متنفسًا لها، خصوصًا مع الضُّغوط الدَّاخليَّة والخارجيَّة التي يتعرَّض لها النِّظام الحاكم في هذا الإطار منذ سنواتٍ؟!
الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتَّأثيرات السِّياسيَّة لهذه الظاهرة، ومستقبلها، ومختلف جوانبها الأخرى هو ما يحاول هذا التَّقدير مناقشته.
أولاً: تقييمٌ متباينٌ
مبدئيًّا وطبقًا للآراء أساتذة العلوم السِّياسيَّة، فإنَّنا إذا ما تناولنا إضراب 6 أبريل 2008م تحديدًا، فسوف نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ جديدةٍ أطلق عليها الدكتور سيف عبد الفتاح، أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة، اسم "الشُّعوبية السِّياسيَّة"، والتي تعني مطالبة كلِّ فئةٍ نقابيَّةٍ أو عمالية بمصالحٍ ذاتيَّةٍ لها فقط، وليس مطالب عامَّة تُمثل أصل المشكلات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي يُعاني منها.
وفي رأيه، فإنَّ هذه "الشُّعوبيَّة" بدأت تأخذ صورة "التَّقوقُع" حول الذَّات، وهو أمرٌ يضرُّ بالعمل العام، بحيث ينكب كل فرد على "أكل عيشه" فقط.
والجانب الآخر في تقييم هذه الظَّاهرة يُوضِّحه المفكر المصري الدُّكتور طارق البشري، الذي ركَّز في تحليله للظَّاهرة على غياب عددٍ من الاشتراطات الَّلازمة لتحوُّلها إلى فعلٍ شاملٍ للتَّغيير؛ حيث يؤكد أنَّ غياب القيادة القادرة على تحريك هذه المجموعات النَّقابيَّة والعُمَّاليَّة، لا يقود لنجاح هذه التَّحرُّكات الجماهيريَّة.
كما أنَّ الحرب أو الصِّراع السِّياسيِّ الدَّاخليِّ في مصر بين النِّظام والنَّاس- بحسب قوله- تحتاج إلى وعيٍّ، وهو بحاجةٍ بدوره أيضا إلى قوَّة التَّحريك والتَّنظيم، وهذه مفتقدةٌ، والتنظيمات الموجودة غير قادرةٌ على التَّعبئة والتَّحريك لكي يكون لها تأثير على هذه الحركات، أو سياسات النِّظام من جانبٍ آخرٍ.
وقال إنَّ من أسباب عدم قدرة القوى السِّياسيَّة في مصر على تعبئة الجمهور، عدم سماح الدَّولة لها من ناحيةٍ، إضافة إلى الوضع السِّياسيِّ والمُشاكل التَّنظيميَّة بشكلٍ عامٍ التي تُعانيها هذه القوى.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هذه الإضرابات "الفئويَّة" تُعاني من مجموعةٍ من المُشكلات، من بينها، بالإضافة إلى غياب أو اختفاء القيادة الشَّعبيَّة الكاريزمية، تضارب المواقف والتَّصريحات حول طبيعة الإضراب ومطالبه.
فعلى سبيل المثال، وفي حالة إضراب 6 أبريل، في حين دعت مجموعات على موقع (فيس بوك) الاجتماعي للإضراب "بمعني التَّوقُّف عن مُمارسة أيِّ عملٍ والتَّغيُّب عن مقار العمل والوقفات الاحتجاجيَّة"، دعا سياسيُّون آخرون لمظاهراتٍ في عدَّة مناطقٍ، والتَّعبير عن الغضب على الأوضاع "بأيِّ شكلٍ متاحٍ"، وليس للإضراب فقط بحسب مُنظِّمي 6 أبريل.
كما اختلفت الأوضاع والمطالب بحسب اختلاف وضع المواطن ومكانه، حتى في ذات الوسط، ففي حين ركَّز طُلاب الجامعات عمومًا على تخفيض نفقات الدراسة الجامعيَّة التي أُلغِيَت مجانيَّتُها تقريبًا، ركز طلاب الإخوان المسلمين على المطالب الحُرِّيَّات، بينما ركَّز نُشطاء الحركة المصريَّة من أجل التَّغيِّير (كفاية)، وأحزاب العمل والغد والكرامة "تحت التَّأسيس" على مطالبٍ سياسيَّةٍ أخرى عرضوها في شكل ما عُرِفَ بـ"إعلان القاهرة"، الذي صدر بعنوان "حان وقت التَّغيير"، وطالب بإطلاق الحُرِّيَّات السِّياسيَّة، وإلغاء جميع القيود المفروضة عليها.
كما أنَّ الدَّاعون للإضراب بشكلٍ أساسيٍّ كانوا هم شباب الإنترنت، وهؤلاء فقط يُشكِّلون 12% من المصريِّين، بجانب بعض القوى السِّياسيَّة الصَّغيرة، وهو ما أضعف دعوة الإضراب، وعزَّز ذلك وجود "فاصلٍ طبيعيٍّ" بين شباب الإنترنت وغالبيَّة الشَّعب المصري.
كما أنَّ العامل الأمنيِّ لعب دوره في فشل أو إفشال وإجهاض الإضراب؛ حيث كان هناك ترهيبًا أمنيًّا، ولم يقتصر على اعتقال نشطاء الإنترنت، وإنما امتد لاعتقال الفتيات؛ حيث اعتقلت 7 طالبات وسيدات بغرض الرَّدع الأمنيِّ، وبعث رسالةَ إجهاضٍ مبكرةٍ لمنظِّمي الإضراب، وللذين قد يشاركون في الإضراب.
ثانيًا: أدوارٌ إيجابيَّةٌ
ولكن بعيدًا عن هذه الصُّورة، فقد لعبت الإضرابات دورًا فعليًّا في التَّوعية والتَّعريف بثقافة الاحتجاج بشكلٍ عامٍ في مصر، كما كان اللافت أنَّ الإنترنت كانت وسيلةٌ فعَّالةٌ برغم كل شيءٍ، مقارنةٍ حتى بكونها لا تزال تحبو في مصر؛ حيث تحولت الإنترنت منذ العام 2005م إلى ما يُشبه "وكالة أنباء" بالصُّوت والصُّورة تنشر الأخبار والبيانات والصُّور والمقاطع المصوَّرة الحيَّة، بحيث أكَّدت على دورها المباشر والمتزايد لشباب الإنترنت في تشكيل وعي الشَّعب، ونشر ثقافة الاحتجاج بين المصريِّين.
والأهم هنا كما يقول الدكتور سيف عبد الفتاح أنَّ تربية الناس والجماهير على أنْ تقوم بعملٍ احتجاجيٍّ مُنظَّمٍ، حتى من دون قوَّةٍ سياسيَّةٍ تجمعهم وتحرِّكُهم، تستطيع من خلاله- أي هذا العمل- أنْ تُعبِّر عن رؤيتها الحقيقية إزاء الواقع السِّياسيِّ المصريِّ وكذلك الواقع العام في البلاد، وخصوصًا الأزمة المعيشيَّة في مصر، وهو دورٌ "تربويٌّ" لعبته قوىً عديدةٌ مثل مُنظَّمات المجتمع المدني، وشباب الإنترنت والأحزاب.
كما أنَّ مثل هذه الإضرابات أنَّها دفعت باتِّجاه المزيد من التَّرابُط بين الفضائَيْن الواقعي والإليكترونيِّ بنزول شباب الإنترنت للشَّارع، وتوزيعهم المنشورات وكتابة شعارات الإضراب في الشَّارع، بجانب العمل على الإنترنت.
ومن مزاياه الأخرى أنَّ قيادة الشَّباب للإضراب "حمَّست القوى السِّياسيَّة والحزبيَّة العاجزة والمُتجمِّدة، ودفعتها للتحرك وممارسة دورٍ، ودفعت قوى أخرى كالإخوان المسلمين للسَّعي للاستفادة من حركة الشَّارع في توسيع نفوذها، وإنْ كان الإخوان أكثر حذرًا في ذلك، بدعوى أنَّ دعمهم للإضرابات العُمَّاليَّة سيستدعي ردَّ فعلٍِ سلبيٍّ من جانب الدَّولة المصريَّة ضد هذا الحراك.
على الجانب الآخر، فإنَّ أهم نتائج الإضراب، هة أنَّ هذه الظَّاهرة حرَّكت الحزب الوطنيِّ الحاكم، ودفعته للنَّشاط والتَّفاعُل مع حركة الشَّباب المُعارض، ولو بعقليَّةٍ أمنيَّةٍ.
وقد ظهر هذا في لَعِبِ مُناصري الحِزب الحاكم في مصر دورًا على ساحة موقع (فيس بوك)؛ حيث خاضوا "حرب مجموعاتٍ" حامية الوطيس ضد أنصار الإضراب؛ حيث دشَّن شباب الحزب الوطني عدة مجموعات لمواجهة دعوة إضراب 6 أبريل، وبعناوينٍ هجوميَّةٍ مثل مجموعات: "طز في إضراب 6 أبريل"، و"بلطجة شباب 6 أبريل، ووهم التغيير"، و"يا مخربي 6 أبريل انتظروا الصَّاع بعشرة"، و"آن الوقت لنعمل من أجل مصر".
وشكَّلت الاتِّهامات بالتَّخريب والعمالة قاسمًا مشتركًا في كلِّ مجموعات مُناصري الحزب الوطنيِّ، مثل القول: "هؤلاء يُجنِّدون شباب الجامعات المُغيَّب، والذي يمتلك كثيرًا من الطَّاقة والفراغ وقلَّة المعرفة ليعملوا كمخرِّبين لصالح كبرائهم باسم التَّغيِّير".
ومع هذا فقد أثمرت المُنافسة بين الطَّرفَيْن في إطلاق الحزب الوطنيِّ حملة بعنوان: "عطاء الشَّباب" لمدة أسبوعَيْن، وعلى مرحلتَيْن تشمل كلَّ واحدةٍ منها 14 محافظة؛ بهدف تحقيق التَّضامُن الاجتماعيِّ، وإذكاء روح الانتماء الوطنيِّ للشَّباب، وتأكيد عنصر الإبداع والتَّجديد لديهم من خلال فتح الأبواب الواسعة أمام أنشطتهم التَّطوعيَّة التي تهدف إلى الإصلاح والبناء".
وبالتَّالي فإنَّ هذه الإضرابات، وخصوصًا إضراب 6 أبريل، يمكن النَّظر له وفقًا لمداخلٍ مُتعدِّدةٍ؛ فهو فاشلٌ لو حُسِبَ كحركةٍ شعبيَّةٍ في الشَّارع، وناجحٌ لو نُظِرَ إليه كحركةٍ احتجاجيَّةٍ شبابيَّة داخل الجامعة والشَّارع، ومفيدٌ لو اُعتُبِرَ أحد نماذج التَّثقيف والتَّربية الشَّعبيَّة بثقافة الإضراب والاحتجاج الاجتماعي، والمطالبة بالحقوق الأساسيَّة للمواطن، فضلا عن دفع الحزب الحاكم والسَّاحة العامَّة في مصر باتِّجاه حراكٍ سياسيٍّ.
كما أنَّه- وبحسب مراقبين- فإنَّ هذه الإضرابات المتوالية أعطت مساحةً كبيرةً من التَّفاؤُل لدى النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة بسبب التُّحرُّكات العُمَّاليَّة الواسعة، ورأت فيها دلالةً إيجابيَّةً في اتِّساع المُطالبة بالحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
وفي هذا الإطار يُلاحَظ أنَّ ردَّ فعل الدَّولة كان في البداية غير صداميٍّ بسبب اتِّساع الحركة العُمَّاليَّة، وحاولت من خلال أدواتها التَّسويف والمُماطلة في مطالب العُمَّال، ثُمَّ حاولت إيقاف عدوى هذه الاحتجاجات سواءً من خلال الضُّغوط الأمنيَّة أو تحقيق بعض المطالب المحدودة، مع حساسيةٍ شديدةٍ في التَّعامُل بسبب أنَّ أغلبيَّة مثل هذه الاحتجاجات تقع في مناطقٍ آهلةٍ بالسُّكَّان، ومن الممكن أنْ يتحوَّل المشهد إلى صراعٍ دمويٍّ مريرٍ، النِّظام في غنىً عنه، على الأقل لحين تمرير مُخطَّطات التَّوريث.
ثانيًا: رصدٌ عامٌ للظَّاهرة
لم تتوقَّف "المقاومة العُمَّاليَّة"- إنْ جاز التَّعبير- للسِّياسات الحكوميَّة، ولا تعود فقط إلى الأعوام الأخيرة في عقد الألفيَّة الجديدة الأوَّل، فوفقًا للبيانات الصادرة عن مركز الأرض لحقوق الإنسان، فإنَّ العمَّال في مصر قاموا بـ114 احتجاجٍ عام 1998م، و164 عام 1999م، و135 عام 2000م، و138 عام 2001م، و96 عام 2002م، و86 عام 2003م، وقاموا بـ266 احتجاجٍ في عام 2004م، و202 احتجاجٍ عام 2005م، و222 احتجاجٍ عام 2006م، وارتفعت إلى ألف في العام 2007م، وأكثر من ألفَيْن عام 2008م.
وكانت جميعها ما بين تجمهُرٍ واعتصامٍ وإضرابٍ واحتجاجٍ، وبجانب أنَّ هذه الاحتجاجات ترصد حجم المقاومة العُمَّاليَّة، فإنَّها تعكس أيضًا حجم مُعاناتهم اليوميَّة المعيشيَّة.
