لم تُخطئ وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة هيلاري كلينتون عندما وَصَفَتْ عرض رئيس الوزراء الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو بوقفٍ جزئيٍّ للاستيطان يستثني القدس بأنَّه "غير مسبوقٍ"، رغم أنَّها تصريحاتُ خطيرةُ على القدس بحدِّ تعبير الأنظمة العربيَّة الرَّسميَّة، مثل وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط.
لم تخطيء السَّيِّدة هيلاري، رغم مخالفة ما قالته لما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه بالقاهرة يونيو الماضي، لأنَّها تُواصل خُطَّة التَّعمية على الرَّأيِّ العام، وتسعى لتحقيق أهدافها التي اتَّهمتْ بسببها في عام 1993م، بالبرود بعد صَمْتِها علي فضيحة مونيكا لوينسكي، والتي أكَّد المُراقبون وقتها أنَّها فَعَلَتْ ذلك لخدمة أهدافها السِّياسيَّة المُستقبليَّة.
هيلارى كلينتون تزعم عزم أمريكا إنهاء كافَّة الأنشطة الاستيطانيَّة إلى الأبد، وتأكيد حلِّ الدولتَيْن، رغم أنَّ النَّتيجة ونهاية النَّفق لن يجد فيه العرب والمسلمون شيئًا؛ لأنَّ هناك حقائق الأرض والعرض والثأر، تُريد أنْ تسمحها هذه الوزيرة من دائرة الجَدَلِ والصِّراع، وهي حقائقَ قانونيَّةٌ يُقرُّها القانون الدَّوليُّ قبل القانون الإلهي!
إنَّني مُندهشٌ حقًّا من غَضَبِ النِّظام المصريِّ من تصريحات كلينتون حول المغتصبات، ومقابلتها لمناقشة تصريحاتها، رغم أنَّه هو الذي لا زال يمارس، وبقوَّةٍ، سياسيات إطباق الحصار على قطاع غزَّة، ويقتل أبطال المقاومة في سجونه.
إنَّ الأزمة في رأيي ليس في جلوسها مع مبارك الأب أو مع أيِّ مسئولٍ عربيٍّ تُناقش معه الوهم في حلِّ القضيَّة الفلسطينيَّة، ولكن في تعطيل الأنظمة العربيَّة لعقولها، ولتعامي أبصارهم مع أرشيف مُقابلاتهم مع المسئولين الأمريكيِّين، حتي باتت الِّلقاءات الثُّنائيَّة نسخةٌ مُكرَّرةُ مهما تباعدت السَّنوات.
إنَّ الأزمة الحقيقيَّة في الاستعانة بالمُسكِّنات، وفي التَّحالُف العربيِّ مع السِّياسات الأمريكيَّة، ولذلك فمن الحقِّ أنْ نستنتكر مواقف مبارك الأب أو أيِّ مسئولٍ عربيٍّ جلس مع هذه "الباردة" !!، قبل أنْ نندهش لآراء مسئولةٍ داست على كرامتها وجمَّدت أعصابها من أجل "الوصول"!!
إنَّني أدعو إلى استمرار المقاومة في كلِّ مكانٍ، مُقاومةً للفساد والاستبداد، ومقاومةً لإلغاء حقائق الصِّراع الفلسطينيِّ الصُّهيونيِّ، من أجل غدٍ أفضل تتحرَّر فيه القدس، وتعود الأرض حُرَّةً مُستقلَّةً نظيفةً، بلا مُجرمين.
القاهرة في 13 نوفمبر 2009م
أقرأ المزيد...
كيف ينظر الأمريكيُّون إلى الإخوان المسلمين؟!..
- الاهتمام الأمريكي بالإخوان المسلمين نابع من الاهتمام بقضايا الواقع السِّياسيِّ في مصر
- هناك تباين في نظرة مُختلف الأطراف الأمريكيَّة للإخوان المسلمين
- أوباما طلب التَّحاوُر مع الإخوان المسلمين خلال زيارته لمصر في يونيو الماضي
كتب: أحمد التَّلاوي
شُغِلَت دوائر البحث السِّياسيِّ والقرار في الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة بقضايا الوضع السِّياسيِّ في مصر، وخصوصًا من الزَّوايا المُتعلِّقة بالحريَّات وحقوق الإنسان، ومستوى تقدُّم الدِّيمقراطيَّة في مصر، ومستقبل الحالة السِّياسيَّة في مصر بعد حكم الرئيس حسني مُبارك، بالإضافة إلى أحوال المعارضة وحقوق الإنسان.
ومع كَوْن الولايات المتحدة الَّلاعب الرَّئيسي- وليس الوحيد- في صناعة القرار العالمي في الوقت الرَّاهن، ومع دخول مصر في مرحلة المنعطفات المجهولة، والاهتمام الكبير الذي تبديه- واشنطن- في المقابل فإنَّه من المهم النَّظر إلى الكيفيَّة التي يُقيِّم بها الأمريكيون القضايا المتعلقة بمستقبل الأوضاع في مصر.
ولعلَّ أهم ما يمكن الاهتمام به في هذا الإطار، الضُّغوط التي من الممكن أنْ تمارسها الولايات المتحدة على النِّظام المصري في المرحلة القادمة، لإجراء إصلاحاتٍ سياسيةٍ تُعطي مساحةً من الحرية لقوى المعارضة المختلفة، بل إنَّ دورية (فورن بوليسي) الأمريكية الشَّهيرة أوصت الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنْ يجري حوارًا مع أكبر طرفٍ في المعارضة المصريَّة، وهي جماعة الإخوان المسلمين خلال زيارته لمصر في يونيو الماضي، وهو ما أثار حفيظة النظام المصري.
ولا يعتبر موقف الدورية أمرًا فريدًا من نوعه؛ حيث تدعو كثيرٌ من مراكز الأبحاث الأمريكية إلى ذات الأمر، ومن بينها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وكذلك معهد راند، وكليهما من المعاهد التي يتم رفع توصياتها إلى الإدارة الأمريكية ومُؤسَّسات الأمن القومي والمعلومات الأمريكيَّة.
فقد تنامي اهتمام الأمريكيِّين بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، بالإسلام عمومًا، وبما يُسمي بـ"الإسلام السياسي" علي وجه الخصوص، ولذا بدأت العديد من مركز الأبحاث والرَّأي (Think Tanks) الأمريكيَّة في دراسة الحركات والجماعات الإسلاميَّة بمختلف أنواعها وتوجهاتها، كما بدأ الحديث عن كيفيَّة التَّعامُل الأمريكيِّ مع هذه الحركات خاصَّة، وأنَّ بعضها يلعب دورًا مهمًّا على السَّاحة السِّياسيَّة في بلادها بالنَّظر إلى تمتعها بقدر من الشَّعبيَّة.
ومن بينها الدِّراسة التي أعدها جوشوا مورافشيك الباحث بمعهد "أمريكان إنتربرايز" و"شارلز بي. سزروم"، الباحث المساعد بالمعهد نفسه، دراسة تحت عنوان "محاولة للبحث عن الإسلاميين المعتدلين"، نُشرت في مجلة (كومنتري) الأمريكيَّة، في عدد فبراير 2008م، ولم تكن تلك الدراسة الأولى التى دعت إلى البحث عن السَّعي لإيجاد تيارٍ إسلاميٍّ معتدلٍ.
في المقابل، كان هناك- وللغرابة الشَّديدة من وجهة نظر الكثيرين- انخفاضًا في المُنحنى البياني لتعاطي البيت الأبيض والإدارة الأمريكيَّة مع المعارضة الِّليبراليَّة في مصر والعالم العربي، باعتبار أنَّ الخط الثَّابت للإدارات الأمريكيَّة المتعاقبة هو العكس.
وفي هذا الإطار تسعى هذه الورقة إلى محاولةٍ لقراءة اتِّجاهات وتحوُّلات السِّياسة الأمريكيَّة إزاء المعارضة الإسلاميَّة في مصر، في عهد الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما، كنموذج على واقع السِّياسة الأمريكيَّة في الشَّرق الأوسط، ضمن هذا الملف الذي تفتحه (اتِّجاهات) في عددها الجديد.
"روشتةٌ" أمريكيَّة للإخوان
في سبتمبر من العام 2007م، كتب مارك لينش أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأمريكية، في دورية (فورين بوليسي)، في عدد شهرَيْ سبتمبر وأكتوبر من ذلك العام، مذكرةً مُوجَّهةً لفضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف، كانت بمثابة وصفة أمريكيَّة كي يتمكَّن الإخوان من من الحوار مع الولايات المتحدة.
وأشار إلى المذكرة صحيفتا (المصري اليوم) و(الأهرام أبدو) المصريَّتان، ونصح لينش عاكف، بضرورة إتباع إستراتيجية حذرة في الاتِّصال والتَّخاطُب مع الولايات المتحدة، وركز الكاتب على عدة نقاط خلاصتها:
- ضرورة الابتعاد عن الغموض، ونصح الكاتب المرشد بضرورة الوضوح فيما يتعلق بمعالم السِّياسة الخارجية للإخوان المسلمين، وموقفهم من الصراع ما بين حماس على إسرائيل، ونبه الكاتب مرشد الإخوان المسلمين إلى ما يجمع بين جماعة المرشد والولايات المتحدة من أهدافٍ تتمحور حول نشر الدِّيمُقراطية ومكافحة الحركات المُتطرِّفة الإسلاميَّة.
- التَّحدُّث عن ومع الولايات المتحدة باللغة العربيَّة، حيث يركِّز الأمريكيون أكثر على ما تقوله بالُّلغة العربيَّة، وأكد الكاتب على ضرورة عدم وقوع الإخوان فيما وصفه بـ"فخٍّ" يظهرها كمن يدير ظهره للعملية الديمقراطيَّة "كما يريد البعض في الولايات المتحدة"، وتجربة نجاح حركة حماس في الانتخابات الفلسطينيَّة وعدم اعتراف الغرب بها، لا يجب أنْ تكون ذريعة لرفض العمليَّة الدِّيمقراطيَّة السلميَّة.
- تطبيق الدِّيمقراطيَّة داخل جماعة الإخوان المسلمين، والسماح بهامشٍ أكبر من الحريات، وتشجيع جيل الشَّباب داخل الجماعة على التعبير الحر عن أرائهم.
ورأى مارك لينش أنَّ نظام الرئيس حسني مبارك يعاني من صداعٍ مؤلمٍ تمثله جماعة الإخوان المسلمين، ليس فقط بسبب استخدام الإخوان لغةً أكثر اعتدالاً وبراجماتيَّة، ولكن لأنَّ الولايات المتحدة بدأت في اتخاذ خطواتٍ إيجابيَّةٍ نحو الجماعة، مستدلاً بمبادرة السفارة الأمريكيَّة بكسر المحظور، حينما دعت الدُّكتور سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانيَّة للإخوان في مجلس الشَّعب المصريِّ خلال استقبال أعضاءٍ من الكونجرس بالقاهرة.
من بين التَّقييمات التي صدرت في هذا الإطار عن "الإخوان المسلمون"، كأكبر قوةٍ معارضةٍ في مصر، قال مؤلف أمريكي بارز في كتاب له عن مستقبل مصر إنَّ رجال الأعمال في مصر وقوى المعارضة المصريَّة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، والسُّلطة القضائيَّة يمكنها العمل بالتَّوازي، إنْ لم يكن بالتَّعاون، من أجل التَّأثير على المستقبل السَّياسيِّ لمصر، خلال سنوات ما بعد الرَّئيس المصري حسني مبارك.
مآلاتٌ مصريَّةٌ
أمَّا الكاتب الأمريكي البارز بروس رذرفورد، فقد تناول في كتابه الذي صدر مؤخرًا بعنوان "مصر بعد مبارك: الِّليبراليَّة والإسلام والدِّيمقراطيَّة في العالم العربيِّ"، مآلات الوضع السِّياسيِّ في مصر بعد الرئيس المصريِّ الحالي حسني مبارك.
ويشير رذرفورد، وهو أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة كولجيت الأمريكية، إلى أنَّ النِّظام المصريِّ الحاليِّ، في ظل حكومة الحزب الوطني المصري الحاكم، تم إضعافه بسبب الأزمات الاقتصاديَّة التي أثَّرت على مصر وتنامي المعارضة السِّياسيَّة، إضافة إلى ضغوط العولمة.
ويقول رذرفورد إنَّ المعارضة المصريَّة، الإسلاميَّة والعلمانيَّة، تبحث عن إيجاد طريقٍ وسطٍ بين تحول مصر إلى ديمقراطيَّةٍ ليبراليَّةٍ على النَّمط الغربيِّ، وبين تحولها دولةٍ إسلاميَّة ثيوقراطيَّةٍ على غرار إيران، وقال الكاتب إنَّ النَّموذج المُتوقَّع ربما يكون صيغةً إسلاميَّةً فريدةً من الِّليبراليَّة والدِّيمقراطيَّة.
وتناول الكاتب بالدراسة المعارك السِّياسيَّة والأيديولوجيَّة التي تدفع السِّياسة المصريَّة، وتُشكِّل احتمالات الدِّيمقراطيَّة في المنطقة، ويرصد رذرفورد ما يعتبره تقاربًا بين العلمانيِّين والإسلاميِّين حول أجندةٍ إصلاحيَّةٍ تُعزِّز العناصر الأساسيَة لليبراليَة، ومن بينها قوَّة الدَّولة، وحكم القانون، وحماية بعض الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة.
هذه الرؤية الإيجابيَّة، قابلتها رؤىً سلبيةٌ في الولايات المتحدة إزاء الإخوان المسلمين، ولكن على سلبيَّة هذه الرُّؤى، إلا أنَّ هذه الرؤى على سلبيتها توضح أنَّ هناك تفكيرًا جدِّيًّا في الولايات المتحدة في شأن التَّفاعُل مع الإخوان المسلمين، إلا أنَّ هذا التَّفاعُل يلقى تأييدًا من جانب البعض بينما يعارضها البعض الآخر.
فأحد أبرز رموز تيَّار المحافظين الجُدُد في الولايات المتحدة اتَّهم الرَّئيسَ الأمريكيَّ باراك أوباما، بأنَّ دعوته لاحترام الدين الإسلامي ستصل به في النَّهاية إلى "احتضان" الشَّريعة الإسلاميَّة، وتبني أفكار جماعة الإخوان المسلمين.
وقال فرانك جافني، رئيس ومُؤسِّس مركز السِّياسات الأمنيَّة أحد أهم مُؤسَّسات تيَّار المحافظين الجدد الموالي لإسرائيل، إنَّ تكرار الرئيس أوباما لإعلان عزمه إقامة "علاقة جديدة" مع العالم الإسلاميِّ سيعني في النِّهاية "احتضان أجندة الإخوان المسلمين" التي تهدف إلى تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة.
وقال جافني، في مقاله الذي نشره موقع (جويش وورلد ريفيو)، الذي يُعدُّ أحد أهم منابر المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل، إنَّ مهمة الشريعة الإسلامية هي "تدمير الحضارة الغربية من داخلها"- (!!)- نقول ذلك لتوضيح طبيعة تفكير الرَّجُل المُتطرِّف.
وقال جافني، وهو مسئول سابق في إدارة الرئيس رونالد ريجان: "إنَّ السيد أوباما، كجزء من حملته لاحترام الإسلام، سافر إلى تركيا أوائل أبريل؛ وهناك أبدى احترامه فقط لحكومةٍ إسلاميَّةٍ لم تقم فقط بتغيير مسار كل المُؤسَّسات من التَّقاليد العلمانيَّة لكمال أتاتورك ووضعها بشكلٍ كاملٍ على الطَّريق نحو الأسلمة، بل شارك أيضًا فيما يُسمَّى بائتلاف الحضارات"، وهي مبادرة طرحتها إسبانيا قبل سنواتٍ وترعاها الأمم المتحدة.
وقال جافني إنَّ ائتلاف الحضارات، الذي ترعاه الأمم المتحدة، يعكس آراء منظمة المؤتمر الإسلاميِّ، وأضاف أنَّ "الإخوان المسلمين أصبحوا القوة الدافعة داخل منظمة المؤتمر الإسلامي، وأجندة كلا الطرفَيْن غالبًا ما تتوافق، وذلك بفضل الدعم من المملكة العربية السعودية ووكلائها".
واتهم جافني، المؤلف المشارك لكتاب "الفاشية الإسلامية" والمعروف بهجومه المتكرر على الإسلام، العديد من المنظمات الإسلامية الأمريكية بأنَّها تمثل واجهة لجماعة الإخوان المسلمين، وقال إنَّ الرَّغبة الواضحة من جانب إدارة أوباما "لاحتضان أجندة الإخوان المسلمين، جزئيًّا إنْ لم يكن كلِّيًّا" على حد تعبيره، جعلت المُنظَّمات الإسلاميَّة الأمريكيَّة "المتوافقة" مع الجماعة "أكثر جرأةٍ".
وختم جافني مقاله بقوله: "إنَّ الرسالة ينبغي أنْ تكون: أصدقاء الإخوان المسلمين ليسوا أصدقاء لأمريكا، وسيرنا وراءهم يجعلنا في خطر".
ولذلك فإنَّ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في الوقت الرَّاهن يثير الكثير من الغبار الإعلامي حول الإخوان المسلمين والإسلاميِّين عُمومًا، مستغلين في ذلك حادثة قاعدة فورت هود الأخيرة، والكتاب الذي صدر عن بعض الكُتَّاب المنتمين إلى دوائر المحافظين الجُدُد، وعنوانه "المافيا الإسلامية داخل العالم الخفي الذي يتآمر لأسلمة أمريكا"، ووضعه كلٌّ من بول سبيري وديفيد جوباتز، وكتبت مُقدِّمَتُه النائبة المُتعصِّبة سو مايريك التي اتهمت مجلس العلاقات الإسلاميَّة الأمريكيَّة "كير" بالتَّجسُّس على الكونجرس.
المرشد العام ومستقبل مصر
وبالعودة إلى المحلل والخبير الأمريكي مارك لينش، فنجده قد قال في تحليلٍ له إنَّ هوية مرشد الإخوان القادم وطبيعة اختياره سوف يكون لها نتائج مهمة على الحركات الإسلاميَّة المعتدلة كلها حول العالم، كما سترسم ملامح العلاقة القادمة بين الإخوان والحكومة المصريَّة، وبين الإخوان والولايات المتحدة وأوروبا.
وقال لينش، في التَّحليل الذي نُشِرَ في صحيفة (ذي ناشونال) الإماراتيَّة التي تصدر بالغة الإنجليزيَّة، في عدد 3 أبريل الماضي، إنَّ انتخابات مرشد الإخوان القادم "تمثِّل لحظةً مهمَّةً وشيقةً في تاريخ الإخوان، ستكون لها عواقب على مستقبل الحركات الإسلامية المعتدلة بشكلٍ عامٍ".
واعتبر لينش في تحليله الذي جاء بعنوان "هل ينجح فيها الإخوان؟"، أنَّ إعلان الأستاذ عاكف عن عزمه عدم التَّرشح لولاية جديدة لإفساح المجال لمرشد جديد يمثل "لحظةً حسَّاسةً في مستقبل سياسة الأحزاب الإسلاميَّة المُعتدلة حول العالم".
وقال لينش، الذي يعمل أستاذًا مساعدًا بكلية إليوت للشُّئون الدَّوليَّة بجامعة جورج واشنطن الأمريكيَّة: "إنَّ هوية المرشد الذي سيخلف عاكف في قيادة جماعة الإخوان المسلمين، والطَّريقة التي سيتم بها اختياره، سوف تُقدِّم رؤيةً عميقةً للتَّوجُّه الدَّاخليِّ في جماعة الإخوان بشأن عددٍ من القضايا بدءًا من الديمقراطيَّة وانتهاءً بعلاقة القاعدة بالولايات المتحدة".
وأضاف لينش، الذي يكتب أيضًا في مجلة (فورين بوليسي) الأمريكيَّة: "إنَّ قرار عاكف بعدم السَّعي إلى ولايةٍ ثانيةٍ يأتي في وقتٍ حسَّاسٍ في علاقات الإخوان مع الحكومة المصريَّة والغرب، فنظام الرَّئيس مبارك في وسط التَّخطيط لانتقاله؛ حيث يشير معظم المراقبين إلى أنَّ حسني مبارك يتمنى رؤية ابنه جمال يخلفه في منصب الرَّئيس".
وقال الخبير الأمريكي: "إنَّ الشَّعبيَّة الهائلة لحركة حماس في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على غزة أدى إلى تقوية يد الإخوان المسلمين داخل مصر، كما عمَّق من المخاوف داخل النِّظام الحاكم".
وتابع لينش، وهو من أبرز المحللين الأمريكيِّين المُتخصِّصين في شئون العالم العربيِّ والجماعات الإسلاميَّة: "ما زالت هناك شكوك بشأن إدارة أوباما، وما إذا كانت ستصبح أكثر انفتاحًا في التَّقارُب مع الإخوان أكثر مما كان فريق (الرئيس السابق جورج) بوش (الابن)".