وكان من أهم الإضرابات العُمَّاليَّة خلال السَّنوات الماضية إضراب غزل المحلة؛ حيث ثار 27 ألف عاملٍ من عُمَّال شركة "مصر للغزل والنَّسيج"، وأعلنوا الإضراب العام في 7 ديسمبر 2006م، مطالبين بصرف الأرباح تنفيذًا لقرار رئيس الوزراء رقم "467" لسنة 2006م، والذي أقرَّ زيادةَ الحدِّ الأقصى لما يُخصَّص للعاملين، وطالبوا بوقف الفساد في الشَّركة وعزل رئيس مجلس الإدارةن وسحب الثِّقة من الَّلجنة النَّقابيَّة.
وتبقى شركة مصر للغزل والنَّسيج بالمحلة، إحدى أهم معاقل الخبرة النَّقابيَّة والعُمَّاليَّة المصريَّة القادرة على إحداث التَّوازُن في العلاقة بين الدَّولة والعُمَّال في مصر.
ثم جاء إضراب عمال شركة القناة للتَّرسانة النِّيليَّة في 17 ديسمبر 2006م، احتجاجًا على عدم تحديد درجاتٍ وظيفيَّةٍ لهم، ولعدم اعتماد لائحة العاملين بالشَّركة، واستمر الإضراب 9 أيام.
وفي 19 ديسمبر 2006م، اعتصم عُمَّال شركة "أسمنت حلوان" احتجاجًا على إهدار الَّشركة الإيطاليَّة التي اشترت جزءًا من الشَّركة لوعودها معهم بشأن نظام الحوافز الذي تمَّ الاتِّفاق عليه في مفاوضات اتِّفاقيَّة العمل الجديدة، وفي اليوم التَّالي اعتصم عمال "أسمنت طرة" والتَّابعة لنفس الشَّركة تضامنًا مع مطالب زملائهم بشركة "أسمنت حلوان".
وفي العشرين من يناير من العام 2007م، أعلن سائقي القطارات بهيئة السِّكَّة الحديديَّة إضرابهم عن العمل احتجاجًا على استمرار العمل بالمادة "108" من قانون العمل، والتي تنصُّ على أنَّه عندما يُصاب السَّائق بمرضٍ مُزمنٍ يُنْقَل إلى وظيفةٍ أخرى، ولو أقل من وظيفته الأصليَّة، ويحصل على أجره كاملاً لمُدَّة عامَيْن، ثم بعد ذلك يحصل على الأجر الأساسيِّ فقط، مما يُؤدِّي في الحقيقة لتخفيض أجر العامل.
علما بأنَّ أيَّ سائقٍ يخضع لاختبارات طبِّيَّة قبل تعيينه، وهو ما يعني أنَّ التَّغيُّرات الصِّحِّيَّة التي طرأت عليه، وأدَّت إلى عدم لياقته طبِّيًّا هي من نتيجة العمل، وهو ما يستدعي تعويضه عن هذه الإصابة، وليس مجازاته بخصم نصف أجره تقريبًا.
وكان أهم ما يُميِّز إضراب عُمَّال السِّكَّة الحديد، أنَّ السَّائقين تمتَّعوا بتنظيمٍ رفيعٍ للإضراب كان خلفه جميع سائقي القطارات ومترو الأنفاق، وتواترت تكتيكات العمال ما بين تصعيد التَّهديد، ومنع القطارات من الحركة، والنَّوم على قُضبان السِّكك الحديديَّة، والإضراب التَّضامنيِّ لسائقي مترو الأنفاق، ومنْح مهلة للإدارة والتَّفاوُض مع جميع الجهات، ثم منح مهلة للوزير، ثم انحازوا في المفاوضة لتطبيق الشُّروط التي يستفيد منها جميع السَّائقين وليس جزءًا منهم فقط، وهو ما يعكس حجم ودقَّة تنظيمهم وخبرة قيادات رابطة سائقي القطارات، وبالفعل انتهت مفاوضاتهم واضرابهم بإصدار قرارٍ وزاريٍّ يتضمَّن ما تمَّ الاتِّفاق عليه في مفاوضات العُمَّال.
وفي يوم 3 فبراير 2007م، دخل عُمَّال شركة "القاهرة للدَّواجن" في إضرابٍ عن العمل؛ حيث امتنع ما يقرب من ثلاثة آلاف عاملٍ من صرف رواتبهم اعتراضًا على عدم استجابة الإدارة لمطالبهم بصرف بدلات عمل وغلاء معيشة وإضافي لتحسين ظروفهم المعيشيَّة.
ثم بعد ذلك جاء إضراب عمَّال شركة "غزل شبين الكوم" في 4 فبراير من العام 2007م؛ حيث رفض العُمَّال تسليم المصنع للمستثمر الهندي الذي اشتراه، إلا بعد تلبيه مطالبهم المُتمثِّلة في صرف أرباح 133 يوم، وصرف 45 يوم أخرى قرَّرها رئيس الوزراء، وانتهى الاحتجاج بصدور قرارٍ من الوزيرة عائشة عبد الهادي بصرف 45 يوم كمنحةٍ للعُمَّال و133 يوم أرباحٍ، واحتساب أيام الإضراب أيام عملٍ ورفع بدل الوجبة الغذائية من 32 إلى 43 جنيه، وهو مامثل انتصارًا للعُمَّال، ونجاحًا لاضرابهم الذي استمر 10 أيام.
وفي إضراب عُمَّال شركة "الغزل والنَّسيج الرفيع" بكفر الدَّوَّار، طالب العُمَّال بزيادة صرف الأرباح لهم من 15 يوم فقط إلى 45 يومٍ أسوة بُعمَّال "غزل المحلة"، وفيه بلغ عدد المضربين 12 ألف عامل.
بالإضافة إلى تلك الإضرابات، حدثت إضراباتٌ أخرى في نفس العام، منها إضراب عُمَّال مصنع زفتى للغزل، وعمال الزِّراعة بأسوان، وعُمَّال الشَّركة المصريَّة للغزل اسبينكو وبلانكو بالإسكندرية، وعُمَّال غزل ميت غمر، وعُمَّال مصنع وبريَّات سمنود، ومُشرفي النَّظافة بمجلس مدينة كفر الدَّوار، وعُمَّال شركة غزل السُّيوفي، وعُمَّال مصنع المُعدَّات التِّليفونيَّة بالمعصرة، وعُمَّال شركة بولفار للغزل والنَّسيج، وعُمَّال شركة إيديال الِّلذين قاموا باحتجاجٍ على استيلاء الشَّركة على أرضٍ ملكٍ للعُمَّال.
وترصُد مُؤسَّسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان أنَّه في شهر مارس الماضي فقط وقعت 10 اعتصامات و7 إضرابات و3 مظاهرات، وتمثَّلت فيه خسائر الحركة العُمَّالية في فصل 972 عاملاً، ومقتل 4 عُمَّال، من بينهم اثنَيْن قاما بالانتحار لعدم قدرتهما علي توفير مُتطلَّبات الحياة.
نقص الدُّخول وراء الإضرابات:
في رأي الكثير من المُراقبين، فإنَّ المجتمع المصري يجني في الوقت الرَّاهن ثمار السِّياسات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المعمول بها في السَّنوات الأخيرة، والمُعبِّرة عن سياسة السُّوق المفتوح وقانون العرض والطَّلَبَ لكل السِّلَع بما فيه السِّلع الضَّروريَّة لكل المواطنين، بما أدَّى إلى تراجع مستوى المعيشة وعدم الاهتمام بأوضاع العُمَّال.
وذلك بالإضافة إلى البطالة المتنامية في المجتمع، وزيادة التَّضخُّم وارتفاع الأسعار وقِلَّة الدُّخول والتَّفاوُت الشَّاسع بين الفُقراء والأغنياء، ممَّا جعل القُوَّة الفقيرة، وفي طليعتهم العُمَّال، غير قادرةٍ على الوفاء باحتياجاتها الأساسيَّة، ممَّا زاد من حجم الاحتقان الاجتماعي، خصوصًا مع عجز المُنظَّمات النَّقابيَّة عن حماية حقوقهم، والسَّعي لحلِّ مشاكلهم أو تحقيق الحدِّ الأدنى من مطالبهم الضَّروريَّة والمشروعة.
وبطبيعة الحال، فإنَّ كلَّ ذلك يؤدِّي في النَّهاية إلى انفجاراتٍ اجتماعيةٍ مثل الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات، وكافة ألوان الاحتجاج الأخرى، ولذلك فإنَّه ما لم تقُم الحكومة بمعالجة الأسباب الحقيقيَّة لهذه الظَّواهر، فإنَّه من المحتم استمرار هذه الإضرابات، بل وتزايُدها، ممَّا يُعرِّض السِّلم والأمن الاجتماعيِّ والأهليِّ إلى خطرٍ حقيقيٍّ.
وفي هذا الإطار ترى بعض التَّحليلات أنَّ هذه الاحتجاجات تمثل فرصة لتقويم مسار السِّياسات الحكوميَّة، وكشفت عن الأخطاء المتراكمة منذ عقودٍ، ومن بينها سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة، والتي أدَّت إلى انهيار الاقتصاد المصري، بما في ذلك العمليَّة الإنتاجيَّة.
كما كشفت الإضرابات العُمَّالية عن حجم الفساد، والتَّردِّي الذي وصل إليه البناء الهيكليِّ للتَّنظيم العُمَّالي الرَّسميِّ، مع إصرار النِّظام الحاكم على السيطرة الكاملة على اتِّحاد عمال مصر والاتحادات والتَّنظيمات النَّقابيَّة، الأخرى، مع قدوم معظم الِّلجان والتَّنظيمات في الشَّركات بطريقةٍ غير ديمقراطيَّةٍ؛ حيث جاءت في معظمها بالتَّزكية، وهي تنظيماتٌ لا علاقة لها بعُمَّالها؛ حيث تُمثِّل طبقةً عازلةً بين العُمَّال والإدارة، بالمخالفة لمنطق هذه التَّشكيلات التي يجب أنْ تكون تعبيرًا صادقًا عن رغبات العُمَّال.
عوراتٌ تشريعيَّةٌ:
من ناحيةٍ أخرى، تُعاني الحركة العُمَّاليَّة من عوراتٍ تشريعيَّةٍ، فقانون النَّقابات العُمَّاليَّة، وفي شأن الانتخابات النقابيَّة، لا يوجد إلا ثلاث موادٍّ فقط تتعلَّق بالانتخابات، هي:
-    المادَّة "36"، والتي تُحدِّد شروط التَّرشيح.
-    المادَّة "41" التي تُحدِّد مُدَّة الدَّورة النَّقابيَّة، وتاريخ بدايتها ونهايتها وطريقة إشراف القضاء على الانتخابات، وحتى تلك المادة، تُخَوِّل وزير القوى العاملة سلطة إصدار القرار الذي يُحدد مواعيد انتخابات العُمَّال واجراءات التَّرشيح والانتخاب بعد موافقة اتِّحاد العُمَّال.
-    المادَّة "44" التي تُحدِّد مواعيد الطَّعن على نتيجة الانتخابات بـ15 يومًا من تاريخ إعلان النَّتيجة أمام المحاكم الجزئيَّة.
هكذا جاءت نصوص القانون بشأن انتخابات العُمَّال؛ مُجرَّد نصوصٍ عامَّةٍ وقليلة العدد، ووضعت التَّفاصيل الجوهريَّة تحت سُلطة الوزير، فالوزير هو الذي ينفي أو يثبت توافر الشُّروط المُقرَّر لانتخاب العامل، ويُحدِّد الِّلجان المُشرفة على عمليَّة التَّرشيح ومكانها، ويُحدِّد قواعد الدَّعاية، وكيف يتم الانتخاب، وغيرها من تفاصيل الانتخابات.
كما أنَّه على مستوى الممارسة، فإنَّ من أهم إجراءات النِّظام الحاكم للسيطرة على هذه الانتخابات، إصدار قرار ينظِّم انتخابات كل دورةٍ انتخابيَّةٍ على حدة، وبالتَّالي يتم تفصيل نصوص القرار في كلِّ دورةٍ من أجل تحقيق نتيجةٍ معينةٍ!!
وبطبيعة الحال، فقد كان من الأولى أنْ يكون مثل هذه القرارات دائمةٌ، وبمثابة لائحةٍ انتخابيَّةٍ لا يتغير منها إلا تلك القواعد التي يصدر بشأنها أحكامٌ من القضاء، وحتى هذه، فإنَّ بطء إجراءات التَّقاضي  تدخِل العُمَّال في دوامةِ التأخير، وبالتَّالي إجراء الانتخابات تحت سيف القرارات الوزاريَّة وتجاوزات السُّلطة التَّنفيذيَّة.
فبالرَّغم أنَّ القانون ينص على ضرورة إشراف القضاة على الانتخابات، إلا أنَّه لم تتم أيِّ عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ تحت إشرافٍ قضائيٍّ كاملٍ، ولكن يتم إنشاء لجنةٍ عامَّةٍ بدائرةِ كلِّ محافظةٍ، بالإضافة إلى ستةِ مناطقٍ ذات تجمُّعٍ عُمَّاليٍّ، هي شبرا وكفر الدَّوار وكفر الزَّيات والمحلة والأقصر، يرأسها أحد أعضاء الهيئات القضائيَّة، وبعضوية اثنَيْن من وزارة القوى العاملة وعضوٌ ممثِّلٍ عن اتِّحاد عُمَّال مصر.
وتتولى هذه الَّلجنة إعلان النَتيجة، أمَّا لجنة الانتخابات التي تتواجد في أكثر من 1800 مصنعٍ وشركٍة، فهي التي تباشر أعمال الانتخابات وتقوم بالفرز وتجميع الأصوات وارسال النَّتيجة للقوى العاملة، ومن ثمَّ يكون جوهر العمليَّة الانتخابيَّة في قبضة القوى العاملة.
ثالثًا: انتخاباتٌ فارقةٌ
في تقريرٍ صادر عن مركز هشام مبارك القانونيِّ بشأن انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة الأخيرة (2006- 2011م)، يقول إنَّ تلك الانتخابات تميَّزت بعدَّة أشياءٍ، وهي:
-    كثافة ترشيحات العمال؛ حيث شهدت هذه المعركة اقبالاً مُتزايدًا من العُمَّال راغبي التَّرشيح على مقاعد الِّلجان النقابية وهو ماعكس تغيير المزاج العمالي في الاهتمام بالانتخابات العُمَّاليَّة.
-    شهدت هذه الانتخابات تنوُّع القوى السِّياسيَّة التي خاضت الانتخابات من مُرشَّحين للحزب الوطنيِّ والشُّيوعيِّين والنَّاصريِّين والوفديِّين، بينما انضم الإخوان المسلمون لأوَّل مرةٍ، وبشكل علنيٍّ في هذا الصِّراع.
وقال التقرير إنَّه لتعيين عائشة عبد الهادي وزيرةً للقوى العاملة أثره على الانتخابات العُمَّاليَّة؛ حيث زاد الاقتتال الدَّاخليِّ بين قيادات التَّنظيم الرَّسمي من اتباع الحزب الوطنيِّ، وقد عملت الوزيرة على مطاردة وتصفية خصومها، وتمكين العناصر التَّابعة لها من السَّيطرة على مقاليد التَّنظيم النَّقابيِّ.
وأيضًا جاءت هذه الانتخابات في ظلِّ ظروفٍ سياسيَّةٍ مُختلفةٍ، وهي بعد أنَّها جاءت بعد التَّعديلات الدَّستورية التي غيرت من طريقة اختيار رئيس الجمهوريَّة، وما صاحب ذلك من احتجاجاتٍ جماهيريَّةٍ على استمرار الرَّئيس حسني مُبارك في الحكم، كذلك انتخابات مجلس الشَّعب وما شهدته من مواجهةٍ بين المواطنين والقوى السِّياسيَّة من ناحيةٍ، وبين الشُّرطة وبلطجيَّة وأنصار الحزب الحاكم من ناحيةٍ أخرى.
فجميع الأشكال الاحتجاجيَّة التي استخدمتها القوى السِّياسيَّة خلال العامَيْن الماضيَيْن كان لها انعكاساتها على السُّلوك العام للمواطنين؛ حيث كُسِرَت هيبة الحزب الحاكم، وفي نفس الوقت لفتت الأنظار إلى أدوات التَّظاهر والإعتصام كأدواتٍ فاعلةٍ في التَّعبير عن الرَّأي.
ورغم أنَّ الحزب الحاكم تمكَّن من إنهاء الانتخابات وفرض رجاله على التَّنظيم النَّقابيِّ، إلا أنَّ هذه الانتخابات شهدت عددًا من النَّتائج التي اشتملت على تغيُّرٍ في تكتيكات الحزب، قابله تغييرٌ في تعامل العُمَّال معها.
لذلك فإنَّ انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة في هذه الدَّورة (2006- 2011م)، تعكس إرهاصات تصاعد "المُقاومة العُمَّاليَّة"، ليس فقط على مستوى كثافة المُشاركة، لكن على مستوى تطوُّر أدوات التَّعبير عن الرَّأي وتنظيم وترتيب أولويَّات المُواجهة، كما مهَّدت السُّبل لسلب الشرعية من قيادات التَّنظيم الرَّسميِّ الموالية للحزب الحاكم.
وهذه "المُقاومة العُمَّاليَّة" فضحت الاتِّحاد العام لنقابات العُمَّال، وكشفت عن عجز قياداته، وضعف إمكانيَّاتهم الشَّخصيَّة أو السِّياسيَّة، كما كشفت هذه الاحتجاجات هشاشة التَّنظيم النَّقابيِّ المصريِّ، بحسب تقرير مركز هشام مُبارك.
ويقول التَّقرير إنَّ الحكومة تحت ضغط الفزع من الاضرابات العُمَّاليَّة، أنْ تلصق أسبابها بـ"أيدٍ خفيَّةٍ"، فقالت تارةً إن الإخوان المسلمين وراء هذه التَّنظيمات العُمَّاليَّة، وخاصَّة أنَّ تزايد الإضرابات جاء بعد انتخابات مجلس الشَّعب في العام 2005م، والتي فاز فيها الإخوان بـ20% من عدد مقاعد المجلس، كما قالت بعض الأوساط الحكوميَّة أن وراء هذه الإضرابات تنظيمٌ شيوعيٌّ أو منظمات حقوق الإنسان، وأخيرا زعموا أنَّ وراء هؤلاء من استُبْعِدُوا من انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة.
كما حاولت الحكومة إيقاف هذه الاحتجاجات بأيَّةِ طريقةٍ، ففي أثناء إضرابات عُمَّال السِّكك الحديديَّة قامت حشودٌ أمنيَّةٌ- أغلبها من فرق الكاراتيه التي تردي عناصرها الزِّيِّ المدنيِّ- في الانتشار داخل محطة مصر استعدادًا لأوامر الإنتشار لفض اضراب السَّائقين.
وأخيرًا، وتحت وطأة هذه الأوضاع، بدأت وزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي تعترف بأنَّ العُمَّال لهم مطالبٌ حقيقيَّةٌ ومشروعةٌ.
رابعًا: الإضرابات والحراك السِّياسيِّ في مصر
عندما ما بدأ ما يُعرَف بالحراك السِّياسيِّ في مصر، والذي نَشَطَ في العام 2005م، استجابةً لمطالبٍ سياسيَّةٍ إصلاحيَّةٍ، تبنَّت بعضها حكومة الحزب الوطني الحاكم بالتَّزامُن مع ضغوطٍ أمريكيَّةٍ ضمن "خطة نشر الدِّيمُقراطيَّة"، اتَّضح أنَّ القُوى التي دعت له وخرجت في الشَّارع لدعمه كانت قوىً حزبيَّةٌ سياسيَّةٌ وإسلاميَّةٌ، إلا أنَّ من نجح في توظيف هذا الحراك والاستفادة منه كانوا هم العُمَّال.
ويتضح ذلك في أنَّه بعد أن نشط هذا الحراك السِّياسيِّ" في أعقاب خروج التَّيَّار السِّياسيِّ الأكثر قُدرةٍ على الحشد الجماهيريِّ، وهو الإخوان المسلمون، إلى الشَّارع في العام 2005م، إلى جانب مظاهرات حركة "كفاية" الأقل عددًا، وعندما انحسر بعد توقُّف الإخوان عن الخروج للشَّارع؛ فإنَّه أفسح المجال أو أضاء الطَّريق لفئةٍ أخرى للحركة والعمل، وهي العُمَّال، الذين أثبتوا أنَّهم هم القُوَّة الحقيقيَّة غير المُسيَّسة القادرة على تحريك الشَّارع، ودفع السُّلطة للاستجابة لمطالبهم.
وقد كشف التَّعامُل الأمني والسِّياسيِّ الرَّسميِّ مع حركة العُمَّال في الشَّارع المصريِّ، عن اختلافٍ هامٍّ بين مدى قوَّة وتأثير المُظاهرات السِّياسيَّة ذات المطالب الإصلاحيَّة عمومًا، وقوة المظاهرات والإضرابات العُمَّاليَّة، واختلاف قُوَّة الدَّفع الذَّاتيِّ التي تدير حركة كلا الطَّرفَيْن، القوى السِّياسيَّة والعُمَّاليَّة، والتي تتعاظم في حالة العُمَّال، في مُقابل فقدان الزَّخم في حالة القوى والأحزاب السِّياسيَّة.
وهناك رأيٌُّ يقول إنَّ هذا الزَّخم العُمَّاليِّ جاء لأنَّ مطالب العُمَّال لم تقتصر فقط على المطالب الماليَّة من حوافزٍ ورفع رواتبٍ وغيره، وإنْ بدا هذا هو الظَّاهر في مطالبهم الرَّئيسيَّة، إلا أنَّها- أي هذه المطالب- تعدَّت ذلك لفضح الفساد والتَّزوير في الانتخابات، بما فيها الانتخابات العماليَّة، وانتقاد التَّعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة.
هذا أدَّى إلى ظهور تقديراتٍ تُشير إلى أنَّ العُمَّال ربما يكونون هم "رأس الحربة" أو قاطرة حراك شعبيٍّ عامٍ بهدف إلى تحقيق الإصلاح الاقتصاديِّ والسِّياسيِّ الحقيقيِّ، وقوة ضغطٍ مستمرةٍ، مع كون العُمَّال هم الفئة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في قطاعات الدَّولة المختلفة.
كما أنَّه بصرف النَّظر عن التَّكهُّنات التي أُثيرت حول سعي قوىً سياسيَّة مثل الإخوان واليسار لتحريك مظاهرات وإضرابات عُمَّال النَّسيج والمطاحن والنَّقل وغيرهم في عشرات المُؤسَّسات العامَّة المصريَّة، فلم يثبت أنَّ هذه الإضرابات تقف وراءها بشكلٍ مباشرٍ أيَّة قوَّةٍ سياسيَّةٍ، كما أنَّها جرت في العديد من المدن المصريَّة خارج العاصمة، ومن المعروف أنَّه إذا تحرَّكت الأقاليم فإنَّه على العواصم أنْ تقلق.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هناك تحليلاتٌ حاولت رصد أسباب تعاظُم تأثير العُمَّال عن القوى السِّياسيَّة، ومن بين ما وصلت إليه هذه التَّحليلات والتَّقديرات:
1.    أنَّ مُظاهرات العُمَّال جاءت على خلفيَّة "لقمة العيش" ورواتب العُمَّال وأوضاعهم الماليَّة والإداريَّة، وهي كلها أمورٌ ذات إلحاحيَّةٍ في ظل الارتفاع المُتتالي في الأسعار والتَّضخًُّم المُتزايد، وهو ما مس الحاجات الرَّئيسيَّة للمواطن، وهو ما دفع النِّساء العاملات للخروج لأوَّل مرَّةٍ وبكثافةٍ، ويفسر تظاهرهن واعتصامهن، بل قيادتهن لبعض المظاهرات كما حدث في مظاهرات عمال وموظفي المطاحن، بعكس السِّياسيِّين الَّذين يرفعون مطالبَ سياسيَّةً عامَّةً، تمس الحكم أحيانًا فيتم رفضها.
2.    تستند المطالب العُمَّاليَّة إلى قاعدةٍ جماهيريَّةٍ واسعةٍ، وحضور مضمونٌ في المظاهرات أو الإضرابات، وتكون هذه المطالب مُوحَّدةٌ، وبالتالي تكون مؤثرة في الدَّولة؛ لأنَّها تعطِّل الإنتاج، بعكس مظاهرات السِّياسيِّين التي تختلف وفق المزاج العام للمُشاركين فيها، وتكون متباينةٌ ومُتضاربةٌ في مطالبها أحيانًا.
3.    كما سبق القول لا تقتصر التّحرُّكات العُمَّاليَّة على العاصمة والمدن الرَّئيسيَّة، شأن غالبيَّة الفعاليَّات السِّياسيَّة، وهو ما يجعل تأثيرها أقوى ويشمل كل مصر، كما أن أماكن التظاهر تكون غالبًا داخل العنابر والمصانع، ما يُصعب من مُهمَّة فضها أمنيًّا لو صدر قرار بذلك، خصوصًا وأنَّ هناك عُمَّالاً هددوا في بعض الإضرابات بحرق أنفسهم مع الماكينات لو تدخَّل الأمن، وعلى العكس فإنَّ التَّضييق الأمني على مظاهرات السِّياسيِّين- القليلة العدد في الأصل- أمرًا سهلاً، وحصرها في "هايد بارك" الحُرِّيَّات في مصر، وهي سلالم نقابة الصَّحفيين، وميدان طلعت حرب حيث مقار أحزاب التَّجمُّع والنَّاصري والغد.
4.    نجاح إضرابات سابقةٍ للعمال- خاصَّة عُمَّال المحلة- في الحصول على حقوقهم الماليَّة دفع الآخرين للجوء لذات الخيار، حتى في مصانع القطاع الخاص، مع ضعف خيارات الأمن في التَّعامُل مع هذا الحراك.
وربما كان هذا العامل الأخير أحد أسباب التوجس الأمني، خصوصًا في القطاعات الحسَّاسة، مثل النَّقل العام وعمال المترو، ما يفسر ضرب بعض عمال النقل في إضرابهم الأخير والتهديد باعتقالهم، بيد أنَّ الأمر انتهى بالاستجابة لمطالبهم أيضًا.
وفي النَّهاية، فإنَّ ما يُزيد هذه الإضرابات والاعتصامات قوَّة ويُزعج النِّظام، هو استمرار المطالب العُمَّالية وتصاعُدها، وأنَّ توقُّفها يكون بشكلٍ مؤقَّتٍ فقط؛ لإعطاء الحكومة فرصة للاستجابة...