وأشار لينش إلى أنَّ نائب المرشد العام الدُّكتور محمد حبيب اشتكى مؤخرًا في حوارٍ مع قناة (الجزيرة) من أنَّ الحكومة المصريَّة "تحاول تلطيخ صورة الإخوان في واشنطن؛ لإعاقة أيِّ تغييرٍ في سياسة واشنطن تجاه الأحزاب الإسلاميَّة، وصرف النَّظر عن فشل الحكومة".
واعتبر لينش أنَّ "اختيار خليفة عاكف سوف يشكل أيضًا الجدل السِّياسيِّ الجاري في الغرب بشأن العلاقة بين الإخوان والقاعدة"، مُشيرًا إلى أنَّ العديد من المُنظِّرين في الغرب ينظرون إلى الإخوان باعتبارهم منظمةٍ قويَّةٍ ذات أيديولوجيَّةٍ أكثر اعتدالاً من السَّلفيَّة الجهاديَّة التَّابعة لتنظيم القاعدة..
أقرأ المزيد...
الأوضاع في صَعْدة تُنْذِرُ بمواجهةٍ إقليميَّةٍ جديدةٍ بدأت بالفعل!!..
- حتى الآن لا يوجد شيءٌ واضحٌ في شأن التَّورُّط الإيرانيِّ في الأزمة
- الحرب جزءٌ من أزمةٍ إقليميَّةٍ أخرى تشمل دورًا مصريًّا
- الأزمة مُرشَّحةٌ للتَّصاعُد وخصوصًا على الحدود اليمنيَّة
كتب: عبد العظيم الأنصاري
مرَّ المشهد المأزوم في مدينة صعدة، شمال اليمن، بالعديد من التَّطوُّرات الفارِقة في الفترة السَّابقة، عَكَسَتْ هذه التطورات بعض الحقائق عن حقيقة المشهد، سواءً في صعدة أو على مستوى خلفيَّاته الإقليميَّة والدَّوليَّة، وخصوصًا فيما يتعلَّق بالدَّور الإيرانيِّ والسَّعوديِّ في الأزمة، والذي انكشف جليًّا، بعدما قيل عن تدخُّل السَّعوديَّة مباشرةً في القتال الدائر في منطقة جبل دخان، بواسطة سلاحها الجويِّ وعناصر المشاة التابعة لقواتها البرِّيَّة.
التَّطوُّرات الميدانيَّة لا تبشِّر بخيرٍ، وتشيرُ إلى مزيدٍ من التَّصعيد، مع تحصين الحوثيِّين لأنفسهم جيِّدًا، وحسن تسليحهم وتدريبهم؛ حيث أكَّد الحوثيُّون أنَّهم قد صدُّوا الهجوم البريِّ السعوديِّ الذي وقع في منطقة جبل دخان ومناطقٍ حدوديَّة أخرى، ونجحوا أيضًا في أسر عددٍ للجنود السَّعوديِّين، بحسب ما أكده محمد عبد السلام المتحدث باسم جماعة الحوثي، الذي قال أيضًا إنَّ جماعته استولت على عتادٍ وذخائرِ سعوديَّة الهُويَّة.
وهو ما يوضِّح أنَّ المعركة لن تكون سهلةً؛ حيث إنَّ هناك ستةٌ عسكريِّين من "الأسرى" السَّعوديِّين ستة، ولكن بجانب هؤلاء العسكريِّين، هناك ضابط مخابرات سعودي تمَّ "أسره" في معارك جبل دخان، في المُقابل قالت السلطات السَّعوديَّة إنها سوف تواصل عملياتها داخل وعلى الحدود اليمنيَّة "لحين اكتمال تطهير كافَّة المواقع داخل الأراضي السَّعوديَّة من أيِّ عنصرٍ مُعادٍ، مع اتِّخاذ التَّدابير الَّلازمة للحدِّ من تكرار ذلك مستقبلاً" بحسب بيانٍ نشرته وكالة الأنباء السَّعوديَّة الرَّسميَّة.
وبعيدًا عن التَّطوُّرات الميدانيَّة، والتي كان آخرها سقوط مقاتلة يمنيَّة من طراز سوخوي، وهي- كما قلنا- مُرشَّحةٌ للتَّصاعُد، مع تعهُّد الرَّئيسِ اليمني علي عبد الله صالح بمواصلة القتال لحين اجتثاث الحوثيِّين، بالإضافة إلى الحصار البحريِّ الذي فرضته القوات السَّعوديَّة على جزءٍ من السَّواحل اليمنيَّة لمنع تهريب السِّلاح إلى الحوثيِّين؛ فإنَّ هناك العديد من الدَّلالات السياسيَّة وراء ما يجري في هذه المنطقة شديدة الحساسيَّة بالنسبة للأمن القومي العربي.
قوةٌ ضاربةٌ
أول هذه الدَّلالات، ظهور الحوثيين كقوةٍ ضاربةٍ استطاعت الصمود أمام الجيش اليمني لتتسلل إلى المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، وهو ما استدعى الاخيرة للتدخل للتَّصدي لـ"التهديد الحوثي"؛ حيث قامت قوات المملكة بقصف المواقع التي تمركز فيها المتمردون الحوثيون في جبل الدخان الذي يطل على مواقعٍ عسكريَّة سعوديَّة ومواقعٍ يمنيَّة في الجهة المقابلة، وشنِّ عددٍ من الغارات على مواقعٍ مختلفةٍ للحوثيين، وذلك- كما قالت الرياض- ردًّا على تسللهم الى أراضيها وقتل جنديين واصابة آخرين.
كما أنَّه في الجهة المقابلة، فإنَّ خطورة المرحلة القادمة في أزمة الحوثيين، ليست على طرفٍ واحدٍ، بل على كلٍّ من اليمن والسَّعوديَّة، فالجيش اليمني الذي يساوي في عدده تقريبًا الجيش السعودي يخوض الحرب ضد الحوثيين منذ العام 2004م، من دون تحقيق انتصارٍ حاسمٍ وواضحٍ.
أمَّا الجيش السَّعودي، فبالرَّغم من أنَّه مُجهزٌ بالعتاد بصورةٍ أفضل كثيرًا من الجيش اليمني، إلا أنَّ الرياض لا تبدو واثقةٌ إلى هذا الحدِّ من تحقيق "النَّصر"؛ حيث أخلت القرى الحدوديَّة مع اليمن، وجهزت للأهالي أماكن أخرى لحمايتهم، وذلك استعدادًا فيما يبدو لخوض حربٍ طويلةٍ، لنْ تُحْسَم بسهولةٍ لصالح أيٍّ من الأطراف المُتحاربة.
توافقٌ نادرٌ!!
أظهرت الأزمة أيضًا وجود شكلٍ من أشكال التَّوافُق اليمني السعودي، وهو وضعٌ نادرٌ؛ حيث العلاقات ما بين البلدَيْن ما فتئت تتوتر كل حينٍ منذ استقلال شمال اليمن في الستينيات الماضيَّة، ولكن الأزمة الحاليَّة جعلت السَّعوديَّة هي الحليف الأول للحكومة اليمنيَّة بعد الولايات المتحدة.
في المُقابل يتهم النِّظام اليمني الحوثيِّين بتلقي دعمٍ إيرانيٍ، وما كان في السَّابق مجرد اتهاماتٍ يمنيَّة لأطرافٍ داخل إيران بالتَّورُّط في دعم تمرد الحوثي، تحول الآن- بحسب الحكومة اليمنيَّة- إلى حقائقٍ تثبِّتُها قرائن وأدلة؛ حيث عثر الجيش اليمني على وثائق تحمل اسم (يمن خوش بخت)، وهي عبارةٌ فارسيَّة تعني بالعربيَّة "اليمن السَّعيد".
وبحسب مصادر الجيش اليمني، فإنَّ هذه الوثيقة تتحدَّث عن عتادٍ ورجالٍ وأموالٍ وخبراتٍ يجري تصديرها إلى المُقاتلين الحوثيِّين، بالإضافة إلى التَّدريب على الدَّعايَّة والتَّعبئة الجماهيريَّة، ويهدف كل هذا إلى تقسيم اليمن إلى دولتَيْن خاضعتَيْن بشكلٍ أو بآخر للنُّفوذ الإيراني، بالاستناد إلى معلوماتٍ نُقِلَت عن مصادرٍ في الجيش اليمني، وإلى معلوماتٍ أخرى عن المُعارضة الإريتريَّة تُفيد بأنَّ إيران تُدرِّب ميليشيات الحوثيِّين في إريتريا.
على المستوى العسكري أو الإستراتيجيِّ تكمن صعوبة الموقف السعودي في أنَّ العمليَّات التي يشنُّها الجيش السعوديِّ على الحوثيين في الوقت الرَّاهن هي أولى العمليَّات العسكريَّة التي يخوضها الجيش السَّعوديِّ وحده منذ بنائه، ممَّا يُقلِّل من شأن فاعليَّة الإمكانياَّت المُتطوِّرة التي يملكها الجيش السعودي، فبرغم أنَّ السَّعوديَّة هي أولى الدِّول في المنطقة في استيراد الأسلحة، إلا أنَّه لم يسبق لها وأنْ خاضت حربًا بجيشها، بالإضافة لما أثبته الحوثيُّون من ثباتٍ على أرض القتال وقوَّةٍ مكَّنتهم من مُجابهة الجيش اليمنيِّ طيلة خمسة أعوامٍ والاحتكاك بالمملكة العربيَّة السَّعوديَّة.
صراعٌ إقليميٌّ
التحول إلى الأقلمة، صار هو العلامة الثالثة للأزمة في صعدة؛ حيث تتحوَّل أزمة تمرد الحوثي من أزمةٍ يمنيَّة داخليَّة إلى جزءٍ من سلسلة الصراع الاقليمي بين إيران وبعض الاطراف العربيَّة، المُصنَّفة ضمن ما يُعْرَفُ بمحور الاعتدال، مثل السَّعوديَّة ومصر.
وتتزايد التَّاكيدات على صحة هذا الطَّرح كلما تدحرجت الأزمة، تمامًا مثل كرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت إلى سفح الجبل؛ حيث بدأت الأزمة باتهاماتٍ يمنيَّة مُتواصلة لـ"أطرافٍ" في ايران بالتورط في الأزمة ودعم الحوثيين، وصولاُ إلى ضبط أدلَّةٍ على هذه الاتِّهامات، مرورًا بإعلان اليمن إغلاق المستشفى الإيرانيِّ بصنعاء بتهمة تمويل الحوثيِّين، بالإضافة إلى الَّلهجة الإعلاميَّة الهجوميَّة في وسائل الإعلام السَّعوديَّة والمصريَّة على إيران.
ووصل الأمر إلى درجة وقف بث قناة (العالم) الإخباريَّة الإيرانيَّة على القمرَيْن الصِّناعيَيْن، "النَّايل سات" و"العرب سات"، وتُبثُّ القناة حاليًا من خلال موقعها الإلكترونيِّ.
ويرى بعض المراقبين أنَّ ما يُشير إلى وجود علاقةٍ بين إيران والحوثيِّين، عروض طهران ذاتها للتَّوسُّط في الأزمة الحوثيَّة بين الحكومة اليمنيَّة والحوثيِّين، والحديث كذلك عن وجود دور وساطةٍ قطريَّة- سوريَّة بين كلٍّ من صنعاء وطهران؛ حيث قام أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثانِ، ووزير الخارجيَّة السُّوريُّ وليد المعلِّم بزيارة طهران لهذا الغرض مًؤخَّرًا لهذا الغرض.
بالاضافة طبعًا لإلى اتِّهام الحوثيِّين للسَّعوديَّة بدعم حكومة صنعاء، مقابل اتِّهام صنعاء لجهاتٍ إيرانيَّة بدعم الحوثيِّين.
الموقف الأمريكيِّ
عبر الأطلنطي، تتخوَّف الولايات المتحدة من الاضطرابات الواقعة على الحدود اليمنيَّة السَّعوديَّة، من أكثر من مُنطلَقٍ.
المنطلَق الأوَّل هو تورُّط أكبر دولةٍ مُصدِّرةٍ للنفط في العالم في حربٍ لن تجني سوى الخراب، ولذلك لا تُؤيِّد- للغرابة- الولايات المتحدة توغلاً سعوديًّا أكبر في الأزمة، لكن من غير المُرجَّح أنْ تعترض بشدَّة إذا أوضح اليمن أنَّه يُرحِّب بمساعدة الجيش السَّعوديِّ في مواجهة المُتمردين في الشَّمال.
المنطلَق الثاني هو وجود الظَّلال الإيرانيَّة في الأمر، وهو أمرٌ يثير الجنون الأمريكي، ولا يجعل لها من أملٍ في احتواء الأزمة سوى الاعتماد على تقديم المزيد من الدعم الُّلوجستي والمعلوماتي للنِّظام اليمني.
لكن المثير للانتباه هو أنَّ الولايات المتحدة التي نفذَّت أكثر من عمليَّة ناجحةٍ في صحراء اليمن وأحراش الصومال وجبال أفغانستان لقنص العديد من قيادات تنظيم القاعدة، ورموزٍ معارضةٍ للولايات المتحدة، بناءً على معلوماتٍ مخابراتيَّة من على الأرض، لم تقدِّم ما يفي باحتياجات اليمن في الجانب المخابراتي على الأرض، بما يشير إلى أنَّ هناك مصلحةٌ أمريكيَّة ما في استمرار الأزمة.
ومن خلال ما سبق، وخصوصًا في ظل وجودٍ سعوديٍّ مباشرٍ في الأزمة، وأحاديثٍ عن دَورٍ إيرانيٍّ، يمكن التَّأكيد على استمرار أزمة الحوثيِّين لفترةٍ أبعد ممَّا كان مُتوقَّعًا؛ حيث إنَّ تسلُّل الحوثيين إلى السَّعوديَّة يأتي في إطار إبراز قوَّة الحركة إعلاميًّا وتخفيف الضَّغط على بعض جبهات القتال الأخرى داخل الأراضي اليمنيَّة.
ومن ناحيَّة أخرى، كان من الممكن للسَّعوديَّة بذل دور وساطةٍ استغلالاً لثِقَلِها الدِّينيِّ والسِّياسيِّ، بدلاً من التَّدخُّل عسكريًّا، ودعم طرفٍ على حساب الطَّرَفِ الآخر.
وفي كلِّ الأحوال ستقبع الأزمة فترةً لا بأس بها على الحدود اليمنيَّة السَّعوديَّة يُمكن خلالها حدوث أو إحداث الكثير من المُتغيِّرات والمفاجآت غير المُتوقَّعة..
أقرأ المزيد...
انقسامات الإخوان المسلمين.. هل تمتد إلى التَّنظيم الأم؟!
- أزمة شائعة استقالة فضيلة المُرشد العام أثارت تساؤلاتٍ عن مدى تماسك الجماعة الأُم
- ما بين الأردن والجزائر تباين في أسباب الانقسام وشكله
كتب: أحمد التلاوي وعبد العظيم الأنصاري
جَرَتْ تحت الجسور في الآونة الأخيرة الكثير من المياه، فيما يخص الواقع التَّنظيميِّ لجماعة الإخوان المسلمين عبر العالم العربيِّ؛ حيث عبرت الجماعة في أكثر من قطرٍ عربيٍّ بعض الأزمات، التي تمَّ احتواؤها كما في الحالة المصريَّة، فيما يخص الأزمة التي ثارت بشأن ما قيل عن تقديم فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف استقالته على خلفيَّة مُشكلة تصعيد الدكتور عصام العريان إلى عضويَّة مكتب الإرشاد.
وفي حالاتٍ أخرى، لم تمر الأمور مرور الكرام؛ حيث وقع انشقاقٌ بالفعل في الحالة الجزائريَّة نتج عنه خروج جبهة الدَّعوة والتَّغيير من عباءة حركة مجتمع السِّلم (حمس)، وفي حالة إخوان الأردن، جاءت استقالة أربعة قيادات من المكتب التَّنفيذيِّ على خلفيَّة أزمة تسريب تقريرٍ للمكتب ينتقد الحكومة الأردنيَّة، لتقول إنَّ الأمور هناك ليست على ما يُرام.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هناك العديد من التَّساؤلات حول مثل هذه الأزمات، ومن بينها ما هي أسبابها، وما هو عمق تأثيرها في هذا الإطار على الحراك الإصلاحيِّ والسِّياسيِّ العام للجماعة، سواءً بشكلٍ عامٍ أو فيما يخص أوضاع التَّنظيمات القُطْريَّة.
وقبل الإشارة إلى ما جرى في الجزائر والأردن، يجب أولاً الاتفاق على أنَّ جماعة الإخوان المسلمين تعاني في جميع أنحاء العالم العربي من حصار ومحاربة الأنظمة السِّياسيَّة الحاكمة، لها، وهو ما يُؤثِّر سلبًا على قُدرة الجماعة على التَّحرُّك بحُرِّيَّةٍ أكبر تُمكِّنُها من تلافي بعض الخلافات التَّنظيميَّة أو الفكريَّة أو غيرها؛ حيث تتسبَّب الضُّغوط الهائلة التي تقوم بها الأنظمة الحاكمة على الجماعة في العالم العربي في إحداث بعض الانشقاقات نتيجة الخلافات المتعلقة بشأن كيفيَّة مواجهة هذه الضُّغوط.
مشكلةٌ مُزمنةٌ.. ولكن!!
في المقابل تُعاني الجماعة كذلك من عدد من المشكلات المزمنة، وعلى رأسها ترحيل الأزمات الداخلية، مثلما يتم ترحيل المواجهة مع النِّظام السِّياسيِّ، بالرَّغم من أنَّ هناك فارقًا بين الحالتَيْن، ففي حالة ترحيل المُواجهة مع النِّظام، فإنَّ الجماعة تحتفظ لنفسها ببعض المكاسب التي ربما ترى أنَّها أفضل من المواجهة الغير محسوبة.
ولكن في حالة ترحيل الأزمات الدَّاخليَّة- داخل الجماعة- فإنَّ التَّرحيل لا يقضي على المُشكلة من جذورها، إلى أنْ يأتي أجلها فتنفجر، وتُسْفِر غالبًا عن انشقاق أو اعتزال المُخالفين للجناح المُسَيْطِر على رأس الجماعة، وكأنَّها هنا تقوم بدور الأم التي تتمخَّض عثراتها عن أبناءٍ آخرين ينتهجون نهجهم الخاص، ولكنَّه- في الواقع- يبتعد كثيرًا عن تحقيق نفس الأهداف التي تتبنَّاها الجماعات الأم، ولكن في النَّهاية، فمن دون أيِّ خلافٍ، فقد مثَّلت الجماعة وحيًا لمعظم الجماعات الإسلاميَّة في العالم على اختلافها وتفاوت إستراتيجيَّاتها تجاه القضايا المُختلفة.
وفي دراسةٍ عرضها موقع (تقرير واشنطن) التابع لمعهد الأمن العالمي الأمريكيِّ، للباحث خليل العناني بعنوان "شباب الإخوان المسلمين: البحث عن طريقٍ جديدٍ"، يُؤكِّد الباحث أنَّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر تشهد انقسامًا بين الأجيال المُختلفة داخلها، بما يمكن أنْ يُعزىَ إلى وجود خلافاتٍ هيكليَّةٍ بين جيل الشَّباب من جانبٍ، والقيادات والكوادر القديمة من جانبٍ آخر، حول مواقف الجماعة المُعلنة من حزمةٍ من القضايا، مثل الدِّيمُقراطيَّة والمُواطنة والمُشاركة السِّياسيَّة وفاعليَّة العمل السياسي للجماعة، بالاضافة إلى خلافاتٍ حول الدُّيمُقراطيَّة الدَّاخلية وآليَّات تصعيد القيادات وغيرها من القضايا التَّنظيميَّة.
ولقد دَفَعَتْ هذه الخلافات عددًا كبيرًا من شباب الجماعة من ذوي الفكر الإصلاحيِّ الدَّاعم للِّيبراليَّة السِّياسيَّة للبحث عن نهجٍ جديدٍ لتغيير نمط العمل بالجماعة، والضَّغط على قياداتهم لأخذ آرائهم في الاعتبار.
وفي فإنَّ تاريخ جماعة الإخوان المسلمين يحفل بحالاتٍ صريحةٍ من الخلافات والصِّراعات التي أثَّرت سلبًا على صورة الجماعة وقدراتها على مواجهة خصومها السِّياسيِّين؛ وقد برزت مؤخرا بوضوح ظاهرة الانشقاقات داخل فروع الجماعة التي قارب عمرها على قرنٍ من الزَّمن.
وهو ما يطرح تساؤلاتٍ أخرى كثيرةً حول كفاءة الأداء التَّنظيميِّ والسِّياسيِّ للجماعة، والتي طالما ضُرِبَ بهما المثل في القُدْرَة على التَّماسُك والصُّمود؛ خاصة في الجزائر والأردن، وما جرى مؤخرًا في مصر داخل الجماعة الأم من خلافٍ وقع بين فضيلة المُرشد العام محمد مهدي عاكف مع أعضاء مكتب الإرشاد على تصعيد القيادي الذي يُوصَف بالإصلاحيِّ الدُّكتور عصام العريان إلى المكتب ليحل محل الأستاذ محمد هلال الذي تُوفِّي مُؤخرًا.