أقرأ المزيد...

هدى عبد المنعم وعودة الهاربين.. هل من مجال للحديث عن التَّوريث؟!...


كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

ثارت في الآونة الأخيرة سلسلةٌ من القضايا الشَّائكة تتعلق بفئةٍ في المجتمع المصري غاية في الخطورة؛ بعضًا من رموزها لديه السُّلطة بسبب مُقربته من مائدة صنع القرار، والبعض الآخر منهم حينما يفقد حيلته يهُرب إلى الخارج، ونقصد بها فئة رجال الأعمال التي تزايدت لائحة السَّوابق الخاصَّة بها حتى امتلأت في الآونة الأخيرة.
ولقد مثلت عودة "سيدة الأعمال" هدى عبد المنعم- الحاصلة على دبلوم التِّجارة- من الخارج بعد أكثر من 25 عامًا من الهروب، بمثابة جرس لناقوس الخطر الذي يحذِّرُنا من خطر عودة رجال الأعمال الهاربين بالخارج بدون عقاب أو رادع يستحقونه.
وأمام ذلك المشهد من القضايا المُتشابهة في السِّيناريوهات والأهداف، وبعيدًا عن تفاوت الفترات الزَّمنيَّة لهروب وعودة البعض، كان هناك سلسلةٌ من التَّساؤلات حول عودة رجال الأعمال الهاربين للخارج إلى أرض الوطن مرَّةً أخرى، وكان من بين هذه التساؤلات ما إذا كان الأمر يتعلَّق بمحاولة خلق جبهة من رجال الأعمال المساندين لعملية التوريث، في مواجهة "قلب النِّظام الصَّلب" الرَّافض للتوريث، وفي مقدمته القوَّات المسلَّحة والمخابرات.
وقد أشارت الإحصائيَّات إلى أنَّ رجال الأعمال المصريِّين الهاربين خارج البلاد يتجاوز عددهم 75 شخصًا يقيمون في دولٍ متنوعةٍ؛ وأنَّ معظمهم يتركز بأوروبا.
وجوه!!
يأتي في مقدِّمة رجال الأعمال الهاربين؛ رجل الأعمال رامى لكح أو ريمون لكح رجل الأعمال المصري الفرنسي الجنسيَّة، الذى كان عضوًا بمجلس الشَّعب في التِّسعينيَّات الماضية، ثم أصبح شديد الثَّراء، وأصبح لديه عددٌ من المشروعات فجأة، ثم اتَّضح أنَّ ديونه ازدادت لتبلغ 600‏ مليون جنيه لدي بنك القاهرة وحده، مما أدَّى مع إزديادها إلى أنْ يتوقَّف عن سدادها، وكالعادة يفر هاربًا خارج البلاد.
أمَّا عمرو النَّشرتي الذي تعود قصته إلى العام 2002م، فقد عقد اتفاقًا مع وزارة التَّموين آنذاك لتطوير فروع مُجمَّعات "النِّيل" الاستهلاكيَّة الشَّهيرة في مصر، وبالفعل نجح النَّشرتي في تطوير هذه المُجمَّعات، ولكن مع مُقاطعة النَّاس للمنتجات الإسرائيليَّة، وعدم رواج سلعه بسبب ارتباطاته الإسرائيليَّة في استثماراته وتجارته، فقد استدان مبالغًا كبيرةً من البنوك، واضطر معها لتوقيع شيكاتٍ للدَّائنين، ومنهم البنك الأهلي المصري وبنك قناة السويس، وعددٌ كبيرٌ من التُّجَّار، وعندما حان وقت السَّداد لم يستطع الوفاء، ولم يستطع دفع رواتب العاملين، فاضطر للاستغناء عن بعضهم، وساءت سمعته وطارده الدَّائنون، وذهب بعضهم للقضاء.
وتوالت أحكام الشيكات بدون رصيد الصادرة ضده، ثمَّ صدر حكمٌ ضده بالحبس 15 عامًا، إلا أنَّه لم يكن لديه قيمة الشِّيكات وبالتَّالي لم يستطع التَّصالُح، فهرب من مصر، ليقيم عند أخيه هشام النَّشرتي بسويسرا.
وتتعدَّد القصص، وتستمر حلقات مسلسل رجال الأعمال الهاربين، ومن بين هذه الوجوه أيضًا أشرف السَّعد، رجل الأعمال الذى تمَّ القبض عليه من قِبَلِ السُّلطات المصريَّة عام 1991م، بتهمة تهريب أموال المودعين في شركات توظيف الأموال الخاصَّة به، إلى الخارج وعدم استثمارها في مشروعاتٍ داخليةٍ، ليقضى بتلك التُّهمة مدة 11 شهرًا في السَّجن.
ولم يكد يخرج، حتى قام بتسديد كل أموال المودعين فى شركاته، وفور خروجه من السَّجن غادر أشرف القاهرة متوجِّهًا إلى لندن للإقامة والعمل هناك.
ومن قبل كلِّ هؤلاء هناك توفيق عبد الحي، رجل الأعمال المصرى الذي استهل هذه السِّلسلة من السَّرقات للمال العام، بعد أنْ بدأ نشاطه بعد تبنِّي مصر لسياسات الانفتاح الاقتصادي مباشرة في منتصف التِّسعينيَّات الماضية، والذي هرب عام 1982م عقب استيراده 1426 طُنًّا من الدَّواجن الفاسدة وبيعها للمصريين، بالإضافة إلى تورُّطِه في 25 قضيَّة نصبٍ واحتيالٍ، وإصدار شيكاتٍ بدون رصيدٍ بعد أنْ حصل على 45 مليون دولار من ثلاثة بنوكٍ كبرى بدون ضمانات أو مستندات.
وعندما قامت النيابة بإستدعائه، تم اكتشاف هروبه إلى سويسرا، بالإضافة إلى عادل أغا وإيهاب طلعت الَّلذَيْن بلغت مديونياتهما مليارات الجنيهات.
جوانبٌ قانونيَّةٌ
بالإضافة إلى الجوانب السِّياسيَّة للقضيَّة، فإنَّ هناك شقٌّ قانونيٌّ لها، وهو ذلك المتعلِّق بأسباب عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين.
وترجع أسباب عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين في أوروبا إلى مصر إلى أنَّه ليس هناك اتفاقيَّاتٌ مُبرمةٌ مع معظم الدِّول الأوروبيَّة تنص على تسليم أو رد المُتَّهمين إلى مصر، خاصَّةً في ظل أنَّ هناك دولٌ ترفض عقد اتِّفاقيَّاتٍ مع مصر في هذا المجال، لأنَّها ما زالت تُطبِّق حكم الإعدام، كما أنَّ هذه الدِّول تقول إنَّ جرائم رجال الأعمال المصريِّين لم تُرْتَكَب على أراضيها، وهو ما يُعرَف بالسُّلطة المكانيَّة، كما أنَّ هذه الدِّول تعمل على الاستفادة منهم إلى أقصى الحدود عن طريق استثمار أموالهم داخل تلك البلاد.
عودة المرأة الحديديَّة
لقد كانت عودة المرأة الحديديَّة إلى مصر بعد تسديد مديونياتها، ما يفتح شهيَّة رجال الأعمال الهاربين بأنَّهم قد يحصلون على البراءة، وربما سيكون أوَّل العائدين رجل الأعمال الشَّهير رامى لكح.
وإذا تناولنا الواقعة التي حدثت مُؤخَّرًا فسنجد أنَّ هدى عبد المنعم قيل إنَّها عادت الى مصر بعد أنْ أقنعها محاميها بأنَّ جميع الأحكام الصَّادرة ضدها قد سقطت بالتَّقادُم عدا الحُكم الصَّادر من محكمة الجنايات، وأنَّ شريكها في القضية ويُدعَى سيِّد عسكر، والذي كان قد صدر ضده حكمًا بالسَّجن 3 سنوات من محكمة الجنايات، حصل على البراءة من محكمة النَّقض، وهو ما سيُطبَّق عليها أيضًا؛ حيث إن أحكام محكمة النَّقض مُلزمةٌ لجميع المحاكم.
وقيل إنَّه بعد سفر هدى عبد المنعم إلى اليونان في منتصف الثَّمانينيَّات، قامت بتأسيس شركتَيْن للملاحة البحريَّة وتشطيبات السُّفن، وخلال 5 سنوات نجحت شركتَيْها، والتحق بهما حوالى 250 ألف عاملٍ يونانيٍّ، وبعد إخطار الإنتربول اليوناني بملابسات القضيَّة، ألقت السُّلطات اليونانيَّة القبض عليها، ولكن محكمةً يونانيَّةً قضت بعدم تسليمها لمصر.
وعندما عادت كان ضُبَّاط الجوازات قد فوجئوا بوصولها على الطَّائرة اليونانيَّة القادمة من أثينا، وتبيَّن وجود اسمها على قوائم ترقُّب الوصول مع ضبطها وإحضارها، فتمَّ القبض عليها ونقلها إلى مقرِّ الأمن العام؛ لاتِّخاذ الإجراءات القانونيَّة ضدها.
وكانت هدى عبد المنعم فى حالة هدوءٍ شديدٍ، وتحمل جواز سفرٍ منتهي الصَّلاحية صادر عام 1982م.
ونتوقف لحظات عند الطَّريقة التي تمَّت بها عمليَّة اعتقالها، خاصة أنَّ هدى عبد المنعم (البالغة من العمر 62 عامًا)، توجَّهت في هدوءٍ شديدٍ إلى شرطة الموانئ، لتقدم جواز سفرها المنتهي الصَّلاحية منذ العام 1982م، أي قبل خمس سنواتٍ من فرارها من مصر، ممَّا دعا الخبراء والمُتخصِّصون للتَّأكيد على أنَّها عادت تحت حماية سلطاتٍ كبيرةٍ، كما هربت الى مصر بمعاونة رجال من كبار الدَّولة كما قيل وقتها.
ومن بين الأسماء التي تردَّدت في ذلك الحين في ذلك الشَّأن، وزير الاقتصاد في ذات الوقت الدُّكتور مصطفى السَّعيد، ووزير الإسكان السَّابق محمد إبراهيم سليمان.
بداية القصة
أسَّست هدى عبد المنعم المُلقَّبة بالمرأةِ الحديديَّة، شركة "هيدكو مصر للإنشاءات والمقاولات"، عام 1986م، ومن خلال حملاتٍ إعلانيَّةٍ ضخمةٍ، تسابق المصريون في حجز أدوارهم في مشروعات المرأة الحديديَّة، والتي تمكنت بالفعل من جمع 45 مليون جنيه، وطلبت من المسئولين وقتها شراء مساحاتٍ كبيرةٍ من الأرض قرب مطار القاهرة الدَّوليِّ، ووافق المسئولون على الرَّغم من حظر البناء في تلك المنطقة، ودفعت 30% من قيمة الأرض، وأنشأت عددًا محدودًا من المباني.
ولكن في العام 1987م، بدأت رحلة السُّقوط بعد تلقِّي المستشار عبد القادر أحمد علي، المُدَّعي العام الاشتراكي آنذاك، بلاغاتٍ من الأفراد والبنوك الدَّائنة ضد هدى عبد المنعم لعدم تسليمها الوحدات السَّكنيَّة لحاجزيها، وتوقُّفها كذلك عن سداد مديونيَّتِها للبنوك.
ولتهدئة الموقف وقَّعت هدى عبد المنعم العديد من الشِّيكات بدون رصيدٍ، ولكن المُدَّعي العام أصدر قرارًا بمنعها من التَّصرُّف في أموالها وممتلكاتها العقاريَّة والمنقولة.
لكنها فاجأت الجميع بهروبها إلى باريس، ثم إلى أثينا بجواز سفرٍ مُزوَّرٍ باسمٍ مستعارٍ، وهو "صفيَّة محمد سلام"، وهو اسم زوجة بوَّاب مسكنها بمصر الجديدة بمساعدة الدُّكتور أحمد سلامة، وفي فرنسا طلبت حق الُّلجوء الدِّيني حتى لا تُسلَّم لمصر؛ حيث ادَّعت اعتناقها المسيحيَّة، وبدأت في ارتياد الكنائس للتَّأكيد على تحوُّلها إلى المسيحيَّة، ومنها كاتدرائيَّة نوتردام أشهر كنيسة في فرنسا وأوروبا، وكنيسة "إيل دى لاسيتيه" في باريس، والمعروفة وسط العرب والمصريِّين هناك بكنيسة العذراء مريم.
ولكن إدارة الهجرة والخارجيَّة الفرنسيَّة لم تأخذ الطَّلب بعين الاعتبار؛ لأنَّها وجدت أنَّ الاضطهاد بسبب الدِّين- كما ذكرت هدى- لم يتحقَّق فيه الشُّروط المطلوبة لمنحها الُّلجوء إلى فرنسا، ولذلك اضطُّرَّت هدى عبد المنعم لشدِّ الرحال إلى اليونان، وحصلت هناك على الجنسيَّة اليونانيَّة.
وقتها عقد الرَّئيس حسني مبارك عقد اجتماعًا مع ضُبَّاطٍ من الحرس الجمهوريِّ، تحدَّث خلاله عن تلك القضيَّة قائلاً إنَّ اسم هدي عبد المنعم كان موضوعًا بالفعل علي قوائم الممنوعين من السَّفر، ولكنها استطاعت بمساعدة أحد الضُّبَّاط الكبار بوزارة الدَّاخليَّة الهروب إلى خارج البلاد.
وزراءٌ ومسئولون مُتورِّطون
وارتباطًا بالأسماء الكبيرة التى زُجَّ بها في ذلك الملف، يبقى اسم الدُّكتور محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان الأسبق وعضو مجلس الشعب الأكثر تردُّدًا، فهو بحسب ما ذكرت مصادرٌ قريبةَ الصِّلة بالقضيَّة وقتها، أنَّه تولَّى منصب المُستشار الهندسيِّ لكل المشاريع المعماريَّة التي نفَّذتها هدى عبد المنعم أثناء تواجدها في مصر مقابل مبالغٍ ماليَّةٍ ضخمةٍ، وكوَّنا معًا إمبراطوريَّةً اقتصاديَّةً كبيرةً بحكم الخبرة والمال الَّلذين جمعا بينهما.
كما أشار البعض أيضًا إلى أنَّ الدكتور علي لطفي، الذى شَغِلَ منصب رئيس وزراء مصر حتى أواخر العام 1986م، كان شاهدًا ومعاصرًا لإمبراطوريَّتها التي كانت تبنيها.
مصير الآخرين
وفى أولى جلسات محاكمة المرأة الحديدية بعد القبض عليها، قضت محكمة جنايات شمال القاهرة باستمرار حبسها، ورفض طلب الدِّفاع الإفراج عنها، على أنْ يتم تحويل قضيَّتِها إلى محكمة الاستئناف لنظر الدعوى.
عودة هدى عبد المنعم بعد 22 سنةٍ من هروبها خارج البلاد عقب اتِّهامها بتزوير مُحرَّراتٍ رسميَّةٍ، والاستيلاء على المال العام، والتى صدر الحكم فيها عليها بالحبس 10 سنوات غيابيًّا في 24 أغسطس من العام 2000م، فتح الملف السَّاخن عن مصير رجال الأعمال الآخرين الهاربين خارج البلاد، ولماذا لا تقوم الدول التى تحتضنهم بردهم إلى مصر.
ولقد أصدر النَّائب العام المستشار عبد المجيد محمود، قرارًا بإدراج اسم هدى عبد المنعم على قوائم الممنوعين من السَّفر لحين الفصل نهائيًّا في إعادة محاكمتها في الحكم الصَّادر ضدها غيابيًّا بالأشغال الشَّاقة لمدة عشر سنوات.
كما تضمن قرار النَّائب الإشارة إلى قضايا الشِّيكات المُتَّهمة فيها سيدة الأعمال، والبالغ عددها 30 قضيةٍ.
وقد توجَّه النَّائب العام بإخطار مصلحة الجوازات بوزارة الدَّاخليَّة لاتِّخاذ كافَّة الإجراءات من أجل  إدراج اسم المُتَّهمة بكافة المنافذ والمطارات.
وكان النَّائب العام قد أصدر قرارًا بعد القبض على المُتَّهمة بمجرَّد وصولها إلى مطار القاهرة قادمةً من اليونان؛ سرعة اتِّخاذ إجراءاتِ إعادة محاكمتها، وتقديمها للمحكمة للطَّعن على الأحكام الصَّادرة ضدَّها.
من جانبٍ آخرٍ كشف مصدرٌ أمنيٌّ أنَّ هناك العديد من رجال الأعمال المصريين الهاربين في الخارج ما زالت أسماؤهم مدرجةٌ في نشراتٍ حمراء أصدرتها منظمة الشُّرطة الجنائيَّة الدَّوليَّة- الإنتربول- وتشير الملفات إلى أنَّ عددهم يبلغ 75 رجل أعمالٍ تُطالب مصر بتسليمهم، وهاربين إلى عدَّةِ دولٍ، منها بريطانيا وفرنسا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولكن معظمهم مقيمٌ في بريطانيا.
وأشار المصدر إلى أنَّ معظم رجال الأعمال الهاربين يتواجدون في بريطانيا؛ نظرًا لعدم وجود اتِّفاقيَّةٍ من أجل تبادُل وتسليم المطلوبين بينها وبين مصر، كما تُشير الملفَّات الى أنَّ السُّلطات البريطانيَّة تستفيد من عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين إليها سواءً أكانوا مصريِّين أو من جنسيَّاتٍ أخرى؛ حيث إنَّ حجم استثمارات رجال الأعمال الهاربين في لندن يبلغ 40 مليار دولار، لذلك فإنَّ بريطانيا من أكثر الدِّول تشدُّدًا في تسليم رجال الأعمال المطلوبين إلى الدول التي تطلب تسليمهم.
عائدون!!
أكدت عدد من المصادر أنَّ الوجه التَّالي الذي سوف يعود إلى مصر بعد هدى عبد المنعم من هذه الزُّمرة، هو رامي لكح، الذي يُعتَبَر من أبرز رجال الأعمال الذين تمكنوا من الهروب لخارج البلاد خلال السَّنوات الأخيرة، وبدأوا في محاولاتٍ لتسوية مديونيَّاتهم للبنوك والعودة الى مصر مرةً أخرى؛ للاستفادة من التَّسهيلات التي تضمَّنها قانون البنوك الجديد.
رجل الأعمال رامي لكح بلغت مديونيَّتُه وفقًا للقضيَّة التي تُحقِّق فيها نيابة الأموال العامَّة العليا بإشراف المستشار علي الهواري المُحامي العام الأوَّل، نحو مليار و120 مليون جنيه للبنوك، وقد أوشك على إتمام تسوية مديونيَّتِه، والعودة إلى مصر مَرَّةً أخرى.
كما تشير قضايا التَّسهيلات الائتمانية والتي تابع التَّحقيق فيها المحامي العام المستشار أحمد عبد التَّوَّاب، أنَّ من رجال الأعمال البارزين الذين هربوا في الفترة الأخيرة ويسعى للتَّسوية، عمرو النشرتي، وبلغت مديونيته نحو 600 مليون جنيه للبنوك، وهو في طريق للتَّسوية والعودة إلى مصر.
كذلك رجل الأعمال تيسير الهواري وتبلغ مديونيَّتُه 480 مليون جنيه، وعادل أغا، والذي هرب العام الماضي 2008م، ويحمل جنسيَّاتٍ مصريَّةً وسوريَّةً وأمريكيَّةً، وتبلغ مديونيَّتُه 600 مليون جنيه، كذلك رجل الأعمال إيهاب طلعت، وتبلغ مديونيته لمُؤسَّسة (الأهرام) الصَّحفيَّة 143 مليون جنيه، بالاضافة الى 67 مليون جنيه لاتِّحاد الإذاعة والتِّليفزيون، وهو بدوره يسعى للعودة والتَّسوية.
وكما سبق القول، فإنَّه من المنتظر أن يكون رامي لكح هو أوَّل العائدين من هؤلاء؛ حيث تشير المعلومات إلى أنَّ أوراقًا مُهمَّةً سيتسلمها عماد عبد الله رئيس نيابة الأموال العامة العليا خلال الأيام القادمة، لاتمام تسوية مديونيَّة لكح.
وتشير المعلومات إلى أنَّ قانون البنوك الجديد ساهم في عودة آخرين كانوا هاربين؛ حيث أتاح لهم حفظ القضيَّة في حالة سداد المديونيَّة.
التوريث.. كلمة السِّر
ربط البعض ما بين "هجمة" العودة هذه، وبين ملف التَّوريث المرتقب للحكم في مصر بعد الرَّئيس مبارك لصالح نجله جمال أمين السياسات في الحزب الحاكم.
واشار مراقبون في هذا إلى وجود سلسلةٍ من الإجراءات التي بدأت لتهيئة الأمور لهذا الأمر، فالهدف الأساسي من التَّشكيل الوزاري المرتقب في مصر، هو تهيئة الأجواء لتوريث السُّلطة لصالح جمال مبارك، لذلك يُعتَقدُ على نطاقٍ واسعٍ أنَّ الملمح الأساسي للحكومة المقبلة أنَّ غالبيتها سيكون من رجال الأعمال.
في المقابل سيتم تحجيم عناصر ما يُعرَف بـ"الحرس القديم" في الحزب الوطني، ورأى هؤلاء أنَّ سيطرة أصحاب المصالح على الوزارة المقبلة، يعكس بوضوح طبيعة الصِّراع داخل الحزب الوطني والنِّظام السِّياسي المصري، والذى صار أشبه بالإقطاعيَّة الجمهوريَّة.
ذلك أنَّ الصِّراع في جوهره يُعبِّر عن مصالحٍ مُتناقضةٍ ومُتعارضةٍ بين أصحاب المصالح ذوي النُّفوذ والسُّلطة، بمعنى أنَّه صراعٌ على المصالح الشَّخصيَّة، وهذا ما اتَّضح في نتيجة الانتخابات البرلمانيَّة التي لم يفز فيها الحزب الوطني إلا بنسبة 30% من مقاعد مجلس الشَّعب، فيما فاز بـ40% من المقاعد المستقلون الذين تم استبعادهم عن الحزب وأُعيد ضمُّهم بعد الانتخابات.
وبربط هذه المشاهد مع بعضها البعض، نجد أنَّ مشهد عودة رجال الأعمال الهاربين يكشف لنا عن نيَّة النِّظام في تكتيل جبهةٍ من رجال الأعمال من أجل إنجاح مخطط التَّوريث، ولعل مشاهد الواقع هي التي تُظهر ذلك، في مواجهة قوى أخرى رافضة للتوريث.. كيف سيمر الأمر؟!، هذا ما سوف تجيب عنه الأيام أو الأشهر المقبلة في مصر...