وبعيدًا عن الخلاف اللائحيِّ في هذا المجال، فإنَّ ما يعنينا في هذا المُقام قُدرة الجماعة على احتواء خلافاتها في ظلِّ تربُّص النِّظام واتباعه على كافَّة انتماءاتهم في فترةٍ حرجةٍ من تاريخ البلاد، مع الاعتراف بنجاح الجماعة في هذا الصَّدد مقارنة بجميع الحركات والأحزاب السِّياسيَّة في مصر، وحتى مع بعض التَّنظيمات القُطريَّة للإخوان أنفسهم.
أزمة إخوان الجزائر
مثَّلت حركة مجتمع السِّلم (حمس) مُمثِّل الإخوان بالجزائر، حالةً قصوى من الانشقاق داخل صف الجماعة.
فبعد الخلافات الحادَّة التي شهدها المؤتمر الرَّابع للحركة في مايو من العام 2008م، بين بوجرة سلطاني ومنافسه على رئاسة الحركة التي تحظى بوضعٍ سياسيِّ قويٍّ في الدَّاخل، عبد المجيد مناصرة، وبالرَّغم من تَدَخُّل فضيلة المُرشد العام لجماعة الإخوان محمد مهدي عاكف، والدُّكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، للتَّوسُّط بين طرفَيْ الخلاف وحل الأزمة، إلا أنَّ عبد المجيد مناصرة فضل الانسحاب وتفجير الخلاف إلى العلن، بعد أنْ ظلَّ الخلاف مكتومًا؛ حيث أعلن مناصرة ومجموعةٌ مواليةٌ له من قيادات (حمس) تأسيس حركةٍ جديدةٍ تحت اسم "حركة الدَّعوة والتَّغيير".
وبالتَّأكيد فإنَّ تأسيس حركةٍ جديدةٍ مُنشقَّةٍ عن الحركة الأم، سوف يؤثر سلبًا على وحدة صف الجماعة بالجزائر، بعد أنْ ظلَّت سنواتٍ طويلةٍ حركةً ناجحةً ومتماسكةً، تحت قيادة مؤسسها الرَّاحل الشَّيْخ محفوظ نحناح.
المشكلة الآن ليست في الانشقاق في حدِّ ذاته، بل هي مشكلة تتعلَّق بشرعيَّة تمثيل الإخوان في الجزائر؛ حيث إنَّ مناصرة لا يقول بأنَّه انشق عن إخوان الجزائر، بل قال إنَّه يعود بالحركة إلى الطَّريق الصَّحيح بعد أنْ انحرفت عن مسارها، ولم يفعل شيئًا مُغايرًا لسياسة (حمس) تجاه القضايا الهامَّة في البلاد؛ حيث صوَّت بـ"نعم" على التَّعديل الدُّستوريِّ الذي طرحه الرَّئيس عبد العزيز بوتفليقة لفتح مُدَدِ تولِّي الرَّئاسة في الجزائر، وساعد وساند الرَّئيس كمرشَّحٍ لفترةٍ رئاسيَّةٍ ثالثةٍ، وهو ذات موقف حركة (حمس) الأساسيَّة بزعامة سلطاني؛ حيث هي أصلاً عضوٌ في المجلس الرئاسي الحاكم.
وبهذا الشَّكل لم تحدُث إضافةٌ حقيقيَّةٌ بانشقاق "حركة الدَّعوة والتَّغيير" عن حركة مجتمع السِّلم (حمس)، بل أحدث هذا الانشقاق ضعفًا في جسد التَّيَّار الإسلاميِّ في الجزائر بوجهٍ عامٍ، ويبدو أنَّ انفتاح البلاد تجاه الدِّيمُقراطيَّة ووجود أحزابٍ سياسيَّةٍ تُنافس في الانتخابات المُتعدِّدة وغياب الشَّخصيَّة الكاريزميَّة على غرار محفوظ نحناح عن الحركة، سهَّل على البعض تصوُّر امتلاك سلطةٍ بالإضافة إلى أنَّ الخلاف لم يكن بسيطًا، وإلا تمَّ احتواؤه أو الاستجابة للوساطات الثقيلة والمُتعدِّدة التي تمَّت.
أزمة إخوان الأردن
أمَّا الأردن، فهي حالةٌ خاصَّةٌ لارتباطها الوثيق بالقضيَّة الفلسطينيَّة؛ حيث إنَّ الأردن وفلسطين، خاصَّة فيما يخصُّ الضِّفة الغربيَّة، ترتبطان ارتباطًا اجتماعيًّا شديدًا، فالمفترض أنَّهما كيانٌ واحدٌ، أو كانا هكذا يومًا ما؛ حيث يحمل الكثير من سُكَّان الأردن الجنسيَّة الفلسطينيَّة، وتوجد روابطٌ وثيقةٌ بين جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وحركة المقاومة الاسلاميَّة (حماس)، التي باتت هي تنظيم الإخوان في فلسطين قبل سنواتٍ قليلةٍ.
ويتمحور الخلاف داخل الجماعة في الأردن، فيما بين جناحَيْ الجماعة، أو ما يُعْرف بالحمائم والصقور، حول علاقة الجماعة بحماس، وبالتالي كيفيَّة إدارة ملف القضيَّة الفلسطينيَّة كمحورٍ رئيسيٍّ لحركتها، ومُتفرِّعٌ من ذلك قضيَّة أخرى تتعلَّق بعلاقة إخوان الأردن مع النِّظام الأردنيِّ.
وفي هذا الإطار جرت مناقشاتٌ مُطوَّلةٌ حول الهويَّة التَّنظيميَّة للجماعة، وتبعيَّة المكاتب الإداريَّة الأربعة في الخليج العربي الخاصَّة باللإخوان الأردنيِّين والفلسطينيِّين، لأحد التَّنظيمَيْن، تنظيم الأردن أو تنظيم فلسطين.
وقد بدأت هذه المشكلة عندما طلب المكتب السياسي لحركة حماس فصل العلاقة التَّنظيميَّة بين التَّنظيمَيْن ضمن رؤية يسعى من خلالها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس إلى بناء تنظيمٍ خاصٍّ لحركة حماس في فلسطين، إلا أنَّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين اشترطت في عهد ولاية سالم الفلاحات كمراقبٍ عامٍ أنْ يُستثْنَى من قرار الفصل تنظيمات الجماعة في الدِّول الخليجيَّة، أي أنْ تظل المكاتب الإداريَّة في هذه الدِّول تتبع تنظيم الجماعة في الأردن.
وكانت وجهة نظر الفلاحات في ذلك أنَّ أعضاء هذه التَّنظيمات أردنيُّون يحملون الجنسيَّة الأردنيَّة، وهم يقضون إجازاتهم في الأردن؛ حيث عائلاتهم كما أنهم في حالة انتهاء عملهم في الخليج يعودون إلى الأردن، كما أنَّ هذه التَّنظيمات الفرعيَّة للجماعة في الخليج تمثِّل مصدرًا رئيسًا لتمويل الجماعة ومدَّها بالتَّبرُّعات.
كذلك يسعى جناح الصُّقور المُؤيِّد لحماس داخل الإخوان في الأردن، ويقوده المراقب العام ذاته الدكتور همَّام سعيد إلى زيادة تمثيل مكاتب الخليج في المكتب التَّنفيذيِّ لإخوان الأردن أربعة مقاعد إلى اثنَيْ عشر مقعدًا، وهو ما يعترض عليه جناح الحمائم.
ثُمَّ تفجرَّت الأوضاع في الثَّالث من شهر سبتمبر الجاري، قدَّم ثلاثةٌ من أعضاء المكتب التَّنفيذيِّ لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وهم الدُّكتور رحيل غرايبة وأحمد الكفاوين وممدوح المحيسن استقالاتهم من عضويَّة المكتب لأمانة السِّر في الجماعة، على خلفيَّة تطورات الملف الخاص بالعلاقات بين إخوان الأردن وحركة حماس؛ حيث تطالب أجنحة داخل الجماعة بفك الاشتباك أو الارتباط التَّنظيميِّ مع حركة حماس، بينما تُطالب البعض من الأجنحة في إخوان الأردن بالاستمرار على النَّسق التَّنظيميِّ الحالي في العلاقات مع حماس.
وسبق ذلك الحدث قرار للمكتب التَّنفيذيِّ للجماعة في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي، بحلِّ القسم السِّياسيِّ والإعلاميِّ في الجماعة، بعد تسريب تقريرٍ صادرٍ عن القسم اعتمده المكتب التَّنفيذيِّ ورفضه مجلس شورى الجماعة، كان قد أثار إزعاجًا في أوساط السُّلطات الرَّسميَّة الأردنيَّة، بسبب ما جاء فيه من اتِّهاماتٍ للمملكة الأردنيَّة رانيا العبد الله بالتَّواطُؤ مع مشروع توطين الفلسطينيِّين في الأردن، والانخراط "في المشروع الصُّهيونيِّ الأمريكيِّ" بحسب التَّقرير.
التَّقرير الذي تمَّ تقديمه خلال جلسةٍ سابقةٍ لمجلس شورى الجماعة، عُقِدَت في 13 أغسطس 2009م، جاء فيه أيضًا أنَّ "الأردن ما يزال منخرطًا على الصَّعيد السِّياسيِّ في المشروع الأمريكيِّ الصُّهيونيِّ الذي يقضي بتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة وفقًا للرُّؤية الصُّهيونيَّة المفروضة على المنطقة"، الأمر الذي اعتبره مُحلِّلون لهجةً غير مسبوقةٍ في خطاب الجماعة السِّياسيِّ.
وقد أكَّد الغرايبة أنَّ الاستقالةَ سببُها الرَّئيسيُّ هو قرار حلِّ القسم، الذي كان يرأسه الغرايبة، بالإضافة إلى 15 بندًا وردت في طلب الاستقالة، وفي تصريحاتٍ خاصَّةٍ لموقع (الجزيرة. نت)، قال الغرايبة: "جرى حل القسم بطريقةٍ غير معتادةٍ ودون إبلاغي أو حتى الاتِّصال بي هاتفيًّا".
ونفى أنْ تكون استقالته واستقالة العضوَيْن الآخرَيْن مقدمةٌ لانشقاقٍ في الجماعة، وقال: "نحن لنٍ نعمل على التَّصدُّع والانشقاق، وسنبقى جنودًا أوفياءَ في صفوف هذه الجماعة (..) استقالتنا تعني فقط الرُّجوع للصُّفوف الخلفيَّة لتقديم النُّصح والمشورة".
وهو ذات ما قاله أمين سر الجماعة وعضو مكتبها التَّنفيذيِّ جميل أبو بكر؛ حيث قال: "إنَّ الحركة الإسلاميَّة عصيَّةٌ على الانشقاق والانقسام، وإنَّ مبادرات التَّوفيق والإصلاح ستُنهي الخلافات داخلها إنْ شاء الله".
وقد سبق قرار المكتب التنفيذي بحل المكتب السياسي يوم الأحد 23 أغسطس 2009م، ظهور نتائج لجنة التَّحقيق التي شكَّلها المكتب، والتي تتهم أحد قادة ما يُعرَف بـ"تيَّار الصُّقور" بتسريب التَّقرير، الذي تضمَّن أيضًا استعراضًا للأوضاع السِّياسيَّة المحلِّيَّة والتَّطوُّرات الإقليميَّة، مع وضع توصيةٍ في كلِّ بابٍ من التَّقرير بتوجُّه الجماعة وموقفها وسياستها في المرحلةِ المقبلةِ، واتُّخِذَ قرار الحل بغياب الأربعة المستقيلين من أعضاء المكتب التَّنفيذي، وهم، نائب المراقب العام الدُّكتور القُضاة، والدُّكتور الغرايبة وأحمد الكفاوين وممدوح المحيسن.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الصُّحف الأردنيَّة روَّجت لأنَّ من أسباب الاستقالة "الإساءة" التي قام بها أحد قادة الصُّقور في الجماعة لتيَّار الحمائم، واتهامه لهم بـ"محاولة زعزعة التَّنظيم"، وفق مصادرٍ داخل جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في إشارةٍ إلى تصريحاتٍ أدلى بها الأمين العام السَّابق لحزب جبهة العمل الاسلامي زكي بني أرشيد، لأحد المواقع الإلكترونيَّة.
وفي تصريحه قال بني إرشيد: "هناك داخل التَّنظيم الإخوانيِّ اليوم من يحاول الاستقواء لتمرير مشروع إنتاج ما يُسمَّى التَّنظيم الأردنيِّ للإخوان المسلمين، والذي ينسجم مع الموقف الرَّسميِّ لقرار فك الارتباط" مع حركة حماس وتنظيم فلسطين [تفاصيل في فقراتٍ تاليةٍ].
ووفق التَّصنيفات المُتَّبعة في تحديد اتجاهات قيادات الإخوان في الأردن، فإنَّ الأعضاء الثَّلاثة المُستقيلين ينتمون لما يُعْرَف بـ"تيَّار الحمائم"، ومن المقرَّر أنْ تُعرَض الاستقالات على أوَّلِ اجتماعٍ لمجلس شورى الجماعة، الذي يمثل أعلى هيئةٍ قياديَّةٍ لدى إخوان الأردن (مُكوَّن من 50 عضوًا)، وكان من المفترض عقد اجتماعٍ لمجلس الشُّورى في شهر رمضان، إلا أنَّه قد تمَّ تأجيله لما بعد عيد الفطر.
وباستقالة الدكتور الغرايبة والمحيسن والكفاوين يصبح عدد المستقيلين من المكتب التَّنفيذيِّ الذي يضم 9 أعضاء، أربعة لوجود استقالةٍ سابقةٍ قدَّمها نائب المُراقب العام للجماعة الدُّكتور عبد الحميد القضاة، ولم يتم البتَّ فيها أيضًا، وقد غابت معظم قيادات الحمائم عن حفل الإفطار السَّنويِّ الذي أقامته الجماعة في الخامس من سبتمبر الجاري.
وفي ظلِّ هذه الأوضاع؛ حيث لا تُعتَبَر هذه الاستقالات الأولى من نوعها في السنوات الأخيرة؛ حيث سبقتها استقالات أخرى في العام 2006م، تقدمها عضو المكتب التَّنفيذيِّ سعود أبو محفوظ، تقدَّم القُضاة وقياداتٌ أخرى في الجماعة، بمبادرةٍ غير واضحةِ المعالم لتحقيق التَّوافُق بين التَّيَّارات المختلفة لإخوان الأردن.
واعتبر مُتخصصون في شئون الجماعات الإسلاميَّة بالأردن، أنَّ تقديم الاستقالات، وفشل مبادرات ووساطات العقلاء في الجماعة، قد يؤدِّي إلى استقالة الحمائم من جميع هيئات الجماعة وذراعها السِّياسيَّة، حزب جبهة العمل الإسلاميِّ، ممَّا يعني انقسامًا عميقًا في الجماعة، فيما تؤكِّد مصادر سياسية أن الحكومة الأردنية تراقبها وأنها ستتخذ قرارا في كيفية التعامل مع الجماعة بناء على مخرجاتها.
ولعلَّ فيما ورد في الكلمة المتلفزة التي نُشِرَت على موقع الجماعة بمناسبة حلول شهر رمضان، والتي دعا فيها المراقب العام لإخوان الأردن الدُّكتور همام سعيد إلى "الاعتصام بحبل الله، والاستمساك بكتاب الله، ونبذ جوائح الفرقة"، دلالةٌ مهمَّةٌ في رصد طبيعة الوضع في الأردن.
إلا أنَّه يبقى أنْ نُؤكِّد أخيرًا على أنَّ مثل هذه الخلافات والانشقاقات يحدث مثلها في أيٍّ من الحركات أو الأحزاب السِّياسيَّة عبر العالم، فما البال والوضع يتعلَّق هنا بحركةٍ كبيرة الحجم واسعة الانتشار ثقيلة الوزن عتيقة التَّاريخ، مثل جماعة الإخوان المسلمين.
وهنا يجب التأكيد أنَّه بالرَّغم من كلِّ ما يحدث من انشقاقاتٍ داخل صفوف الجماعة إلا أنَّ مثل هذه الأزمات لا تُهدِّد الجماعة في وجودها أو استمرارها؛ حيث إنَّ الجماعة وصلت إلى قدرٍ من المُؤسَّسيَّة لم تصل إليه الكثير من الأجهزة الحكوميَّة والأحزاب والهيئات السِّياسيَّة عبر العالم العربيِّ..
......
أقرأ المزيد...
ظِلُّ الموساد الآن يسيطر على منطقة حوض النيل وشرق أفريقيا!!
- تعمل أجهزة المخابرات الثَّلاث على تقسيم السُّودان لثلاث ولايات وإسقاط نظام البشير
- اهتمامات الموساد والمخابرات الأمريكيَّة لا تقتصر على السودان ودارفور بل تمتد إلى مصر
- ضرب شمال السُّودان في يناير الماضي جزءٌ من هذا النَّشاط ونتيجة له
القاهرة: سامر إسماعيل
يَعْرِضُ التَّقرير هذا التَّقرير مجموعةٌ من المعلومات عن أنشطة وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة (سي. آي. إيه) والموساد الإسرائيليِّ وجهاز المخابرات الفرنسيَّة الخارجيَّة (دي. جي. إس. إي)، في تشاد والسُّودان، وتقاسم هذه الأجهزة وحكومات البلدان الثَّلاثة، العمل بينهم لوقف تدخُّل الحرس الثَّوريِّ الإيرانيِّ وأنشطة البحريَّة والاستخبارات الإيرانيَّة في السُّودان، ومياه البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار أكَّدت مصادرٌ استخباراتيَّةٌ غربيَّةٌ في أفريقيا، ومصادرُ موقع (ديبكا فايل) الإسرائيليِّ المُقرَّب من أجهزة المخابرات الإسرائيليَّة، أنَّ أجهزة المخابرات الأمريكيَّة والفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ يعملون في السُّودان بهدف تقسيمه إلى ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ.
والهدف الرَّئيسيُّ هو التَّدمير المُتعمَّد للبنية التَّحتيَّة وبرامج النَّقل وعمليَّات تهريب الأسلحة الإيرانيَّة إلى الشَّرق الأوسط عبر الموانئ السُّودانيَّة المنتشرة على طول ساحل البحر الأحمر؛ حيث يتم نقل الأسلحة عبرالحدود المصريةَّ، ومنها إلى أماكنٍ عديدةٍ بالشَّرق الأوسط، بما فيها شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة ولبنان.
هذه البُنى التَّحتيَّة أصبحت بالنِّسبة للاستخبارات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، واحدةٌ من أهم الأسباب الرَّئيسيَّة لعدم الاستقرار بالشَّرق الأوسط.
المصادر تُشير إلى أنَّ وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد الإسرائيلي يعملون سويًّا من أجل إسقاط النِّظام الإسلاميِّ المُتطرِّف للجنرال عمر البشير في الخرطوم وإنشاء ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ في السُّودان، ولكن بينهم اتِّصال عبر نظامٍ فيدراليٍّ بحسب (ديبكا فايل).
والولايات الثَّلاث المُقترحة هي: ولايةٌ إسلاميَّةٌ سودانيَّةٌ مركزيَّةٌ في شمال السُّودان، وولاية دارفور محل ولاية غرب دارفور الحالية، وولايةٌ مسيحيَّةٌ جنوب السودان في المناطق الغنيَّة بالنفط جنوبًا، وتسيطر أيضًا على الخانق المائي للنِّيل الأبيض.
ولتنفيذ مثل هذه العمليَّة المُعقَّدة التي أُنشِئَت وفقًا لمصادرٍ استخباراتيَّةٍ، فإنَّ فريق عمل وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة، والمُكوَّن أساسًا من الأفارقة، وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ سيعملون بفريقَيْ عمل في دولتَيْن.
أحد فريقَيْ العمل مقره تشاد، أمَّا فريق العمل العام الرَّئيسيِّ الذي يضم وكالات الاستخبارات الثَّلاث سيكون في جيبوتي.
ومن المفترض أنَّ فريق العمل الموجود في تشاد يتلقَّى تعليماته من قِبَلِ الاستخبارات الفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ، ويعود ذلك إلى الروابط الوثيقة التي تجمع ما بين فرنسا ونظام الرَّئيس التِّشادي إدريس ديبي، ومهمته التَّوغُّل في دارفور وجنوب السُّودان.
وفي دارفور ستكون مُهمَّته الإقامة في الإقليم، وعمل اتِّصالاتٍ بالسُّكَّان هناك، وخاصَّة عبد الواحد محمد نور رئيس جناح الزغاوة بجبهة تحرير السُّودان، والذي سبق له وأنْ زار إسرائيل.
فقبل أشهرٍ ادَّعت مصادرٌ سودانيَّةٌ بالخرطوم أنَّ نور زار، وبطريقةٍ سرِّيَّةٍ، إسرائيل بصفته ضيفًا للموساد الإسرائيليِّ، كما صاحبه أيضًا عددٌ من كِبار الضُّبَّاط، وتمَّ توقيع سلسلةٍ من الاتِّفاقيَّات، منها توريد الأسلحة لدارفور ومُساعدة الاستخبارات الإسرائيليَّة لدارفور.
وفي جنوب السُّودان قالت مصادر (ديبكا) إن فريق العمل الإسرائيليَّ سيعمل مع النَّائب الأوَّل للرَّئيس السُّودانيِّ سيلفا كير ميارديت زعيم الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان.