أقرأ المزيد...

المُنظَّمات الحقوقيَّة بمصر.. بين مطرقة الفرديَّة وسندان الانقسامات...


إعداد- شيماء جلال(*)
الحوار عن حقوق الإنسان بمصر قد لا ينتهي في ظل كثرة قضاياه، وما يفتح المجال للحديث عنها الأن، هو أنَّ الحكومة المصريَّة تقدَّمت خلال الأيام القليلة الماضية بتقريرٍ يصف وضع حقوق الإنسان بمصر لمناقشته بالمجلس الدَّولي لحقوق الإنسان بجنيف، وذلك في ذات الوقت تقريبًا الذي تقدَّمت فيه جمعياتٍ حقوقيَّةٍ مصريَّةٍ بتقاريرٍ موازيةٍ للتَّقرير الحكومي، للكشف عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر خلال السَّنوات الأربع الماضية.
ولكنَّنا في ظل تزايدُ في أعداد وأنشطة مُنظَّمات حقوق الإنسان؛ نجد أنَّها أصبحت عددًا كبيرًا، وقد تسمع عن بعضها على مدى فتراتٍ مُتباعدةٍ، وقد لا تسمع منها سوى تقارير أو بياناتٍ تدين اعتداءً هنا، أو واقعةً هناك، وكأنَّها ارتدت رداء الحكومة في شأن بيانات الشَّجب والإدانة.
وفي هذا التَّقرير المُجمَّع سوف نحاول تجميع أطراف الصُّورة الخاصَّة بواقع مُنظَّمات حقوق الإنسان في مصر، وطبيعة الأدوار التي تلعبها، ومدى فاعليَّتها وكفاءتها في القيام بأعبائها وأدوارها المُفترَضَة، وطبيعة الأسباب التي دفعت إلى تقلُّص أدوارها بحسب العديد من المراقبين.
كثرةٌ وحوارٌ غائبٌ!!
بحسب العديد من المراقبين، تُسيطر على المُنظَّمات الحقوقيَّة المصريَّة حالةٌ من الرُّوح الفرديَّة، وما يرتبط بها من مصالحٍ ضيِّقةٍ، لتصبح بمثابة حجر عثرةٍ في سبيل أيِّ محاولةٍ للتَّطوير.
وإنَّ أكثر من عشرين عامًا مضت على نشأة أوَّل منظمةٍ لحقوق الإنسان في مصر، وذلك منذ ميلاد المنظمة العربيَّة لحقوق الإنسان في مطلع الثَّمانينيَّات الماضية، والتي وُلِدَت من رحمها المنظمة المصريَّة لحقوق الإنسان عام 1985م، والتي أعقبها بروز عددٍ من المنظمات على إثر الأزمة التي شهدتها تلك المنظمة في العام 1994م.
وعلى الرغم من مرور هذه السَّنوات، لا يزال هناك الكثير من التَّحديات التي تواجه الحركة الحقوقيَّة في مصر.
وفي دراسةٍ له نشرها موقع الشَّبكة العربيَّة لمعلومات حقوق الإنسان، يقول النَّاشط والباحث في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدنيِّ عبد المولى إسماعيل، إنَّه على مدار العقد المُمتدُّ من العام 1994م، وحتى العام 2004م، تنوعَّت تلك المنظمات ما بين منظماتٍ دفاعيَّةٍ تتصدَّى لانتهاكات حقوق الإنسان في ميادينٍ مختلفةٍ، سواءً على صعيد الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة التي احتَّلت المساحة الأكبر، أو على صعيد الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتى ما زالت تحتل مساحةً أقل مُقارنةً بالمُنظَّمات العاملة في مجال الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، وفي اعتقادنا أنَّ هذا التَّبايُن راجعٌ إلى العديد من الأسباب من الصَّعب الإحاطة بها في هذا الإطار، هذا بالإضافة إلى المُؤسَّسات الأخرى التي تعمل في مجال التَّوعية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.
وفى إطار هذا التَّبايُن والتَّنوُّع في مجالات عمل مُنظَّمات حقوق الإنسان، والخبرة التي اكتسبتها في هذا المدى الزَّمني، منذ مطلع الثَّمانينيَّات، فقد كانت الفرصة مهيأةٌ لحوارٍ أوسع بين تلك المُنظَّمات في إطار هذا التَّبايُن وهذا التَّعدُّد، الأمر الذي كان سوف يُعطي تلك الحركة زخمًا ومدىً أوسع من الحركة والتَّأثير، سواءً على مستوى الرَّأي العام المصريِّ، أو جمهور المستفيدين الذين تتعامل معهم تلك المنظمات.
ويقول إسماعيل إنَّ ذلك يكتسب أهمِّيَّته في ظلِّ وجود الكثير من التَّحديات التي تواجه واقع حقوق الإنسان في مصر بدءً من الخطاب المُعادي في العديد من الصُّحف ووسائل الإعلام المختلفة، مرورًا بالقيود التَّشريعيَّة التي تحدُّ من نشاطها، انتهاءً بالتَّنكيل والانتهاكات التي يتعرض لها نُشطاء حقوق الإنسان بين الحين والآخر، الأمر الذي يمكن أنْ يُهدِّد وجود تلك المُؤسَّسات واستمراريَّة بقائها.
ويعيب النَّاشطُ والحقوقيُّ على مُنظَّمات حقوق الإنسان في مصر أنَّه بالرَّغم من وجود العديد من الظُّروف الموضوعيَّة التي تُهيِّئ الأرضيَّة المُناسبة لحوارٍ واسعٍ بين تلك المنظمات على أساسٍ من الأهداف المشتركة، فإنَّ هذا الحوار لا يزال غائبًا، والأمثلة الدَّالة على ذلك عديدة، أخرها ما تم فيما يتعلق بالمجلس القومي لحقوق الإنسان وبين مُنظَّمات حقوق الإنسان؛ حيث رفضت بعضها التَّعامُل معه، بينما قبلت مُنظَّماتٍ أخرى الانضمام اليه.
ولكن ذلك لا ينفي وجود لونٍ من ألوان التَّنسيق بين تلك المُنظَّمات في عددٍ من القضايا، إلا أنَّه لا يشكل حوارًا مستمرًا وممتدًا بين تلك المنظمات.
ومن ثم فإن السُّؤال الذي يطرح نفسه في هذا السِّياق، لماذا غاب هذا الحوار بين تلك المنظمات في ظل التَّحديات للتي تتعرَّض لها؟.. يجيب البعض على هذا السُّؤال بأنَّ هذا الحوار سيظلُّ غائبًا طالما غابت المعايير الضَّابطة والحاكمة لأساسيات وفرضيَّات هذا الحوار.
غياب معايير الضَّبْط:
لعل أوَّل تلك المعايير هو غياب البناء المُؤسَّسي لتلك المُنظَّمات، ومن ثمَّ فإنَّ استخدامنا لكلمة مُنظَّمات في هذا المُقام، وهو استخدامٌ مجازيٌّ لا يُعبِّر عن حقيقة الأمر الواقع، لأنَّ كلمةً مُنظَّمةً تعني وجود بناء مُؤسَّسيٍّ قائمٌ على أُسسٍ واضحةَ المعالم والحدود.
هذه المعالم تتجلَّى في وجود هيكلٍ تنظيميٍّ قائمٌ على الإرادة الحرَّة المستقلة لأفراده، التي تنبع من إيمان أفراد هذه المُؤسَّسة بالقِيَمِ والفضائل المدنيَّة القائمة على التَّسامُح وقبول الآخر، والإدارة السِّلميَّة للخلاف في وجهات النَّظر، والتي تُشكِّل الفضاء الواسع لبناء هذه المُنظَّمات.
ولكن عند إمعان النَّظر في تلك الفضائل المدنيَّة داخل تلك المُنظَّمات، سوف نجدها غائبةٌ تمامًا، ولعلَّ أبسط مثالٍ يمكن أنْ نسوقه في هذا الشَّأن هو غياب التَّداوُل السِّلميِّ لرئاسة تلك المُنظَّمات؛ حيث لم نجد أحدًا من القائمين على إدارة تلك المُنظَّمات قد ترك منصبه طواعيةً لغيره من أفراد نفس المُنظَّمة ليتولَّى عجلة القيادة، ومن ثمَّ تأكيد مبدأ المشاركة في إدارة شئون المُنظَّمة، الذي طالما تنادت به تلك المُنظَّمات في خطابها الذي تتوجَّه به سواءً للرَّأي العام، أو لجمهور المستفيدين، الأمر الذي يُفْقِدُها الكثير من مصداقيتها.
ولم يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد الى إحداث تغييرٍ عكسيٍّ في بناء المُنظَّمة التي قد تبدأ على أساسٍ من المُشاركة المحدودة، إلا أنَّها تنتهب إلى الانعدام الكامل لأُسُسِ تلك المُشاركة، وهناك بعض الأمثلة الدَّالة علي ذلك.
ويرفض عبد المولى إسماعيل الحُجَج التي يسوقها البعض من أنَّ القيود القانونيَّة المفروضة من جانبٍ، وتعسُّف سلطات الدَّولة من جانبٍ آخرٍ تُحول دون ذلك.
ولكن هذا القَول مردودٌ عليه من أنَّ هناك عددٌ- وإنْ كان محدودًا- من التَّجارِب النَّاجحة في هذا المجال، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ وجود بناءٍ مؤسسيٍّ قائمٍ على هيكلٍ تنظيميٍّ واضحٍ ومُحدَّد الاختصاصات والصَّلاحيَّات والمسئوليَّات، وتتداول في إطاره المعلومات يكون هو العاصم الأكبر من خطر الانزلاق إلى الشَّخصانيَّة وسيادة الرُّوح الفرديَّة العالمة ببواطن الأمور والمُتحكِّمة في كلٍّ شيٍّ التي يكون بيدها مفاتيح كلِّ صغيرةٍ وكلِّ كبيرةٍ داخل المُنظَّمة.
ويرتبط بحالة "الشَّخصانيَّة" تلك كافَّة الأمراض الخاصَّة بسيادة هذا النَّمط من الإدارة التي لا تنعكس على تطوير الأداء، ومن ثَمَّ غياب الآليَّات الدِّيمُقراطيَّة داخل البناء التَّنظيميِّ للمُؤسَّسة الفرديَّة، وتغليب وجهات نظر الفرد بكل خلفيَّاتها الاستبداديَّة في علاقة هذا الفرد (الرَّئيس/ المدير التَّنفيذيُّ) في علاقته مع نظرائه من الأفراد القائمين على إدارة المُنظَّمات الأخرى.
وفي حالة حدوث أيِّ حوارٍ داخل هذه المُنظَّمات يكون حوارًا فرديًّا ذاتيًّا قائمًا على تغليب مصلحة الفرد في المُقام الأوَّل, وبالتَّالي تسييد ما هو ذاتيٌّ على ما هو موضوعيٌّ، وفي هذا الصَّدد تبرز كافَّة المُشكلات والخلافات الشَّخصيَّة بين هؤلاء الأفراد عند التَّعامُل مع أيِّ مشكلةٍ تخصُّ واقع حقوق الإنسان في مصر.
غياب النِّظام المُؤسَّسي:
ويرتبط بسيادة هذا النَّوع من الإدارة افتقاد المُنظَّمة لجماعيَّة روح الفريق، وينعكس ذلك في افتقاد المُنظَّمة لأيِّ ابتكارٍ أو تجديدٍ؛ حيث تسود الرُّوح الوظيفيَّة داخل أعضاء الفريق العامل بالمنظمة بدلاً من روح الخلق والتَّجديد والابتكار.
كما يرتبط بغياب البِناء المُؤسَّسي أيضًا زيادة معدلات الدَّوران الوظيفي بين العاملين بالمُنظَّمة؛ حيث وصلت هذه المُعدَّلات إلى ما يقرب من الألف بالمائة داخل عددٍ من المُنظَّمات العاملة في مجال حقوق الإنسان.
ومن ثمَّ يُصبح الحديث عن بناء القدرات، وتنمية المهارات بمثابة حديثٍ فارغٍ من كلِّ مضمونٍ، وبالتَّالي ينتفي وجود أجيالٍ جديدةٍ يُمكن أنْ تساعد في تنوُّع الرُّؤى والأفكار أو ابتكار آليَّاتٍ جديدةٍ للتَّعامُل مع الانتهاكات المُتزايدة لحقوق الإنسان في مصر.
ويشير الباحث هنا إلى غياب أيَّة عقودِ عملٍ أو تأميناتٍ اجتماعيَّةٍ- ولو حتى عقود عملٍ مُؤقَّتةٍ ولمددٍ مُحدَّدةٍ، سواءً ستَّة أشهرٍ أو سنةٍ على أقصى تقديرٍ- للعاملين داخل تلك المُنظَّمات، ومن ثَمَّ يُصبح هؤلاء العاملين بتلك المُنظَّمات في وضعٍ أكثر هشاشةٍ في مواجهة أيَة صدماتٍ ولو بسيطةٍ، وبالتَّالي تفقد هذه المُنظَّمات الكثير من مصداقيتها عند الحديث عن الانتهاكات التي يتعرَّض لها العاملين في القطاعات الاقتصاديَّة المُختلفة داخل مصر.
كما يرتبط بغياب البناء المُؤسِّسي أيضًا غياب الشَّفافية فيما يتعلق بأية أمور داخل المنظمة سواء فيما يتعلق بتسيير الأمور الماليَّة، أو الأمور الإداريَّة البسيطة، ولا يقتصر الأمر فيما يتعلَّق بالشَّفافية على العاملين داخل المُنظَّمة فقط، بل يمتد إلى جمهور المستفيدين أيضًا، والذي يظلُّ مفعولاً به دائمًا، ولا يكون له أيِّ دورٍ فاعلٍ داخل المُنظَّمة سواءً بالسَّلب أو بالإيجاب.
وتمتد هذه التَّأثيرات إلى الرَّأي العام أيضًا، وعلى رأسه المهتمِّين بحركة حقوق الإنسان، وبالتَّالي يظلُّ الحديث عن دفعِ وتحريكِ روح التَّطوُّع لدى الأفراد الذين يرغبون في المشاركة في دفع وتطوير حركة حقوق الإنسان، أشبه بالحلقة المفرغة.
غياب آليات المُساءلة والمُحاسبة:
كما يرتبط بغياب البناء المُؤسَّسيِّ أيضًا غياب روح المساءلة، سواءً بين العاملين داخل تلك المُنظَّمات ومرؤسيهم من ناحيةٍ، أو بين جمهور المستفيدين أو الرَّأي العام وبين أيَّة منظمةٍ ما من ناحيةٍ أخرى، بحسب الباحث.
وتفتقد العديد من تلك المُنظَّمات للجمعيَّات العموميَّة التي يمكن أنْ تُحاسب وتناقش أيِّ خللٍ يعتري أداء المُنظَّمة في تحقيقها لرسالتها، وسوف يقول البعض في هذا السِّياق إنَّ القيود القانونيَّة المفروضة على تلك المُنظَّمات لا تخلق مساحةً كافيةً لتفعيل دور الجمعيَّات العموميَّة في هذا الصَّدد، ولكن هذه المبررات لا تكون مقنعةٌ في كثيرٍ من الأحيان.
ولذلك تفتقد هذه المُنظَّمات الرَّقابة والمُساءلة والمُحاسبة والتَّقييم، وحتى أبسط الأمور مثل وجود تقريرٍ سنويٍّ خاصٍّ بنشاط المُنظمة، يتضمن كافة الأوجه المُتعلِّقة بأنشطتها، لا يوجد لدى الكثير من هذه المُنظَّمات، هذا بالإضافة إلى ضعف أدوار مجالس الأمناء، والتي لبعضها مجرَّد وظيفةٌ شكليَّةٌ.
إلا أنَّ الباحث لا يرى أنَّ هذه الإشكاليَّات تمنع من الاعتراف بوجود حالةٍ من النَّشاط الذي يشهده المجتمعُ المصريُّ من جانب بعض المُؤسَّسات الحقوقيَّة الغير حكوميَّة خلال الفترة الماضية، إلا أنَّ المُحلِّلين اتفقوا على أنَّ هذا النَّشاط غير واضحٍ بسبب الممارسات الحكوميَّة، لأنَّ الحكومة المصريَّة تسير في اتِّجاه حقوق الإنسان خطوة للأمام، وخطوتَيْن للخلف.
إلا أنَّ هذا لا يمنع حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصريَّة لحقوق الإنسان من القول إنَّه بالرَّغم من كلِّ شيءٍ تبقى الإنجازات قائمة وفعَّالة، ومن بينها إلغاء عقوبة الجَلْد، والتي كانت موجودة حتى عام 2000م، فضلاً عن إحالة ضُبَّاط شرطة متهمين بالتَّعذيب إلى محكمة الجنايات.
رؤى حقوقيَّة
إلا أنَّ الصُّورة تظلُّ متباينةً؛ حيث إنَّ العاملين في أوساط جمعيَّات حقوق الإنسان في مصر، كما قال أبو سعدة، يرون أنَّ ما يحققونه- أيًّا ما كان- هو في عداد الإنجازات، في ظلِّ وجود العديد من المشكلات القانونيَّة والأمنيَّة التي تعترض طريق هذه المُنظَّمات.
ففي تحقيقٍ موسَّعٍ أجرته صحيفة (الشرق الأوسط) الَّلندنيَّة في أوساط النَّاشطين الحقوقيين في مصر، قبل فترةٍ، قال النَّاشط الحقوقيُّ عبد الجواد أحمد المحامي، والذي يرأس المجلس العربيِّ لدعم المُحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، كواحدةٍ من أحدث المُنظَّمات الحقوقيَّة بمصر تعمل بشكلٍ عامٍ في مجال حقوق الإنسان، وتُعنَى بملفٍّ خاصٍّ هو "نشر ثقافة المعايير الدَّوليَّة لكفالة المحاكمات العادلة.. قال إنَّ المُنظَّمة على حداثة عهدها بالعمل بدأت مجموعةٌ من الأنشطة، من بينها مبادرةٌ لإنشاء شبكةٍ عربيَّةٍ لمراقبة المحاكمات بالدول العربيَّة، وتضم هذه الشَّبكة عددًا من المُحامين والصَّحفيِّين، على ألا يتدخَّلوا في أعمال القضاء، وسيشاركون في تقديم الدِّراسات والأبحاث والمُقترحات المُتعلِّقة بالحفاظ على ضمانات التَّقاضي.
وحول تقييمه للمُنظَّمات الحقوقيَّة، قال: "أيًّا كان أداؤها، إلا أنَّها أثَّرت بشكلٍ ملحوظٍ في كلِّ المجالات في المرأة والطِّفل، حتى لو كانت هناك ملحوظاتٌ على آدائها، فقد قدَّمت الحد الأدنى لجزءٍ من التَّغيير وفتحت الباب ووضعت المجتمع على أوَّل الطَّريق، وحجزت موقعًا لحقوق الإنسان على أجندة المُجتمع والدَّولة وكل المُؤسَّسات المعنيَّة بالشَّأن العام.
وقال: "إنَّ بعض الجمعيَّات لا يصلح معها فتح العضويَّة فيها؛ حيث إن بعضها قائمٌ على الرَّصد، والآخر قائمٌ على التَّدريب فقط مثلاً"، مشيرًا إلى أنَّ "الجيل الثَّاني من المُنظَّمات كان لابد أنْ يتجه للتَّخصُّص".
من جانبها لفتت الدُّكتورة نولة درويش رئيسة منظمة المرأة الجديدة، النَّظر إلى أنَّ مُنظَّمات حقوق الإنسان تكاثرت عبر عقدَيْن أو أكثر، وجاء بعضها نتيجة انقساماتٍ بداخل مُنظَّماتٍ سابقةٍ، كما بدأت تتنوَّع في أنشطتها، وأخذت أشكالاً أكثر تخصُّصًا، فظهرت مُنظَّمات معنيَّة بمجالاتٍ، مثل: السُّجناء، والفلاحين، والعُمَّال، والنِّساء، والمُعوَّقين، والبيئة.
كما بدأ في الظُّهور نوعٌ آخرٌ من التَّقسيم، على أساس نوعية الأنشطة التي تمارسها منظمات حقوق الإنسان، فكان هناك من اهتم بالتدريب أو البحوث، أو تقديم أنواعٍ مختلفةٍ من الخدمات، مثل المساعدة القانونيَّة والعلاج، والرصد، والدِّفاع الاجتماعيِّ.
وتقول النَّاشطة نولة درويش إنَّ هناك العديد من المُشكلات التي تتعرَّض لها هذه المُنظَّمات، من بينها الضُّغوط السِّياسيَّة والأمنيَّة التي تتعرَّض لها، والتي تمنعها من أنْ تأخذ شكلاً قانونيًّا مُحدَّدًا؛ حيث يأخذ معظمها شكل الشركات المدنيَّة، حتى تتمتَّع بحرِّيَّة حركةٍ أوسع نطاقًا، فيما عدا المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان.
وفيما يخص قضيَّة التمويل، قال نجاد البرعي رئيس جمعية تنمية الدِّيمُقراطيَّة إنَّ المجتمع سيتمكن من تمويل منظَّماته بعد فترةٍ، حين تظهر طبقةٍ من رجال الأعمال، مثل التي كانت موجودةٌ قبل ثورة يوليو 1952م، ولن تزيد هذه الفترة عن 10 سنوات من اليوم، وسيكون التَّمويل بالكامل محلِّيًّا مع عدم إغفال التَّمويل الأجنبيِّ.
وعمومًا فإنَّ التَّمويل الأجنبيَّ- بحسب البرعي- موجودٌ للمنظمات الحقوقيَّة في العالم كله، وذكر أنَّ المعهد الدِّيمقراطيِّ الأمريكي والمعهد الجمهوريِّ تُموِّلهما مُؤسَّساتٌ هولنديَّةٌ، وقال إنَّ التمويل الوطني لمنظمات حقوق الإنسان في مصر لن يتحقَّق بدون رأسماليَّةٍ مصريَّةٍ وطنيَّةٍ، ورجال أعمالٍ يلعبون دورًا اجتماعيًّا، ويوقنون أنَّ ازدهار حقوق الإنسان هو الضَّمان السَّليم لحسن الاستثمار، أمَّا حاليًا فغالبيَّة رجال الأعمال يتخوَّفون من تمويل المُنظَّمات الحقوقيَّة، حتى لا يُتهموا بأنَّهم يُعارضون الحكومة.
---------------------
(*) من مصادرٍ مُختلفةٍ أُشِيرَ لها في المتن....

أقرأ المزيد...

قضيَّة سياج.. واستكمال لمُسلسَل إهدار المال العام....


كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

قصةٌ جديدةٌ نطالعها كحلقةٍ جديدةٍ ضمن حلقات مسلسل إهدار المال العام في مصر، مثلها مثل غيرها من قصصٍ كثيرةٍ عن وطن هناك من يسعي لاستباحته، وما استعادته مصر بالسِّلاح أو بالتَّحكيم الدَّوليِّ يمكن احتلاله من جديد بالدُّولار وباليورو.. إنَّها قصة رجل الأعمال وجيه إيلاي جورج سياج، الخواجة المصري الذي يحمل الجنسيَّة الايطاليَّة، ويعمل في مجال الاستثمار السِّياحيِّ، والذي كان يسعى لزرع الصَّهاينة في سيناء.

قد تتعدد مشاهد تلك القصَّة، وكان من المُمكن أنْ تنتهي نهايةً مؤلمةً، لولا استيقاظ بعض أجهزة الدَّولة من غفلتها؛ فمصير تلك الصَّفقة إذا ما كانت قد تمَّت كان الأمر سيسير لصالح إسرائيل؛ حيث كان سينتهي الأمر بتمليك بعض حملة الجنسيَّة الإسرائيليَّة650 ألف مترًا مُربَّعًا، ممتدةٌ على مساحة ثماني كليومترات على الحدود الصُّهيونيَّة بمنطقة طابا.
وقد أدَّت المشكلة التي يناقشها الملف بتحميل خزينة الدَّولة مبلغ 750 مليون جنيه، سيتم دفعها من جيوب الشَّعب المصرىِّ الذى سيتحملها من حصيلته من الضَّرائب، وسيتم توجيهها لتحمل أخطاء مسئولي الحكومة؛ حيث تمَّ الانتهاء من جولات التَّحكيم الدَّولي في قضية رجل الأعمال وجيه سياج، والتى أسفرت عن تلك الكارثة.
حيث أنهى مركز التَّحكيم الدَّولى التَّابع للبنك الدَّولي "أكسيد" في واشنطن الحكم في قضية شركة سياج للاستثمارات السِّياحيَّة مع الحكومة المصريَّة حول السَّيطرة على أرض طابا، بتغريم مصر 74 مليون دولار بالاضافة إلى 60 مليون دولار أخرى كمصاريفٍ، وبذلك يكون المجموع 134 مليون دولار توازي نحو 750 مليون جنيه مصري.
وقد أكَّد الخبراء والمُتخصِّصُون أنَّ قضيَّة سياج مليئةٌ بالأخطاء الاجرائيَّة والقانونيَّة، لما تتوافر فيها من أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ، فضلاً عن إشارتهم إلى ازدواجيَّة الحكومة في التَّعامُل مع القضايا المختلفة ومراعتها لمصالح كبار رجال الحكومة على حساب الشَّعب، خاصةً في الفرق الواضح والكبير في التَّعامُل بين قضيَّة مصنع أجريوم في دمياط وقضية سياج.
وبالقاء نظرةٍ سريعةٍ فى صفحات التَّاريخ نجد أنَّه بعد حرب 1973م، وبموجب اتِّفاقيَّة السَّلام المُوقَّعة بين مصر والكيان الصهيونى، والتى تمت في 17 سبتمير 1978م، تم استرداد معظم الأراضي المصريَّة بسيناء، وكعادة اليهود الذين لا يحترمون أيِّ تعاقدٍ أو أيِّ اتِّفاقٍ، فقد ادَّعوا أنَّ لهم حقًّا تاريخيًّا في طابا لتُصبح هي المدخل الذي يعلقون عليه آمالهم؛ حتى يتواجدوا داخل الأراضي المصريَّة.
وبعد مداولاتٍ ومباحثاتٍ شاقَّةٍ ومريرةٍ تمَّ الاتِّفاق مع الكيان الصُّهيونيِّ على الُّلجوء للتَّحكيم، وفي 30 سبتمبر 1988م، أعلنت هيئة التَّحكيم الدَّوليَّة في الجلسة التي عُقِدَت في جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أنَّ طابا أرضًا مصريَّةً، وفي 19 مارس 1989م، رفع الرَّئيس حسني مبارك علم مصر على طابا المصريَّة.
ولكن السُّؤال هنا هو هل عادت طابا كاملةً لمصر؟، وما الذي حدث لهذه الأرض ليصبح جزءً منها ملكًا لأسرة رجل الأعمال وجيه سياج لتُصبِحَ مصر اليوم أمام هيئة التَّحكيم في منازعات الاستثمار (إكسيد)، التَّابعة للبنك الدَّولي.
جذور القضيَّة
بإلقاء الضَّوء على الجذور الأولى للقضيَّة، سنجد أنَّه في 14 يناير من العام 1989م، وأثناء حكومة رئيس الوزراء الرَّاحل عاطف صدقي، قام وزير السياحة آنذاك فؤاد سلطان بالموافقة على بيع 650 ألف متر من أرض طابا لشركة الاستثمارات السِّياحيَّة وإدارة الفنادق "سياج"، وتمَّ البيع دون دراسةٍ كافيةٍ بأنْ يشترى هذا المستثمر كل تلك المساحة، ومن دون معرفةٍ حكوميَّةٍ بطبيعة نشاطه، ومن دون توقُّفٍ أمام خطورة المنطقة التى اشترى فيها من النَّاحية الأمنيَّة، خاصةً وأنَّ هذه الأرض تبعد حوالي 6 كيلومترات فقط عن الحدود المصريَّة مع الكيان الصُّهيونيِّ.
وأرجع الخبراء أنَّ الحكومة قدَّمت مبرراتٍ واهيةٍ ووافقت على البيع بعيدًا عن التَّخصيص، الى أنَّ السِّياحة في هذه المنطقة شبه ميتةٍ، وهم في حاجةٍ لمن يُحييها، وللتباهي بأنَّها تفتح الطَّريق أمام الاستثمار، حتى لو كان استثمارًا مدموغًا بخاتم الصَّهاينة الذين يخططون للعودة إلى سيناء بطرقٍ ملتويةٍ مثل الاتفاق مع "سياج" ومن على شاكلته، لذلك تحجَّجت الحكومة المصريَّة بأنَّها لجئت لبيع هذه المنطقة لرجل الأعمال وجيه سياج؛ لإحياء السِّياحة في هذه المنطقة عن طريق بيعها.
ويقضي عقد البيع بأنْ تبيع الحكومة المصريَّة 650 ألف مترٍ مربعٍ، بطول 1500 متر على السَّاحل، بمبلغ 975 ألف جنيه بواقع جنيه ونصف للمتر، وكان الاتفاق يقضي بأنْ يدفع وجيه سياج 20% من المبلغ عند التَّوقيع مع سداد الباقي على 7 سنوات يستحق أوَّلها بعد 3 سنواتٍ من توقيع العقد، وبذلك يكون السَّداد خلال عشر سنوات.
وبعدها كوّن سياج وآخرون، في يوليو 1992م، شركة "سياج طابا" على أنْ تمتلك شركة سياج السِّياحيَّة 75% من "سياج طابا"، ثم زاد سياج من حصته لتصل إلى 88%، وحِصَّة والدته حوالي 11% ومنى سياج وثلاثة آخرين من الأبناء حوالي 1%، وكان من المُقرَّر أنْ يتم إنشاء منتجعٍ سياحيٍّ يتَّسع لحوالي 1650 شخصًا، وبنيةٍ تحتيَّةٍ على 3 مراحلٍ.
وانتهز الكيان الصُّهيوني تلك الفرصة وقاموا بالاتفاق مع رجل الأعمال سياج في أغسطس 1994م لإنشاء شركة "لومير هولدينج" الصّهيونيَّة لتمويل جزءٍ من المرحلة الأولى من المشروع.
ثمَّ أخذت القضيَّة أبعادًا أخرى تمثَّلت فى إلغاء التَّخصيص بقرارٍ رئاسيٍّ لدواعٍ أمنيَّةٍ، وفي العام 2003م تمَّ تخصيصها لشركة غاز شرق المتوسط، وبعدها بدأت جولات التَّحكيم الدَّولي لتنتهي بكارثة الحكم الأخير، الذى قضى بتغريم الحكومة المصرية 750 مليون جنيه.
أبعاد قانونيَّة
ذكر بعض الخبراء أنَّ سبب خسارة الحكومة المصريَّة في التَّحكيم الدَّولي دائمًا إلى نقص الكوادر القانونيَّة القادرة على التَّعامُل مع هذه القضايا، في حين اتَّهم آخرون ضعف القوانين المحلِّيَّة، وتضارُب السِّياسات الاستثماريَّة إلى جانب الفساد الإداريِّ، بأنَّها أهم العوامل التي مكَّنت رجال الأعمال الأجانب من الحصول على أحكامٍ لم يكونوا يستطيعون الحصول عليها إذا وجدت قوانين تحمي المصالح القوميَّة، بينما أرجعها خبراءٌ آخرون إلى تواطؤ كبار المسئولين في الدَّولة والطَّامعين في ثروات البلد، وتهاوُن المسئولين عند كتابة بنود التَّعاقُد في الحفاظ على حقوق البلد.
وفي تحليلٍ للدُّكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجيَّة الأسبق حول ملابسات تلك القضية أوضح أنَّ تلك القضيَّة تُعدُّ واحدةٌ من القضايا الكثيرة التي خسرت فيها مصر أموالاً طائلة في التَّقاضي، مشيراً إلى أنَّ تلك القضيَّة بالذَّات تُعْتَبَر نموذجًا وتصويرًا دقيقًا للحالة المصريَّة التي آن الأوان لفتح تحقيقٍ مستقلٍّ ومحاسبة المسئولين عن هدر هذه الأموال والإساءة إلى مصر و فرص الاستثمار فيها.
وفسر دكتور الأشعل أوجه الاختلاف في تلك القضية عن غيرها فيما يخص التَّحكيم أمام مركز (أكسيد)، موضحًا أنَّ هناك ثلاثة أمورٍ أساسيَّةٍ تمثِّل هذا الاختلاف، وأوَّلها أنَّ تلك القضيَّة مرَّت بمحطات فسادٍ واستهتارٍ وعدم إكتراثٍ من جانب المسئولين ممَّا تسبَّب في أنْ يكون الشَّعبَ المصريَّ هو الضَّحيَّة بأنْ يدفع الشَّعبُ المصريُّ ثمن هذا العبث الذي يرتكبه كبار المسئولين في مصر.
وثانيها فهي مسألة التعويض، مبرزًا الأشعل أنَّ قدر التَّعويض المطلوب من الحكومة المصريَّة خياليٌّ، ولم يحدث أنْ قرَّر حكم تحكيم في كل تاريخ التَّحكيم الدَّولي مثل هذا المبلغ.
أما الأمر الثَّالث فيتمثل في أنَّ الطرف الآخر يحمل الجنسية المزدوجة، وأنَّ جزءًا كبيرًا من عمليَّة التَّقاضي ركزت على قضيَّة الجنسيَّة.
وخلال تحليل الدكتور الأشعل للقضيَّة أوضح أنَّ قضيَّة سياج ترتبط بعددٍ من المحطَّات التي يجب التَّحقيق فيها؛ فالمحطة الأولى هي تخصيص أراضي في طابا للاستثمار، ولابد أنَّ الذي أَمَرَ بالتَّخصيص يعلم حساسيَّة هذه المنطقة للأمن القومي المصري، واحتمال تسرُّب شركاتٍ صُهيونيَّةٍ إلى المستثمرين الأصليِّين الذين استغلوا وضعهم وجنسيَّتَهم المصريَّة للحصول على هذا التَّخصيص ممَّا يتطلَّب النَّظر في إصدار قانونٍ يُراعي هذه الأخطاء.
وبالانتقال الى المحطة الثَّانية هي نزع ملكيَّة هذه الأراضي بتحويلها وإعادة تخصيصها إلى المنفعة العامَّة، وهذا موقفٌ صائبٌ؛ لأنَّه يُصحِّح الخطأ الأوَّل، وهو تخصيص الأرض أصلاً للمستثمرين، وكان يتعيَّن أنْ تكون الدَّولة طرفًا في هذا الاستثمار أو أنْ يتم الاكتتاب فيه من جانب الجمعيَّات الأهليَّة المصريَّة.
أمَّا المحطَّة الثَّالثة التي يجب التَّحقيق فيها هي صدور أحكامٍ من القضاء المصريِّ لصالح من نُزِعَت ملكيَّتهم في طابا، ثم إهدار قيمة هذه الأحكام من جانب الحكومة، ولابد من وقفةٍ مع الحكومة وتطبيق القانون الجنائيِّ المصريِّ الذي يقضي بحبس المسئول أيًّا كانت مرتبته في جنحةٍ مُباشرةٍ إذا لم يُنفَّذ الحكم، وعارٌ علينا في مصر أنْ تكون الحكومة قدوةً في امتهان الدُّستور وإهدار قيمة القضاء، ولكنَّها تتشدَّد لإرغام المواطنين على احترام هذه الأحكام، ويبدو أنَّها من السِّمات الأساسيَّة للنُّظم المتخلفة.
أما المحطَّة الرَّابعة، وكانت أصعب تلك المحطَّات جميعًا فهي إعادة تخصيص الأراضي ونقلها من المنفعةِ العامَّة إلى منفعة أحد المستثمرين، وهو رجل الأعمال حسين سالم، وكان طبيعيًّا أنَّ سياج الذي نُزعت ملكيته لصالح أحد المستثمرين بعد ذلك، بعد أنْ كانت قد نُزِعَتْ للمصلحة العامَّة فضلاً عن التَّلاعُب بحقِّه في التَّعويض من جانب الحكومة أنْ يفقد الثقة في مصر وحكومتها، مما جعله يلجأ إلى مركز "أكسيد" لكي تجني مصر ضحيَّة هذه التَّصرُّفات غير المسئولة لكي تُمثل أمام المركز، وتشهد المحطة الخامسة وهي تواضع الإدارة المصريَّة في إدارة عمليَّة التَّحكيم.
وأجمل دكتور الأشعل مجموعة الحلول واضعًا إياها بين أيدي المسئولين المصريين؛ حيث أوضح أنَّه لابد أنْ تُشكَّل لجنة للتَّحقيق، مكونةٌ من جميع النَّقابات المصريَّة من مهندسين ومحامين وصحفيِّين وغيرها من الجهات غير الحكوميَّة التي يعنيها الكشف عن مأساة مصر في تلك القضيَّة، وأشار إلى ضرورة أنْ يلتزم المسئولون في هذه القضية بدفع هذا التَّعويض من أموالهم الخاصَّة، وأنَّه لابد وأنْ يقف الشَّعب وقفةً صامدةً في وجه تلك القضيَّة، وأنْ تكون أعمال لجنة التَّحقيق شفَّافة، وأنْ تُحيط المجتمع المصريِّ بكل تطورات هذا التَّحقيق.
جريمةٌ جنائيَّةٌ
منذ أيامٍ قلائلٍ أعلن المحامي عصام سلطان الخبير فى قضايا التَّحكيم الدَّوليِّ أنَّ قضيَّة وجيه سياج تتوافر فيها كافَّة أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ؛ حيث تمثَّلت في جناية إهدار المال العام، مع تسهيل الاستيلاء عليه، والتَّربُّح غير الشَّرعيِّ، وتزوير مُحرَّرٍ رسميٍّ، لما ثبُت أنَّ رجل الأعمال سياج كان يحمل جوازَ سفرٍ لبنانيًّا مزوَّرًا بحسب ما أوردته الحكومة الِّلبنانيَّة.
وأستنكر المحامي سلطان تقاعُس الحكومة المصريَّة في توجيه أيَّة اتِّهاماتٍ من هذه النَّوعيَّة؛ حيث إنَّها حتى الآن لم تتقدَّم ببلاغٍ واحدٍ ضد كل المشاركين في الأمر، من وجيه سياج، ورئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد، ورجل الأعمال "المشبوه" حسين سالم، مؤكدًا أنَّ التَّحقيقات معهم ستفتح العديد من ملفات الفساد في مصر.
وأشار سلطان إلى أنَّ الازدواجيَة هي ما تعاملت به الحكومة مع هذه القضيَّة، مشيرًا إلى تعاملها في قضية مصنع أجريوم؛ حيث تمَّ الُّلجوء إلى التَّحكيم الدَّولي في قضيَّة سياج، قبل اتِّخاذ أيِّ إجراءٍ قانونيٍّ بمصر- والذي كان سيكشف الكثير- لإيقاف إجراءات إتمام التَّحكيم، طبقًا للقانون الجنائي.
وأكد سلطان أنَّ الحُكمَ الذي حصل عليه سياج مؤخرًا يشوبه أمورٌ عديدةٌ، أوَّلها أنَّه تمَّ من خلال إجراءاتٍ غير صحيحةٍ، بدءًا من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّوليِّ، بعكس ما تمَّ مع قضيَّة أجريوم، حينما قُدِّمَ أولاً بلاغٌ للنَّائب العام، وتمَّ فتح التَّحقيق في تخصيص الأرض للمشروع، وبالتَّحقيقات تمَّ إلغاء المشروع بأكمله، ولم يتمكَّن أحدٌ من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّولي أولاً، وهذا ما كان سيحدث لو التزمت الحكومة وقامت بواجب الدِّفاع في تلك القضية (قضيَّة سياج).
ألا أنَّ هذا لم يحدث بل إنَّ مكتب بيكر ماكنزى، الذى تولى قضيَّة سياج، هو نفسه محامي الحكومة في قضيَّة أجريوم، معلنًا أنَّ ذلك المكتب تقاضى أتعابًا وصلت لأكثر من 27 مليون جنيه في قضية سياج.
وفي تعليقٍ للدُّكتور أحمد كمال أبو المجد رئيس هيئة الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في الدَّعوى التَّحكيميَّة التى أقامها سياج ضد الحكومة المصريَّة، أشار إلى أنَّه بالمراجعة المتأنِّيَة لمنظومة الحكم التَّحكيميِّ والحيثيَّات التى بُنِيَ عليها أكَّد أنَّه تبيَّن وجود أخطاءٍ إجرائيَّةٍ وثغراتٍ قانونيَّةٍ عديدةٍ في تلك القضية من شأنها أنْ تؤدِّي إلى بطلانه.
وأشار أبو المجد إلى أنَّ تفاصيل ذلك كلِّه سيتم الكشف عنه أمام الهيئة التَّحكيميَّة الجديدة التى تنظر دعوى البطلان التي أقامتها الحكومة المصريَّة، وقال إنَّ الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في هذه القضيَّة سيجري في هذا الإطار التزامًا بالمبادئ القانونيَّة والقواعد المهنيَّة الواجبة...