ولدى هذه المصادر معلوماتٌ تقول إنَّ إسرائيل بدأت مُؤخَّرًا في توفير كمِّيَّاتٍ كبيرةٍ من الأسلحة بما فيها دباباتٍ ومروحيَّاتٍ ومدفعيَّةٍ وصواريخ، لصالح قوَّات جنوب السُّودان؛ لاستخدامها في أيَّة احتمالاتٍ لتجدُّد المعارك بينها وبين القوَّات النِّظاميَّة لحكومة الخرطوم.
وفقا لمصادر الاستخبارات الأفريقيَّة فإنَّ الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل يدفعون نحو الاستفتاء العام المُقرَّر إجراؤه في يناير 2011م، لتقرير مصير جنوب السُّودان، ويُؤكِّدون أنَّ نتائج الاستفتاء ستكون في صالح سيلفا كير، وحتى ذلك الحين سيكون باستطاعة أجهزة الاستخبارات الثَّلاثة مدِّ جنوب السُّودان بالسِّلاح الكافي ليقف في وجه جيش الخرطوم، ويقوم بتفكيك العلاقة بين الشَّمال والجنوب، وإعلان جنوب السُّودان دولةٌ مُستقلَّةٌ.
ولا يُعتبر الإطار السَّابق ترتيبًا جديدًا، فهناك وجودٌ استخباريٌّ كبير للولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل منذ زمنٍ في هذه المناطق، ويهدف أساسًا إلى مُحاصرة انتشار الأجنحة المُسلَّحة لتنظيم القاعدة، وكذلك حصار النُّفوذ الإيرانيِّ والصينيِّ الآخذ في التنامي في السودان والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا السَّوداء، سواءٌ عن طريق الأدوات العسكريَّة أو الاقتصاديَّة.
فبالإضافة إلى التَّواجُد والتَّأثير السِّياسيَّيْن للحكومات الغربيَّة وإسرائيل في هذه المناطق، يوجد في الوقت الرَّاهن اتفاقيَّاتٌ وأطرٌ للتَّنسيق ما بين مخابرات الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل والصِّين وإيران، بالإضافة إلى مخابرات وقيادة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، وما بين حكومات دول شمال ووسط أفريقيا، لمحاصرة انتشار عناصر القاعدة والتَّنظيمات المرتبطة به أساسًا.
وفي يناير الماضي، نقلت صحيفة (التَّايم) الأمريكيَّة عن مصادرٍ أمنيَّةٍ إسرائيليَّةٍ، أنَّ العشرات من الطَّائرات المُقاتلة والطَّائرات من دون طيَّارٍ، شاركت في عملية قصف عددٍ من الشَّاحنات في مناطق صحراويَّة شمال السُّودان بالقرب من الحدود الجنوبيَّة لمصر.
وقالت هذه المصادر إنَّ العمليَّة التي جرى التَّخطيط لها خلال أيَّامٍ معدودةٍ فقط، تمَّت بعد وصول معلوماتٍ استخباريَّةٍ إلى الموساد عن قافلة الشَّاحنات التي كانت تتألَّف من 23 شاحنةً، وأنَّها كانت تحمل أسلحة ومُكوِّنات صواريخٍ إيرانيَّةٍ كانت مُهرَّبةً إلى قطاع غزة؛ حيث قامت طائرات سلاح الجو الصُّهيوني "إف- 16" أمريكيَّة الصُّنع بقصف القافلة، في حين قامت مقاتلات أخرى من طراز "إف- 15" بتوفير الغطاء لها، في حال قيام طائراتٍ سودانيَّةٍ أو من دولٍ أُخرى بمهاجمتة فريق القصف الرَّئيسيِّ.
وبعد شن الهجوم، قامت طائرات من دون طيَّارٍ بالتَّحليق فوق مكان الهجوم وتصوير الشَّاحنات المحترقة، وعندما تبيَّن أنَّ الإصابات كانت جُزئيَّةً، قامت طائرات "إف- 16" بقصفها مرَّةً أخرى.
كما أنَّ للولايات المتحدة حوالي ألفَيْ جنديٍّ من القوَّات الخاصَّة والبحريَّة والسِّلاح الجوى في جيبوتي، ويعسكرون في قاعدة ليمونيهر، ومهامهم الأساسيَّة رصد حركة العناصر الأصوليَّة المُسلَّحة في اليمن والصومال، والقيام بمهامٍ نوعيَّةٍ في اعتقال أو قتل هؤلاء، وتقوم سفينة القيادة "ماونت ويتنير" التَّابعة للأسطول الثَّانيِّ الأمريكيِّ بتنسيق هذه المهام.
إلا أنَّ هذه هي المرَّة الأولى التي يتم فيها التَّنسيق على هذا النَّحو ما بين أجهزة مخابرات البلدان الثَّلاث، ولكن يبدو أنَّ التَّنافُس ما بين فرنسا والولايات المُتَّحدة في أفريقيا، والذي وصل إلى حدِّ تبادُل الدَّولتَيْن لإسقاط الأنظمة المُوالية لكلٍّ منهما في أفريقيا في التِّسعينيَّات، كما تمَّ في ليبيريا والكونغو الدِّيمقراطيَّة، مَنَعَ عمل مخابراتيهما معًا، فتمَّ التَّنسيق بواسطة الإسرائيليُّون.
إلا أنَّ الملف هذه المرَّة يبدو أنَّه يتجاوز كثيرًا الاعتبارات التي فرضت التَّنافسيَّة بين البلدَيْن، ولكن ثَمَّة تساؤل حول أسباب كشف موقع مُقرَّب من المخابرات الإسرائيليَّة عن هذه المعلومات في الوقت الرَّاهن، والإجابة غير واضحة، ولكنَّها في الأغلب رسالةٌ سياسيَّةٌ إلى كلٍّ من مصر والسُّودان، ومحاولةٌ للوقيعة ما بين فرقاء الحكم والأزمة في السُّودان، في الخرطوم والجنوب وفي دارفور عبر تسريب معلومات عن تعاون سيلفا كير وعبد الواحد نور مع الإسرائيليِّين، وتلقِّي كليهما دعمًا ماليًّا وعسكريًّا من الغرب..
أقرأ المزيد...
أزمة هالة مصطفى وشالوم كوهين فتحت المجال لمناقشة مدى قوَّة جبهة مُعارضة التَّطبيع في مصر
العنوان: سلامٌ عاديٌّ؟
المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
التاريخ: 8 أكتوبر 2009م
المُؤلِّف: ديفيد شينكر(*)
إعداد: سامر إسماعيل
*.*.*
يَقْتَرِبُ الحزب الوطنيُّ الدِّيمقراطيُّ المصريُّ [الحاكم] بسرعةٍ من موعد عقد مؤتمره السَّنويِّ، ولكن هذا الاجتماع، الذي سيُمهد الطَّريق بصورةٍ رسميَّةٍ للخلافة السِّياسيَّة في البلاد "لا يصنع العناوين في هذه الأيام"؛ حيث إنَّ هناك مواضيعَ أخرى تحظى باهتمامٍ أكبر.
فعلى سبيل المثال، نقلت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكيَّة في عددها الصادر في السادس من أكتوبر رد فعل جماعة الإخوان المسلمين المصريَّة على مبيعات "طقم غشاء البكارة الاصطناعيِّ" الصِّينيِّ الصُّنع، كما ركَّزت مصادرٌ إخباريَّةٌ أخرى على قرارٍ هامٍّ اتَّخذته جامعة الأزهر بمنع ارتداء النِّقاب في الحصص الدِّراسيَّة [غير المُختلَطَة].
بيد، أنَّ الموضوع الذي تمَّ تغطيته بصورةٍ أقل في وسائل الإعلام الغربيَّة، هو الجدل الدَّائر المُحيط بالصحفيَّة والباحثة المصريَّة الدُّكتورة هالة مصطفى رئيسة تحرير مجلة (الدِّيمقراطيَّة) [المقصود تحقيقات "نقابة الصَّحفيِّين" معها بسبب استقبالها للسفير الإسرائيليِّ بالقاهرة شالوم كوهين]، بالرَّغم من كونه موضوعًا لا يقلَّ أهمِّيَّةً عن موضوعاتٍ أخرى؛ حيث وقفت هالة مصطفى أمام الَّلجنة التَّأديبية بـ"نقابة الصَّحفيِّين"، ومن المُنْتَظَر أنْ تُواجه عقوباتٍ بسبب لقائها مع كوهين في مطلع سبتمبر المنصرم.
والدكتورة هالة مصطفى هي عضوٌ في لجنة النُّخبة في الحزب الوطني الدِّيمقراطيِّ المُختصة بالسِّياسات، وباحثةٌ في "مركز الأهرام للدِّراسات السِّياسيَّة والإستراتيجيَّة" الذي ترعاه الحكومة.
وقد وجدت نفسها الشَّهر الماضي هدفاً لتحقيقات "نقابة الصَّحفيِّين" بسبب لقائها مع السَّفير الإسرائيلي في مصر. وبلقائها مع كوهين، انتهكت الدكتورة هالة مصطفى نظام النَّقابة الدَّاخليِّ المُتشدِّد، الذي يفرض سياسةً صارمةً تمنع أيِّ اتِّصالٍ مع إسرائيليِّين، والتي تقوم عليها حملة "مُناهضة التَّطبيع".
في العقود الأخيرة، كانت المقاطعة المهنيَّة المصريَّة لإسرائيل- التي تقودها النَّقابات التي تُسَيْطر عليها الجماعات الإسلاميَّة- أداةٌ فعَّالةٌ لمنع تطبيع العلاقات الثُّنائيَّة بين الدَّولتَيْن. وفي حين لم تبذل الحكومة المصريَّة جهودًا كبيرةً لكي تعكس هذا الاتِّجاه، لا يبدو بأنَّها كانت قد أيَّدت المُقاطعة، حتى وقتٍ قريبٍ.
ويبدو أنَّ "نقابة الصَّحفيِّين" تتطلع إلى جعل الدكتورة مصطفى مثالاً لردع الآخرين من اتباع مسار مماثل. ولا تحصل الباحثة مصطفى على أي مساعدة من "مركز الأهرام" الحكومي. وفي الواقع، لم يقم "المركز" بإنشاء مجلس تحقيقٍ من قبله لاستجوابها فحسب، بل أعلن قبل أسابيع بأنَّه سيقوم أيضًا "بمقاطعة الإسرائيليِّين على جميع المستويات".
لقد تأسس "مركز الأهرام" في عام 1968كم كـ"مركز الدِّراسات الصُّهيونيَّة والفلسطينيَّة"، لذلك ربَّما لا ينبغي أنْ يكون هذا التَّحوُّل في الأحداث مثيرًا للدَّهشة. ومع ذلك، فيبدو غريبًا بأنَّ المعهد المصريَّ الرَّائد في مجال البحوث- المُموَّل من قِبَلِ الدَّولة والمُرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنِّظام- سيلتزم ببنودٍ قانونيَّةٍ صارمةٍ مُناهضةٍ للتَّطبيع، والتي تُنادي بها النَّقابات التي يقودها الإسلاميُّون. وفي الواقع، تنص اتفاقات كامب ديفيد (للسَّلام) من عام 1978م بأنَّه بعد انسحاب الإسرائيليِّين من سيناء، ستقيم الدَّولتان "علاقاتٍ طبيعيَّةً" بما في ذلك "علاقاتٌ ثقافيَّةٌ".
وفي حين أنه ليس هناك شكٌّ في التزام الحكومة المصريَّة بعدم قيام حالة حربٍ مع جارتها الإسرائيليَّة، إلا أنَّه لا تزال هناك قوىً مُعارضةٌ للتَّحرُّك نحو السَّلام بين الشَّعبَيْن، على المستويات الرَّسميَّة والشَّعبيَّة على حدٍ سواءٍ. وفي مصر، يُبرَر هذا التَّضارُب بسوء مُعاملة إسرائيل للفلسطينيِّين، ولكن حتى عندما كانت عملية السَّلام تُحرِز تقدُّمًا، خلال أوج اتِّفاقات أوسلو (1994م- 1998م)، على سبيل المثال، لم تُظهِر القاهرة ميلاً يُذْكَر لتغيير الدَّيناميكيَّة.
لقد وصلت المُقاومة ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلى أعلى المُستويات في القاهرة. فالرَّئيس المصريُّ حسني مُبارك، الذي يشغل منصبه منذ عام 1981م، لم يقُم حتى الآن بزيارة إسرائيل سوى مرةٍ واحدةٍ فقط، حضر خلالها جنازة رئيس الوزراء الإسرائيليِّ الأسبق اسحق رابين. ومع ذلك، فقد قال لصحيفة (الأهرام) الحكوميَّة عقب عودته من إسرائيل عام 1995ز، "أنا لا أعتبر هذه زيارةً".
ويبقى أنْ نرى ما قد يتَّضِح من قضيَّة هالة مصطفى. ويقول مُطَّلعون في "النَّقابة" بأنَّ مجلس إدارتها يميل إلى تجميد عضويَّتِها لمدَّةِ عامٍ واحدٍ، ممَّا سيُؤدِّي إلى إقالتها من رئاسة تحرير (الدِّيمُقراطيَّة) [المَجلَّة الفصليَّة التي تُديرها الدَّولة]. وللأسف، فحسب التَّطوُّرات التي تظهر حتى الآن، لا يبدو من المُرجَّح بأنْ يقوم نظام الرَّئيس مُبارك بمعارضة ما ستُقرِّرُه "نقابة الصَّحفيِّين" أو سيتدخَّل نيابة عن الدُّكتورة هالة مصطفى.
وبالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي (باراك) أوباما، التي تسعى إلى إقناع دولٍ مثل المملكة العربيَّة السَّعوديَّة باتِّخاذ خطواتٍ لتطبيع العلاقات مع إسرائيل على أمل تشجيع الدَّولة اليهوديَّة على اتِّخاذ "مخاطرَ من أجل السَّلام" مع الفلسطينيِّين، يُشِّكل تصرُّف القاهرة معضلةً. فبعد كل هذا، حتى إذا كان الشُّركاء في عمليَّة السَّلام غير مُستعدِّون لاتِّخاذ خطواتٍ لتطبيع العلاقات بينهما، فإنَّ إقناع دولٍ مثل المملكة العربيَّة السَّعوديَّة على القيام بذلك لديها فرصةٌ ضئيلةٌ للنَّجاح. إنَّ أفضل نصيحةٍ يُمكن إعطاؤها لواشنطن في موضوع البحث عن تطبيع علاقات العرب مع إسرائيل، هي أنْ تتَّخذ نهجًا أكثر تواضعًا. وتبدو مصر، التي هي في حالة سلامٍ مع إسرائيل منذ ما يقرب من 30 عامًا، مكانًا معقولاً للبدء في خطوات التَّطبيع.
---------------------
(*) ديفيد شينكر هو مدير برنامج السِّياسة العربيَّة في معهد واشنطن لسياسة الشَّرق الأدنى، وكتب مقاله هذا قبل أيامٍ من عقد المؤتمر السَّنويُّ العام للحزب الحاكم في مصر
أقرأ المزيد...
أزمة الأقصى الأخيرة كانت فرصة لاختبار آليات تعاطي الجماعة مع الأزمات
- الجماعة تلقت ضرباتٌ قاصمةٌ؛ حيث تمَّ حلها في ديسمبر 1948م، ثُمَّ تمَّ اغتيال الإمام المُؤسَّس في فبراير 1949م
- هناك إلزامٌ على الجماعة للتحرُّك نصرةً لقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة، باعتبار أنَّ ذلك أحد جوانب مصداقيَّتها
- الجماعة بحاجةٍ إلى إطارٍ أكثر مهنيَّةٍ وفاعليَّة للتَّعامُل مع الأزمات المُفاجئة
كتب: أحمد التلاوي وعبد العظيم الأنصاري
في رأي كثيرٍ من المراقبين، فإنَّ سياسات جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الأزمات تتأثر بعواملٍ تتأرجح في طبيعتها ما بين ما هو إستراتيجيِّ وما هو تكتيكيُّ، تبعًا لحجم الأزمة، ومدى قدرة الجماعة على مواجهتها، بالإضافة إلى طبيعة الظروف القائمة والتي تدفع أو لا تدفع إلى الحركة.
وقد تعرَّضت آليَّات عمل الجماعة خلال الفترة الأخيرة إلى اختبارٍ نوعيٍّ منذ يوم الأحد 27 سبتمبر 2009م، عندما وقعت محاولة لاقتحام المسجد الأقصى من جانب أعدادٍ من المستوطنين اليهود في حماية أعدادٍ من قوات الأمن الإسرائيليَّة، لتأمين احتفالات اليهود بما يُعرَف في العقيدة اليهوديَّة بعيد الغفران.
وفي الإطار تبنَّت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي بعض البلدان الأخرى بعض التَّحرُّكات إزاء ما جرى، وتنوَّعت اتِّجاهات الحركة الإخوانيَّة ما بين ما هو إعلاميٌّ وما هو سياسيٌّ عن طريق تبنِّي مواقفًا من خلال البيانات أو في الشَّارع.
وفي هذا الشَّأن، هناك مجموعةٌ من المُلاحظات سواءً على الحَدَث أو حول ما استتبعه تحرُّكاتٍ من جانب الإخوان المسلمين، إلا أنَّه وقبل التَّعرُّض لهذه الملاحظات ذات الطَّابع التَّقييميِّ، فإنَّه لفهم طبيعة حركة الإخوان المسلمين في الأزمة الأخيرة، يجب أولاً وضع إطارٍ عامٍ للنَّظر في الكيفيَّة وفي العوامل التي تؤثِّر على تعاطي الجماعة مع العديد من الأحداث والتَّطوُّرات.
مُحدِّداتٌ أوليَّةٌ وتاريخيَّةٌ
تتَّسم سياسات جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الأزمات بعدَّةِ سماتٍ تتعلَّق بالأساس بطبيعة الجماعة نفسها وطبيعة ما واجهته وتواجهه من مخاطر.
أولاً: فيما يتعلَّق بطبيعة الجماعة:
تُعتَبر جماعة الإخوان المسلمين أم الجماعات الإسلاميَّة في العالم الإسلاميِّ بأسره، بعد انهيار الخلافة الإسلاميَّة العثمانيَّة في العام 1924م، ممَّا يجعلها أقرب ما تكون إلى الرَّمزِ السِّياسيِّ للمسلمين بعد انهيار الرَّمز الأكبر المُتمثِّل في الخلافة.
وفي هذا الإطار حافَظَتْ الجماعة على النَّهج الحداثيِّ للإسلام، وأخذت تُطوِّر في العديد من المفاهيم والأُطُر الشَّكليَّة، مع الحفاظ على جوهر القَالَب الأيديولوجيِّ الإسلاميِّ، وقَبِلَ جناحٌ من الجماعة بنوعٍ من المرونة تجاه بعض الأفكار الِّليبراليَّة.
وعلى الساحة السياسية المصرية لا توجد جماعةٌ سياسيَّةٌ معارضةٌ، إسلاميَّةٌ أو غير إسلاميَّةٍ، تُضاهي جماعة الإخوان المسلمين في قوَّتِها التَّنظيميَّة أو الجماهيريَّة، رغم أنَّها من وجهة نظر النِّظام هي "الجماعة المحظورة".
ولكن الجماعة "المحظورة" يبدو أنَّها لم تُلم بكلِّ مقاصد الوصف في ظلِّ ما تتمتَّع به من مساحةٍ للحركة؛ وقبلت أنْ تلعب لعبة "التَّوظيف المُتبادَل"، مع النِّظام، أي استخدام النِّظام لها- أحيانًا- كعامل ضغطٍ على الغرب للاستمرار في مساندته، وأحيانًا لإثبات ديمُقراطيَّتِه، في مقابل استخدام الجماعة للمساحة المسموح لها بالتَّحرُّك داخلها لكسب المزيد من الشَّعبيَّة على حساب الحزب الوطني الحاكم.
وذلك "لحين ميسرة"، أي لحين حدوث تغيُّرٍ في ميزان القوى على المستوى الدَّاخليِّ أو الإقليميِّ أو الدَّوليِّ، يصب في مصلحتها ويمنحها حق استخدام مساحةٍ أكبر على المسرح السِّياسيِّ المصريِّ، وهو ما لم يحدث طوال ما يربو على الأربعين عامٍ منذ عودتها إلى العمل العام.
ثانيًا: فيما يتعلَّق بطبيعة التَّهديدات والمخاطر:
منذ البَدْء، أدركت جماعة الإخوان المسلمين حجم التَّهديدات والمخاطر التي يُمكن أنْ تتعرَّض لها في سبيلها لتحقيق أهدافها التي تأسَّست من أجل تحقيقها، وعلى رأسها إقامة دولة الإسلام؛ وهذا كان السَّبب في تقدُّم الجماعة بخطىً ثابتةٍ نحو تكوين قوَّةٍ لا يُستهان بها، يُفكَّر أيُّ عدوِّ ألف مرَّةٍ قبل أنْ يُهدِّدُها.
ولا تقف هذه القُوَّة عند مُجرَّد الرَّدع، وإنَّما تتقدَّم نحو تنفيذ الأهداف، وهذا كان لب تفكير الإمام الشَّهيد المُؤسِّس حسن البنا- رحمه الله- الذي نجح في أقلِّ من عقدٍ في تأسيس الجماعة، وبناء قوَّتِها، ثُمَّ الانتقال بها من مرحلة "البناء" إلى مرحلة "التَّنفيذ"، التي كانت تمهيدًا لمرحلة "الانتصار"، وكل ذلك تحت وطأة الاستعمار البريطانيِّ في مرحلةٍ انتقاليَّةٍ صعبةٍ وحالكةٍ في تاريخ الأُمَّة المصريَّة.
إلا أنَّ الجماعة تلقت ضرباتٌ قاصمةٌ؛ حيث تمَّ حلها في ديسمبر من 1948م، ثُمَّ تمَّ اغتيال الإمام المُؤسَّس في فبراير من العام 1949م.
إلا أنَّ الأفكار لا تموت، ومن هذا المُنطلق بقيت الجماعة وحافظت على وجودها، رغم حلها مرة أخرى في العام 1954م، وتلقيها العديد من الضَّربات بعد ذلك.
الجماعة ومُواجهة الأزمات أمام النِّظام
سُمِحَ للجماعة بممارسة العمل العام لأهدافٍ سياسيَّةٍ خاصة بالرَّئيس المصريِّ الرَّاحل محمد أنور السَّادات، ولكن مع عدم الاعتراف بقانونيَّتها وبقائها جماعةٍ "محظورةٍ"، وتوجيه الضربات لها من حينٍ إلى آخرٍ، حتى لا تخرج عن المسار المرسوم.
وفي هذا الإطار، صارت الجماعة أمام أزمةٍ مستعصيةٍ؛ فهي لا تُريد المُغامرة التي يمكن أنْ تجعلها تخسر الكثير، وفي نفس الوقت تسعى للاحتفاظ بكلِّ مكسبٍ تمَّ تحقيقه من خلال المسموح به، وبهذه الطَّريقة تقوقعت الجماعة في محاولةٍ لاكتساب أكبر قدرٍ من التَّأييد الشَّعبيِّ والقوَّة الجماهيريَّة.
وهكذا اكتفت الجماعة ولمدة تقارب النِّصف قرن بمرحلة "البناء" وإرجاء مرحلة "التَّنفيذ" إلى أجلٍ غير معلومٍ.
ولذلك تمرُّ الجماعة الآن بأزمةٍ بالغة الخطورة؛ حيث إنَّها تتعرَّض لحملةٍ شرسةٍ من قِبَلِ النِّظام في إطار تهيئة الأجواء في مصر لاستقبال مشروع التَّوريث بدون أدنى مُعوِّقات.
وفي مواجهة هذه الأزمة لا تطفو على السَّطح أيَّة مظاهر نحو الحسم، بل على العكس يبدو أنَّ الجماعة تسعى إلى إبقاء الحال على ما هو عليهـ ومحاولة التَّركيز على المجتمع المدنيِّ لتعزيز قوَّتها الجماهيريَّة والاجتماعيَّة في ظل تكهُّناتٍ بالتَّخطيط للحدِّ من مُشاركتها في الانتخابات البرلمانيَّة القادمة في 2010م، وإجراء مفاوضاتٍ على اتِّفاقٍ مع الحزب الوطنيِّ تنسحب بموجبه من استطلاعات الرَّأي في العام 2010م، مقابل إطلاق سراح العديد من أعضائها المحتجزين.
على مستوىً آخر، فإنَّ هناك إلزامٌ على الجماعة للتحرُّك نصرةً لقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة، باعتبار أنَّ ذلك أحد جوانب مصداقيَّتها أما الجمهور العام، وتقوم الجماعة في الغالب بذلك عن طريق تحريك الرَّأي العام، واستخدام العديد من الوسائل في هذا الصَّدد، ومنها المظاهرات، وجميع المنابر المُتاحة سواءً أكانت سياسيَّةً أو إعلاميَّةً.
ولا يتوقف دعم الجماعة لقضايا الأُمَّة عند هذا الحدِّ، وإنَّما يمتد إلى جمع التَّبرُّعات، وإيصال الدَّعمِ بكلِّ الوسائل المُتاحة، وهذا ما حدث على سبيل المثال في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، وفي أزمة الاقصى الأخيرة.
وفي مواجهة أزمة المسجد الأقصى، أصدرت الجماعة البيانات المنددة بالاعتداءات الإسرائيليَّة على القدس الشريف المحتل، وعلى المسجد الأقصى الشَّريف، ودعت إلى انتفاضة الأُمَّة بكافَّة فئاتها وطوائفها، مع تحرُّك الشُّعوب في كلِّ المسارات الدَّاعمة لقضيَّة القدس والمسجد الأقصى، بالإضافة إلى إقامة المؤتمرات والنَّدوات والمظاهرات التي جابت شوارع وميادين العديد من المدن في مصر، وخارجها، وقُوبلت بالعديد من الاعتقالات من قبل النِّظام الحاكم في مصر، وتعاملٍ متفاوتٍ في دول العالم العربي الأخرى التي شهدت تَحرُّكاتٍ إخوانيَّةٍ.
ولكن، وفي واقع الأمر، فإنَّ الجبهة الرَّئيسيَّة لحماية المسجد الأقصى هي القاهرة، وسوف تمضي مُخطَّطات إسرائيل في تهويد القدس قُدُمً، رغم كل الجهود التي تقوم بها الجماعة وغيرها من الحركات الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة المناهضة للحركة الصُّهيونيَّة.
والشَّيء الوحيد الذي سيقلب طاولة المُخطَّطات الصُّهيونيَّة في هذا المُقامن هو التَّغيير الحاسم في القاهرة، فالخطر الحقيقيِّ على القُدس والمسجد الأقصى لا يقبع في تلِّ أبيب، وإنَّما في القاهرة؛ حيث إنَّ الواقع يؤكد أنَّ النِّظام المصريَّ هو أكبر داعمٍ لإسرائيل، وأنَّ هذا الدَّعم أضعاف أضعاف الدَّعم المُوجَّه إلى القضيَّة الفلسطينيَّة.
وفي حالة نجاح الإخوان المسلمين أو غيرهم هذا الدعم، سوف تنكشف إسرائيل، وتصبح بلا حمايةٍ حقيقيَّةٍ في المنطقة؛ حيث يرى العديد من المراقبين أنَّ ما تُقدِّمه واشنطن من مساندةٍ لإسرائيل، لا يرقى إلى ما تأخذه من مكاسبٍ من النِّظام المصريِّ، ومن هنا يكون التَّحدي الأكبر لبقاء إسرائيل هو إحداث تغييرٍ ما في القاهرة يصب في صالح جماعة الإخوان المسلمين خاصَّة، أو أيٍّ من القوى المُعارضة المُناوئة للصهيونيَّة عامَّة.
وثمة بعض التَّصريحات والمواقف في إسرائيل التي لها دلالةٌ في شأن إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة، ومن بينها تصريحات لآفي ديختر الرَّئيس السَّابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شاباك)، في محاضرةٍ ألقاها قبل فترةٍ في معهد الأمن القوميِّ الإسرائيليِّ، والتي تحدث فيها عن ضرورة احتفاظ واشنطن بقوَّةٍ للتَّدخُّل السَّريع من مشاة البحريَّة الأمريكيَّة (المارينز) في المدن المركزيَّة، وبالقرب من أماكن اتخاذ القرار في مصر، للسَّيطرة على الأوضاع في حال حدوث أيِّ تغييرٍ لا ترغب فيه إسرائيل والولايات المتحدة.
الحركة في أزمة لأقصى
في هذا الجانب، وتطبيقًا على ما سبق، فإنَّ هناك مجموعةٌ من المُلاحظات سواءً على الحَدَث أو حول ما استتبعه تحرُّكاتٍ من جانب الإخوان المسلمين، نُجْمِلُها فيما يلي:
أولاً: على مستوى الحَدَث:
الحَدَث لم يكن أمرًا إستراتيجيًّا أو جديدًا، فهو في النِّهاية حَدَث ليس له تداعياتٌ مستقبليَّةٌ، ولا يمثِّل اختراقًا للسِّياسة الإسرائيليَّةِ عمومًا في هذا الإطار، أي في إطار ملف القدس المحتلة والأقصى، وبالتَّالي فإنَّ الحَدَث يُعبِّر عن نقطةٍ زمنيّةٍ مُحدَّدةٍ لا قبلها ولا بعدها، وهي "تأمين احتفالات اليهود بعيد الغفران".
وكان رد الفعل الفلسطيني نفسه كان على مستوى كون الحَدَث عبارة عن "نقطةٍ زمنيَّةٍ مُحدَّدةٍ"؛ حيث كل من استجاب لدعوات التَّصدِّي لاقتحام الأقصى ألف شخصٍ في اليوم الأوَّل، ومُصابي الاشتباكات 17 شخص فقط، وهو ما يُشير إلى أنَّ تقييم المرابطين في الأقصى للحَدَث كان باعتبار أنَّه حَدَثًا "منخفض الشِّدَّة" بلُغة العلوم السِّياسيَّة، ولا يرقَى أبدًا لمستوى الحَدَث السِّياسيِّ.
ولذلك فإنَّ هناك العديد من التّقييمات التي أشارت إلى أنَّ ما جرى لن يؤديِّ إلى اندلاع انتفاضةٍ ثالثةٍ، وذلك بخلاف الحال إبَّان اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرييل شارون، للأقصى في سبتمبر 2000م، وأدَّى لندلاع انتفاضة الأقصى، وذلك لأكثر من سببٍ، وأهمَّها:
1. الطَّابع السِّياسيُّ للحَدَث إبان شارون، الذي كان يتزعَّم المعارضة الِّليكوديَّة في ذلك الحين، وضخامته مُقارنةً بالحَدَث الأخير؛ حيث اقتحم شارون الحرم لأهدافٍ وأسبابٍ سياسيَّةٍ، وسط مظاهرةٍ من رجال الأمن والجيش الإسرائيليُّين قُدِّرت بحوالي 3 آلاف من عناصر الأمن, كما أنَّ شخصيَّةَ شارون تختلف عن بضعة مستوطنين.
2. وفاة ياسر عرفات، وغيابه عن السَّاحة بأجندته المختلفة إلى حدٍّ كبيرٍ عن أجندة القيادات الحالية لحركة التَّحرير الوطنيِّ الفلسطينيِّ "فتح" والسُّلطة الوطنيَّة ومُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّتَيْن، مع كون عرفات كان قادرًا على تحريك الجماهير الفلسطينيَّة أكثر من غيره من القيادات الحالية، لافتقاد الأخيرة للطَّابع التَّاريخيِّ والجماهيريِّ الذي كان لعرفات، ووجود اتِّهاماتٍ لها بالفساد وقتل القضيَّة الفلسطينيَّة لمصالحٍ سياسيَّةٍ خاصَّةٍ.
3. انقسام السَّاحة الفلسطينيَّة سياسيًّا وأمنيًّا وعلى مختلف المستويات، بما لا يدعم خيار الانتفاضة، بخلاف الحال في العام 1987م، والعام 2000م؛ حيث كان هناك خلافات لا انقسامات، وخصوصًا على مصير السِّلاح الفلسطينيِّ قبل إعلان الدَّولة المُستقلَّة على حدود الـ67، وبالتَّالي مصير خيار الكفاح المسلَّح في مُقابل التَّسوية.
4. نجاح الإجراءات الأمنيَّة للسُّلطة الفلسطينيَّة، وخصوصًا التَّنسيق الأمنيِّ بينها وبين إسرائيل في تحجيم أيَّة إمكانيَّةٍ لنجاح قوى وفصائل المقاومة في الحركة، سواءً على مستوى تنفيذ عمليَّاتٍ ضد الاحتلال الإسرائيليِّ للضِّفَّة الغربيَّة أو في العمق الإسرائيلي.
5. نجاح ترتيبات السُّلطة في تقييد يد الجماهير الفلسطينيَّة في الحركة، لتلافي تكرار نموذج سقوط غزَّة في أيدي حركة حماس في يونيو من العام 2007م.
6. ضعف الرُّوح المعنويَّة لدى المواطن الفلسطينيِّ، بسبب ظروف الضِّفَّة سياسيًّا وأمنيًّا، وحصار غزَّة، وفقدان الصَّف الفلسطينيَِ لثقته في قيادته، وهو ما أدَّى إلى تراجُع خيار الصِّدام الشامل مع إسرائيل لدى المواطن الفلسطيني، خصوصًا في الضِّفَّة الغربيَّة.
وهو ما كان واضحًا خلال تحرُّكات الجماهير الفلسطينيَّة في عدوان غزَّة، فبجانب قيود السُّلطة على الحركة، واعتقالها مئات النُّشطاء، كانت هناك عدم رغبةٍ في تحرُّك جمهور الضِّفَّة تحرُّكًا شاملاً برغم دعوات قيادة حركة المقاومة الإسلاميَّة (حماس) في دمشق وغزَّة لذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّه في حال وقوع انتفاضةٍ جديدةٍ، فسوف يكون لها تأثيرٌ سياسيٌّ كبيرٌ في الدَّاخل الإسرائيليِّ؛ حيث الحكومة الإسرائيليَّة الحالية هي حكومةٌ متأرجحةٌ غير ثابتةٍ، ومن شأن اندلاع أيِّ انتفاضةٍ جديدةٍ أنْ يُطيح بهذا الائتلاف المُتهالك أصلاً، خاصةً بعد خروج المواطن الإسرائيليِّ من حالة الحرب الأخيرة على غزَّة مهزومًا نفسيًّا، فهو لا يتحمل وقوع المزيد من القتلى أو تراجع وانكماش الاقتصاد الإسرائيليِّ.
وفي الحالتَيْن السابقتَيْن، فإنَّ اندلاع الانتفاضة أدى لسقوط الحكومات الإسرائيليَّة السَّابقة، وهو ما تُدرِكُه حكومة رئيس الوزراء الِّليكودي الحالي بنيامين نيتانياهو، ولن تسمح بحدوثه، وسوف يتمخَّض أيُّ تصعيدٍ فلسطينيٍّ عن المزيد من الضُّغوط على السُّلطة الفلسطينيَّة، والتي سوف تقوم بالتَّالي بإجراءاتٍ أمنيَّةٍ تمنع أيَّ تحرُّكٍ مُنظَّمٍ للفصائل في الضِّفَّة الغربيَّة المُحتلَّة.
كما أنَّ إسرائيل لن تسمح للحركة الإسلاميَّة في الدَّاخل بقيادة تحرُّك فيما يخص ملف الأقصى يؤدِّي إلى اندلاع انتفاضةٍ.
ثانيًا: على مستوى التحرُّك الإخوانيُّ:
واضحٌ من التَّحرُّك الإخوانيِّ أنَّه كان سريعًا استجابةً للحَدَث، وفق قناعةٍ أنَّ الجمهور يطلب من الإخوان المسلمين تحرًّكًا في هذا المُقام، وهي وجهة نظر خاطئة بالجُملة، فجماعة الإخوان المسلمون، وخصوصًا في مصر ليس منوطًا بها أبدًا تبنِّي تحرُّكاتٍ فيما يخص هذه الوقائع الصَّغيرة، وإلا تمَّ ابتذال أيِّ تحرُّكٍ إخوانيٍّ، بما في ذلك المستوى الإعلاميِّ والسِّياسيِّ، وإضعاف الاهتمام الجماهيريِّ بمواقف وتحرُّكات الإخوان المسلمين.
كما أنَّ هذا يعني مواجهة مخاطر التَّعرُّض لمواجهةٍ أمنيَّةٍ مع الدَّولة في مصر بما لا يتناسب في تكاليفه مع الحَدَث، وقيمته.
فمستوى الحَدَث الذي يجب أنْ تتحرَّك له الجماعة في مصر يجب ألا يقل عن حَدَث "مرتفع الشِّدَّة" في وزن العدوان الإسرائيليِّ على قطاع غزَّة، كما أنَّ الجمهور في مصر لن يهتم بمواقف قويَّة للجماعة قدر اهتمامه بمواقفٍ لها في قضايا الدَّاخل التي تمسُّه وتمسُّ مستقبله.
كما كان واضحًا في مستوى التَّحرُّك الإخواني الآتي:
1. حاول الإخوان المسلمون تبنَّى خيارًا وسطًا في التَّعامُل مع الحَدَث، ما بين الاستجابة لمطالب الصَّف والجمهور العام الضِّمنيَّة الذي ينتظر من الإخوان الحركة في هذا الإطار، وما بين اعتبارات التَّهدئة غير المُعلَنةِ من جانب الإخوان المسلمين مع الدَّولة.
لذلك كان التَّحرُّك الإخوانيُّ إمَّا من خلال البيانات والمواقف، هذا على المستوى الإعلاميِّ، أمَّا في الشَّارع فقد كان التَّحرُّك ضعيفًا، فهو حاول أنْ يكون مُستترًا في إطار تحالفات القوى السِّياسيَّة في الأقاليم والتي تضم الإخوان مع بعض الأحزاب، كما حَدَث في دمياط، أو من خلال اشتراك نوَّابٍ من الكتلة في أنشطة الأزهر، التي كانت الجماعة ذاتها تُشارك رسميًّا فيها بشكلٍ تلقائيٍِّ، وحتى المُشاركة "البرلمانيَّة" في أنشطة الأزهر يوم الجمعة الثَّاني من أكتوبر، لم يكن على مُستوى كلِّ نُوَّاب الكتلة، بل كل من شاركوا كانوا 10 من النُّوَّاب تقريبًا بحسب الموقع الإعلاميِّ الرَّسميِّ للإخوان (إخوان أون لاين).
أما في جمعة "الغضب" التَّالية، فقد كان الموقف شديد السوء، عندما لم يحدث أيِّ شيءٍ في القاهرة، سواءً في الأزهر أو في جامع الفتح أو في رابعة العدوية، وحتى ما وقع من أحداثٍ في جامع عمرو كان بسبب نشاط شباب حزب العمل وليس الإخوان المسلمين.
ولكن هذه الطَّريقة جاءت فاشلة في تحقيق أهدافها في الموائمة بين "التَّهدئة" وبين "ضرورة التَّحرُّك"، فبحسب استطلاعٍ سريعٍ للرَّأي أجرته وحدة البحوث في أوساط "10" مُختلفين من الجمهور وبعض المتعلِّمين، قال "8" منهم إنَّ "الإخوان المسلمين تحرَّكوا في الموضوع"- المقصد حَدَث الأقصى- حتى لو حاولوا "التَّستُّر" وراء أطرٍ تعاونوا فيها مع القوى السِّياسيَّة أو من خلال الكُتلة، فأمام الدَّولة "الإخوان هم من تحرَّكوا".
2. محاولة المُوازنة هذه تحرُّك الإخوان جاءت بنتائجٍ سلبيًّةٍ؛ حيث بدا للمراقب الخارجي، وفي الصَّف "عشوائيًّا" أو "خائفًا"، فمثلاً السِّياسة الإعلاميَّة إزاء غير واضحة أو مُتكاملة، وكذلك المواقف التي أعلنتها الجماعة إزاء الحَدَث كانت على مستوياتٍ من دون مستوياتٍ، فبدا هناك فجواتٌ واسعةٌ للغاية في مواقف الإخوان في الدَّاخل، وفي مواقف الإخوان في الداخل والخارج أيضًا.
فعلى المستوى الدَّاخلي أصدر الإخوان المسلمون بيانات، ولكنها لم تُحدِّد موعدًا مُحدَّدًا للحركة العامَّة، كما لم تتحرَّك كل محافظات مصر.
وذات الحال كان في الخارج، فإخوان نيجيريا والأردن فقط هم من تحركوا، بينما غابت المواقف عن إخوان العالم العربي والإسلاميِّ تقريبًا، باستثناء إخوان سوريا الَّذين أصدروا بيانًا، والجماعة الإسلاميَّة في لبنان التي أصدرت بدورها بيانًا، بالإضافة إلى اتِّحاد المُنظَّمات الإسلاميَّة في أوروبا وبعض علماء المسلمين في مصر وخارجها؛ حيث أصدر كلٌّ منهما بيانًا.
ويبدو وكأنَّ الإخوان قد فوجئوا بالحَدَث الخاص بالأقصى، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بتفسيرَيْن، الاحتمال الأوَّل أنَّ الإخوان تلقَّوا طلبًا في مصر من حركة حماس في غزَّة أو دمشق لتحريك الموضوع، بعد وقوعه بفترةٍ ولكن الحركة راعت اعتبارات الموقف الإخوانيِّ السِّياسيِّ والأمنيِّ في مصر، وهو ما قد يتفهمه الإخوان في حماس، باعتبار أنَّ الضِّفَّة ذاتها وقطاع غزَّة لم تشهد ما هو مفترضٌ من التَّحرُّكات.
أمَّا الاحتمال الثَّاني فهو أنَّ الحَدَث منخفض الشِّدَّة الذي وقع، كان فرصةً لتحرُّكٍ إخوانيٍّ يثبت وجود الجماعة بعد الضَّربات الأمنيَّة الأخيرة، ولكن تبعًا للوضع، جاء هذا التَّحرُّك على استحياءٍ، فظهر تحرُّكًا غريبًا وغير معتادٍ من الإخوان، الَّذين في المعتاد إمَّا يتحرَّكوا بنسقٍ أفضل، أو لا يتحركون من الأساس.
تعليقاتٌ وتوصياتٌ:
يُثبت ما جرى حاجة الإخوان إلى إطارٍ أفضل لدراسة الحَدَث وتقييمه قبل الشُّروعِ في صناعة قرارات الحركة إزائها، وشكل هذه الحركة، وهذا الإطار يجب أنْ يكون مُحايدًا، وغير مبنٍ على أيَّةِ اعتباراتٍ تتعلَّق بالتَّرتيبات الإداريَّة للإخوان، أو فهم القيادات الخاص للأمور والأحداث السِّياسيَّة وغير السِّياسيَّة.
ومع وضوح أنَّ موضوع الأقصى في سبيله إلى المزيد من التَّصعيد من فترةٍ إلى أخرى، فقد كان من الَّلازم وضع رؤية خاصَّة لأيِّ حَدَثٍ يخصُّه، ومن بينها أنَّ إثارة أيِّ فعلٍ جديدٍ من جانب إسرائيل إزاء الأقصى، فإنَّ المقصود به نوع من أنواع الإلهاء، ولفت الأنظار عن القضايا الأساسيَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة.
وعلى رأسها بطبيعة الحال قضيَّة اللاجئين، ومُتطلَّبات الوضع النَّهائي، وهي: الدَّولة وتقاسم المياه والحدود، والحدود والَّلاجئين بالذَّات أكثر أهمِّيَّةٍ بكثيرٍ للمشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين من موضوع الأقصى، بكل ما في هذا المشروع من جوانبٍ قوميَّةٍ وسياسيَّةٍ.
وهو تقييمٌ له ما يدعمه من مُؤشِّراتٍ في الواقع، ومن بين هذه المٌؤشِّرات:
- استمرار أنشطة الشَّيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلاميَّة في إسرائيل، فيما يخص موضوع الأقصى، ولو أنَّه يثير مشكلاتٍ فعليَّةً لإسرائيل في الأراضي المحتلة أو في الدَّاخل في أراضي الـ48، لجرى وقفه بأيَّة طريقةٍ.
- لا يمكن تصوُّر إقدام إسرائيل عقلانيًّا هكذا على هدم المسجد الأقصى، وكل ما في الأمر أنَّ الحكومات الإسرائيليَّة تسمح ببعض الأنشطة "المُنضبطة" و"مُنخفضة ومتوسِّطة الشِّدَّة" لإرضاء تيَّارات اليَمين الدِّيني المؤمنة بموضوع أرض إسرائيل التَّاريخيَّة والهيكل القديم، والتي تنتقد الحكومات الإسرائيليَّة في عدم إنجازها للجوانب الدِّينيَّة من المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين.
ولكن الحكومات الإسرائيليَّة تدرك تمامًا أنَّ النواحي الأمنيَّة والسِّياسيَّة أهم بكثيرٍ من فكرة الجانب الدِّينيِّ للمشروع، والتي لو نفذِّت على هذا النَّحوِ، فإنَّها سوف تقضي على المشروع من أساسه، كما أنَّ الغرب الذي يدعم إسرائيل، وخصوصًا الولايات المتحدة، ليس في صالحه إطلاقًا؛ حيث هو يوظِّف الوجود الإسرائيليِّ توظيفًا آخرًا لأهدافٍ سياسيَّةٍ بالأساس.
في هذا الإطار، فإنَّ هناك حاجةٌ بكلِّ تأكيدٍ لإعادة صياغة الرُّؤية التي تحكم نظرة وحركة الإخوان المسلمين لملف القدس وقضيَّة الأقصى.
أقرأ المزيد...
لافتات تأييد جمال مُبارك في شوارع القاهرة من الآن!!
- الرئيس السنغالي استمر في تصعيد نجله في المناصب؛ حيث قام في منصب وزير الدَّولة المُكلَّف بالتَّعاون الدَّوليِّ
- هناك تشابه كبير في السِّياسات التي يتبنَّاها جمال مبارك وسيف الإسلام القذافي للتَّمهيد للخلافة
- القيادات الاجتماعيَّة الشَّعبيَّة في ليبيا رشحت نجل القذافيلكي يصبح المنسق العام لها مع توسيع نطاق صلاحياته
أبوجا: محمد الشَّامي
كان لنجاح الرئيس الجابوني المنتخب علي بونجو في الانتخابات الرَّئاسيَّة الأخيرة التي أثارت أزمة سياسية عميقة في الجابون، وتوليه الحكم في البلاد خلفًا للرئيس الرَّاحل عمر بونجو، صدىً كبيرًا فيما يخص النقاشات الدَّائرة حاليًا حول مشكلة توريث الحكم في بعض بلدان أفريقيا والعالم العربي.
حيث تشير التقارير إلى ثلاثِ حالاتٍ قد تشهد هذا الأمر في المستقبل القريب كما في حالة الرئيس المصري حسني مُبارك ونجله جمال، أمين السِّياسات في الحزب الحاكم، وحالة الرَّئيس السِّنغاليِّ عبد الله واد ونجله كريم واد، أو كما يجري في ليبيا؛ حيث بدأ الليبيون في "تأهيل" سيف الإسلام القذافي نجل العقيد الليبي مُعمَّر القذافي ربما لكي يتولَّى الحكم من وراء أبيه، بعد أربعين عامًا من حكم ليبيا.
وتتباين القصَّة في كلٍّ من هذه الحالات، ففي الحالة السِّتغاليَّة، يتجنب كريم واد الإعلان صراحة أمام الرَّأي العام عن نيَّتِه خلافة والده البالغ من العمر 82 عامًا، والجالس على كرسيِّ الرَّئاسة في السِّنغال منذ العام 2000م، غير أنَّه لا يتردد في بعض التَّصريحات والِّلقاءات الصَّحفيَّة في التَّلميح لرغبته في التَّرشُّح لانتخابات 2012م.
ولواد الابن تصريح لافت ألقاه في مارس 2009م؛ حيث قال إنَّه "يعرف دولاً ديمقراطيةً كبيرةً، خلف فيها الابن والده"، في إشارة إلى دخول الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن البيت الأبيض بعد سنواتٍ قليلةٍ من رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عن الرئاسة.
وبالبحث، نجد أنَّه بعد عامٍ من انتخاب والده رئيسًا للبلاد خلفًا للرَّئيس السِّنغالي السَّابق عبدو ضيوف، عُيِّنَ كريم واد في منصب المُستشار الشَّخصيِّ للرئيس السِّنغالي، وما فتئ منذ ذلك الوقت يلعب دورًا هامًّا في السَّاحة السِّياسيَّة السِّنغاليَّة.
ثم وفي العام 2004م، كلفه والده- في إطار هيئةٍ حكوميَّةٍ- بتنظيم القمة الإسلاميَّة الحادية عشرة التي انعقدت في مارس 2008، في العاصمة السِّتغاليَّة داكار.
وقد مكَّنت هذه المُهمَّة المُؤقَّتة نجل الرَّئيس السِّنغالي فرصة لإرساء علاقات مع كبار المسئولين في دول الخليج التي موَّلت تنظيم القمة.
ولم تتأثَّر صورة كريم واد في عيون المراقبين برغم المُشكلات التَّنظيميَّة التي صاحبت القمَّة، كما يدل على ذلك اختيار مجلَّة (جين أفريك) الدَّوليَّة في نهاية العام الماضي 2008م ضمن لائحة المائة شخصيَّة التي سوف تصنع الحدث في القارة السمراء خلال العام 2009م.
ولكن وعلى خلاف توقُّعات مجلة (جون أفريك)، لم ينجح واد الابن في أنْ يكون صانعًا للحدث؛ حيث مُنِيَ بهزيمةٍ في الانتخابات البلديَّة، عندما كان ينافس على منصب عمدة مدينة داكار، مكتفيًا بمقعد نائبٍ في المجلس البلدي، وهو فشلٌ كان له صدىً سياسيٍّ؛ حيث عُدَّ الفشل الأوَّل من نوعه لحكم عبد الله واد.
إلا أنَّ الرئيس السنغالي استمر في تصعيد نجله في المناصب؛ حيث قام في مايو الماضي بتعيينه في منصب وزير الدَّولة المُكلَّف بالتَّعاون الدَّوليِّ، وهي "واحدةٌ من أهم الحقائب الوزاريَّة على الإطلاق منذ استقلال البلاد" على حدِّ تعبير إحدى الصحف السِّنغاليَّة، كما أنَّ للحدث دلالته؛ حيث أصبح كريم واد أوَّل نجلٍ لرئيسٍ سنغاليٍّ يدخل الحكومة.
مصر.. ضباب التَّوريث!!
أمَّا في مصر فقد اعتاد الرئيس المصري حسني مُبارك، الموجود في حكم البلاد منذ العام 1981م، أنْ ينفي بشكلٍ غير مباشرٍ فكرة توريث الحكم لنجله جمال، عبر التَّصريح بأنَّ "مصر ليست مملكةً"، إلا أنَّ تأكيدات مُبارك هذه لم تمنع جمال مُبارك من أنْ يكون دائمًا في بورصة التَّرشيحات الرَّئاسيَّة لخلافة الرَّئيس الحالي للبلاد.
ويقول مراقبون إنَّ ما عطَّل مشروعات مبارك في هذا الصدد، هو معارضة بعض مُؤسَّسات الدَّولة السِّياديَّة لتولِّي جمال مبارك الحكم، مثل المُؤسَّسة العسكريَّة والمخابرات العامَّة، باعتبار أنَّ جمال مبارك غير قادر على إدارة شئون البلاد، ولا يوجد له تاريخ مع المُؤسَّسة العسكريَّة.
فالمتتبعون للشَّأن السِّياسيِّ المصريِّ يعتبرون كلام الرَّئيس المصري في هذا الشَّأن مُجرَّد رسالة مُوجهةٌ لنجله تهدف إلى دفعه على إضفاء نوعٍ من الشَّرعيَّة على مساره السِّياسيِّ، وتحسين صورته في عيون المصريين قبل الدُّخول في المعركة السِّياسيَّة، بعد سنواتٍ من العمل الاقتصادي.
فجمال مبارك الذي وُلِدَ في العام 1963م، ونال شهادته الجامعيَّة من الجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة، كان اتَّخذ مسارًا مهنيٍّا في القطاع الماليِّ والمصرفيِّ؛ حيث بدأ مساره هذا في "بنك أوف أمريكا" في القاهرة، ليعمل بعدها في فرع البنك في العاصمة البريطانية لندن، ثم عاد ليُؤسِّس شركةً استثماريَّةً خاصَّة، هي شركة "ميد إينفست".
إلا أنَّه في العام 2000م، حدث التَّحوُّل في مسيرته؛ حيث دخل إلى عضويَّة الهيئة القياديَّة للحزب الحاكم، ثم أصبح أمينًا للسِّياسات في الحزب، وبرز نجمه عندما قاد حملة والده الانتخابية في الانتخابات الرَّئاسيَّة التي جرت في العام 2005م.
وطيلة المرحلة الماضية، قدَّم مبارك الابن ذاته في صورة "رجل التغيير ورمز لـ"الجيل الجديد" أو لـ"جيل المستقبل"، وقائدًا للتَّيَّار الِّليبراليِّ في مصر، مع وضع الاقتصاد في أولوية عمل حكومة الحزب الوطني في مصر، بما أكسبه تعاطف الكثير من الشباب في البداية، مع حرصه على استبدال بعض الوجوه القديمة المرتبطة بالفساد في الحكومة والحزب، بأخرى جديدةٍ نضرةٍ.
وفي إطار "طموحاته الرَّئاسيَّة"، فإنَّ الرَّئيس المصريَّ كثيرًا ما يصطحبه في جولاته الخارجيَّة، وتقديمه لرؤساء الدِّول والحكومات الأجنبيَّة، كما حدث في زيارة مُبارك الأب الأخيرة للولايات المتحدة.
وفي الإطار وضعت إحدى المُؤسَّسات البحثيَّة الأمريكيَّة جمال مبارك على قائمة أهم 10 زعماء محتملين لأفريقيا؛ حيث قالت مُؤسَّسة "بيللو آند مانشا" الاستشاريَّة البحثيَّة الأمريكيَّة المهتمة بمتابعة الشُّئون الأفريقيَّة في تقريرٍ لها مؤخرًا إنَّ جمال مبارك الذي يُكمل عامه الـ47 في ديسمبر من العام 2010م، يُحسب له بشكلٍ أساسيٍّ تقديمه جيلاً من الِّليبراليِّين الجُدُد إلى الحزب الوطنيِّ والحكومة المصريَّة، وتقديمه لرؤيةٍ إصلاحيَّةٍ لمستقبل مصر، بحسب تقرير المُؤسسة الأمريكيَّة.
وتابع التقرير الذي نشرت وكالة أنباء (أميركا إن أرابيك) مقتطفاتٍ منه: "لهذا فهو يحظى بشعبيةٍ لدى كثيرين، خاصة بين الشَّباب المصري، الذي يراه انحرافًا واضحًا عن الحرس القديم"، وأضاف التقرير في تبريراته لوضع جمال مبارك في زمرة القادة المحتملين في القارة السَّمراء: "إنَّ مصر دولةَ حزب أوحد حاليًا، بسيطرة الحزب الوطني على أغلبيَّةٍ كاسحةٍ من المقاعد في البرلمان، ولذلك فإنَّ وضع جمال يعطيه سلطاتٍ واسعةً لوضع السِّياسات الوطنيَّة".
وأضافت أن السيرة الذاتية لنجل الرئيس المصري ومكانته الصَّاعدة في الحزب الوطنيِّ الحاكم "مؤشراتٌ قويَّةٌ على الحتميَّة المتزايدة" لتوليه رئاسة مصر خلفًا للرَّئيس حسني مُبارك.
وأشار التَّقرير إلى أنَّ وضع جمال مُبارك في هذا الإطار "تعزَّز بقوَّةٍ في واشنطن"؛ حيث زارها في 2003م كرئيسٍ لوفدٍ مصريٍّ رسميٍّ التقى آنذاك نائب الرَّئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الخارجية كولين باول ووزير الدِّفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، ثم زار جمال مبارك البيت الأبيض في زيارةٍ خاصَّةٍ عام 2006م، رغم أنَّه ليس مسئولاً حكوميًّا مُنتخبًا أو مُعيَّنًا،، وهو ما وصفه التَّقرير بأنَّه "تكريمًا نادرًا ما يحظى به رؤساء منتخبون".
ومن أبرز من ضمتهم القائمة الأمريكيَّة إلى جانب نجل الرئيس المصري، الرئيس النيجيري عمر يار أدوا، والرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما، ورئيس الكونجو الديمقراطية جوزيف كابيلا، والرئيس الغاني جون أتاميليس، والرئيس البوتسواني إيان خاما.
ليبيا: توريث بنكهةٍ مصريَّةٍ!!
ذكرت تقارير صحفيَّة أنَّ "القيادات الاجتماعيَّة الشَّعبيَّة" في ليبيا رشحت نجل العقيد القذافي، سيف الإسلام، لكي يصبح المنسق العام لها مع توسيع نطاق صلاحياته، وهو ما يُعادِل منصب رئيس الدَّولة في بعض البلدان، بحيث تركيبة النِّظام الجماهيري الذي خلقه القذافي في ليبيا، و"الظَّريف" في الأمر أنَّ الاجتماعات التي عقدتها "القيادات الاجتماعيَّة الشَّعبيَّة" في جميع أنحاء ليبيا، لاتخاذ هذا القرار بحثت كيفية الوصول إلى صيغةٍ تُمكِّن القذافي الابن من الوصول إلى رأس مُؤسَّسات الدَّولة من دون تقييده بفترةٍ زمنيَّةٍ مُحدَّدةٍ.
وتسير عمليَّة التَّوريث في ليبيا، أو على الأقل تدعيم قوَّة سيف الإسلام في أركان الحكم في الدَّولة، بذات النَّسق الذي يتم في مصر؛ حيث إنَّ سيف الإسلام رئيس مُؤسَّسة القذافي للتَّنمية، بينما في مصر يشغل جمال مبارك منصب رئيس جمعيَّة المستقبل، والقذافي الابن وهو الابن الثاني للعقيد معمر القذافي، بينما جمال مبارك هو- أيضًا- الابن الثَّاني للرَّئيس المصريِّ.
إلا أنَّ سيف الإسلام حصل على شهادته العليا من جامعة ليبية هي جامعة الفاتح، في تخصُّص الهندسة المعماريَّة، خلافًا لمُبارك الابن الذي درس في الجامعة الأمريكيَّة في القاهرة.
أتشأ القذافي الابن مُؤسَّسة القذافي العالميَّة للجمعيَّات الخيريَّة والتَّنمية في العام 1998م، ولكنَّها خرجت من إطارها التَّنموي إلى إطارٍ سياسيٍّ، تدخَّلت بمقتضاه في كثيرٍ من المشكلات الدَّوليَّة، مثل قضية الرهائن الأوربيِّين بالفلبين، وأزمة لوكيربي بين ليبيا والغرب.
ومثل مُبارك الابن، الذي قدَّم لنفسه واجهةً ليبراليَّةً، نشط سيف الإسلام القذافي في مجال حقوق الإنسان، وطرح أطروحاتٍ إصلاحيَّةٍ على المستوى السِّياسيِّ في ليبيا، من خلال جمعيَّة حقوق الإنسان التابعة لمُؤسَّسة القذافي التي يرأسها؛ حيث قامت بحملاتٍ واسعةٍ للإفراج عن المعتقلين السياسيِّين في ليبيا، وكان المعتقلين الإسلاميِّين من الإخوان والجماعة الِّليبيَّة المُقاتلة الأكثر استفادة من مبادراته.
كما أطلقت الجمعية حملة ضد التعذيب في ليبيا والشَّرق الأوسط, وقامت في العام 2006م بزيارة أماكن الاعتقال، وقدمت توصيات بتحسين أوضاع السجون والمساجين في البلاد، وطلبت العلاج للمرضى.
كما يقود القذافي الابن حاليًا جهودًا لإيجاد شكل من أشكال التَّحوُّل السِّياسيِّ في ليبيا، وإخرج ليبيا من العُزلة الدَّوليَّة التي فُرِضَت عليها بعد أزمة لوكيربي وتدخُّلات القذافي في قضايا مثل أزمة أيرلندا الشمالية.
داخليًّا طرح سيف الإسلام القذافي تصوراتٍ بشأن تطوير الاقتصاد الليبي وفتحه أمام حركة الاستثمارات العالميَّة، مع توزيعٍ عادلٍ لعائدات النفط الِّليبيِّ، وتحسين دور الشَّباب.
وعمومًا لا يواجه القذافي الابن ذات الممانعة التي تبديها المُؤسَّسات السِّياديَّة في مصر لتولِّي جمال مُبارك للحكم بعد والده، ولا يوجد في ليبيا قوَّةٌ معارضةٌ تعارض توريثه مثل الإخوان المسلمين في مصر الذين يرفضون مع المعارضة المصريَّة هذا المبدأ.
أقرأ المزيد...
تحليل كتبه: عبد العظيم الأنصاري
رغم ما حدث من حراكٍ سياسيٍّ في مصر منذ نهاية العام 2004م؛ حيث تأسَّست عدَّة حركاتٍ سياسيَّةٍ، على رأسها الحركة المصريَّة من أجل التَّغيِّير (كفاية)، وتحرَّكت القوى السِّياسيَّة على كافَّة أشكالها واتجاهاتها، بالإضافة إلى ما تمَّ من تحالفاتٍ وجبهاتٍ بين قوى المعارضة المختلفة، إلا أنَّ جماعة الإخوان المسلمين بقيت الرَّقْم الصَّعب في المُعادلة السِّياسيَّة المصريَّة.
ولم تحصل الجماعة على هذه الوضعيَّة بسهولةٍ؛ حيث أثبتت الجماعة قدرةً هائلةً على مواجهة أعنف الضربات؛ حيث بقيت حيَّةً على الرَّغم من تعرُّضها مُنذُ تأسيسها إلى الكثير من الضَّربات التي هدَّدت وجودها، بدءًا من اغتيال الإمام حسن البنَّا، إلى حلِّ الجماعة وتوجيه أعنف الضَّربات لها في العام 1954م والعام 1966م، بهدف اجتثاثها.
ومع تغيُّر النُّخبة الحاكمة، تغيَّرت أساليب تعامُل النِّظام مع الجماعة، ما بين شدَّةٍ وتساهُلٍ تبعًا للمُتغيِّرات الدَّاخليَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة، ممَّا كان يُؤثِّر على قوَّة وقُدرة الجماعة كفاعلٍ سياسيٍّ من فترةٍ لأخرى.
كما أثَّر بشكلٍ كبيرٍ على السِّياسة العامَّة للجماعة؛ حيث مثَّلت أحداث العام 1954م ما يشبه العُقدة النَّفسيَّة التي صاحبتها حتى الآن؛ حيث صار الهمُّ الأكبر بعد انفتاح السَّبعينيَّات للإخوان المسلمين، الحفاظ على وجود الجماعة، وتجنُّب الصِّدام الكامل مع النِّظام.
وجاء ذلك عن طريق التَّنظيم المُحْكَم، فمنذ خروج رموز الجماعة من السُّجون في أوائل السَّبعينيَّات ترسَّخَت لدى الإخوان قناعةٌ بأنَّ ملعب السِّياسة كما تُعبِّر عنه التَّجرُبة الحزبيَّة، لا يُناسبهم، خاصَّة وأنَّ الأحزاب الرَّسميَّة لا تتعدَّى مُجرَّد رتوشٍ تُكْمِل صورة النِّظام، وتُظْهِرُه على أنَّه نظامٌ ديمقراطيٌّ يسمح بوجود أحزابٍ مُعارضةٍ، وبدأوا في وضع إستراتيجيَّةٍ ترمي لبناء تنظيمٍ هرميٍّ مٌحكمٍ خارج سيطرة الدَّولة ورقابة أجهزتها ومُؤسَّساتها المختلفة، باعتبار أنَّ هذا التَّنظيم المُحكَم هو الضَّمانة الحقيقيَّة والوحيدة لوجود الجماعة.
وذلك بالإضافة إلى الاستمرار المُمَنْهج للعمل الدَّعويِّ والاجتماعيِّ، والذي أفضى إلى توسيع القاعدة الجماهيريَّة للجماعة بمرور الأعوام، وقوَّى من لُحْمَة هذه القاعدة، وبهذه الطَّريقة لم ينته عقد السَّبعينيَّات، حتى اصبحت الجماعة المُمثِّل الأقوى للتَّيَّار الإسلاميِّ في مصر.
وبالانتقال إلى عهد الرئيس الحالي حسني مبارك، نجد أنَّه قد افتتح عهده بلقاءٍ مع زعماء كل القوى السِّياسيَّة بالقصر الجمهوريِّ، مستثنيًا منها جماعة الاخوان المسلمين، مما كان بمثابة رسالةٍ أكَّدت لها أنَّ الطَّريق القانونيَّة صار حلمًا بعيد المنال.
وفي هذه الفترة تحدَّدت إستراتيجيَّة الجماعة بالقبول بالدُّخول في الُّلعبة السِّياسيَّة دون الالتفات إلى مساحة الشَّرعيَّة القانونيَّة، مع القبول بالتَّنسيق مع الأحزاب الموجودة مثل الوفد والأحرار والعمل.
في المقابل نجح الإخوان في بناء تنظيمٍ حديديٍّ يمكن أنْ يُوكَل له مهام إنجاز المشروع الإسلامي للتَّغيِّير، وتمَّت صياغته على مثال الدَّولة نفسها، حتى في أدقِّ تقسيماته الإداريَّة وتَغَلْغُل التَّنظيم في كلِّ تفاصيل مُؤسَّسات المجتمع والدَّولة المصريَّة، بما في ذلك الشُّرطة، باستثناء الجيش والمُؤسَّسات السِّياديَّة الأخرى كخطٍّ أحمرٍ التزمت به قيادة الجماعة، وفي وعيها المواجهة الدَّامية التي خاضتها مع النِّظام النَّاصريِّ، والتي كان أبرز أسباب دمويَّتها محاولة النِّظام اجتثاث الإخوان من مُؤسَّساتٍ نافذةٍ كانوا قد تغلغلوا فيها قبل ثورة يوليو 1952م، بما كان قد يمكِّن الجماعة من الانقلاب المضاد.
هذا بخلاف الإمبراطوريَّة الاقتصاديَّة التي نجحوا في تكوينها من خلال رؤوس أموالهم التي ظهرت بعد الانفتاح الاقتصاديِّ وسماح الرئيس الرَّاحل أنور السَّادات لهم بممارسة العمل السِّياسيِّ والاقتصادي.
المشهد الآن
وصلت الأوضاع السِّياسيَّة، ومن ثَمَّ الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة إلى حالةٍ من الانحطاط لم تصل إليه في أيٍّ من العصور السَّابقة، وتحوَّلت مصر إلى منظومةٍ فوضويَّةٍ خرجت بها عن مسار التَّاريخ والجغرافيا، ونجح النِّظام في تحويل مُعارضيه إلى "ديكورٍ" تُزيِّن أسوار قصره، وتمَّ فصل الشَّعب المصريِّ عن السِّياسة والحياة العامَّة، ليتفرغ لـ"لقمة العيش"، وترك الاقتصاد والسِّياسة في يد مجموعةٍ قليلةٍ من النُّخبة الحاكمة، والمُنتفعين من حولها.
ورغم ما حدث من حراكٍ سياسيٍّ في المشهد المصريِّ بوجهٍ عامٍ خلال السَّنوات الخمس الماضية من تعديلاتٍ دُستوريَّةٍ وإجراء أوَّلِ انتخاباتٍ رئاسيَّةٍ، ونجاح الإخوان في الانتخابات التَّشريعيَّة، بالإضافة إلى العديد من الحركات والتَّحالفات والجبهات السِّياسيَّة المُعارِضَة، إلا أنَّ هذه الحركات والتَّحرُّكات لم تُمثِّل تغيُّرًا كبيرًا بقدر ما مهَّدت بجانب فشل النِّظام في إدارة الدَّولة، إلى تغيُّرٍ أكبر تمثَّل في المطالب الفئويَّة والاعتصامات والاضرابات التي تحوَّلت إلى ثقافةٍ لم يكن لها وجودٌ في الشَّارع المصريِّ.
عدا ذلك فإنَّ السَّاحة السِّياسيَّة في واقع الأمر، ما هي إلا ساحةً للتَّجاذُب بين النِّظام القائم على جماعات المصالح من رجال الأعمال ورجال السُّلطة والحزب الوطني الحاكم الَّذين لا يعنيهم سوى مصالحهم الشَّخصيَّة، بغضِّ النَّظرِ عن أيِّ شيءٍ آخرٍ، وبين جماعة الإخوان المسلمين التي انتهت إلى بناء تنظيمٍ عملاقٍ، إضافة إلى دوائر الأنصار والمؤيدين والمتعاطفين مع الإخوان.
وبدأ النظام في الإعداد لمشروع التَّوريث، وفي ظلِّ حالة السَّخط السِّياسيِّ والشَّعبيِّ على هذا المشروع، أدار النظام وجهه للإخوان وتتالت الضَّربات وتنوَّعت أشكالها، وأبرز أدوات هذه الضَّربات المُحاكمات العسكريَّة، التي عادت إلى الواجهة بعد حادثة الأزهر أو ما يعرف بالعرض العسكري في جامعة الأزهر.
وأيضًا الاعتقالات التي تصاعدت وتيرتها في صفوف الجماعة بشكلٍ غير مسبوقٍ في عهد مبارك، الذي يبدو أنَّه أدرك خطورة الجماعة على مُخطَّطاته التي ترنو إلى توريث الحكم، وأدرك أنَّ هناك تغيُّرًا ما طرأ على السِّياسة العامَّة للجماعة منذ العام 2005م؛ حيث نزلت الجماعة بمظاهراتٍ حاشدةٍ إلى الشَّارع المصريِّ.
وبعد ما تحقَّق من نجاحٍ في انتخابات مجلس الشَّعب في العام 2005م، بدأت الجماعة في تبنِّي إستراتيجيَّةٍ جديدةٍ تُعبِّر عن مرحلةٍ جديدةٍ هي مرحلة المجتمع المسلم، وذلك بعد انتهاء مرحلة البيت المسلم وقبلها الفرد المسلم من مشروع الجماعة ذو المراحل السَّبعة.
وشملت الاعتقالات قياديِّين بارزين في الجماعة مثل الدكتور عصام العريان والمهندس خيرت الشَّاطر النَّائب الثَّاني للمرشد العام، ثم باعتقال الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد والأمين العام لاتِّحاد الأطباء العرب مع اثنين آخرَيْن من أعضاء مكتب الإرشاد، هما الدُّكتور أسامة نصر، والدًُّكتور محمود حسين، يبدو أنَّ حملات الاعتقال التي يشنُّها النِّظام على الجماعة مدروسةً بعنايةٍ؛ حيث هي موجهةٌ إلى الأعضاء ذَوي الآراء المُعتدلة والأكثر شعبيَّةٍ، وصار اعتقال الإخوان أمرًا نمطيًّا مُعتادًا بالنِّسبة للأجهزة الأمنيَّة التي استهلكتها التَّساؤلات حول انتقال السُّلطة من الرَّئيس مبارك لمن خلفه.
وبالإضافة إلى اتِّهامهم بتعريض الأمن القوميِّ للبلاد للخطر من خلال قضيَّة ما يعرف بـ"التَّنظيم الدَّوليِّ"، واتِّهامهم بوجود علاقاتٍ بينهم وبين ايران وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة وحزب الله في لبنان، تمَّ شنُّ سلسلةٍ من الحملات الإعلاميَّة ضد الجماعة في الصُّحف القوميَّة، خاصَّة فيما عرف بقضية خليَّة حزب الله في مصر.
وتتنوع أهداف هذه الاعتقالات والاتهامات وخلفيَّاتها، فتارةٍ تكون من أجل الانتخابات التَّشريعيَّة المُنتظَر إجراؤها في العام القادم 2010م، وتارةً من أجل الانتخابات المحلِّيَة، وتارةً من أجل تعطيل انتخابات مجلس شورى الجماعة كما يحدث الآن.
لكن في النِّهاية هناك غايةٌ واحدةٌ، وهي إقصاء الجماعة عن سيناريو النِّظام القادم أو إعطائها دور "كومبارس" لا يلبث أنْ يظهر حتى يختفي، وعندما يتكَّلم ويعترض يتم اعتقاله، ثم يُفْرَجُ عنه، وهكذا دواليك.
النِّظام والجماعة.. إلى أين؟
بعد جدلٍ سياسيٍّ واسعٍ شمل جميع قطاعات المجتمع حول مستقبل مصر ما بعد مبارك، أفرزت النتائج أربعة سيناريوهاتٍ تتمثَّل في الآتي:
التَّوريث: حيث ينجح مبارك الأب في نقل سلطاته إلى نجله جمال مبارك، أمين السِّياسات فيب الحزب الحاكم الذي يتدرَّب حاليًا على مهام الرَّئاسة مُبكِّرًا، بل ويمارس بالفعل العديد من صلاحيَّات الرَّئيس.
ولكن في حال تطبيق هذا السِّيناريو فإنَّه من المتوقَّع أنْ تغضب بعض شرائح المجتمع المصري والقوى الفاعلة فيه، ولكن قد يستمر السِّيناريو كما هو مرسومً؛ فصحيحٌ أنَّ الغالبيَّة السَّاحقة من الشَّعب ساخطةً على أوضاعها، وعلى أوضاع البلاد ولا تحب جمال مبارك، لكن هذه الغالبيَّة السَّاحقة تُمارس حياتها بشكلٍ طبيعيٍّ وتُحارب من أجل "لقمة العيش"، والكثير ممَّن يقومون بإضراباتٍ واعتصاماتٍ في واقع الأمر، لا تعنيهم "البلد" في شيءٍ، فكلٌّ يسعى لمصلحته.
لكن هذا لا يعني إنكار تيَّار الرَّفض الذي يحاول كسب المزيد من القوَّة، ويسعى إلى التَّصدِّي لهذا السِّيناريو، ولكن مع افتراض حدوث هذا السِّيناريو، فلابد وأنْ يسعى النِّظام إلى تجنُّب أكبر قدرٍ من الخسائر، ولهذا لنْ يُقْدِمَ على هذه الخطوة قبل عقد صفقاتٍ مع المُعارضة على كافَّة أشكالها وأطيافها، بالإضافة إلى أنَّ هذا السِّيناريو سيلقى ترحيبًا وارتياحًا شديدَيْن في إسرائيل لأنَّه الضَّمان الحقيقيُّ لبقاء مصر بعيدةً عن الصِّراع، والحفاظ على وجود الكيان الصُّهيوني لعدة عقود أخرى.
وبطبيعة الحال، فإنَّ الجميع يعرف أنَّ أمن إسرائيل هو رُمَّانة الميزان بالنسبة لواشنطن، والتي لها اليد الطُّولى في مصر والمنطقة حاليًا.
الجيش: لا تزال المُؤسَّسة العسكريَّة أكثر مُؤسَّسات الدَولة احترامًا، ولكن النِّظام استطاع إبعاد الجيش تمامًا عن أنْ يكون له أيِّ دورٍ سياسيٍّ، أو أنْ يبرز أحد ضباطه كقائدٍ له شعبيَّةٌ، وإذا برز أحدهم يُوليه النِّظام منصب محافظٍ، ويُدير الآن عددٌ كبيرٌ من ضُبَّاط الجَيْش المتقاعدين معظم الإدارات والمصالح الحكوميَّة في كلِّ الوزارات، بالإضافة إلى عددٍ لا بأس به من النَّوادي.
ولا يوجد في الجيش من لديه الاستعداد لتسلُّم الدَّفَّةِ، وهناك حرصٌ وحذرٌ شديدَيْن لتفادي أيِّ اختراقٍ من أيِّ نوعٍ للجيش.
ووفق هذا السيناريو، فإنَّ الجيش غير الرَّاضي عن سيناريو "التَّوريث" وعن تولِّي مدنيٌّ من خارج المُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّة، قد يلجأ للتَّدخُّل والسَّيطرة على زمام الأمور في مرحلة ما بعد مُبارك.
وبديلُ تدخُّل المُؤسَّسة العسكريَّة في مصر هو تولية شخصيَّةٌ ترضى عنها، وأنْ تكون منها، مثل الوزير الِّلواء عمر سليمان مدير جهاز المخابرات العامَّة المصريَّة، وهو بدوره من صُلْبِ المُؤسَّسة العسكريَّة، وقائد لأحد أهم مُؤسَّسات الدَّولة المصريَّة، وهو جهاز المخابرات الأكثر احترامًا في الشَّارع المصريِّ.
الفوضى: وهو أحد البدائل المطروحة بقوةٍ؛ حيث إنَّ البلاد تُعاني منها بالفعل، فلا قيمةَ للقانون أمام الكبار من رجال الأعمال والنَّافذين، بل إنَّهم في الكثير من الأحيان يساهمون في وضع بعض القوانين من أجل مصالحهم الشخصيَّة، كما طَغَتْ الفوضى على أجواء الحياة العامَّة للمصريِّين؛ حيث يواجهها المواطن يوميًّا في أبسط صورها في خلافه مع سائق الميكروباص على القيمة الحقيقيَّة للأجرة.
وفي الوقت الرَّاهن تقع شوارعَ وأحياءَ بأكملها في القاهرة الكبرى والعديد من المدن المصريَّة تحت سيطرة عصابات من الُّلصوص ومتعاطي المخدرات الذين يفرضون "الإتاوات" على الأهالي، بينما تسطو بعض قبائل البدو على أراضي الدَّولة والمواطنين، وتجرَّأ النَّاس على أملاك الدَّولة، وعلى أملاك بعضهم البعض في غيابٍ شبه كاملٍ لسُلطة القانون.
كل ذلك بينما ينشغل السَّاسة في الحكومة والمعارضة كلٌّ بمعاركه الخاصَّة البعيدة عن النَّاس ومصالحها، وإذا استمرَّت الأوضاع كما هي عليه الآن، ومن دون تحديدٍ لمستقبل النِّظام السِّياسيِّ في مصر، فستتحوَّل البلاد إلى ساحة دماءٍ بين الفرقاء السِّياسيِّين يضيع الشَّعب في خِضَمِّها، وسيكون سيناريو الفوضى الدَّامية مُرجَّح الحدوث.
الإخوان: تحول الإفطار السَّنوي الذي تُقيمه جماعة الإخوان المسلمين إلى حفلٍ لتدشين تحالفٍ يستهدف تحقيق الإصلاح والتَّغيير، واتَّفق المشاركون من كافَّة التَّيَّارات على خطورة أوضاع مصر الرَّاهنة والتي تنذر بانفجارٍ وشيكٍ يحتاج إلى تضافر كافَّة الجهود لإنقاذها، مُؤكِّدين أنَّ الأوضاع التي تشهدها البلاد مرشحةً لمزيدٍ من التَّدهور والانسداد السِّياسيِّ.
ولكن ما هي طبيعة الإصلاح والتَّغيير المنشودَيْن؟، وهل يمكن أنْ يُؤدِّي مثل هذا التَّحالُف إلى أيِّ شيءٍ؟، مع النَّظر إلى كمِّ الأطروحات والأفكار المُتباينة التي شهدها الإفطار، ولكن يبدو أنَّه لا يختلف كثيرًا عن تحالفاتٍ سبقته، وماتت.
ولكن ثَمَّةَ شيءٍ أكيدٍ، وهو أنَّ الإخوان هم القوَّة السِّياسيَّة الحقيقيَّة الأولى بين قوى المُعارضة في مصر.. لكن هل يمكن أنْ تُمْسِكَ الجماعة بزمام الأمور، وأنْ تصل إلى السُّلطة وتحكم البلاد بالفعل؟.. هنا يجب الإشارة إلى أمرَيْن:
أولاً: ما هي الآليَّة التي تُمكِّن الجماعة من الوصول إلى السُّلطة؟.. هل تقوم بعصيانٍ مدنيٍّ ومظاهراتٍ حاشدةٍ تُحوِّلُها إلى ثورةٍ شعبيَّةٍ؟، أم أنَّها ستصل إلى الحكم بشكلٍ سلميٍّ، وفي هذه الحالة لابد لها من تصريحٍ أمريكيٍّ لن يمر بدون أختامٍ إسرائيليَّةٍ، وهو المستحيل عينه؛ حيث إن الإقدام على هذه الخُطوة سيُحْدِث انقسامًا غير مسبوقٍ داخل الجماعة، كما أنَّ إسرائيل لن تُمرِّر مثل هذا التَّصريح؛ حيث يكفيها حركة حماس في غزَّة فهي بالَّتأكيد لا تريد حماس أخرى في مصر.
ثانيًا: تعاني الجماعة عقدةَ الحيرة بين أهدافها الإستراتيجيَّة التي يصعب تحقيقها وأهدافها المرحليَّة التي تتطلَّبها مُقتضيات المرحلة الرَّاهنة، وتتمثَّل في التَّعايُش مع النِّظام الفاسد، رغم رفضه، وذلك خشية الصِّدام غير المحسوب العواقب، وهي أزمةٌ تاريخيَّةٌ نفسيَّةٌ يرجع سببها الأوَّل إلى سياسة جمال عبد الناصر تجاه الجماعة منذ العام 1954م.
ولكن بالنَّظر إلى الآمال المعقودة على الجماعة والمسئوليَّة الملقاة عليها تجاه الأُمَّة، فإنَّه يجب عليها تجديد الدِّماء بإستراتيجيَّاتٍ مختلفةٍ وغير تقليديةٍ أو مُتوقَّعةٍ.
يُعرِّف جان مورجانثو القوَّة في العلاقات الدَّولية بأنَّها "علاقةٌ نفسيَّةٌ بين الدِّول"، ولكنَّ الحقيقة أنَّ هذه هي مُحدِّدات العلاقة بين أيِّ فاعلٍ وآخرٍ!!...
......
أقرأ المزيد...
غزَّة- كارم الغرابلي
مراقبون: قيادة فتح غزة تدرك أنَّ رام الله باعتها
المشهد الفتحاوي في قطاع غزة أكثر عزلة واضطراب بعد العدوان الأخير
لم يعُد خافيًا على أحدٍ حالة التَّشرذُم والعُزلة التي تعانيها القواعد الفتحاويَّة في قطاع غزَّة، على الرَّغم من انعقاد المؤتمر السَّادس الذي لطالما انتظره الفتحاويُّون وعقدوا عليه الأمل في استعادة قوَّةِ وهيبة حركتهم التي ما زالت تغرِق في رمالِ أزماتٍ مُتتاليةٍ.
وكما لم يكن متوقَّعًا، فقد بات المشهد الفتحاويِّ في قطاع غزة أكثر اضطِّرابٍ، خاصَّةً بعد الحرب الإسرائيليَّة الأخيرة على قطاع غزَّة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، وانعقاد المؤتمر السَّادس في مدينة بيت لحم قبل أسابيعٍ.
ويشعر الفتحاويُّون منذ الحسم العسكريِّ الذي نفَّذته حركة حماس في قطاع غزة بعدم الرِّضا، وبأزمةٍ نفسيَّةٍ دفعت بعضهم بعد فقدان ثقتهم في قيادة الحركة، للانشقاق وتشكيل مجموعاتٍ وتنظيماتٍ أخرى، انطوى بعضها تحت تنظيماتٍ إسلاميَّة، في حين يسعى البعض لاستعادة أمجاد حركته من خلال تبنِّي سياسة منهج التَّخريب والفوضى؛ حيث أعلنت وزارة الدَّاخلية في حكومة الوحدة الوطنيَّة المُقالة قطاع غزَّة في مرَّاتٍ عدَّة عن اعتقال فتحاويُّون كانوا يحاولون بثَّ الفوضى وتخريب حالة الأمن التي ينعم بها قطاع غزَّة.
ويعتقد فتحاويو غزَّة أن قيادة الحركة في مقر المقاطعة في رام الله، وحكومة رئيس الوزراء المُكلَّف سلام فيَّاض، باعت قطاع غزة بفتحها وكل فصائلها، وتستخدم المال فقط بمجرَّد إثارة الجماهير من حماس.
ويقول المراقبون إنَّ فتح غزة وفتح رام الله تعيشان أزمة ثقة!!؛ حيث تريد الأخيرة من القيادات المتواجدة في غزَّة أنْ تكون ذيلاً لها، ولا تريد فتح رام الله أنْ يخرج من القيادات الغزيَّة قادةٌ ينافسونها في المستقبل.
وقد شكَّل العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، عاملاً كاشفًا لحجم التَّبايُنات الدَّاخليَّة التي ما زالت تهز البيت الفتحاويِّ في غزَّة من جذوره.
وبانت للجميع حالةَ الإرباك الكبير في الأداء السِّياسيِّ للقيادة الفتحاويَّة في غزَّة، في مرحلةٍ بات ملحوظًا فيها تراجُع الفعل والتَّأثير الفتحاويِّ تحت وطأة الخلل الواسع الذي أصاب جسد حركة فتح.
وأظهرت الأحداث الفلسطينيَّة الأخيرة على الملأ أزمات حركة فتح في قطاع غزة الوافدة عليها أولاً، وأزماتها السِّياسيَّة والتَّنظيميَّة ثانيًا، في ظل تراجُع دَوْر مُؤسَّساتها الدَّاخليَّة، وتوالُد حالات التَّفكُّك الدَّاخليِّ مُقابل ظهور أشكالٍ من الاستقطاب القائم على أساس الولاء.
ففي الجانب السِّياسيِّ، ما تزال تخيِّم على حركة فتح أجواء الانتكاسات التي تتالت في سياق عمليَّة التَّسوية المتوقِّفة منذ سنواتٍ، وما تزال تُخيم معها- أيضًا- حالة الارتباك في إدارة دفَّة القرار السِّياسيِّ وتوجيهه، وتزايد معدلات توالد الإشكالات الدَّاخليَّة حول الموضوع السِّياسيِّ، فتمَّ التَّعبير عنها بحدوث "اصطفافاتٍ"، تحوَّلت إلى "تيَّاراتٍ" متصارعةٍ داخل فتح.
وأصبحت هذه التَّيَّارات قاب قوسَيْن من حالة التَّيَّارات المحتكمة إلى السِّلاح في فتراتٍ مُعيَّنةٍ، فضلاً عن غياب البرنامج الملموس للخروج بالوضع الفلسطينيِّ من حالة الأزمات السِّياسيَّة باتِّجاه برنامجٍ ائتلافيٍّ توحيديٍّ في إطار مُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة، وكافة تلاوين الخريطة السِّياسيَّة الفلسطينيَّة، فبقِيَ الدَّور الفتحاويِّ بعيدًا عن الجدِّيَّة في الحوارات الفلسطينيَّة الدَّاخليَّة التي راوحت مكانها، ولم ترتقِ إلى مستوى التَّحدِّيات التي تُواجه الفلسطينيِّين عمومًا.
أمَّا في الجانب التَّنظيميِّ، فيمكن القول إنَّ الأوضاع الفتحاويَّة الدَّاخليَّة تعاني مجموعةٍ من الأزمات المُستعصية بعد سلسلةٍ من التَّراجُع طرأت على الجسم التَّنظيميِّ للحركة منذ قيام السُّلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة، وبعد تنامي أشكال الفوضى الدَّاخليَّة.
ويرى العديد من المراقبين أنَّ حركة فتح غزَّة، تعيش حالة تشرذُمٍ ما زالت تُلقي بظلِّها الكبير على العلاقات الدَّاخليَّة في فتح، هذه الحالة تعود أيضًا لعدم وجود قيادةٍ تاريخيَّةٍ يُمكن أنْ يلتفَّ حولها أبناء الحركة.
وفي هذا يقول الكاتب والمُحلِّل السياسي جمال حمد لـ(اتِّجاهات):" في جميع الأحوال حركة فتح تعيش أزمةً مُعمَّقةً، إضافةً إلى أنَّ الكثير من أجندات فتح تقلَّصت أو تأجذَلت لبعض الوقت".
وأضاف حمد الخبير في شئون حركة فتح: "حركة فتح في غزَّة تُدرِك جيِّدًا أنَّ حكومة رام الله باعت قطاع غزَّة بفتحها وحماسها وكل فصائلها، وهي تستخدم المال فقط لمجرَّد إثارة الجماهير من حماس"، وتابع: "فتح في غزَّة تُدْرِك أنَّ رام الله باعتها بثمنٍ بخسٍ بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى".
وأوضح بالقول: "فتح غزَّة وفتح رام الله تعيشان أزمة ثقةٍ؛ حيث تريد الأخيرة من القيادات المُتواجدة في غزَّة أنْ تكون ذيلاً لها.. لا تريد رام الله أنْ يخرُج من القيادات الغزِّيَّة قادةٌ ينافسونها في المستقبل".
وأردف: "فتح غزَّة يبدو أنَّها رَضِيَت إلى حدٍّ ما بهذا الدَّور، ربما تكون الاستقالات الأخيرة في بعض قيادات فتح غزَّة مؤشرٌ على نوعٍ من التَّمرُّد على قرارات حكومة رام الله، لكن لا أعتقد أنَّهم سيستطيعون فرض مواقفهم وإرادتهم؛ لأنَّ رام الله تملك المال، ومن يملك المال عادةً يملك القرار".
ووصف الكاتب الفلسطينيِّ قيادة فتح في غزَّة بالضعيفة، وأكَّد أنَّها غير قادرةٍ على اتِّخاذ قراراتٍ أو حتى القيام بالحشد الجماهيري سواءً من فتح أو من الشَّعب حولها، ممَّا شلَّ قدرتها على ترتيب أوراقها مع حركة حماس...
......
أقرأ المزيد...
مقديشو- خاص بـ(اتِّجاهات)
الصُّوفيَّة أو التَّصوُّف ليست دينًا أو مذهبًا وإنما هي منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله عز وجل، كما يعرّفها الصُّوفيَّة أنفسهم، أما معارضيها فيعتبرونها ممارسة تعبديَّة لم تذكر لا في القرآن ولا في السُّنَّة، ولا يصح أي سندٍ لإثباتها، وعليه فهي تدخل في نطاق البدعة المحرمة، التي نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وتختلف الآراء في أصل تسميَّة الصُّوفيَّة، حيث يعيدها البعض إلى اسم "أهل الصفة"، لكن الرأي الأرجح يعيد التسميَّة ببساطة إلى الصوف الذي كان الزهاد يلبسونه تقشفًا وزهدًا في الحياة.
وعبر تاريخها لعبت الطُّرُق الصُّوفيَّة دورًا كبيرًا في ترسيخ العقيدة الإسلاميَّة وانتشارها رأسيًّا وأفقيًّا في القارة الإفريقيَّة، ومن أبرز الطُّرُق الصُّوفيَّة التي دخلت شرق أفريقيا ولعبت دورًا كبيرًا في حياة أهلها، هي الطُّرُق القادريَّة والإدريسيَّة.
وحاليًا يعمل في الصُّومال مجلس يسمى بالمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة (الطُّرُق الصُّوفيَّة)، ويرأسه الشيخ شريف شيخ محيي الدين القادري، ونائبه الأول هو الشيخ عبد الرحمن مبارك، والناطق الرسمي لهذا المجلس هو الشيخ عبد القادر شيخ محمد الملقب بـ"صومو".
وللمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة (الطُّرُق الصُّوفيَّة) مجلس تنفيذي مكون من 13 عضوًا من أقطاب الطُّرُق الصُّوفيَّة المختلفة في الصُّومال وله أيضا سبعة من لجان العمل.
وتلعب الطُّرُق الصُّوفيَّة في الوقت الراهن دورًا كبيرًا على مختلف المستويات في الصُّومال، سواءً سياسيًّا أو على المستوى الاجتماعي والثقافي- التعليمي، وتشارك مع مثيلاتها من جمعيات العمل العام والخدمات الاجتماعيَّة مثل جمعيَّة الإصلاح (الإخوان المسلمون في الصُّومال)، في مساعي إطفاء نيران الفتنة المشتعلة حاليًا بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد في هذا البلد الذي مزقته الحرب على مدار ما يقرب من عقدَيْن من الزمان.
وفي هذا التحقيق، الذي يعتبر باكورة سلسلة من التحقيقات من أرض الواقع، ويحاول الموقع عن طريقها رسم خريطة عمل المجموعات الدينيَّة والاجتماعيَّة المختلفة في الصُّومال، لعلاج مشكلاته، والمساهمة في تنميته اجتماعيًّا، نحاول عرض ملامح من الأدوار التي تلعبها الطُّرُق الصُّوفيَّة في الصُّومال في مختلف المستويات، فيما سوف يكون موعدنا في التحقيق القادم مع حركة الإصلاح.
التعليم ومحو الأميَّة
يعتبر علماء الصُّوفيَّة في الصُّومال أقدم من قام بتعليم وتثقيف العنصر الصُّومالي؛ حيث قاموا بذلك في حين كانت الأمة الصُّوماليَّة بلا حكومة توحد البلاد وتنظم الأمور بالمعنى المعاصر، وهم الذين قاموا بمهمة التعليم والتّثقيف من محو الأميَّة إلى أن يصبح الإنسان فقيهًا.
وقامت الطُّرُق الصُّوفيَّة في هذا الإطار مقام وزارة التعليم والإرشاد، ومقام وزارة التعليم العالي والبحوث، وفعلاً بذلت الطُّرُق الصُّوفيَّة جهودًا جبارةً حسب طاقتها، ووفرت مصادر التعليم للراغبين في التعلُّم من منبعٍ إسلاميٍّ نقيٍّ.
وانقسمت هذه الطُّرُق إلى فروع رئيسيَّة لسد حاجات الطلاب، حتى من قبل الذهاب إلى المدارس النظاميَّة، وذلك بعد إنشائها في البلاد منذ حوالي أربعة عقودٍ.
وكانت المدارس التابعة للطرق الصُّوفيَّة في الصُّومال تقوم بإعداد العلماء والفقهاء، ويعتمدون في ذلك على وسائل كثيرة ومتعددة، من أهمها:
1. الكتاتيب (أو الخلاوي):
(أو الدكس) باللغة الصُّوماليَّة بلهجة سكان جنوب البلاد أو (المَعْلَمَة) بلهجة سكان الشمال.
ويقول الشيخ عبد القادر شيخ محمد صومو الناطق الرسمي للمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة لـ(اتِّجاهات): "هناك مثل صومالي يقول: على كل من أحب أن يكون من حفظة كتاب الله، فليذهب إلى إحدى المدارس الثلاثة: "بال ويني"، بقيادة عائلة المُعلِّم أحمد سياد، الذي تخرج على يديه أكثر من ألف مُعلِّمٍ، وتوفي معلم أحمد سياد عن عمر يناهز 105 سنين، والثانيَّة "بار مالي" بقيادة عائلة المُعلِّم أحمد هلولي، والثالثة مدرسة "بيمال" على يد المُعلِّم أيوب معلم فارح".
ويضيف صومو: "هذه المدارس الثلاث تعتبر من أهم المدارس التي تخرج منها كثير من الحفظة لكتاب الله، ويعتبر الدكس أهم من المدرسة بالنسبة للأطفال صغيري السم، والدكس هو المكان المخصص لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال".
ويعتبر "الدكس" مدخل التعليم لدى الصُّوماليين، وله أهميته البالغة لدى المجتمع ويعتبر "الدكس" بمثابة الحضانة والمرحلة الابتدائيَّة، وهذه الأهميَّة تأتي من جهد علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة؛ حيث إنهم كانوا يعتمدون في أداء رسالتهم الدعويَّة والتربويَّة في إنشاء الكتاتيب أو "الدكس"، ثم على الحلقات العلميَّة في المساجد.
وكان العلماء ينشئون في جميع القرى والمدن "دكس" أو أكثر حسب الحاجة، وعندما يبلغ الطفل السادسة أو السابعة من عمره، لا بد وأن يلتحق بها؛ حيث يتعلم فيها الكتابة والقراءة بالحرف العربي وبحفظ القرآن الكريم خلال أربع سنوات، وبعد حفظه للقرآن الكريم يلتحق الطالب بالحلقات العلميَّة في المساجد على يد عالم من علماء الصُّوفيَّة.
2. الحلقات في المساجد:
من المعروف أن المساجد عمومًا أماكن خاصة للعبادة وإقامة الصلوات وقراءة القرآن الكريم والاعتكاف، ولكنها في الصُّومال، وفي بعض البلدان العربيَّة والإسلاميَّة الأخرى، لا تزال تقوم بأدوارها الأخرى، من بينها أنها تقوم مقام المدارس والجامعات والمعاهد العلميَّة.
وفي حلقات المساجد يتعلم الصُّوماليون علوم الشريعة واللغة العربيَّة، ومختلف فروع العلوم والفنون الأخرى، والمساجد في الصُّومال لا زالت من الأماكن المخصصة لدراسة هذه العلوم، وفي المدن والقرى على حدٍ سواءٍ، وفي كل مكان يوجد فيه مسجد، تجري الدراسة وتقام فيها حلقاتها المختلفة، كما أنها مأوى للطلاب ومسكنًا لهم في بعض الأحيان؛ حيث تكتظ المساجد في بعض الأوقات بطلبة العلم، والذين لا يجدون لأنفسهم مسكنًا ولا مأوى في المدينة التي يأتي إليها الطالب للعلم تحت أيدي الفقهاء الموجودين في المدينة أو تلك.
ويدعى هذا الطالب عند الصُّوماليين (حرو) أي (المغترب لطلب العلم)، ويغيب هذا الطالب من أهله وبلدته أو قريته إلى أن يتفقه في الدين.
وبالرغم من أن هناك تأثير للنظام التعليمي الحديث على الأنشطة التعليميَّة التي تقوم بها الحركات الصُّوفيَّة، إلا أن لديهم القناعة بأن طريقتهم هذه أهم من أي شيء، ولابد لطالب العلم أن يبدأ برحلته الدراسيَّة بالدكس ثم بالحلقات، حتى ينال ما يكفيه من العلم الشرع والتربيَّة الدينيَّة، ثم يذهب إلى المدارس النظاميَّة.
وهناك شكلٌ من أشكال الحذر في تعامل أهل الطُّرُق الصُّوفيَّة مع المدارس النظاميَّة، ويرجع تاريخ هذا الحذر إلى أيام الاستعمار، الذي كان يلبس الخيانة بثوب التعليم، وكان العلماء قد خاضوا المعارك ضده لإنقاذ الأمة الصُّوماليَّة من كيد المستعمر، الذي يفتح مدارس التنصير في أنحاء البلاد حينها.
انتماءٌ متأصِّلٌ
وإذا ألقينا نظرة عامة في هذا النوع من التعليم من حيث تأثيره في أفراد المجتمع الصُّومالي ككل، وإقبال الناس على هذه الطريقة من التعليم، والنظرة الخاصة التي كان ولا يزال ينظرون بها أفراد الأمة الصُّوماليَّة إلى رجال العلم وخاصة علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة وبمدارسها/ نجد أن هناك عدد من العوامل كان لها في مجموعها تأثير إيجابي ملحوظ في هذا الشأن.
ومن أهم تلك العوامل:
- رسوخ الدين الإسلامي رسوخًا عميقًا في نفوس أفراد الشعب عمومًا، وقوة العاطفة الدينيَّة في قلوبهم ووجدانهم وسلطان روح العقيدة الإسلاميَّة وسيطرتها المطلقة على كيانهم، الأمر الذي أدى إلى التعاون مع كل من يعمل ويسعى لترسيخ العقيدة الإسلاميَّة.
- المركز الاجتماعي الممتاز الذي كان ولا يزال يتمتع به علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، وتلك الهالة من التقدير والاحترام، الأمر الذي يعتبر في حد ذاته وسيلة من وسائل الإغراء والتشجيع لهذه الطريقة التقليديَّة من التعليم.
- خلو الجو لهذا النوع من التعليم في فترة من الفترات في القطر الصُّومالي، وعدم وجود أي منافس له في البيئة في حينها.
- الثقة التي أولاها الزعماء والمسئولون الصُّوماليون سواء أكانوا رسميين أو غير رسميين تجاه علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة.
وعلى الرغم من أن المراكز والمدارس التعليميَّة الصُّوفيَّة موجودة في جميع أرجاء الصُّومال، وفي جميع المدن والقرى، إلا أنه مع ذلك كان هناك مراكز علميَّة رئيسيَّة اشتهرت بنشر العلم والثقافة الإسلاميَّة في ربوع البلاد، وكانت بمثابة مناهل أساسيَّة للعلم والمعرفة يؤمها طلاب العلم وراء المعرفة من أقصى البلاد، ويشدّون إليها الرحال.
ومن أهم تلك المراكز والمدارس، المركز الواقع في الطرف الغربي من البلاد، وكان يغطي مدينة هرر والأقاليم التابعة لها، ويمثل هذا المركز المنبع الرئيسي للثقافة والمعرفة في الأقاليم الغربيَّة والشماليَّة من البلاد، حتى جاء الاستعمار وأصبحت مدينة هرر فريسة للغزو الإثيوبي.
أما المركز الثاني فيقع في الطرف الجنوبي من البلاد، ومركزه مدينة مقديشو العاصمة والأقاليم التابعة لها.
ومن العلماء الذين كان لهم الدور الكبير في التدريس ولديهم المدارس الكبيرة الغير النظاميَّة (الحلقات في المساجد)، المدرسة التابعة للشيخ العلامة الشيخ صوفي في مقديشو، ومدرسة الشيخ عبد الرحمن علي في ورشيخ بمحافظة شبيلي الوسطى، ومدرسة الشيخ علي مي في ماركا بمحافظة شبيلي السفلى، ومدرسة الشيخ حسين عدي في مقديشو.
وفي الفترة الأخيرة توجهت الطُّرُق الصُّوفيَّة إلى افتتاح المدارس النظاميَّة، وأنشأت في مقديشو وبيداوة مجمع مدارس المأمون التابعة للأزهر الشريف، على أيدي ثلاثة من علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، يترأسهم الشيخ الفقيه العلامة الشيخ محمود عبد الباري، عضو المجلس التنفيذي لمجلس الأعلى لعلماء الصُّوفيَّة (أهل السنة والجماعة)، بالإضافة إلى كلٍّ من الشيخ محمود معلم حسن، والشيخ عثمان مري.
أدوار سياسيَّة
ولا يقتصر جهد للطرق الصُّوفيَّة في الصُّومال على مجال التربيَّة والتثقيف الإسلامي الطابع، بل يمتد دورها إلى الساحة السياسيَّة.
ويقول الناطق الرسمي باسم المجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة الشيخ صومو: "للطرق الصُّوفيَّة دور كبير في الساحة السياسيَّة الصُّوماليَّة؛ حيث إنهم كانوا أول من أنشأ نظام المحاكم الإسلاميَّة في الصُّومال بعد انهيار الحكومة المركزيَّة الصُّوماليَّة، وكان ذلك في العام 1994م".
وواصل صومو قائلاً: "ولم تكن المحاكم الإسلاميَّة بمفهومها القضائي فقط، وإنما تم إنشائها كهيئاتٍ عموميَّة تملأ الفراغ الذي حصل بعد انهيار النظام المركزي للدولة الصُّوماليَّة عام 1991م.
وأضاف صومو لمراسلنا: "وقد تم ذلك عندما اجتمع عدد من زعماء العشائر بدعوة من الإمام محمود إمامعمر إمام عشائر الهراب مع عددٍ من علماء الصُّوفيَّة والقيادات السياسيَّة في البلاد بقيادة الرئيس الصُّومالي آنذاك على مهدي محمد، واتفقوا جميعًا على إنشاء المحاكم الإسلاميَّة، وذلك في يوم 19 مايو 1994م".
وقد وقع هذا الاتفاق كل من: علي مهدي محمد من القيادة السياسيَّة للبلاد، وكل من القيادات الشعبيَّة التاليَّة: الحاج محمود جلعوا عدو، والحاج محمد حاج عجي، ومعلم فنح.
وقال صومو: "تم في هذا المجلس تعيين الهيئة العليا للمحاكم الإسلاميَّة من شخصيات عامة من علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، منهم الشيخ حسن عدي والشيخ عثمان حدغ، وكلهم من أقطاب علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، وعينت هذه الهيئة الشيخ علي شيخ محمود الملقب بالشيخ علي طيري رئيسًا للمحاكم الإسلاميَّة"، وأضاف: "بدأت المحاكم الإسلاميَّة في فتح أول محكمة لها في شمال مقديشو، ثم تتابعت حتى أجتمعت تحتها 12 محكمة فرعيَّة، وقد بلغت سلطة هذه المحاكم جميع المحافظات الجنوبيَّة من الصُّومال.
ويقول الشيخ عبد القادر صومو: "نحن علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة موجودون، والجميع يقر بدورنا الكبير في خدمة الدعوة داخل الشعب المجتمع الصُّومالي، ولهم شعبيتهم ووزنهم السياسي والقيادي، وهم الآن في حرب ضد حركة الشباب المجاهدين والتي تفسد الحرث والنسل وتحاول القضاء على الطُّرُق الصُّوفيَّة" على حد تعبيره.
......
أقرأ المزيد...