أقرأ المزيد...

في الذكرى الـ53 لتأميمها.. قناة السُّويس: قرصنةٌ وأزمةٌ عالميَّةٌ تعصف بعائداتها....


كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

منذ أيامٍ مضت، أتمَّت قناة السُّويس ثلاثة وخمسون عامًا منذ تأميمها، وفي هذه الأيام تشهد القناة أحداثًا تؤثِّر فيها بشكلٍ أو بأخرٍ، تعتبر هي الأخطر والأهم على مرِّ العقود التي مضت منذ التأميم.
وتتميَّز قناة السُّويس بأنَّ لها أهميَّةٌ دوليَّةٌ وأخرى محلِّيَّة، أمَّا عن أهميتها على المستوى الدَّولي، فهي تسهم فى نقل 14 بالمائة من تجارة العالم المنقولة بحرًا، و35 بالمائة من وإلى موانيء البحر الأحمر والخليج العربي، و20 بالمائة من وإلى موانيء الهند وجنوب شرق أسيا، و39 بالمائة من وإلى منطقة الشَّرق الآقصى، و26 بالمائة من صادرات البترول العالميَّة



.
وبشكلٍ عامٍ يستخدم الخط الملاحي الذي يمر عبر قناة السويس ما يربو على الـ20 ألف سفينةٍ بمتوسطٍ يبلغ 59 سفينة يوميًّا.
وقد "حقَّقت" قناة السُّويس انخفاضًا حادًّا في إيراداتها فى يونيو الماضي بنسبة 29 بالمائة مقارنةً بما حقَّقته فى يونيو من العام 2008م، متأثرةً في ذلك بعددٍ من العوامل، ولعلَّ أهمَّها:
- الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة.
- زيادة حالات القرصنة على السُّفن التجارية بالقرب من خليج عدن والسُّواحل الصُّوماليَّة.
وقد وضع هذان التَّحديان قناة السُّويس في موقفٍ صعبٍ؛ فقد أحدثت الأزمة المالية حالة تراجعٍ في حركة التِّجارة الدَّولية، بينما مثَّلت أعمال القرصنة البحرية تهديدًا لحركة النَّقل البحريِّ في العالم، وكلاهما كان له أثرٌ مباشرٌ على هذا المرفق البحري الهام مصريًّا ودوليًّا.
وكان اللواء أحمد فاضل رئيس هيئة قناة السُّويس قد أعلن أثناء الإحتفال الذي أُقيم بمحافظة الإسماعيليَّة في ذكرى تأميم القناة أنَّه على الرَّغم من تراجُع عائدات القناة إلا أنَّها تُعْتَبر ثاني أعلى عائدات قياسية تحققها القناة في تاريخها منذ افتتاحها للملاحة في العام 1869م.

وأشار فاضل أثناء حديثه إلى أنَّ عائدات قناة السُّويس بدأت تشهد استقرارًا واضحًا في حجم التَّراجُع خلال الأشهر الأربعة الماضية، متوقعًا أنْ يُحقِّق شهر يوليو الجاري أعلى عائدٍ خلال هذا العام، بعد أنْ بدأت تظهر إشاراتُ تحسُّنٍ في العائدات منذ شهر أبريل الماضي.
وأضاف في حديثه أنَّه: "لدينا مؤشراتٌ تؤكِّد زيادة أعداد السُّفن، وارتفاع الحمولات، كما أنَّ سوق النَّقل البحري بدأت تنتعش قليلاً".
وتطرق فاضل في حديثه عن قناة السُّويس إلى المرحلة الحالية من أعمال تعميق غاطس قناة السُّويس للوصول إلى 66 قدمًا بدلا من 62 قدمًا حاليًا، لإمكان استيعاب المزيد من السُّفن الضَّخمة، مضيفًا أنَّه تمَّ الانتهاء من تنفيذ نحو 96 في المائة من أعمال هذه المرحلة، وأنَّه سيتم الانتهاء من هذه المرحلة خلال هذا العام، مشيرًا إلى أنَّ قناة السُّويس بعد انتهاء هذه المرحلة، ستصبح قادرة على استيعاب السُّفن التي تبلغ حمولتها 240 ألف طن، بدلاً من 220 ألف طن حاليًا.
وأكد فاضل أنَّ تأثير القرصنة على عائدات قناة السويس "لم يزد" على 10 بالمائة "فقط"، فيما أرجع السَّبب الأكبر للانخفاض إلى الأزمة الماليَّة العالميَّة، وتراجٌع حركة التِّجارة بين دول الشَّمال الغني والجنوب الفقير.
تفاؤل.. ولكن!!
وعلى الرَّغم من حديث فاضل المتفائل، إلا أنَّ المؤشرات القادمة من الخارج لا تقول ذلك، فتداعيات الأزمة الاقتصاديَّة أدَّت إلى أنْ تتخِّذ بعض كُبريات شركات الملاحة العالميَّة قراراتٌ بتحويل مسار سفنها من القناة إلى رأس الرجاء الصَّالح، ومنها شركة "إيه. بي. مولر- مايرسك" الدَّنماركيَّة، التي تمتلك أسطول نفطٍ كبيرٍ مكونًا من 50 ناقلةً، وشركة "سفتيتزر" التي تعد أكبر شركة في العالم لتشغيل سفن القَطْر، ومجموعة "أدوفيل" النِّرويجيَّة لناقلات المواد الكيماويَّة، وشركة كبيرة أخرى لتشغيل سفن نقل الغاز المُسال.
كما انخفضت قيمة عقود تأجير السُّفن من 168 ألف دولار إلى أقل من مائة ألفًا للرِّحلة الواحدة، بينما ارتفعت أسعار التَّأمين على السُّفن بحوالي 10 بالمائة للرَّحلات التي تمر بخليج عدن، الأمر الذي يؤدِّي لإرتفاع تكلفة المرور بقناة السُّويس، وارتفعت أسعار الشَّحن بنحو 50 بالمائة.
وعلى المستوى المحليِّ شهدت قناة السُّويس مع نهاية ديسمبر الماضي تراجعًا ملحوظًا في أعداد السُّفن العابرة للقناة بنحو 22 سفينة عن المتوسط اليوميِّ المُسجَّل، والذي يبلغ 59 سفينة، وتراجعت إيرادات القناة خلال شهر يناير الماضي بنسبة‏ 19.7 بالمائة؛ ‏حيث بلغت ‏332.4‏ مليون دولار بانخفاضٍ قدره 81.8‏ مليون دولار عن إيرادات يناير ‏2008‏م، التي بلغت ‏414.2‏ مليونًا.
وأظهرت إحصاءاتٌ حديثةٌ لهيئة قناة السُّويس، تراجُع عائدات القناة خلال الرُّبع الأوَّل من العام الجاري، مقارنةً مع ذات الفترة من العام الماضي؛ حيث بلغ عائد القناة خلال الأول من يناير، وحتى شهر مارس 962.1 مليون دولار مقابل مليار و238.8 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام 2008م بتراجعٍ قدره 28.8 بالمائة.
وأظهرت الاحصاءات أيضًا تراجُع المتوسط اليومي لأعداد السُّفن وحمولاتها المارَّة بالقناة خلال الرُّبع الأول من العام الجاري بالمقارنة بذات الفترة من العام الماضي؛ حيث بلغ المتوسط اليومي لأعداد السفن المارَّة بقناة السويس خلال الفترة من أول يناير وحتى نهاية مارس 44.7 سفينةً يوميًّا، مقابل 55.9 سفينةً يوميًّا خلال الفترة المقابلة من العام الماضي، بنسبة تراجُع بلغت 20 بالمائة.
كما شهد شهر يونيو 2009م خفاض عائدات القناة بنسبة 29 بلمائة بما قُدِّر بـ342.4 مليون دولار بعد أنْ كانت 479.4 مليون دولار في الشَّهر نفسه من العام الماضي.
أزمةٌ حقيقيَّةٌ:
ومع التَّراجُع المتواصل والمستمر لعائدات قناة السُّويس، إحدى أهم روافد العملة الصَّعبة للاقتصاد المصريِّ، نجد أنَّ هناك ظلالٌ لأزمةٍ حقيقيَّةٍ في الإقتصاد المصريِّ حادثةٌ نتيجةً للتَّأثُّر بتراجع عائدات القناة؛ وأمام لغة الأرقام التي لا يمكن تكذيبها، يصبح الأمر واضحًا جليًّا لاستنباط الأسباب التي أدَّت للتَّراجُع في عائدات القناة.
وأشارت أغلب التَّوقُّعات إلى أنَّ أعمال القرصنة قبالة سواحل الصُّومال، واستمرار تداعياتها تُلقي بظلالها على عائدات قناة السويس؛ حيث أثرت عمليَّات القرصنة على خطوط الشَّحن البحريِّ التي ترُبط الشَّرق الأوسط وآسيا بأوروبا وما بعدها عبر قناة السويس، يُضاف إلي ذلك تبعات الأزمة الماليَّة العالميَّة، وما تسبَّبت فيه من تراجع حركة التِّجارة العالميَّة كما سبق القول.
ولكن إذا ما أردنا شيئًا من التَّفصيل، فسنجد أنَّ أعمال القرصنة تُعدُّ من كبرى التَّحديات التي تسبَّبت في تراجع عائدات قناة السويس؛ حيث زادت أنشطة القراصنة في الرُّبع الأول من العام الحالي، وتركَّزت بالقرب من شواطيء خليج عدن والسَّواحل الصُّوماليَّة، والتى تمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف كيلومترٍ.
وفي دراسةٍ صدرت عن الأكاديميَّة العربيَّة للعلوم والتُّكنولوجيا والنَّقل البحريِّ في مطلع فبراير 2009م، أشارت الدِّراسة إلى أنَّ نشاط القراصنة لم يقتصر على النَّاقلات الصَّغيرة، بل بدأ يتعامل مع النَّاقلات الكبيرة أيضًا؛ حيث تعرضت السُّفن الكبيرة من نوع ناقلات الحبوب لـ39 حادثة عام 2008م وسفن الحاويات لـ 37 حادثة، وناقلات البترول والكيماويات لـ 25 حادثة.
وكانت صحيفة (ذي جارديان) البريطانيَّة قد حذَّرت من قبل من تصاعد وتيرة أعمال القرصنة في خليج عدن، مشيرةً إلى أنَّها قد تشل حركة التِّجارة الدَّوليَّة عبر قناة السُّويس، وبالفعل، وباعتراف فاضل فإنَّ 10 بالمائة من أنشطة القناة تأثرت بالقرصنة، وهي نسبةٌ كبيرةٌ وليست هيِّنةً كما حاول اللواء فاضل تصويرها.

ودعا تقرير لمُؤسَّسة "تشاتام هاوس" المختصة بشئون السِّياسة الخارجيَّة، إلى تعزيز وجود القوَّات البحريَّة الدَّوليَّة في المنطقة من أجل التَّصدِّي للقراصِـنة، ومعظمهم صوماليون، وهو ما لا يصبَّ في مصلحة الأمن القومي المصريِّ والعربي، مع تراجُع مصر والدِّول العربيَّة عن قرارٍ سابقٍ بالتَّواجُد العسكريِّ في هذه المنطقة، ولا يوجد سوى الأردن فقط التي لها وجود عسكري في هذه المنطقة من بين البلدان العربيَّة.
في المقابل جاء تصريح رئيس شركة "فرونت لاين" النَّرويجَّية، أكبر مُلاك ناقلات النَّفط في العالم، أنَّ الشَّركة تدرس تجنُّب توجيه أسطولها نحو خليج عدن وقناة السُّويس، بسبب عمليَّات القرصنة.
وفي محاولة للوقوف على حقيقة الأمر، وتقدير حجم الخسائر الاقتصاديَّة والإستراتيجيَّة التي تهدد قناة السُّويس، كأهم مجرىً مائيٍّ عالميٍّ، صرح الخبير الاقتصاديِّ المصريِّ أحمد السَّيِّد النَّجار المُحلِّل والخبير بمركز الدِّراسات السِّياسيَّة والإستراتيجيَّة بـ(الأهرام)، أن "إيرادات قناة السُّويس تشكل حوالي ‏3 بالمائة من إجمالي النَّاتج المحليِّ المصريِّ‏،‏ ولهذا فإنَّ الاقتصاد القومي متأثَّرٌ بلا شكٍّ من هذه التَّداعيات .
ولكن النَّجار قال إنَّه تبقى لقناة السُّويس مَيْزة، وهي قِـصَـر زمن الرِّحلة البحريَّة عن طريق رأس الرجاء الصَّالح بنحو ثلاثة أسابيع‏، وهو ما يعني انخفاض التَّكاليف وسرعة وصول السُّفن لمقاصدها.
وتطرق النَّجار في حديثه الذي كان لموقع (سويس إنفو) العربيِّ إلى مسألة الحديث عن تحويل مسار السُّفن من قناة السُّويس إلى طريق رأس الرجاء الصَّالح بالتَّفصيل؛ حيث أوضح أنَّ ذلك "أمرٌ عبثيٌّ، وغير واردٍ" مبرزًا أنَّ التجارة النَّفطيَّة وغير النَّفطيَّة الخارجة من منطقة الخليج العربيِّ وبعض بلدان جنوب آسيا والمتجهة غربًا تجاه الأمريكتَيْن وإفريقيا وأوروبا، سواءً عبر قناة السُّويس أو عبر طريق رأس الرَّجاء الصَّالح‏ "لابد وأنْ تمر في منطقة بحر العرب أو خليج عدن، مما يترتَّب عليه أنَّ مخاطر أعمال القرصنة ستتوجه إلى كليهما".
وكلام النَّجَّار في حقيقة الأمر خطير؛ حيث يُثير جانبًا سياسيًّا مهمًّا في قرارات الشركات التي حوَّلت مسارها؛ حيث يعني ذلك في جانبٍ من جوانبه أنَّ المقصود بقرارت تحول المسار هو الإضرار بالاقتصاد المصري، ويزيد من احتماليَّة ذلك وجود رؤوس أموالٍ يهوديَّةٍ كثيرة تستثمر في هذه الشَّركات.
وأبرز الخبير الاقتصادي أن الحل يكمن في مواجهة أعمال القرصنة من خلال تدمير الموانئ الخاصَّة بالقراصنة‏, وتسيير دوريَّاتٍ بحريَّةٍ مُشتركةٍ، يتم التَّعاون في تسييرها وتمويلها بين مصر والمملكة العربيَّة السَّعوديَّة واليمن، لفرض الأمن في خليج عدن والبحر العربيِّ، والقضاء على كل أشكال القرصنة، موضحًا أنَّ مواجهة القرصنة في الأجل البعيد تتطلَّب جهدًا فعالاً من الدِّول العربيَّة، وبالأخص مصر والسَّعوديَّة.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح