مُستقبل أزمة الأمن الغذائي العالمي في ضوء مؤتمر "الفاو"...

    يؤكِّد الخبراء تفاقُم أزمة الأمن الغذائيِّ العالميِّ مع توقُّعاتٍ بوصول سُكَّان العالم لـ9.2 مليار نسمة في 2050
-    الدِّول الغربيَّة ترغب في إبقاء العالم الثَّالث والدول المُتخلِّفة دائمًا بحاجةٍ إليها وإلى معوناتها الغذائيَّة والماليَّة
-    مع تضاعُف أسعار النِّفط وظهور الوقود الحيويِّ ازداد توجُّه الغرب إلى الفوائض الزِّراعيَّة لاستخدامها كوقودٍ

كتب: عبد العظيم الأنصاري
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يعلن صومه عن الطعام لمدة 24 ساعة تضامنًا مع مليار جائع حول العالم، داعيًا سكان العالم إلى أنْ يحذو حذوه.. هذا الخبر الذي أعلنه جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ليدلنا على واقع الحال الذي وصلت إليه الإنسانيَّة في الوقت الراهن بفعل الرَّأسماليَّة المتوحِّشة في عصرنا هذا!!
فبفعل الإمبرياليَّة العالميَّة الجديدة، وتحت شعارات حقوق الإنسان التي تقوم الحروب تحت لوائها، وتُنْفَقُ مليارات الدولارات عليها، يرزح ما يزيد عن المليار إنسان عبر العالم تحت نير الجوع، أي ما يقرب من 15% من سكان العالم.
وفاقم من حجم المأساة التي تعيشها الإنسانيَّة في هذا الاتجاه، الأزمة الماليَّة العالميَّة؛ حيث زحف الجوع على سُكَّان العالم الثَّالث، مع النَّقص الحاد الذي شاب الاستثمارات الأجنبيَّة المُباشِرة وغير المُباشِرة، وتراجع مستويات إمدادات الإغاثة والمنح والمعونات بمقدار النِّصف إلى الثُّلَثَيْن تقريبًا.
ومع عودة أسعار الأغذية عالميًّا إلى الارتفاع، يؤكِّد الخبراء تفاقُم أزمة الأمن الغذائيِّ العالميِّ، خاصَّة مع توقُّعاتٍ بأنْ يصل عدد سُكَّان العالم إلى 9.2 مليار نسمة بحلول العام 2050م.
في ضوء ما سبق تولَّت منظمة الأغذية والزِّراعة العالميَّة (الفاو) تنظيم مجموعةٍ من الفعاليَّات، ومن بينها مؤتمر القمَّة العالميِّ حول الأمن الغذائيِّ، والمقرَّر في العاصمة الإيطاليَّة روما، في الفترة من 16 إلى 18 نوفمبر الجاري، وهذا طبقًا لاقتراح جاك ضيوف المدير العام للمنظمة، لاعتماد تدابيرٍ رئيسيَّةٍ لمعالجة هذه الأزمة التي تهدد حياة مئات الملايين من البشر، بانتزاع المزيد من حقوقهم كبشرٍ وعلى رأس هذه الحقوق "الحقُّ في الحياة".
ودعت منظمة الأغذية والزراعة إلى القمة على أمل الحصول على تعهُّدٍ صريحٍ من قادة العالم بإنفاق 44 مليار دولار سنويًّا لمساعدة الدول الفقيرة على تحقيق الاكتفاء الذَّاتي من الغذاء.
يقول ضيوف: "أزمة الجوع الصَّامتة تلك، والتي تشمل اليوم سُدُسَ البشريَّة جمعاء، إنَّما تطرح خطرًا جدِّيًّا على السَّلام والأمن في العالم، لذا فمن المُتعيَّن تكوين إجماعٍ شاملٍ بشأن العمل الحثيث والسَّريع لاجتثاث الجوع من على وجه الأرض".
ولكن هذه الرُّؤية الطموحة تتطلَّب العديد من السِّياسات، والتي من الصَّعب تحقيق إجماعٍ عالميٍّ عليها، ومن بينها:
1.    ضمان إنتاجٍ غذائيٍّ كافٍ لإطعام سُكَّان العالم.
2.    اكتشاف الوسائل الكفيلة بأنْ يتمتَّع البشر كافَّة بفرصِ الحصول على ما يحتاجونه من غذاءٍ كي يعيشوا حياةٍ موفُورة النَّشاط والصِّحَّة.
3.    إرساء نظامٍ مُتماسكٍ وفعَّال لحوكمة الأمن الغذائي على الأصعدةِ القُطْرِيَّة والدَّوليَّة على حدٍ سواءٍ، وضمان تمتُّع البلدان النَّامية بفرصٍ عادلةٍ للمُنافسة في أسواق السِّلع العالميَّة والحيلولة دون أنْ تُسْفِر سياسات الدَّعم الزِّراعيِّ عن تشويه التِّجارة الدَّوليَّة بشكلٍ جائرٍ، وحشدها في مصلحة الأغنياء فحسب.
4.    إيجاد السُّبل الكفيلة بأنْ يحصل المُزارعون في البلدان المُتقدِّمَة والنَّامية على حدٍ سواءٍ على دخولٍ تُضاهي ما يحصل عليه مواطنوهم العاملون في قطاعَيْ الصِّناعة والخدمات.
5.    تعبئة استثماراتٍ إضافيَّةٍ ضخمةٍ من القطاعَيْن العام والخاص في ميادين الزِّراعة والبُنَى الأساسيَّة الرِّيفيَّة، وضمان حصول المُزارعين على المُدْخلات الحديثة للنُّهوض بالإنتاج والقُدرة الإنتاجيَّة في ميدان الأغذية في العالم النَّامي، ولاسيما في بلدان العجز الغذائيِّ ذات الدَّخل المُنخفض، والتي تعاني من حالات طوارئٍ غذائيَّةن وهي أكثر من 30 بلدًا حول العالم.
6.    ضمان أنْ تكون بلدان العالم المُتقدِّم مُستعدةٌ للتَّكيُّف مع تغيُّر المُناخ، والتَّخفيف من آثارِه السَّلبيَّة، وهو ما تعترض عليه العديد من الدِّول المُتقدِّمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ومع ما يُنْشَرُ يوميًّا عن مخاطر التَّغيُّر المُناخي والاحتباس الحراريِّ على الحياة على الكوكب بوجهٍ عامٍ، تعكس سياسات واشنطن تجاه هذه المسألة إحدى الجوانب الغير عقلانيَّة في حضارة الغرب الرَّاسماليَّة.
وهي كُلَّها بطبيعة الحال أمورٌ من الصَّعب تحقيقها، مع دخول العديد من الأُطُر الخاصَّة بها في مجالات حركة السِّياسة العالميَّة، واعتبارات الأمن القومي لدى العديد من البلدان المُتقدِّمة، التي تُشكِّل فيما بينها ما اصطُلِحَ على تسميته بمجلس إدارة العالم.
وظلِّ العديد من المُؤشِّرات القائمة حاليًا يصعُب تصوُّر الاتحاد الأوروبيِّ أو الولايات المتحدة يُقْدِم على ذلك، بينما من الأساس يدخل الطرفَيْن معارك عديدة في إطار مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة بشأن سياسات الدَّعم الزِّراعي التي تتبنَّاها الولايات المُتَّحدة أو التَّفضيلات التي تمنحها الحكومات الأوروبيَّة لشركاتها العاملة في مجالات صناعة السَّيَّارات والحديد والصُّلْب.
ولا ينسى العالم أيضًا صور العولمة الرأسماليَّة المُتوحِّشَة الآخذة في فرض نفسها على مختلف أرجاء العالم، والتي وصلت في وحشيَّتِها إلى درجة أنْ أراق مزارعو فرنسا ملايين الليترات من الَّلبن الحليب فوق الطِّين والتُّراب بسبب تراجُع الأسعار، بينما مليار شخصٍ يعانون الجوع والفاقة.
بجانب رغبة الدِّول الغربيَّة في إبقاء العالم الثَّالث والدول المُتخلِّفة دائمًا بحاجةٍ إليها، وإلى معوناتها الغذائيَّة والماليَّة.
الأزمة العالميَّة وتأثيراتها
في تقريرٍ سابقٍ لمنظمة "الفاو"، أكَّدت المُنظَّمة أنَّ ما أصاب أسواق المال العالميَّة من انهيارٍ يزيد من حدَّة أزمة الأمن الغذائيِّ في حوالي 36 بلدًا في آسيا وآفريقيا وأمريكا الَّلاتينيَّة، وبينما يُكثِّف العالم من جهودِه لإيجاد حلٍّ لأزمة المال، وإنقاذ البنوك الاستثماريَّة وأغنياء رجال المال والأعمال، تفاقمت أزمة الغذاء العالميِّ مُتأثِّرةً بالكارثة الاقتصاديَّة، وأصبح المُزارعون في العالم يُواجهون تحدِّياتٍ قاتمةً وطويلةَ الأمد في ظل هذه الأزمة، بينما عليهم مُهمَّةٌ رئيسيَّةٌ في زيادة الإنتاج الغذائي العالمي.
كانت الدِّول المُتقدِّمة قد تعهَّدت بتقديم تبرُّعٍ قيمته 20 مليار دولار أمريكيٍّ لـ"الفاو" خلال قمَّة الغذاء في روما في العام الماضي، لمساعدة البلدان الأشدَّ تَضرُّرًا من نقص الغذاء، ولكن لم يتم صرف سوى أقل من 200 مليون دولار فقط.
وتُعتبر الدِّول التي لم تلتزم بتعهُّداتها هي العامل الأوَّل فيما حلَّ بفقراء العالم، باعتبارها أولاً أنَّها السَّبب الرَّئيسيُّ في الأزمة الماليَّة، وثانيًا لأنَّ هذه الدِّول، والمُتمثِّلة تحديدًا في دول الاتِّحاد الأوروبيِّ والولايات المتحدة، ظلَّت لعقودٍ طويلةٍ تدعم إنتاجها الزِّراعيِّ، عن طريق دفع علاواتٍ وتعويضاتٍ مباشرةٍ للمزارعين، وقُدِّرَتْ بعدَّة مليارات من الدولارات واليورو سنويًّا.
وأدَّى هذا الدَّعم إلى خلق فوائضٍ زراعيَّةٍ غربيَّةٍ ضخمةٍ يتم تصدير قسمٍ منها إلى البلدان النَّامية بأسعار أقلِّ من تكاليف إنتاجها الفعليَّة، وذلك ليس بهدف العمل الخيِّر بالطَّبع، وإنَّما تعلم هذه الدِّول إنَّها تدفع ثمن تبعيَّة البلدان الفقيرة لها اقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو ما يُحقِّقُ لها أرباحًا مُضاعفةً طبقًا لثقافة رأس المال، والتي لا تعرف الرَّحمة.
وأدَّتْ هذه السِّياسة إلى مُنافسة هذه المُنتجات الغربيَّة للإنتاج الزِّراعيِّ في البلدان النَّامية التَّابعة بشكلٍ أدَّى إلى تقليصه، وإلى المزيد من اعتماديَّتِها على الاستيراد من أوروبا والولايات المتحدة.
وفي قطاعٍ آخرٍ مهمٍّ، وهو قطاع المواد الخام الوقود الأحفوري على رأسها، فمع تضاعُف أسعار النِّفط في بضعة سنواتٍ، وظهور الوقود الحيويِّ ازداد توجُّه الدِّول الغربيَّة والمُتقدِّمة عمومًا إلى الفوائض الزِّراعيَّة لاستخدامها كوقودٍ بدلاً من تصديرها إلى الدِّول التي تُعاني من النَّقص الحاد في إنتاج الأغذية، وأدَّى هذا التَّوجُّه إلى حدوث نقصٍ كبيرٍ في عَرْضِ الأغذية، في مقابل زيادةٍ كبيرةٍ في الطَّلب.
وهذا ما قاد بدوره إلى ارتفاع الأسعار بشكلٍ جنونيٍّ دفع إلى حدوث مُظاهراتٍ وصداماتٍ دمويَّةٍ في أكثر من دولةٍ، كان من بينها مصر، وإنْ كانت الصُّورة في البلاد مُخفَّفةٌ قليلاً عما يجري في العالم.
...؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
إنَّ ما صاحب الأزمة الماليَّة من تغطيةٍ إعلاميَّةٍ مُكثَّفةٍ واهتمامٍ بالغٍ على كافَّة الأصعدة، غطَّى على أزمة الأمن الغذائيِّ، والحقيقة الباقية تقول إنَّ هُناك ما يزيد عن المليار إنسانٍ يُعانون الجوع، بينما تتبخَّر تريليونات الدولارات من أيدي سبعة مليارات إنسانٍ لتنتهي في جيوب عددٍ مُتضائلٍ من الرَّأسماليِّين الجشعين عبر العالم.
وفي الإطار أدَّى ما سبق إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائيَّة الأساسيَّة مثل الزُّيوت والأرز والقمح؛ حيث أخذت تتنافس عليها الناس والحيوانات والسَّيَّارات على حدٍ سواءٍ!!
وتنقسم دول العالم في هذا الصَّدد إلى:
-    دولٌ مُتضرِّرَةٌ ولديها ما تبيعه.
-    دولٌ مُتضرِّرَةٌ ولديها قوَّةٌ شرائيَّةٌ.
-    دولٌ أكثر تضرُّرًا، وهي الدِّول التي لا تملك ما تبيعه، ولا تملك قوةً شرائيَّةً، وهي دول مُحيط النِّظام الرَّأسماليِّ.
وعند هذه الفئة الأخيرة من الدِّول تقع المُشكلة الرَّئيسيَّة؛ حيث ترتفع الأسعار، ولا تملُك هذه الدِّول ما تُغطِّي به الحاجات الأساسيَّة لشعوبها كما أنَّ الدِّول الغنيَّة الغارقة في الأزمة الماليَّة ليس بوسعها اليوم تقديم تبرُّعاتٍ للدِّول الفقيرة، وتتَّضِح المُفارقة حينما نعلم أنَّه لا أحد من البنوك يُقرِض الآخر، وإنْ حصل فليومٍ واحدٍ، بعدما كان يتم هذا على مدي شهريٍّ في بعض الأحوال.
ولا يعلم أصحاب رؤوس الأموال أين يضعون أموالهم، بالإضافة إلى أنَّ الدِّول الغنيَّة تستجدي الصِّين ودول مجلس التَّعاوُن الخليجيِّ لمساعدتها نقديًّا لتحريك أسواقها، وهذا يعني أنَّ أرصدة أغنياء الدِّول الفقيرة في الغرب تُعاني من فقدان الكثير من قيمتها بهبوط أسهم الشَّركات الغربيَّة.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّه لا يمكن لهؤلاء الأغنياء استرجاع أموالهم في هذه الفترة؛ لأنَّ الغرب نفسه بحاجةٍ لهذه الأموال، ممَّا يوُضِّح معالم سياسة "قرصنة" تحت شعارات الرَّأسماليَّة والاقتصاد الحر والدِّيمُقراطيَّة.
ارتفاع أسعار.. ومجاعات!!
في نشرتها الفصليَّة، وتحت عنوان "توقعات المحاصيل وحالة الأغذية"، وقبل انعقاد قمتها في روما، حذَّرت مُنظَّمة "الفاو" من أنَّ أسعار مواد الغذاء لدى البلدان الفقيرة التي تعتمد كُلِّيًّا على واردات الغذاء، لا تزال تُعاني من ارتفاعها، وذلك على الرَّغم من تحقيق انتاجٍ عالميٍّ جيٍّدٍ من الحبوب بالذَّات هذه السَّنة.
وتُؤكِّد "الفاو" أنَّ الأمن الغذائيَّ المُزعزَع بلغ نقطةً حرجةً، وبات يًؤثِّر في 31 بلدًا تطلُب حاليًا معوناتٍ طارئةٍ، وتتفاقم خطورة الوضع في أفريقيا بالذَّات بسبب الجفاف والحروب والصِّراعات، ما يستدعي تقديم معوناتٍ غذائيَّةٍ عاجلةٍ لنحو 20 مليون شخصٍ.
وقد حذَّر في وقتٍ سابقٍ رئيس صُندوق النَّقد الدَّوليِّ دومينيك شتراوس كان، من أنَّ استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائيَّة عالميًّا من شأنه هزِّ الاستقرار وزعزعة قبضة الحكومات في عددٍ من الدِّول الفقيرة، خاصَّة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الَّلاتينيَّة، وخصَّ بالذِّكر حكومات ثلاثة دولٍ، هي مصر والفلبين وهاييتي.
وأكَّد أنَّ مئات الآلاف في هذه الدِّول سيكونون مُهدَّدين بالجوع وسوء التَّغذية الذي يُسبِّب الأمراض ويُضْعِفُ جهاز المناعة ويُسبِّب الوفاة.
وتعكس المعلومات التي تخرج عن مُنظَّمة "الفاو" خطورة الأوضاع عبر العالم؛ حيث تُؤكِّد حدوث خسائرَ هذا العام في الثَّروة الحيوانيَّة في كلٍّ من مالي وتشاد والنَّيجر والهند وباكستان، واستمرار ارتفاع اسعار الحبوب في غرب أفريقيا، كما تُحذِّر من الانخفاض المُتوقَّع في انتاج نيجيريا من الحبوب، والذي يُمكن أنْ يُؤدِّي إلى موجةٍ جديدةٍ من ارتفاع الأسعار في غرب أفريقيا بالكامل.
وتُؤكِّد "الفاو" أنَّ الأوضاع في شرق أفريقيا تبعث على القلق بسبب بوار المحاصيل الزِّراعيَّة والمراعي، كنتيجةٍ لسوء الأمطار في مناطقَ كثيرةٍ بالإضافة إلى تزايُد الحروب والصِّراعات في المنطقة والفوضى التِّجاريَّة وارتفاع أسعار مواد الغذاء المُتواصل، كما تتوقَّع المُنظَّمة انخفاض محصول الذُّرة في كينيا بنسبة 30% مُقارنةً بالعام الماضي.
وهكذا فإنَّ هناك حوالي 3.8 مليون نسمةٍ من سُكَّان كينيا يُمكن أنْ يواجهوا مشكلة "انعدام" الأمن الغذائيِّ إلى حدودٍ خطيرةٍ، خصوصًا في الأراضي الرَّعويَّة والزِّراعيَّة الهامشيَّة، كما ارتفع عدد من يحتاجون الى معونات إغاثةٍ غذائيَّةٍ في إثيوبيا من 5.3 مليون نسمةٍ في مايو إلى 6.2 مليون نسمةٍ في أكتوبر الماضي، وفي أوغندا نحو 1.1 مليون شخصٍ في حاجةٍ إلى معونةٍ غذائيَّةٍ طارئةٍ.
أما في جنوب السودان ودارفور فإنَّ استمرار النِّزاعات القبليَّة والسِّياسيَّة يُفاقِم من سُوء حالة الأمن الغذائيِّ التي يُواجهها ملايين السُّكَّان، ويُقدَّر أنَّ هناك نحو 5.9 مليون شخصٍ في حاجةٍ إلى معونةٍ غذائيَّةٍ في السُّودان.
كما أنَّه من المتوقَّع أنْ يُسجِّل إنتاج الحبوب الكُلِّي في شمال القارة السَّمراء حجمًا قياسيًّا يُقدَّر بنحو 21.5 مليون طُنٍّ هذا العام، مُقارَنَةً بـ14.3 مليون طُنٍّ العام الماضيِّ.
ونتيجةً للأمطار الموسميَّة غير المُنْتَظِمَة، وبعض الكوارث الطَّبيعيَّة، فقد تأثَّر محصول الأُرز في كلٍّ] من الهند واليابان وكوريا الشَّماليَّة ولاوس وسريلانكا، وتُعْتَبَر أفريقيا ومنطقة جنوب شرق آسيا أكثر المناطق المُعرَّضة لمخاطر أزمة الأمن الغذائيِّ العالميَّة.
ومِنْ المُتوقَّع أنْ تتفاقم الأزمة رغم مؤتمر روما الهادف إلى حلِّها أو التَّخفيف من حدَّتِها؛ حيث إنَّ الدِّول الكُبرى صاحبة رؤوس الأموال غالبًا ما تتحكَّم في حركتها، والتي تتَّجه الآن، ومنذ قرونٍ، من الجنوب الجائع المُتخلِّف إلى الشَّمال المُتقدِّم الذي لا يشبعن فرغم ما يعيش فيه الجنوب من فقرٍ وتخلُّفٍ، إلا أنَّه في الحقيقة يمدُّ الشَّمال بالوقود الذي يُحرِّك عجلة تطوُّرِه ورُقِّيِّه.
ولكي تُحلُّ الأزمة بشكلٍ جِذريٍّ لابد من حدوث تغيُّرٍ حادٍّ في السِّياسات الاقتصاديَّة للدِّول الغربيَّة، وهو ما لن يحدث، على الأقل في المستقبل القريب أو المُتوسِّط!!..

أقرأ المزيد...

الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره...


   
موت وخراب.. خريطة الانتشار العسكري الأمريكي في العالم العربيِّ
-    بعد الحرب الباردة بحثت الولايات المتحدة عن عدوٍّ جديدٍ لضمان استمرار وجودها العسكري في الخارج
-    أكثر من 113 ألف جندي أمريكي في العالم العربي
-    ضمان أمن إسرائيل والتَّحرُّك إذا ما أمسك الإسلاميُّون الحكم في مصر على رأس أولويات عمل هذه القوَّات

كتب: عبد العظيم الأنصاري
بعد انهيار الاتحاد السُّوفيتيِّ السَّابق، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام وضعٍ عالميٍّ جديدٍ؛ حيث غاب منافسها الوحيد، والذي كان يناطحها الهيمنة على العالم؛ وبذلك أصبحت أمام خيارٍ من اثنَيْن، إمَّا الانسحاب وراء خطوط الأطلنطي الآمنة، أو الهيمنة على كلِّ العالم، بما فيه تركة الإمبراطوريَّة السُّوفيتيَّة المنهارة، وقد اختار الأمريكيُّون بطبيعة الحال الخيار الثَّاني.
وفي السِّياق بدأت واشنطن في ترتيب الأوضاع عالميًّان وتهيئة الكرة الأرضيَّة لاستقبال نظامٍ عالميٍّ جديدٍ تُمسك فيه بزمام الأمور وتتحكَّم بمقتضاه في دفَّة التَّاريخ، بعد أنْ آل إليها، كما قال فرانسيس فوكوياما، وصموئيل هنتنجتون، فلأوَّل مرَّةٍ في التَّاريخ تصل إمبراطوريَّةٌ إلى هذه القوة والهيمنة على الأرض بما فيها.
ومن ضمن هذه التَّرتيبات الَلازمة لإحكام قبضة الإمبراطوريَّة الأقوى على العالم، بُدِءَ في الإعداد لاستراتيجيَّاتٍ عسكريَّةٍ جديدةٍ؛ حيث زالت الأخطار من الكثير من مناطق العالم، وانتقلت إلى مناطقٍ أخرى، وفي الإطار قُسِّمَت رئاسة أركان الحرب الأمريكيَّة في العالم إلى خمس قياداتٍ عسكريَّةٍ رئيسيَّةٍ، وهي:
-    القيادة الشَّماليَّة ومسئوليتها القارة الأمريكيَّة الشَّماليَّة.
-    القيادة الجنوبيَّة، وهي مسئولةٌ عن أمريكا الَّلاتينيَّة.
-    القيادة الأوروبيَّة، والمسئولة عن منطقة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، بالتَّعاوُن مع القوى الأوروبيَّة داخل الحلف.
-    قيادة الباسيفيك، ومسئوليَّتُها جنوب شرق آسيا واستراليا.
-    قيادة الأفريكوم، وهي طور التَّكوين، ومسئوليتها أفريقيا السُّودان وجنوب الصَّحراء الكبرى.
-    القيادة المركزيَّة، وهي أهم القيادات على الإطلاق لكونها أكثرها تعرُّضًا للقيام بمهامِّ التَّعامُل الفعليِّ مع تهديداتٍ محتملةٍ؛ حيث إنَّها تشمل منطقة الشَّرق الأوسط وشمال أفريقيان وهي منطقةٌ ذات أهميَّةٍ إستراتيجيَّةٍ لوجود مصادر الطَّاقة وإسرائيل أساسًا.
واقتضى ما سبق إعادة انتشار القوَّات الأمريكيَّة عبر العالم، والاهتمام بوجهٍ خاصٍّ بالمناطِق التَّابعة للقيادة المركزيَّة، والتي يقع ضمنها العالم العربيِّ، وتزايَد هذا الاهتمام بشكلٍ مُضاعفٍ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.
ومؤخرًا صدر بيانٌ عن وزارة الدِّفاع الأمريكيَّة (البنتاجون)، مُؤخَّرًا نشرته وكالة (أمريكا إن أرابيك) للأنباء، يكشف عن أنَّ الولايات المتحدة لديها أكثر من 113 ألف جنديٍّ في الدِّول العربيَّة، في مهمَّاتٍ عسكريَّةٍ، وأخرى تتعلَّق بحفظ السَّلام.
حيث أكد البنتاجون أنَّ الجيش الأمريكيَّ يضمُّ أكثر من 1.1 مليون جنديٍّ ما بين عامل واحتياطٍ من بينهم أكثر من 266 ألف جندي مُوزَّعون في الخارج في حوالي 80 دولةً حول العالم، وأنَّ أكثر من 10% من تعداد الجيش الأمريكيِّ بما فيه الاحتياط، مُتواجدون على الأراضي العربيَّة؛ حيث يضم العالم العربي أكثر من 113 ألف و500 جنديٍّ أمريكيٍّ.
وهو أمرُ خطيرُ للغاية على الأمن القوميِّ العربيِّ يجب مواجهته، فواشنطن هكذا تمتلك القُدرة على التَّدخُّل العسكريِّ في أيَّة دولةٍ عربيَّةٍ "من داخلها"، وإحكام السَّيطرة عليها وتوجيه دفَّة الأمور فيها كما تشاء.
فإنَّ القوَّات الأمريكيَّة المُتواجِدَة في معظم أرجاء العالم العربيِّ وحوله في البحرَيْن المُتوسِّط والأحمر والخليج العربيِّ والمحيط الهنديِّ وأوروبا، هي نفسها قوَّات التَّدخُّل السَّريع التي تحدث عنها وزير الأمن الدَّاخليِّ الإسرائيليُّ السَّابق آفي ديختر في محاضرةٍ ألقاها في معهد الأمن القوميِّ الإسرائيليِّ، وقال أنَّها ستتدخَّل في مصر أو في أيِّ بلدٍ عربيٍّ يحدث فيه تغييرٌ في نظام الحكم لصالح أيٍّ من القُوى المُناوئة لإسرائيل والغرب.
خريطة انتشار!
وبحسب الأرقام المُتاحة، فإنَّه يمكن تقسيم المنطقة العربيَّة تبعًا لحجم وخطورة التَّواجد العسكريِّ الأمريكيِّ بها، كالآتي:
    أولاً العراق:
لا يوجد إحصاءٌ دقيقٌ للقوات الأمريكيَّة في العراق، فبحسب تقرير البتناجون، فإنَّ القوَّات الأمريكيَّة في العراق الآن يبلغ عديدها 98 ألف و25 جنديًّا، بينما هناك تصريحٌ لقائد القوات الأمريكيَّة في العراق الجنرال راي أوديرنو لـ(رويترز) في 30 سبتمبر الماضي، بأنَّ واشنطن ستسحب أربعة آلاف جنديٍّ من العراق في أكتوبر الماضي، وقال إنَّ عدد القوات الامريكيَّة في العراق وحده 124 ألفًا من الجنود موزعةٌ على 11 فريقًا قتاليًّا.
ورغم ما يُقال عن انسحاب القوَّات الأمريكيَّة من المدن العراقيَّة إلى القواعد العسكريَّة في الصَّحراء إلا أنَّ الواقع الفعليَّ يشهد أنَّ هذه القوَّات تتدخُّل من حينٍ لآخرٍ داخل المُدن عند حدوث أيِّ اضطراباتٍ لمواجهتها، كذلك فإنَّ ما يُقال عن انسحابٍ نهائيٍّ وإنهاء المهام القتاليَّة لهذه القوَّات في العراق في الحادي والثلاثين من أغسطس من العام 2010م، محض كذبٍ طبقًا لتصريحات القيادة الأمريكيَّة نفسها، التي أكَّدت بقاء قوَّةٍ تتراوح بين 30 ألفًا إلى 50 ألفَ جنديٍّ لتدريب وتسليح القوَّات العراقيَّة.
والواقع أنَّ تواجُد هذا العدد الكبير من القوَّات العسكريَّة على تراب العراق، ما هو إلا استمرارًا للاحتلال، ولاستكمال تنفيذ الخطط الصهيوأمريكية لتقسيم البلاد فعليًّا، حتى ولو ظلَّت مُوحَّدةً سياسيًّا  وجغرافيًّا، وترسيخ هذا التَّقسيم كواقعٍ لابد من قبوله طبقًا للمصالح الإمبرياليَّة الجديدة، والحفاظ على أمن إسرائيل.
    ثانيًا شبه الجزيرة العربيَّة:
طبقا للتَّقرير الأمريكيِّ، فإنَّ الكويت تأتي في المرتبة الثَّانية من حيث عدد القوَّات الأمريكيَّة في العالم العربيِّ؛ حيث يوجد بها 12 ألفًا و700 جنديٍّ يُقدِّمون المساعدة لمسرح عمليَّات القيادة المركزيَّة الأمريكيَّة في العراق وأفغانستان، كما تضم قطر 1050 جنديٍّ أمريكيٍّ، في قاعدتي السَّيليَّة والعيديد.
ومن المعروف أنَّ البحرين هي مقر الأسطول الخامس الأمريكيِّ، ويُقدِّر خبراء عدد القوَّات الأمريكيَّة فيها بحوالي أربعة آلاف جنديٍّ، كما يُرابط في سلطنة عُمان حوالي الألفَيْ جنديٍّ أمريكيٍّ، وتستخدم واشنطن مطاراتها وموانئها لنقل المعدات والإمدادات.
أمَّا الامارات ففيها قاعدة الظُّفْرَة التي تتزوَّد فيها الطَّائرات الأمريكيَّة بالوقود، وبها حوالي خمسمائة جنديٍّ أمريكيٍّ، كما تسمح السَّعوديَّة باستخدام الولايات المتحدة لمجالها الجويِّ وقواعدها الجويَّة، ومنها قاعدة الأمير سلطان، ويوجد بها حوالي ستة آلافِ جنديٍّ أمريكيٍّ، مُعظمهم من سلاح الجو، كما تستخدم القوَّات الأمريكيَّة الحوض الجاف في ميناء عدن باليمن لإصلاح وصيانة سفنها.
    ثالثًا مصر:
تبعًا للتَقرير السَّابق الإشارة إليه يوجد في مصر سبعمائة جنديٍّ أمريكيٍّ كجزءٍ من القُوَّات مُتعدِّدة الجنسيَّات والمُراقبين الدَّوليِّين؛ حيث إنَّ هناك كتيبةٌ أمريكيَّةٌ تتواجد بشكلٍ مُستمرٍّ في سيناء مُنذ العام 1981م، لمُراقبة تنفيذ معاهدة السَّلام بين مصر وإسرائيل.
وتبعًا للكاتب الصَّحفيِّ الأمريكيِّ وليم أركين في الجزء الخاصِّ بمصر في مجلَّدِه الذي يحمل اسم "الأسماء المُشفَّرة.. حلُّ شَفرة الخُطط والبرامج والعمليَّات العسكريَّة الأمريكيَّة في عالم ما بعد 11 سبتمبر"، فإنَّ العلاقة الأمنيَّة "حميمةٌ جدًّا بين المخابرات المصريَّة ونظيرتها الأمريكيَّة، وتعتبر مصر طبقا لأركين، أحد الشُّركاء العرب الصَّامتين الَّذين يستضيفون القوَّات الأمريكية خُفْيَةً، ويتعاونون مع المُؤسَّسة العسكريَّة والأمنيَّة الأمريكيَّة، ويدعمون العمليَّات الأمريكيَّة دائمًا تقريبًا.
كما يؤكِّد أنَّ واشنطن كانت تمتلك فعلاً وقت أحداث 11 سبتمبر قاعدتان عسكريَّتان في مصر، بالإضافة لعشرين مرفقٍ عسكريٍّ مصريٍّ تحت تصرُّف القيادة المركزيَّة.
هذا غير ما يتم من تخزينٍ للعتاد الأمريكيِّ في البلاد، وإبقاء قواعدًا جويةً وبحريَّةً مصريَّةً في أفضل حالاتها لحساب القوَّات الأمريكيَّة، منها قاعدتَيْ القاهرة شرق والقاهرة غرب الجويَّتَيْن، وقاعدة وادي قنا.
وفي العام 2001م، منحت مصر حق المرور لأكثر من 6250 طلعةٍ جويَّةٍ أمريكيَّةٍ، وحوالي 53 رحلةً للبحريَّة الأمريكيَّة، كما تقوم سلاح البحريَّة والغوَّاصات الأمريكية بزياراتٍ مُنتظمةٍ إلى موانئ الإسكندريَّة والغردقة وبورسعيد والسُّويس.
وطبقا لنفس المصدر، فإنَّ التَّعاون قد ازداد بين البلدَيْن عقب أحداث 11 سبتمبر؛ حيث كان الرَّئيس المصريُّ حسني مبارك أوَّلُ رئيسٍ عربيٍّ يُعلن دعمه لعمليَّة "الحُرِّيَّة المُستمرَّة"، أو بشكلٍ أوضح غزو أفغانستان، ويُقدِّم حقَّ العبور للسُّفن وللطَّائرات الأمريكيَّة، فضلاً عن الخدمات الأمنيَّة.
وفي يوليو من العام 2003م، عقد فريق العمل المشترك المصريُّ- الأمريكيُّ لمكافحة الإرهاب اجتماعه الأوَّل في واشنطن، وفي يونيو 2004م، صارت مصر شريكًا كاملاً في مُنتدى الحوار المتوسطيِّ مع حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو).
وتتلقَّى مصر 1.3 مليار دولار من المُساعدات العسكريَّة الأمريكية بالاضافة إلى المناورات المُشتركة بين البلدَيْن، والمعروفة باسم "النَّجم السَّاطِع".
ويجب التَّأكيد هنا على أنَّ القوَّات الأمريكيَّة في مصر، كانت نواة هذا الانتشار الواسع والكبير لها في المنطقة بأسرها، ولولا سماح مصر بحدوث مثل هذا التَّواجُد، ما فعلت ذلك أيٌّ من الدِّول العربيَّة الأخرى.
    رابعًا أفريقيا العربيَّة:
يُشير البنتاجون إلى وجود حوالي 1200 جنديٍّ أمريكيٍّ في جيبوتي، ضمن ما يسمى بقوَّة المهام المُشتركة للقرن الأفريقيِّ، وهم يتمركزون في جيبوتي، ويعملون في إثيوبيا، ويقومون بمهمَّاتٍ على مسرح القرن الأفريقيِّ خاصَّة الصُّومال.
ومنذ 30 سبتمبر 2008م، صارت القارة الأفريقيَّة باكملها باستثناء مصر، تحت قيادةٍ عسكريَّةٍ أمريكيَّةٍ واحدةٍ، هي القيادة الافريقية (أفريكوم ) أو الـ"AFRICOM" كاختصار لعبارةAFRICA " "COMMAND، وطبقًا لما دار في المنتدى الدَّوريِّ الذي نظَّمَهُ مركز "الرَّاصد" للدَّراسات السِّياسيَّة والإستراتيجيَّة في 11 فبراير الماضي، تحت عنوان "الدَّوْر المُرتقب للقوَّات الأمريكيَّة في أفريقيا (أفريكوم): الآثار- الانعكاسات- الخيارات"، فإنَّ نظرة واشنطن للقارَّة السَّمراء قد تغيرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأخذت تزداد أهميَّةً شيئًا فشيئًا، وذلك لعدَّة أسبابٍ، أهمُّها يكمُن في الآتي:
- ازدياد نشاط القاعدة والجماعات الإسلاميَّة التَّابعة له وغير التَّابعة له في كلٍّ من الصُّومال والجزائر والمغرب، وفي الصَّحراء الكُبرى بين كلٍّ من تشاد والنَّيجر ومالي وموريتانيا
- تأمين مصادر الطَّاقة، ولا يُنكِر المسئولون الأمريكيُّون هذا، فقد شكَّلت الاضطرابات التي تكرَّرت في حقول النَّفط في منطقة دلتا النَّيجر في نيجيريا منذ العام 2003م، إنذارًا لدولةٍ تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على نفط هذا الاقليم، ويمكن تفهُّم ذلك في ضوء تقاريرٍ إستراتيجيَّةٍ أمريكيَّةٍ، تتوقَّع أنْ تُلبِّي القارَّة الأفريقيَّة 25% من احتياجات الولايات المتحدة من النَّفط بحلول العام 2015م.
- نمو العلاقات بين التِّنين الصِّينيِّ الصَّاعد والقارة السَّمراء بشكلٍ غير مسبوقٍ؛ حيث تُعدُّ الصِّين الآن ثالث أكبرِ شَريكٍ تجاريٍّ مع أفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا، كما تُعْتَبر هي المُستوْرِد الرَّئيسيُّ للنَّفط الأفريقيِّ، بالاضافة إلى تصاعُد مساهمة بكين العسكريَّة في بعثات الأمُم المتحدة لحفظ السَّلام في أنحاء القارَّة، ويمثل هذا كلُّه، إشارةً إلى أنَّ أفريقيا ستكون مُرشَّحةٌ بقوَّةٍ لأنْ تكون مسرح العمليَّات القادم في ظلِّ نظامٍ عالميٍّ مُتعدِّد الأقطاب ينتظره المجتمع الدَّوليُّ.
وفيما يخص الدِّول العربيَّة الأفريقيَّة، فقد عبَّرت كلٌّ من الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا عن استعدادها للتَّعاوُن مع قوَّات الأفريكوم لملاحقة عناصر تنظيم القاعدة في الصَّحراء الكبرى، رغم رفض كلٍّ من ليبيا والجزائر وموريتانيا إقامة قواعدٍ عسكريَّةٍ أمريكيَّةٍ دائمةٍ على أراضيها أو أراضي أيَّة دولةٍ أفريقيَّةٍ أخرى، وهو ما دفع واشنطن إلى وضع قيادة أفريكوم في شتوتجارت بألمانيا، كوضعٍ مُؤقَّتٍ، رغم ترحيب رئيسة ليبيريا إلين جونستون سيرليف باستضافة مقر القيادة، لكن الأمريكيِّين رفضوا لأسبابٍ إستراتيجيَّةٍ.
ولكن الحضورَ العسكريَّ الأمريكيَّ الكثيف في القارة الأفريقية سيفيد في تزكية روح العداء والكراهيَّة تجاه واشنطن وهو ما يريده تنظيم القاعدة لتنفيذ المزيد من العمليَّات، وتجنيد المزيد من الأفارقة لصالحه، وهو ما قد يُلهِب القارة، بالإضافة الى ما ستقوم به واشنطن من إشعالٍ للحروب في كثيرٍ من الأحيان لتنفيذ مصالحها ومصالح إسرائيل في القارَّة.
السُّودان والأمن القومي العربي
وبكلِّ تأكيدٍ ستطال أنشطة أفريكوم السُّودان، نظرًا لوقوعه في دائرة الاهتمام الأمريكيِّ الإسرائيليِّ، خاصَّة مع سعي واشنطن لإعادة رسم خرائط دول المنطقة، ولاشك أنَّ ما يجري في دارفور وفي الجنوب وفي المنطقة الشرقية للسُّودان، في المستقبل، ليس بعيدًا عن تلك الإستراتيجيَّة، وقد تُوظَّف دول الجوار في خدمة بعض جوانب تلك الإستراتيجيَّة حيال السُّودان.
وغالبا ما ستكون السُّودان هي المُرتَكَز الرَّئيسيُّ لإحاطة مصر بالقوَّات والمعدات الأمريكيَّة؛ حيث يُشير خبراء إلى أنَّه على الرغم من التَّعاون الإستراتيجيِّ الأمريكيِّ مع مصرن والاهتمام الكبير بها، إلا أنَّها تُعدُّ من الدِّول القليلة في العالم التي ستحاول واشنطن إحاطتها بالقواعد من دولٍ أخرى، من دون أنْ يكون هناك تواجدٌ عسكريٌّ رئيسيٌّ على أراضها لاعتباراتٍ تتعلَّق بالأمن الدَّاخليِّ المصريِّ، وهو ما لا يمنع تواجُد بعض القوات واستخدام أراضي وأجواء ومياه البلاد، وكذلك لا يمنع من جهوزيَّة هذه القوَّات- الأمريكيَّة- للتَّدخُّل السَّريع في أيِّ لحظةٍ الأمر الذي يضرب السِّيادة والأمن القومي المصري والعربي في مقتل!

أقرأ المزيد...

أوباما والعالم الإسلاميُّ.. قراءة في نقاط تلاقٍ مع المحافظين الجُدد!!...



ماذا كان يقول أوباما وهو أمام أبو الهول؟!!
-    على أي مقياسِ هناك تشابُهٍ بنسبة 80% ما بين سياسات أوباما وسياسات سلفه الجمهوريِّ
-    حديث أوباما عن التَّغيير يجب وضعه في إطار المصالح الأمريكيَّة
-    لا يمكن إغفال تأثيرات إسرائيل واللوبي الصُّهيونيِّ في أمريكا على قرارات البيت الأبيض

بقلم: أحمد التَّلاوي
جَاء الرَّئيس الأمريكيُّ باراك أوباما إلى العالم الإسلاميُّ، وخاطبه من مصر، ومن قبل مصر كان قد جاء إلى تركيا، ثم قادته طائرته الرَّئاسيَّة الخاصَّة التي تحمل اسم "يو. إس. إير فورس- 1"، أو الطَّائرة رقم واحد في سلاح الجوِّ الأمريكيِّ، إلى المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، طارحًا مجموعةً من الشَّعارات والمطالب والنَّوايا التي وصفها البعض بالحسنة.
ولئن كان هناك أمرًا إيجابيًّا في ذلك كله، فهو فقط أنَّ الرئيس الأمريكيِّ قد اعترف بهزيمة مشروع بلاده الإمبراطوريِّ في العالم الإسلاميِّ طيلة السَّنوات الثَّماني الماضية، بالرَّغم من فارق القوَّة الكبير بين كلا الطرفَيْن، والاختلاف القِيَمي بينهما.
وبوجهٍ عامٍ، فإنَّ المرحلة الماضية، وفي ظلٍّ التَّغيُّرات التي شهدتها دوائر الحُكم في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، شهدت المنطقة، وتشهد مجموعة من الزِّيارات والتَّحرُّكات المركزيَّة، كانت زيارة أوباما لمصر في يونيو الماضي من بينها، ثم باتت زيارات مبعوثه للسَّلام في الشَّرق الأوسط السيناتور جورج ميتشل المتواصل- من دون فائدةٍ تُذْكَر- عنوانًا للمرحلة الحالية.
هذه الزِّيارات والتَّحرُّكات ذات أهدافٍ عدَّةٍ تتعلَّق، بالتَّنوير المُتبادَل، وتُحسُّس الأقدام، بالإضافة إلى محاولة كل طرفٍ معرفة ما لدى الآخر وإلى أيِّ مدىً يمكنه أنْ يتوائم أو لا يتوائم مع السِّياسات الأمريكيَّة الجديدة، وأنْ يتعامل مع الحكومة الإسرائيليَّة الجديدة، بتشكيلها اليمينيِّ الحالي.
ولم تبدأ هذه المُتغيِّرات، كما يبدو للبعض منذ تولِّي أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو للحكم، ولكنها بدأت منذ انتهاء الحرب الإسرائيليَّة الأخيرة على قطاع غزَّة؛ حيث شهدت المنطقة تقاطر العديد من المسئولين الدَّوليِّين، والغربيِّين بالذَّات، في جولات استكشافٍ وتحديد مواقفٍ.
وفي حقيقة الأمر، فإنَّ التَّقارير وتقديرات الحالة والموقف التي ترد من وقت لآخر لا تبشِّر بخيرٍ، ويعود مكمن الخطر في هذا المشهد إلى أمرَيْن أساسيَّيْن، الأول هو أنَّ هذه التَّرتيبات يدفع العرب والمسلمون ثمنها من دمائهم وثرواتهم، والفترة الماضية أبلغ دليلٍ على ذلك، والتَّرتيبات الجديدة لا تقول إنَّ هناك تغييرًا كبيرًا سوف يحدث في هذا الإطار، بل قد تبدو الأمور تسير من سيءٍ إلى أسوأٍ.
فعلى الجانب الأمريكي، فإنَّ الرَّئيس باراك أوباما الذي رفع كلمة "التغيير" كشعار لحملته الانتخابيَّة، نكص على كل وعوده التي تخص العالم العربيِّ الإسلاميِّ، كما سوف نرى، بينما نتنياهو لم يترك مجالاً للتخمين في نواياه إزاء العرب وإيران واستحقاقات التَّسوية.
فهناك أكثر من ثلاثة آلاف مسلمٍ سقطوا قتلى في الصِّراع في أفغانستان في العامين 2007م، و2008م الماضيَيْن، من دون حساب عدد الضحايا في صفوف حركة طالبان أو تنظيم القاعدة والتَّنظيمات المُسلَّحة الأخرى هناك، أمَّا في العراق فالأرقام بعشرات الآلاف، وكذلك في فلسطين والصُّومال والسُّودان، وغيرها من بلدان العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
الأمر الثَّاني أنَّ هذه التَّرتيبات سوف تؤدِّي إلى تغيير بنية الهُويَّة الجيوسياسيَّة في المنطقة بأسرها، فالعراق- على سبيل المثال- مقسَّمٌ فعليًّا بين شمالٍ كرديٍّ ووسطٍ وجنوبٍ عربيٍّ سُنِّيٍّ- شيعيٍّ مُتناحرٍ، وتحوَّل العراق القوميُّ المُوحَّد القويُّ إلى بلدٍ ضعيفٍ مأزومٍ يدور في فلك السِّياسات الأمريكيَّة.
وبالمثل الأوضاع في فلسطين ولبنان والسُّودان والصُّومال وباكستان؛ حيث الصُّورة واحدةٌ، وإنْ اختلفت الألوان والإطار؛ حيث هناك أطرافًا متنازعةً، مختلفة في أجنداتها، بعضها له تبعيةً في قراراته ومرجعيَّاته للغرب، وتحديدًا للولايات المتحدة، وبهضها له علاقاته المباشرة مع إسرائيل، وبدلاً من الحديث عن تقسيمٍ جغرافيٍّ له نتائجه وعواقبه الأمنيَّة والسِّياسيَّة على المصالح الغربيَّة، فإنَّ البديل كان هو الانقسام السِّياسيِّ الدَّاخليِّ بين أحزابٍ أو قوىً سياسيَّةٍ مُختلفةٍ.
وبعض هذه الصِّراعات والانقسامات، تلعب فيها الاعتبارات القبليَّة والطَّائفيَّة دورها، بينما هناك أزماتٌ بين قوىً وأحزابٍ سياسيَّةٍ تدين بذات الدِّين والمذهب، ولكن هناك اختلافاتٌ عدَّةٌ ما بينها على الأولويات والسِّياسات.
وفي الآونة الأخيرة ثارت تساؤلاتٍ عدَّةٍ عن موقف الإدارة الأمريكيَّة الجديدة من قضايا الشَّرق الاوسط، وخصوصًا القضيَّة الفلسطينيَّة، بعدما فشلت الإدارة الأمريكيَّة في فرض أيِّ تغييرٍ على السِّياسات الإسرائيليَّة، في المقابل نجحت الوساطة المصريَّة وإصرار فصائل المقاومة الفلسطينيَّة في تنفيذ صفقة أسرى نوعيَّة، اشتملت على الإفراج عن 20 أسيرة فلسطينيَّة في مقابل شريط فيديو يثبت أنَّ الجنديَّ الإسرائيليَّ الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليط لا يزال حيًّا.
وفي هذا الإطار، فإنَّه من المهمِّ في إطار التَّطوُّرات الأخيرة رصد معالم من طبيعة السِّياسات الأمريكيَّة في عهد أوباما، وخصوصًا إزاء القضيَّة الفلسطينيَّة، وطبيعة تلاقيها مع سياسات إدارة المُحافظين الجُدُد الأمريكيَّة السَّابقة، وطبيعة تأثيرات إسرائيل على القرار الأمريكيِّ.
أولاً: سياسات يمين أمريكي!!
على الرَّغم من الخطاب الجيِّد الذي تبنَّاه الرَّئيس الأمريكيِّ أوباما، حتى من قبل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، إلا أنَّ العِبْرة في السِّياسة ليست بالأقوال والنَّوايا الطَّيِّبة، ولكن بالأفعال والتَّأثيرات والسِّياسات المُطبَّقة على أرض الواقع.
وعند وضع سياسات الرئيس الأمريكي على المقاييس الإحصائيَّة العلميَّة التي وضعها كبار أساتذة العلوم السِّياسيَّة ومُنظِّري السِّياسة في مصر والوطن العربي والعالم، فإنَّنا سوف لا نجد فيها الكثير من التَّغيُّيرات عن سياسات سلفه السَّابق جورج بوش الابن، باستثناء التَّغيير في التَّعبيرات المُستخدمة في العمل الخارجيِّ.
وقد تم تكوين الأحكام والتَّقييمات الخاصة بهذه السِّياسات من خلال مُتابعةٍ لكافَّة ما صدر من مواقفٍ وتصريحاتٍ رسميَّةٍ عن رموز الإدارة الأمريكيَّة، وكذلك سلسلة القرارات المتعاقبة التي صدرت في غضون الأشهر التي تلت تولي أوباما الحكم، وهو ما يبرزه العرض التَّالي:
1.    فلسطين والصِّراع في الشَّرق الأوسط:
لأوباما مواقفٌ معلنةٌ، مثل الدَّعوة إلى حلِّ الدَّولتَيْن بين الفلسطينيِّين وإسرائيل، ووقف بناء وتوسيع المستوطنات في الضِّفة الغربيَّة المُحتلَّة، إلا أنَّ أوباما عجز حتى الآن عن فرض مواقفه على إسرائيل، ولا يعتبر موقفه في هذا الإطار بجديد، فقط سبقه إليه الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق جورج بوش الاب الذي بدأت عمليَّة مدريد في عهده ووزير خارجيته جيمس بيكر.
كما أنَّ أوباما، وخلال حملته الانتخابيَّة، مُعترِفٌ بشكلٍ واضحٍ بأنَّ القدس عاصمة أبديَّة ومُوحَّدة لإسرائيل، كما يُؤيِّد أوباما موقف إسرائيل من أنَّ إقامة دولةٍ فلسطينيَّة مرتبطٌ بإنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، واعتراف المقاومة بإسرائيل ويهوديتها، وإلقاء السِّلاح، والاعتراف بالاتفاقيَّات المُوقَّعة بين مُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة وإسرائيل؛ حيث إنَّ مرجعيَّة إدارة أوباما في الملف الفلسطيني هي خطَّة خارطة الطريق، ومقررات الرُّباعيَّة الدوليَّة التي أقرَّتها إدارة سلفه بوش الابن.
كما أنَّ الرَّئيس الأمريكي الجديد لم يتحرك خطوة واحدة زائدة عن موقف إدارة سلفه بوش الابن فيما يخص ملف جرائم الحرب الإسرائيليَّة في حرب غزة، بل إنَّ إدارة أوباما ضغطت لتأجيل نظر تقرير لجنة تقصِّي الحقائق التي شكلتها الأمم المتحدة برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيليَّة في القطاع في الحرب الأخيرة أمام مجلس حقوق الإنسان التَّابع للأمم المتحدة حتى مارس المقبل.
كما أنَّ إدارة أوباما لا تزال تشارك في جريمة إغلاق المعابر وعدم رفع الحصار الخانق عن قطاع غزة، بل إنَّ الكونجرس الذي يسيطر عليه الدِّيمقراطيُّون أقرُّوا مشروع قانونٍ يضع خمسين مليون دولار إضافيَّة بغرض إحكام الحصار على قطاع غزة.
وفيما يخص الصِّراع في الشرق الأوسط بشكلٍ عامٍ، وما يُسمَّى بعمليَّة التسويَّة، تبنَّى أوباما سلسلةً من المواقف الإيجابيَّة في هذا الشأن، لكن على مستوى الموقف الإعلاميِّ فحسب، فلا يوجد موقفٌ واضحٌ لأوباما فيما يخص قضايا التَّسوية مع سوريا أو حول مصير الجولان، ومن الواضح أنَّ سياسات أوباما سوف تستكمل ما بدأته إدارة بوش الابن السَّابقة في صدد حصار مشروع الممانعة في الشَّرق الأوسط.
والإيجابيَّة الوحيدة هنا هو تعيين جورج ميتشل كمبعوث لأوباما في الشرق الأوسط، وهو الذي أدان إسرائيل في مجازر جنين والضفة والغربيَّة في العام 2002م، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى الثَّانيَّة في سبتمبر من العام 2000م، ولكن تظل يديه مُقيَّدة بالمواقف الإسرائيليَّة.
2.    العراق:
هناك أحاديثٌ عن تأجيل الانسحاب من العراق خلافًا لما نصت عليه الاتفاقيَّة الأمنيَّة المُوقَّعة في خريف العام الماضي، وذلك بعد تصاعُد أعمال العنف في العراق في الفترة الأخيرة، كما أنَّ هناك مُؤشِّراتٌ على استمرار التَّعاون الأمريكيِّ- الإيرانيِّ في الملف العراقيِّ.
3.    أفغانستان وباكستان:
أمر أوباما بزيادة عدد القوات الأمريكيَّة في أفغانستان إلى 68 ألفًا من 32 ألفًا، كما أنَّه بصدد الموافقة على رفع عدد القوات الأمريكيَّة أيضًا بمقدار 40 ألف جنديٍّ إضافيٍّ، كما طلب قائد القوات الدَّوليَّة في أفغانستان الميجور جنرال ستانلي ماكريستال، كما أمر باستمرار سياسات سلفه بقصف مواقعٍ مدنيَّةٍ وتنظيميَّةٍ تابعةٍ لطالبان والقاعدة في داخل الأراضي الباكستانيَّة بواسطة طائراتٍ من دون طيارٍ، وكثيرًا ما تؤدِّي هذه العمليَّات إلى سقوط ضحايا مدنيِّين من بين المواطنين الباكستانيِّين.
كما ضغطت الإدارة الأمريكيَّة الحالية على إسلام أباد لنقض اتفاقيَّة تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة مع طالبان باكستان وجماعة تطبيق الشريعة المحمديَّة، بما أدَّى إلى اندلاع أزمة وادي سوات التي أدَّت إلى نزوح 3 ملايين مسلمٍ، ومقتل حوالي ألفي مسلمٍ من طالبان والجيش الباكستانيِّ في معارك سوات الدَّمويَّة صيف العالم الحالي.
بالإضافة إلى ذلك لم يبدُ أنَّ هناك سياسة بعينها ينوي أوباما بها حسم مشكلة الفساد والاتهامات بالاتجار في المخدرات الموجهة لحكومة الرَّئيس الأفغانيِّ حميد قرضاي، ولقرضاي ذاته.
4.    حقوق الإنسان وملف الديمقراطيَّة عبر العالم:
أوباما اختار مصر لإلقاء خطابه للعالم الإسلامي، بالرغم من سجل حقوق الإنسان السَّلبيِّ والدِّيكتاتوريَّة التي يتمتع بها النظام المصري، وفي عددها الصَّادر في التاسع من أكتوبر الجاري، نشرت صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة تقريرًا لها من القاهرة لمراسلها سودارسان راجافان، ذكرت فيه أنَّ ذلك يعود إلى ازدياد اعتماد إدارة الرَّئيس أوباما على مصر في محاولة بَدء مفاوضات السَّلام بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين، وفي احتواء الجماعات الأصوليَّة، مثل حماس في فلسطين وحزب الله اللبناني.
وأشارت الصَّحيفة إلى أنَّ أوباما التقى مع مُبارك ثلاث مرَّاتٍ، مُعيدًا بذلك مصر إلى مكانتها كحليفٍ استراتيجيٍّ رئيسيٍّ للولايات المتحدة فى العالم العربي، وهذا يعني انتهاء مرحلة جورج بوش الابن التى شهدت توتُّرًا بين القاهرة وواشنطن بسبب سياسة الولايات المتحدة في الشَّرق الأوسط وغزو العراق والانتقادات الأمريكيَّة لمصر سياسيًّا ولسجل حقوق الإنسان فيها.
ولعل أوضح دليلٍ على التَّحوُّل في السِّياسة الأمريكيَّة إزاء مصر، هو قطع التَّمويل عن مُنظَّمات المجتمع المدنيِّ وجماعات حقوق الإنسان في مصر، ففي العام الماضي، خصصت الولايات المتحدة مبلغ 54.8 مليون دولار لبرامج الدِّيمُقراطيَّة، منها 27.85 مليون دولار ذهبت إلى برامج المجتمع المدني والتي تُعدُّ همزة الوصل بين "القاعدة الشَّعبيَّة للنِّضال من أجل الدِّيمُقراطيَّة"، وفى هذا العام تقلَّص المبلغ إلى 20 مليون دولار، منها 5 ملايين دولار فقط ذهبت إلى المجتمع المدني.
كما تراجع الرئيس الأمريكي عن قراره السَّابق بإلغاء المحاكم العسكريَّة للمعتقلين بصفة الإرهاب، كما تراجع أوباما عن قراره بالكشف عن صور تعذيبٍ جديدةٍ مسئولٌ عنها موظَّفين وقادة عسكريِّين في الإدارة السَّابقة.
ولم تتحسَّن حالة الأقليات في الولايات المتحدة في عهده عن عهد سلفه، وأدَّت عوامل من بينها الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة إلى كون المُهاجرين هم الأكثر بطالة في الولايات المتحدة، وكان التَّحسّن الوحيد في هذا الملف في عهد أوباما هو التَّعهُّد بإغلاق معتقل جوانتنامو، كما أنَّه أعاد العلاقات مع كوبا جزئيًّا؛ حيث سمح لأهالي المهاجرين في الولايات المتحدة بالعودة لزيارة ذويهم، لكنَّه لم يرفع العقوبات المفروضة على كوبا.
5.    إيران والملف السُّوريُّ الِّلبنانيُّ:
في هذا المجال جدَّد أوباما العقوبات المفروضة على سوريا، وتراجعت إدارته عن سياسات الحوار التي كانت قد بدأتها مع دمشق، عن طريق وفودٍ برلمانيَّةٍ ومن مجلسَيْ النواب والشيوخ، ترأس بعضها رموز ديمُقراطيَّة، مثل زعيمة الأغلبيَّة في مجلس النُّوَّاب نانسي بيلوسي ورئيس لجنة العلاقات الخارجيَّة في مجلس الشُّيوخ السِّيناتور جون كيري، مُرشَّح الديمقراطيِّين في رئاسيَّات 2004م.
بالإضافة إلى ذلك تراجع أوباما عن فكرة الحوار مع إيران حول ملفها النَّووي وقضايا الشَّرق الأوسط، بعد ضغوطٍ من إسرائيل، وقال إنَّ هناك مهلة لقبول فكرة الحوار حول البرنامج النووي الإيراني حتى أكتوبر الجاري، بعدها سوف يتم تشديد العقوبات المفروضة على إيران.
وخلال زيارة نتنياهو الأولى إلى واشنطن مايو الماضي، اتَّفق أوباما ونتنياهو على منح إيران مهلة سنة، وقال أوباما في لقائه مع رئيس الحكومة الإسرائيليَّة في واشنطن "بعد ذلك كل الخيارات مفتوحة"، كما عيَّن أوباما يهوديًّا كمستشارٍ لسياساته في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران، وهو دينيس روس.
6.    قضايا القارَّة الأفريقيَّة:
لم يتحرَّك أوباما خطوةً واحدةً في ملف الصُّومال، بالرَّغم من أنَّ الوضع الإنسانيَّ مُدمَّرٌ تمامًا هناك، كما تستمر واشنطن في دعم العمليَّة السِّياسيَّة التي بدأتها الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة في الصُّومال، وترعاها الأمم المتحدة، وأتت بشيخ شريف شيخ أحمد للحكم في الصُّومال.
أمَّا في الملف السُّوداني، فلا جديد في السِّياسة الأمريكيَّة، فواشنطن وتل أبيب مستمرتان في دعم فصائل التَّمرُّد في دارفور، ولم يتم الضَّغط على حكومة تشاد لوقف تدخُّلاتها في الشَّأن السُّوداني، والتي تتم بدعمٍٍ فرنسيٍّ.
في المقابل عين أوباما الدِّبلوماسيَّة الأمريكيَّة سوزان رايس برتبة وزيرٍ، كمندوبةٍ للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وهي معاديَّةٌ لنظام الرَّئيس السُّوداني عمر البشير، ومُتشدِّدةٌ في فرض العقوبات عليه، وكانت هناك أحاديثٌ عن اتجاه واشنطن للتَّعامُل مع الخرطوم، ولكن لم يتم مواصلة الجهد الذي بدأه في هذا الصدد السِّيناتور جون كيري، والجنرال المتقاعد جوناثان جريشان مبعوث أوباما الخاص في السُّودان.
وتزداد مخاطر السِّياسات الأمريكيَّة في عهد أوباما، مع كونها سلبيَّة، ولكنها تجيء في إطارٍ إعلاميٍّ متفاءلٍ وإيجابيٍّ، و"حزمةٍ" من سياسات العلاقات العامَّة التي سوف تفرض سياسات أوباما عن طريق "القوَّة النَّاعمة"، وليس عن طريق "القُوَّة الصُّلْبَة" التي تؤدِّي بدورها إلى تصلُّب المواقف والآراء.
ثانيًا: تأثيرات الدَّورِ الإسرائيليِّ
لا توجد أحكامٌ قيميَّةٌ في توصيف سياسات الإدارة الأمريكيَّة الجديدة، فهذه الملاحظات مبنيَّة على قرارات وتصريحات رسميَّة ومؤكدة، ولكن تجب الإشارة إلى أنَّ تأثيرات طبيعة الحكومة الإسرائيليَّة الحالية لها وزنها في تراجُع أوباما عن الكثير من وعوده السَّابقة، خصوصًا مع لجوء إسرائيل إلى الهيئات التَّابعة له والشَّخصيَّات المُؤيِّدة له في الولايات المتحدة، وخصوصًا الكونجرس؛ حيث مركز صناعة القرار الحقيقي في الولايات المتحدة.
الحكومة الإسرائيليَّة الجديدة مكوَّنةٌ من كل ألوان الطَّيف اليَمينيِّ الإسرائيلي، ومرجع ذلك إلى حصول الأحزاب اليمينيَّة في الانتخابات العامة المبكرة التي جرت في 10 فبراير الماضي على 62 مقعدٍ من إجمالي عدد مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدٍ، ولذلك تمَّ تكليف نيتانياهو بتشكيل الحكومة، على الرَّغم من حصول حزب الِّليكود الذي يرأسه على 27 مقعدًا فقط مقابل 28 لحزب كاديما الذي ترأسه وزيرة الخارجيَّة الإسرائيليَّة السَّابقة تسيبي ليفني، والتي فشلت في خريف العام الماضي 2008م، في تشكيل حكومةٍ وحدةٍ وطنيَّةٍ.
وفي ظل حكومةٍ كهذه لا نتوقع أي تغييرٍ في سياسات الحكومة الإسرائيليَّة تجاه القضايا العربيَّة والإسلاميَّة، ونقول لا تغييرٍ، ولا نقول نتوقع تراجعًا، لأنَّ في إسرائيل الكل صهيونيٌّ ومُتطرِّفٌ، فقط يختلفون في طبيعة الخطاب، كما أنَّ حزب كاديما الذي يُصنَّف على أنَّه يمين- وسط، أصوله تعود إلى الِّليكود الذي كان يرأسه رئيس الوزراء الأسبق إرييل شارون، وأسسه الإرهابي مناحيم بيجين، كما أنَّ كاديما هو من قتل 1500 فلسطيني في عدوان غزة الأخير.
وتضم حكومة نيتانياهو أحزاب: "الِّليكود"، و"إسرائيل بيتنا"، و"العمل"، و"شاس"، و"البيت اليهودي"، وكلها باستثناء "العمل"، أحزابٌ يمينيَّةٌ مُتطرِّفةٌ، وقد حدد نيتانياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان ووزير داخليته إيلي يشاي خطوطًا عامةً لسياسات الحكومة الإسرائيليَّة إزاء مختلف الاستحقاقات، وكلها مواقفٌ ضاغطةٌ على القرار الأمريكيِّ.
وعلى الجانب الفلسطينيِّ فقد "تعهَّد" نتنياهو بإغلاق باب المفاوضات السياسيَّة مع الفلسطينيين، خصوصًا حول اللاجئين والأراضي المحتلة في القدس والضفة الغربيَّة، والتَركيز على التَّعاون الأمنيِّ مع السُّلطة الفلسطينيَّة في رام الله، وكذلك الحديث عن التنميَّة الاقتصاديَّة للمناطق الفلسطينيَّة، بدلاً من مناقشة قضايا اللاجئين والأراضي المحتلة.
وذلك بطبيعة الحال مع وضع القدس خارج دائرة التَّفاوُض، إذا ما استؤنفت، فالقدس "عاصمةٌ أبديَّةٌ موحدةٌ لإسرائيل"، وفي حال العودة للمفاوضات، سيتم استبدال البلدة القديمة، بأراضٍ في صحراء النَّقب تُعطى للفلسطينيِّين، مع المُضيِّ قُدُمًا في مشروعات توسيع مستوطنات القدس والضِّفَّة الغربيَّة، وبناء أخرى جديدة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم في القدس، وكل ما من شأنه تهويد المدينة المُقدَّسة، وتكريس الوجود اليهودي في الخليل وغور الأردن، بشريًّا وعسكريًّا.
كما تمَّ تقديم مشروع قانون في الكنيست لاعتبار الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيين، مع طرح خيار التَّرانسفير لعرب الداخل في أراضي الـ48، إما لدويلةٍ فلسطينيَّة في قطاع غزة، أو إلى الأردن، بعد رفض مرجعيَّات أنابوليس، والمبادرة العربيَّة للسَّلام، مع التَّأكيد على أنَّ استئناف المفاوضات مع الفلسطينيِّين رهينٌ بإزالة حُكم حماس عن قطاع غزة، وتوحيد جهة التَّخاطُب الفلسطينيَّة، على أنْ تعترف حركات المقاومة بمرجعيَّات الَّلجنة الرباعيَّة الدوليَّة.
أما عل مستوى سوريا ولبنان، فقد رفضت الحكومة الإسرائيليَّة الانسحاب من الجولان السُّوريِّ المُحتل، مع الموافقة على استئناف التَّفاوُض مع سوريا، لا يكون نهايتها بالضَّرورة عودة الجولان.
في مقابل ذلك تم تأجيل الانسحاب الإسرائيليِّ من قريَّة الغجر اللبنانيَّة المحتلة في حرب صيف العام 2006م، مع إرجاء الانسحاب من مزارع شبعا لحين التَّسوية النَّهائيَّة مع سوريا، وتكثيف الوجود الاستخباريِّ الإسرائيليِّ في لبنان، والاستمرار في إثارة القلق الداخلي عن طريق المناورات العسكريَّة على الحدود والطلعات الجويَّة فوق الأجواء الِّلبنانيَّة.
ما التَّفسير؟:
هذا الإطار الذي يحكم السِّياسات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة الرسميَّة في الشرق الأوسط، وإزاء الملفات الرَّئيسيَّة في المنطقة، يجعل من المستحيل توقُّع حدوث تغييراتٍ إيجابيَّةٍ، رغم كل كلام أوباما، ولعل التَّفسير الوحيد المطروح لهذا الأمر هو أنَّ أوباما يسعى إلى تكريس نوعٍ من أنواع الانفصال بين جمهور المسلمين مع الحركات التي تُعادي الولايات المتحدة، بالحديث عن أنَّه لا عداء بين الولايات المتحدة والمسلمين، وإنما مع جماعاتٍ منها توصف بـ"الإرهابيَّة" وهي في حقيقة الأمر جماعات تقاتل الوجود الاحتلالي الأمريكيِّ في العراق وأفغانستان والاحتلال الإسرائيليِّ في فلسطين.
في المقابل يحاول أوباما تلافي تكرار هجمات سبتمبر 2001م على قلب الأرض الأمريكيَّة، والتي حدثت بسبب تغوُّل الأمريكيِّين في العراق وفي دماء المسلمين وثرواتهم في أماكنٍ عديدةٍ، وبفعل السِّياسات الأمريكيَّة الدَّاعمة للكيان الإسرائيليِّ بكل ما يرتكبه من جرائمٍ في فلسطين وما حولها، ولذلك هو يتبرَّأ من معاداة أمريكا للمسلمين، ويحاول أنْ يظهر بمظهر من يعارض سياسات إسرائيل إزاء الفلسطينيِّين.
وفي النِّهايَّة لا يمكن بحالٍ من الأحوال فهم خطاب أوباما وسياساته من وجهة النَّظر المثاليَّة، من أنَّه "رجلٌ صالحٌ" أو لاعتبارات جذوره الإسلاميَّة، فما تعرفه علوم النُّظم وتاريخ السِّياسة عن الأمريكيين وسياسات الولايات المتحدة، هو أنَّ الولايات المتحدة بلد مُؤسَّساتٍ، والمصالح القوميَّة الأمريكيَّة فقط هي ما تحكم سياساتها وسياسات الإدارات المُتعاقبة في الدَّاخل والخارج، وهو ما كان أوباما واضحًا فيه سواءً في خطاب التَّنصيب في 20 يناير الماضي، أو في خطابه من جامعة القاهرة.. المصلحة القوميَّة الأمريكيَّة فقط هي الحاكمة!!

أقرأ المزيد...

المُنظَّمات الحقوقيَّة الدَّوليَّة.. أداةٌ في يد الأقوياء!!...


لأمم المُتَّحدة وحقوق الإنسان في العالم باتت أداة ولبست فاعلاً
-    على أي مقياسِ هناك تشابُهٍ بنسبة 80% ما بين سياسات أوباما وسياسات سلفه الجمهوريِّ
-    حديث أوباما عن التَّغيير يجب وضعه في إطار المصالح الأمريكيَّة
-    لا يمكن إغفال تأثيرات إسرائيل واللوبي الصُّهيونيِّ في أمريكا على قرارات البيت الأبيض

كتب: عبد العظيم الأنصاري
عايش الرَّأي العام العربي والعالمي في الآونةِ الأخيرة الجدال الذي ثار حول تأجيل مجلس حقوق الإنسان التَّابع للأمم المتحدة للتقرير الذي أعدَّته لجنة تقصِّي الحقائق التي شكلتها المُنظَّمة الدَّوليَّة برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حول العدوان الإسرائيليِّ على قطاع غزَّة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن.
وقد أثار التَّأجيل، بجانب الغضب الشَّعبيِّ والحقوقيِّ، العديد من التَّساؤلات حول واقع المُؤسَّسات الدَّوليَّة، وخصوصًا المُؤسَّسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وطبيعة الأدوار التي تقوم بها، ومدى قدرتها على أداء المهام التي يُفْتَرَض أنَّها تقوم بها، بمعزلٍ عن طبيعة التَّنظيم الدَّوليِّ وتوزيع منظومة أو بنية القوَّة فيها.
وكلها أسئلةٌ مشروعةٌ لمن يبحثون عن العدالة في هذا الإطار، على اعتبار أنَّ القانون هو الأداة الرَّئيسيَّة المُتاحة أمام الضُّعفاء للحصول على حقوقهم، وخصوصًا عندما اعترف رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة المنتهية ولايته محمود عباس، وأوساطٌ دبلوماسيَّةٌ عربيَّةٌ وإسلاميَّةٌ أنَّ طلب تأجيل نظر التَّقرير إلى الاجتماع الدَّوريِّ القادم للمجلس في مارس المقبل، جاء بسبب ضغوطٍ أمريكيَّةٍ هائلة، بحسب تعبير الباكستانيِّين.
وهي الضُّغوط التي تُسْفِرُ في كلِّ مرَّةٍ عن عرقلة إدانة إسرائيل بفعل الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدَّوليِّ، أو الضُّغوط الأمريكيَّة على الأطراف المعنيَّة كما جرى في الحالة الأخيرة.
وفي حقيقة الأمر يرتبط مصطلح "حقوق الإنسان" والمنظومة العالميَّة التي تندرج تحته بَدْءًا من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان بالإطار الحضاريِّ الغربيِّ، وليس فقط "حقوق الإنسان" التي ارتبطت بهذا الإطار، وإنَّما النِّظام الدَّوليُّ الذي تمَّت صياغته بعد الحرب العالميَّة الثَّانية لضمان التَّفوُّق للدِّول المنتصرة في الحرب وهيمنتها على العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة بطبيعة الحال.
وقد ساهمت مُحاكمات جرائم الحرب النَّازية في نورمبرج عام 1945م في فتح الطَّريق أمام فكرة محاكمة المسئولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيَّة، وبعد إثارة مسألة "حقوق الإنسان" في أروقة الأمم المتحدة، التي كانت لا تزال وليدةً في ذلك الحين؛ تبَّنت الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة، الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان، وأُعْلِنَ في حينه أنَّ الطَّريقة التي تُعامِل بها الدِّول مواطنيها هي "مثار اهتمامٍ دوليٍّ مشروعٍ".
ولكن، وأثناء الحرب الباردة كانت واشنطن تتجاهل أيَّ انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في الدِّول التي تدور في فلكها، وكذلك كان يفعل الاتحاد السُّوفيتي السابق، وفي هذه الحقبة ولظروف الحرب الباردة كانت سيادة الدَّولة تقف في الكثير من الأحيان أمام أيِّ محاولةٍ للتَّدخُّل في شئونها من بوابة حقوق الإنسان.
وفي منتصف السَّبعينيَّات من القرن الماضي أُدْخِلَت "حقوق الإنسان" في المسار الرَّئيسيِّ للسِّياسات الخارجيَّة للدِّول، سواءٌ في المسارات أو الأُطُر المُتعدِّدة الأطراف أو الثنائية.
ومع نهاية الثَّمانينيَّات، أوشكت حقبة الحرب الباردة على الأفول، وضِمْن مُنظَّمة الأمم المُتَّحدة صاغت لجنة حقوق الإنسان التي أُعيد تنشيطها بقيادة كندا وهولندا ودولٍ أخرى، معاهداتٍ جديدةً حول حقوق المرأة في العام 1979م، والتَّعذيب في العام 1984م، وحقوق الطِّفل في العام 1989م، وتمَّ تعيين خبراءٍ لدراسة وإعداد تقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان في عددٍ متزايدٍ من الدِّول.
وقد شهدت مرحلة السَّبعينيَّات من القرن العشرين بروز المُنظَّمات غير الحكوميَّة المُهتمَّة بحقوق الإنسان كقوَّةٍ سياسيَّةٍ دوليَّةٍ ملحوظةٍ؛ حيث تمَّ منح جائزة نوبل للسَّلام إلى منظمة العفو الدَّوليَّة عام 1977م، والتي بدأت عملها عام 1961م، بسبب المساعدات التي قدَّمتها إلى السُّجناء السِّياسيِّين.
وبحلول العام 1980م كان هناك حوالي 200 منظَّمةٍ غير حكوميَّةٍ تعمل في الولايات المتحدة وحدها، تُعالِج مسائل تتعلَّق بحقوق الإنسان وحوالي نفس العدد من هذه المُنظَّمات في بريطانيا، كما برزت الكثير من المُنظَّمات المعنيَّة بحقوق الإنسان في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيَّة.
وتباينت الأهداف الحقيقيَّة لكلِّ مُنظَّمةٍ من هذه المُنظَّمات بتبايُن مرجعيَّتها الثَّقافيَّة، وما تمَّ توفيقه منها مع الإطار الحضاريِّ الغربيِّ الذي ألبس معظم هذه المُنظَّمات زيًّا مُوحَّدًا غربيَّ الرُّوح، أمريكيُّ الهوى؛ حيث إن غالبيَّة هذه المُنظَّمات عبر العالم يتم دعمها من جهاتٍ أمريكيَّةٍ وغربيَّةٍ، وهو ما يُضفي عليها طابعًا سياسيًّا يتستر خلف شعارات الدِّفاع عن حقوق الإنسان.
وبعد انهيار سور برلين في العام 1989م، أصبح العالم يسير في اتجاهٍ واحدٍ تقوده واشنطن، وأيًّا ما كان هذا الاتجاه صحيحًا أم خاطئًا، فعلى من يعترض أنْ يلقى آثامَ، كما عبَّر عن ذلك جليًّا فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التَّاريخ"، عندما قال في عبارةٍ مُتناقضةٍ أنَّ قاطرة الحداثة والدِّيمقراطيَّة سوف تدهس كلَّ من يقف أمامها!!
إلا أنَّ الاتجاه العام لتطوير التَّعامُل مع ملف "حقوق الإنسان" انحرف عن مساره؛ حيث برع الغرب في استخدام "حقوق الإنسان" كأداةٍ من أدوات الإمبرياليَّة الجديدة، ولكن لا شك أيضًا أنَّ هامش المساحة التي أتاحته مُنظَّمات حقوق الإنسان على تنوُّعِها من حرِّيَّة التَّعبير إلى كشف المستور من الحقائق المُروِّعة عن انتهاكات حقوق الإنسان استُخْدِمَ في كثيرٍ من الأحيان في إدانة الغرب نفسه.
وهنا تكمُن أشدُّ نقاط ضعف الحضارة الغربيَّة، ألا وهي التَّناقُض بين مفرداتها ومصالحها في الكثير من الأحيان، فكما كانت الدِّيمقراطيَّة أداةٌ لنجاح حركة حماس في الانتخابات التَّشريعيَّة الفلسطينيَّة في يناير 2006م، والتي تحوَّلت إلى كابوسٍ يقُضُّ مضجعِ الدَّولة العبريَّة، وبالتَّالي الغرب، كانت أيضًا مُنظَّمات حقوق الإنسان أداةٌ لإدانة جرائم الغرب في العراق، ووجوانتانامو وأفغانستان وغيرها.

وكما كان سيحدث- أيضًا- من إدانةٍ دوليَّةٍ لإسرائيل، صنيعة الغرب، لو تمَّت مناقشة تقرير جولدستون، رغم أنَّها تتعرَّض بالفعل للإدانة من العديد من المُنظَّمات الدَّوليَّة.
ورغم التَّاكيد على استقلاليَّة الكثير من مُنظَّمات حقوق الإنسان إلا أنَّ هناك شكوكًا حول هذه المسألة، فمثلاً، يُفتَرَض أنَّ منظمة هيومان رايتس ووتش، هي إحدى المُنظَّمات العالميَّة المُستقلَّة الأساسيَّة والمعنيَّة بالدِّفاع عن حقوق الإنسان، إلا أنَّ هناك جدلٌ يدور حول أنَّها وُجِدَت من أجل مساعدة الولايات المتحدة الأمريكيَّة على بسط سيطرتها ونفوذها، ولاستخدامها كأداةٍ للضَّغط على الشُّعوب والأنظمة لتحقيق أهدافها.
وتبقى في النَّهاية المُنظَّمات الدَّوليَّة لحقوق الإنسان، أداةٌ في يد الدِّول الكبرى التي تستطيع استغلالها الاستغلال الأمثل!!


أقرأ المزيد...

سقوط داروين على أيدي علماءٍ أمريكيِّين!!...



علماء أمريكيُّون يؤمنون بالكتاب المُقدَّس أثبتوا خطأ نظريَّة داروين "الدِّينيَّة"
-    عمر الهيكل الجديد أربعة ملايين وأربعمائة ألف عامٍ وهو أقدم بمليون عامٍ من الهيكل "لوسي"
-    الفاتيكان اتَّخذ من نظريَّة داروين وسيلة للتَّقرُّب من اليهود
-    قصَّة خلق الإنسان وردت في القرآن الكريم والكُتُبِ السَّماويَّة بوضوحٍ لا لبس فيه

(اتِّجاهات)- خاص
أخيرًا، وبشهادة علماءٍ أمريكيِّين لا يدينون بالإسلام، سقطت نظرية النشوء والارتقاء التي تبناها العالم الأمريكي اليهودي تشارلز داروين، والتي زعم فيها، من ضمن ما زعم، أنَّ الإنسان قد تطوَّر من أصولٍ تعود إلى رتبة الرئيسيات في مملكة الحيوان، وهي الرُّتْبَة التي تضم القردة العليا، مثل الشامبانزي وإنسان الغاب.
حيث أثبت فريقٌ من العلماء الأمريكيين أنَّ الإنسان قد خُلِقَ على هيئته الحالية، وقدموا دليلاً جديدًا على أنَّ نظرية النشوء والارتقاء كانت خطأً، وذلك بعد أنْبكشف فريقٌ عالميٌّ من علماء الأنثروبولوجي من جامعتي كين ستيت وكاليفورنيا الأمريكيتَيْن النقاب عن أقدم أثرٍ معروفٍ للبشر على وجه الأرض وهو هيكلٌ عظميٍّ بشريٌّ عثروا عليه في هضبة الحبشة في إثيوبيا، وكان على ذات شاكلة الإنسان الحالي، من استقامة القامة وشكل اليدَيْن والقدمَيْن.
ويبلغ عمر الهيكل الجديد حوالى أربعة ملايين وأربعمائة ألف عامٍ، وأطلق عليه اسم "أردي"، وهو أقدم بمليون عامٍ من الهيكل "لوسي" الذي عُثِرَ عليه في الخمسينيَّات الماضية في مكانٍ قريبٍ من مكان "أردي"، والتي كانت تعد من أهم وأقدم الأصول البشرية المعروفة.
وفي التَّفاصيل المُثيرة التي كشف عنها الباحثون الأمريكيُّون، فإنَّ الجد الأكبر للإنسان والجد الأكبر للقردة الحديثة كانا مختلفَيْن في كلا الحالتَيْن، وأكدوا أنَّ القردة تطوَّرت انطلاقًا من أصلٍ مختلفٍ تمامًا عن الأصل الذي تطوَّر منه الإنسان، ومن دون أنْ يكون أحدهما قد مرَّ بمرحلة الآخر.
وكشف الباحثون في تقريرهم الذي نشروه في مجلة (ساينس) الأمريكية المرموقة أنَّ "أردي" من أسلاف البشر، وأنَّ السلالات المنحدرة منها لم تكن قردة شمبانزي ولا أي نوعٍ من القردة المعروفة حاليًا.
وتعليقًا على هذا الكشف العلمي المثير للاهتمام، والمتوقَّع له أنْ يثير الكثير من الجدل في الأوساط العلمية والدينية، قال العالم الأنثروبولوجي الأمريكي أوين لوفجوي أنَّه أجرى دراسةً على الإنسان البدائي "أردي"، إنَّ البشر غالبًا ما يظنون الناس تطوروا من القردة، لكن ذلك ليس صحيحًا، وأضاف في دراسته التي نشرتها المجلة: "شاعت فكرة أنَّ البشر هم نسخةٌ متطورةٌ عن الشمبانزي لكن دراسة الإنسان البدائي ساهمت في تأكُّدنا بأنَّه لا يمكن أنْ يتطور البشر من الشمبانزي أو الغوريلا".
أما التَّعليق الأهم الذي ظهر على هذا الأمر، فقد كان ما قاله العالم المسلم الدكتور زغلول النجار أستاذ الجيولوجيا في عدد من الجامعات العربيَّة، من أنَّ الغربيِّين "قد بدءوا يعودون إلى صوابهم بعد أنْ كانوا يتعاملون مع أصل الإنسان من منطلقٍ ماديٍّ وإنكارٍ للأديان"، مؤكدًا على أنَّ هذا الكشف العلميِّ "وجه ضربةً قويةً لنظرية داروين، ويمثل تطورًا هامًّا جدًّا".
العلم يتحدَّث
من خلال وصف العلماء للهيكل العظمي الذي أطلقوا عليه اسمًا علميًّا معقدًا هو "أرديبيتيكوس راميدوس"، تثبت لنا صحة وجهة النظر الدينية حول خلق الإنسان، والتي أكدها القرآن الكريم صراحةً في أكثر من موضعٍ، من بينها سورة التِّين؛ حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾، وفي سورة الإسراء.. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾.
وقال العلماء إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقصد بمن لم يفضِّل البشر عليهم في لفظة "كثيرٍ" هذه، بعض الملائكة فقط، مثل سيدنا جبريل.
وفي هذا الإطار قال العلماء إنَّ الهيكل العظمي الجزئي لـ"أردي" يشير إلى أنَّها كانت أُنثى بطول 120 سنتيمترًا، ووزن 50 كيلوجرامًا تقريبًا، ويعود عمرها إلى 4.4 مليون سنة.
ولكن الأهم فيما أشارت إليه أبحاث العلماء هو أنَّه على الرغم من أنَّ "أردي" كانت لها رأسٌ تشبه رأس القرد، وأصابع قدمٍ مُتقابلةٍ تسمح لها بتسلق الأشجار بسهولةٍ، إلا أنَّ يديها ومعصميها وتجويف الحوض لديها تظهر أنَّها كانت تسير منتصبةً كالبشر، لا منحنيةً على مفاصل الأصابع كالشَّمبانزي والغوريلا.
وبحسب تيم وايت، وهو باحثٌ من جامعة كاليفورنيا بيركلي، فإنَّ المؤكد لدى العلماء، أنَّ الشمبانزي الحديث لم يتطور كثيرًا، وأنَّ الجد الأوَّل له كان مثل الشمبانزي الحالي تقريبًا، وهو ما يعني أنَّه لا يمكن أنْ يعود الإنسان والقردة العليا إلى أصل الإنسان الأوَّل.
كما أنَّ الأبحاث التي قامت بها مؤسسة "ريفت فالي" الأمريكية للأبحاث، في شأن تحليل كل عظام "أردي" التي عُثر عليها، أشارت إلى أنَّ هذا المخلوق كان أكثر مسالمةٍ من الشمبانزي الحالي، وأنها لم تكن تملك تلك الأنياب الحادة التي يملكها الشَّمبانزي، ويستخدمها في أثناء شجاره.
سجالٌ مستمرٌّ
من جانبٍ آخرٍ، فإنَّه لملف نظرية النشوء والارتقاء هذه جانبًا سياسيًّا؛ حيث مثلت مجالاً للمماحكة بين الكنيسة الكاثوليكية التي يمثلها الفاتيكان الذي اعترف العام الماضي بنظرية داروين بعد عقودٍ طويلةٍ من إنكارها، وبين الكنيسة البروتستانتيَّة الأمريكيَّة.
وفي الإطار قامت كنائسٌ أمريكيَّةٌ عديدةٌ بممارسة ضغوطٍ في الأعوام الماضية لاستبعاد تدريس نظريَّة النُّشوء والارتقاء في بعض المدارس والكُلِّيَّات الأمريكيَّة في حوالي 14 ولاية أمريكية، وبالذات في المناطق الجنوبيَّة الأكثر محافظة وتدينًا في الولايات المُتَّحدة.
وقدمت هذه الكنائس نظريةً بديلةً، هي نظريَّة "التَّصميم الذكي" التي تشير لوجود "قوةٍ خفيةٍ" وراء التَّطوُّر البشريِّ وخلق الكون، في إشارةٍ إلى الإله الواحد الخالق، وكان الأصوليُّون الأمريكيُّون وراء دعم مثل هذا التوجه.
ومن قبل ذلك فإنَّ الأمريكيون أنفسهم- ممَّن يشكل البروتوستانت أغلبيةٌ منهم- يُفضِّلون النَّظرة الإنجيليَّة القاطعة للتَّكوين التي ترفض نظريَّة داروين، ففي استطلاعٍ للرَّأي أجرته الـ(واشنطن بوست) فإنَّ ما بين 40% إلى 55% من الأمريكيِّين يرفضون الدَّاروينيَّة لصالح التَّفسير الإنجيليِّ لخلق الإنسان والكَوْن، وكان من بين هؤلاء الرَّئيس الأمريكيِّ السَّابق جورج بوش الابن.
وفي الإطار يميل الفكر الإسلاميُّ إلى تأييد نظريَّة "التَّصميم الذَّكي" هذه باعتبار أنَّها تعترف بوجود إلهٍ خالقٍ، بدلاً مما تطرحه نظرية داروين، والتي تزعُم بأنَّ الخلق قد تطوَّر بالصُّدفة البحتة، بدءًا من كائنٍ وحيد الخليَّة إلى كائناتٍ أكثر تعقيدًا، ثُمَّ تطوَّرت عبر ملايين السِّنين إلى كائناتٍ مُعقَّدةٍ كما هو الواقع الآن.
ولكن في النهاية يؤكد القرآن الكريم وسائرُ الكُتُبِ السَّماويَّة الأخرى بشكلٍ يقينيٍّ على مراحل خلق الإنسان منذ تشكيل أبو البشر، سيدنا آدم (عليه السَّلام) بيد الخالق عزَّ وجل، وحتى نزوله إلى الأرض من الجنَّة، وسيادة البشر لكوكبهم.
لماذا داروين؟
وقد ظهرت العديد من التَّفسيرات التي وُضِعَت لتفسير إقدام داروين على طرح نظريَّته هذه، ومن بينها أنَّ داروين أراد في نظريته "تدوير" الحقائق التي أثبتتها الكتب السَّماويَّة والأبحاث العلميَّة الجادَّة في صدد مسخ اللهِ تعالى للعُصاةِ من اليهود من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر من هيئتهم الإنسانيَّة إلى هيئة القِرَدَةِ والخنازير جزاءً لهم على عصيانهم لأوامر الله تعالى.
وفي هذا الإطار وجد داروين، مع ظهور أدلةٍ على مسخ يهود بني إسرائيل في القرية حاضرة البحر إلى قردةٍ، وكثيرٌ آخرون من اليهود ضرورةٌ للقول بأنَّه ليس اليهود فقط هم أحفاد القِرَدَةِ والخنازير، فطوَّروا نظرية داروين للقول بأنَّ كل البشر أصولهم تعود إلى القِرَدَةِ، وأنَّ نقمة الله تعالى على اليهود لم تكن بمسخهم تحقيرًا لهم، ولكن كانت مجرد إعادتهم إلى أصولهم!!، وهو بطبيعة الحال خيالٌ عاجزٌ مريضٌ.
وللتَّدليل على أنَّ هناك جوانبًا سياسيةً ودينيةً للموضوع، فإنَّ الفاتيكان في إطار الرغبة التي بدأت في عهد البابا السابق يوحنا بولس الثاني والحالي بينديكت السادس عشر لتحسين العلاقات مع اليهود، كان على رأس أولويَّاتهم الاعتراف بنظرية داروين، بعد تبرئة اليهود من دم السَّيِّد المسيح (عليه السَّلام).
وفي النهاية، فإنَّ الكشف الأخير، يؤكد قول الله تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة الشُّورى- من الآية 16].

أقرأ المزيد...

حلف النَّاتو.. أهدافٌ سياسيَّةٌ لأدوارٍ عسكريَّةٍ عالميَّةٍ!!...


كتب- عبد العظيم الأنصاري

تَكْمُن مُبرِّرات قيام أيِّ حلفٍ عسكريٍّ بين أكثر من دولةٍ في الجانب السِّياسيِّ، الذي يُمثِّل في كلِّ الحالات المُحرِّك الرَّئيسيِّ لقيام وانهيار الأحلاف، وفي الإطار يجب أنْ تصل الأطراف المُكوِّنة للحلف إلى قناعةٍ مفادها وجود مصالحٍ إستراتيجيَّةٍ خاصَّةٍ تربط بعضها بالبعض الآخر، ووجود أهدافٍ سياسيَّةٍ أو اقتصاديَّةٍ مشتركةٍ لا يمكن تحقيقها بشكلٍ مُنفردٍ، أو أنَّها في هذه الحالة ستتحقَّق بتكلفةٍ أعلى أو بمخاطرةٍ غير مضمونةٍ، هذا بالإضافة إلى وجود إرادةٍ سياسيَّةٍ لتحقيق هذه الأهداف.
وعند النَّظر إلى حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، نجد أنَّنا أمام تجربة تحالفٍ هي الأطول والأقوى عبر التَّاريخ.
ولا تعود نشأة فكرة الحلف إلى مرحلة ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية كما هو شائعٌ، بل تعود فكرة هذا الحلف إلى العام 1929م، وظهرت الفكرة بهدف تكتيل الدِّول الدِّيمقراطيَّة في مواجهة النُّظم الديكتاتوريَّة الفاشيَّة والنَّازيَّة والشُّيوعيَّة في العالم في ذلك الحين، بعد فشل التَّنظيم الدَّوليِّ ممثلاً في عصبة الأمم في ذلك الحين، في معالجة المشاكل الدَّوليَّة، ولكن اشتعال الحرب العالميَّة الثَّانية أخَّرت تنفيذ فكرة قيامه.
وبعد انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية، وقيام هيئة الأمم المتحدة، وظهور الاتحاد السوفيتيِّ كقوَّةٍ عُظمى تسعى إلى فرض نفوذها خارج حدودها؛ عادت الفكرة تتجسَّد مرَّةً أخرى من أجل تضافُر جهود دول أوروبا الغربيَّة لإنشاء منظومة دفاعٍ جماعيٍّ عن نفسها ضد أيِّ عدوانٍ شيوعيٍّ مُحتملٍ، خاصَّة بعد أنْ استولى الشُّيوعيُّون على مقاليد الحكم في تشيكوسلوفاكيا وإنشاء "الكومنفورم" الذي يضم الأحزاب الشُّيوعيَّة في العالم.
وبعد أنْ زاد التَّوتُّر بين الكُتلتَيْن الغربيَّة والشَّرقيَّة وبرُز عجز الأمم المتحدة عن وقف الصِّراع بينهما، شعرت الدول الأوروبيَّة بمدى الخطر الذي يتهدَّدها وضعف قدراتها العسكريَّة إزاء القُوَّة السُّوفيتيَّة الهائلة على حدودها الشَّرقيَّة.
وقتها صرَّح الرَّئيس الأمريكيُّ هاري ترومان بأنَّ الولايات المتحدة ستدعم "الأمم الحرة"، وتقدم لها المساعدة التي تطلبها.
وفي هذا الإطار اتجت أوروبا الغربيَّة إلى الولايات المتحدة وكندا، للبحث عن إمكانيَّة تحقيق الأمن المُتبادل، وفي 4 إبريل 1949م، وقَّعت اثنَيْ عشرةَ دولةٍ على معاهدة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو).
وقد بدأت الاتصالات في 6 يوليو 1948م، بين دول غرب أوروبا، ثم توالى دخولها في الحلف الجديد تباعًا، وفي يوم 18 مارس 1949م أُعْلِنَت نصوص الميثاق الجديد، وحُدِّد موعد التَّوقيع في أبريل 1949م في واشنطن.
وضم الحلف الأعضاء المُؤسِّسين التَّاليين: الولايات المتحدة، كندا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، النُّرويج، الدَّانمارك، أيسلندا، البرتغال، بلجيكا، هولندا، لوكسمبرج، وكانت أولى نتائج ذلك التَّحالُف إنهاء الاتِّحاد السُّوفيتيِّ لحصاره لبرلين، والذي استمر 323 يومًا، وذلك في 3 مايو 1949م، أي في أقلِّ من شهرٍ بعد تأسيس الحلف.
تدريجيًّا زاد عدد بلدان الحلف؛ حيث انضمَّت أربعِ دولٍ أخرى إلى الدِّول المُؤسِّسة، ليرتفع عدد الأعضاء إلى 16 عضوًا، ففي سبتمبر 1951م، تمَّت دعوة اليونان وتركيا للانضمام للحلف، وقد انضمتا رسميًّا في 18 أبريل 1952م، كما دُعِيَت جمهورية ألمانيا الاتحاديَّة (الغربيَّة) للانضمام عقب التَّوقيع على اتفاقيَّة باريس في أكتوبر 1954م، غير أنَّها لم تُصبِح عضوًا بصفةٍ رسميَّةٍ إلا في 9 مايو 1955م، وفي 10 ديسمبر 1981م وُقِّع بروتوكول انضمام إسبانيا للحلف وانضمت رسميًّا في 30 مايو 1982م.
وأخذ الحلف في التَّوسُّع؛ فضمَّ التِّشيك والمجر وبولندا سنة 1999م، ثم انضمَّت بلغاريا وأستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا سنة 2004م، ثمَّ انضمَّت كلٌّ من ألبانيا وكرواتيا في أوز أبريل من العام 2009م.
ومن خلال تتبُّع وتيرة انضمام الأعضاء الجُدُد للحلف نجد أنَّ الحلف قد توسَّع شرقًا شيئًا فشيئًا إلى أنْ ضمَّ دولاً كانت مُؤسِّسةً لحلف وارسو المضاد له، والذي انهار بانهيار الكُتلة الشَّرقيَّة والاتِّحاد السُّوفيتي السَّابق.
مُبرِّرات البقاء!!
في أعقاب سقوط حلف وارسو في يوليو 1991م، ثم تفكُّك الاتِّحاد السُّوفيتي، برَزَت العديد من التَّساؤلات حول مستقبل حلف النَّاتو بعد زوال مصدر التَّهديد الذي نشأ الحلف وتطوَّر لمواجهته.
وقد برز تيَّارٌ ينبع من المدرسة الواقعيَّة رأى أنَّ السُّقوط هو المآل الطَّبيعيُّ للحلف بعد تلاشي مصادر التَّهديد الأساسيَّة، وذلك من منظور نظريَّة توازُن القوَّة؛ غير أنَّ تيَّارًا آخر رأى من منظورِ توازن التَّهديد، والذي تحدَّث عنه الأكاديمي الأمريكي البارز ستيفن والت، والذي يقول إنَّ تفكُّك الحلف لا يعدُّ أمرًا حتميًّا، ومن ثَمَّ فإنَّه يمكنه أنْ يتعزَّز ويقوى ويستمر لفتراتٍ طويلةٍ قادمةٍ، إذا ما تمَّ وضع تصوُّرٍ جديدٍ لمصادر تهديدٍ جديدةٍ يُمكن من خلالها تطوير المفهوم الإستراتيجيِّ للحلف.
وقد كثُرَت الدِّراسات للبحث عن التَّهديدات الجديدة التي يمكن أنْ تُشكِّل مُبرِّراتٍ لاستمرار الحلف، مع ما يعنيه ذلك ضمنًا من استمرار القيادة الأمريكيَّة للحلف، وبالتَّالي لمنظومة الدِّول المنتصرة في الحرب الباردة، استمرارًا لدورها في قيادة المعسكر الغربيِّ منذ نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية؛ لأنَّ هذا الدَّور سيفقد الكثير من مقوِّماته إذا ما ضَعُفَ أو تفكَّك حلف النَّاتو ممَّا قد يُؤدِّي إلى ظهور قوَّةٍ جديدةٍ قد تُمثِّل تهديدًا لأيٍّ من دول الحلف.
من هنا كانت إرادة الحلفاء في الاستمرار، وبدأ الحلف في تطوير عُضويَّتِه وآليَّاتٍه، حتى يتماشى مع المُتغيِّرات الإقليميَّة والدَّوليَّة.
وتتمثِّل هذه المُبرِّرات في الآتي:
1.    وجود تهديداتٍ غير مباشرةٍ وأخرى مٌتوقَّعة لدول الحلف ولدولٍ صديقةٍ للحلفاء، ووجوب العمل لكبح جماحها، وتتمثَّل هذه التَّهديدات في صعود أيِّ قوَّةٍ جديدةٍ لها إرادةٌ سياسيَّةٌ مُستقلَّةٌ في منطقة الشَّرق الأوسط، وما سُمِّي فيما بعد بالشَّرق الأوسط الكبير، والمقصود هنا العالم العربيِّ والإسلاميِّ وذلك للسَّببَيْن التَّاليَيْن:
-    الأوَّل: أنَّ منطقة الشَّرق الأوسط (جنوب وشرق البحر المتوسط) هي منطقةٌ ذات حساسيةٍ عاليةٍ تجاه الأمن القوميِّ الأوروبيِّ؛ فالعقليَّة العسكريَّة الإستراتيجيَّة الأمريكيَّة والأوروبية خاصَّة تؤمن بأنَّ أيِّ صعودٍ أو تفوُّقٍ لأيٍّ من هذه الدِّول سيكون خصمًا من القوة الغربيَّة (الأوروبيَّة)، إنْ لم يأتِ على حسابها أو يُشكِّل تهديدًا مُباشرًا لأمنها.
وذلك ما أكَّدته الخبرة الأوروبيَّة التَّاريخيَّة التي لم تنس الحرب الضَّارية بين إمبراطوريَّة قرطاجة في تونس والإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، والتي انتهت بزحف الجيش القرطاجي بقيادة هانيبال على روما واختراق شمال شبه الجزيرة الإيطاليَّة بعد عبور جبال الألب، هذا بالإضافة إلى الفتح الإسلاميِّ للأندلس ووصول الجيش الإسلاميِّ إلى فرنسا وسويسرا، كما لم تنسَ القارَّة العجوز اهتزاز عروشها أثناء دق السُّلطان سليمان القانوني على أبواب فيينا.
-    الثَّاني: وجدت واشنطن في العالم الإسلاميِّ بديلاً للاتِّحاد السُّوفيتيِّ كعدوٍّ، بعد أنْ كان حليفًا في مواجهة السُّوفيت الذين سقطوا في العديد من الشِّراك المنصوبة لهم في أفغانستان، والتي أعدها المجاهدون العرب والأفغان بدعمِ ومساندةِ واشنطن.
وبعد أنْ أكَّد فرانسيس فوكوياما في كتابه الأشهر "نهاية التَّاريخ" أنَّ التَّاريخ الإنساني قد انتهى بانتصار الولايات المتحدة والغرب على الاتِّحاد السُّوفيتيِّ، خرج لنا صموئيل هنتنجتون بنظريَّة "صراع الحضارات"، التي أكَّد من خلالها أنَّ الحضارتَيْن الإسلاميَّة والصِّينيَة تُشكِّلان التَّحدي الحقيقي للحضارة الغربيَّة وهيمنتها، وأوصى بمحاصرة العالم الإسلاميِّ وعدم السَّماح لأيِّ دولةٍ إسلاميَّةٍ بالتَّقدُّم في مجال التَّسليح التَّقليديِّ أو النَّوويِّ.
2.    احتواء وتحجيم روسيا الاتِّحاديَة تحسُّبًا لأيِّ بعثٍ لها لتلعب دورًا رئيسيًّا على السَّاحتَيْن الأوروبيَّة والدَّوليَّة في المستقبل.
3.    احتواء دول شرق ووسط أوروبا من خلال ربطها بشبكة علاقاتٍ مع الحلف، وإبعادها عن أيِّ روابطٍ مستقبليَةٍ فيما بينها أو بينها وبين روسيا الاتِّحاديَّة، ومنع انبعاث الحركات القوميَّة الكُبرى في البلقان (صربيا الكبرى- ألبانيا الكبرى).
4.    دعم استمرار الهيمنة الأمريكيَّة السِّياسيَّة والعسكريَّة على البيت الأوروبيِّ، وهو ما ظهر جليًّا إبَّان أزمتَيْ البوسنة والهرسك وكوسوفا وتدخَّل الحلف في الحالتَيْن في توقيتٍ مُتأخِّرٍ بعد استنزاف المحاولات الأوروبيَّة لإثبات فشل أوروبا في حلِّ الأزمات، حتى ولو كانت داخل القارَّة، وبدون قيادة واشنطن.
5.    المحافظة على موطئ قدمٍ أمريكيَّةٍ في دول الحلف في أوروبا ضمن إطارٍ رسميٍّ قانونيٍّ يُمكن من خلالها تأمين خطوط مواصلاتها البحريَّة والجويَة، والانطلاق إلى أيِّ منطقةٍ إقليميَّةٍ أخرى على غرار ما تمَّ أثناء حربَيْ الخليج الثَّانية (1991م) والثَّالثة (2003م).
6.    توفير آليَّةٍ عسكريَّةٍ شبه دوليَّةٍ كواجهةٍ يُمكن للولايات المتحدة تنشيطها طبقًا لمصالحها في إطار غطاءٍ دوليٍّ يُحقِّق لها تفادي المُعارضة الدَّوليَّة في حالة عملها منفردةٍ خاصَّةٍ إذا أرادت القيام بعملٍ عسكريٍّ خارج نطاق الشَّرعيَّة الدَّوليَّة (الأمم المتحدة) كما حدث في حالة العراق 2003م.

الناتو.. من الدِّفاع إلى الهجوم!!
يبدو حلف النَّاتو منذ مطلع القرن الجديد أكثر اختلافًا في إستراتيجيَّته خاصَّة، وقد برز ذلك جليًّا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والهجوم على أفغانستان؛ حيث اتجه الحلف تحت قيادة واشنطن من سياسة الدِّفاع التي كان يرفعها شعارًا إلى سياسة الهجوم، والمقصود بالهجوم ليس مجرَّد القيام ببعض العمليَّات والمهام العسكريَّة الخاطفة، وإنَّما الهجوم على دولةٍ واستعمارها، وهذا ما حدث في الهجوم على أفغانستان 2001م.
ويبدو أنَّ الأعضاء المُؤسِّسين كانوا يضعون ذلك في حسبانهم عندما وضعوا ميثاق الحلف وصاغوا أهدافه، والتي تنص على "حماية دول العالم بشكلٍ عامٍ، وحماية الأعضاء بشكلٍ خاصٍّ"، وأيضًا "حفظ الأمن والاستقرار الدَّوليَّيْن"، وهي أهدافٌ هلاميَّةٌ، فالدَّور العسكريُّ المحوريُّ الذي يقوم به الحلف في أفغانستان يخرج عن الإطار الإستراتيجيِّ الذي تأسَّس من أجله الحلفـ والذي يتبنَّى العقيدة الدِّفاعيَّة لحماية أوروبا.
وبالتَّالي وجد المراقبون وضعًا فريدًا من نوعه؛ حيث عقيدة عسكريَّة هجومية تختلط فيها أوراق الهيمنة الأمريكيَّة بالأمن القوميِّ الإسرائيليِّ وحسابات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، مختلطةٌ كلَّها بأطماعِ رأس المال المُتمثِّل في الشَّركات مُتعدِّدة الجنسيَّات وتجارة النَّفط والسِّلاح والمرتزقة.
أفغانستان وتصدُّع الجدار
بعد مُضيِّ ثماني سنواتٍ على شنِّ الحرب الأمريكيَّة الأطلنطيَّة على أفغانستان، لم تتحقَّق أيٌّ من أهدافها بعد، فمثلاً لم يتم القبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، أو الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان أفغانستان، ولم يتحقَّق الأمن والاستقرار في هذا البلد المسلم المأزوم، فلم يتم بناء جيشٍ أفغانيٍّ قادرٌ على ضبط الأوضاع الأمنيَّة أو هزيمة طالبان أو القاعدة هزيمةً نهائيَّةً.
وبالرَّغم ما قاله الأمريكيُّون في بداية الحرب من أنَّ هذه الأهداف ستستغرق عامًا أو يزيد، فإنَّ العام زاد إلى ثمانيةٍ ولم يُنجَزُ شيءٌ على أرض الواقع.
ويبدو أنَّ قوات أكبر حلفٍ عسكريٍّ في التَّاريخ، والذي تأسَّس للوقوف في وجه الإمبراطوريَّة السُّوفيتيَّة، عاجزٌ عن هزيمة حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان بعد ثماني سنوات من الحرب الضارية.
ومنذ توليه مقاليد الحكم في واشنطن رأى الرَّئيس الأمريكيُّ باراك أوباما أنَّ السَّاحة الرَّئيسيَّة للحرب ضد الإرهاب هي أفغانستان، ووضع إستراتيجيَّةٍ لاجتثاث التَّمرُّد هناك تمثَّلت في الآتي:
-    توجيه ضرباتٍ عسكريَّةٍ قويَّةٍ ضد المُتمرِّدين من طالبان والقاعدة، بما في المعسكرات الموجودة في باكستان، حتى ولو أدَّى ذلك إلى أزمةٍ مع إسلام أباد.
وعدم الفصل بين ساحة القتال في أفغانستان وباكستان، قد يدفع الأخيرة إلى تقديم المزيد من التَّنازُلات لصالح قوات التَّحالُف في الوقت الذي تُعاني فيه من تمزُّقٍ شديدٍ، فالشَّارع الباكستاني في حالة غليانٍ من تكرار الانتهاكات العسكريَّة الأمريكيَّة الأطلنطيَّة للسِّيادة الباكستانيَّة، وقصف المدنيِّين.
كما أنَّه من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ الجيش الباكستانيِّ في حالة استنفارٍ شديدٍ بسبب ما آلت إليه أوضاع البلاد بين تصاعُد قوَّة ونفوذ الهند من جانبٍ، واتِّهامات كابول بالتَّقصير في مواجهة القاعدة وطالبان الَّلتان تجدان المأوى والحماية بين قبائل البشتون المُمتدة بطول الحدود الباكستانيَّة الأفغانيَّة.
ومهما كان استعداد باكستان لتلبية رغبات واشنطن وضرب حركة طالبان باكستان، فإنَّ الولايات المتحدة لن ترضى؛ حيث إنَّ هناك دوائرٌ أمريكيَّةٌ تؤكِّد أنَّ المُؤسَّسة العسكريَّة الباكستانيَّة، سواءً الجيش أو جهاز المخابرات العسكريَّة الباكستانيِّ المخيف (ISI)، مخترقةٌ بالفعل من قِبَلِ العديد من الجماعات الإسلاميَّة التي تُوصَف بالمُتشدِّدة.
-    زيادة حجم القوَّات الأجنبيَّة الموجودة، وهو ما يتمُّ مُراجعته في ظلِّ الفشل الذَّريع وارتفاع تكلفة الدِّماء الأطلنطيَّة.
-    المُساعدات الماليَّة الدَّوليَّة لتحسين المستوى المعيشيِّ للشعب الأفغانيِّ، والاهتمام بالبنية التَّحتيَّة هناك، والتي دمَّرتها الغارات الأطلنطيَّة في كثيرٍ من الأحيان.
-    إيجاد نظام في كابول يتمتَّع بالشَّرعيَّة بين أفراد الشَّعب، وهو ما لم تُفرزه الانتخابات الرَّئاسيَّة التي جرت في أغسطس الماضي؛ حيث يتمُّ التَّشكيك في نتائج الانتخابات ليس فقط من جهاتٍ داخليَّةٍ، وإنَّما من جهاتٍ دوليَّةٍ كذلك.
كما حاولت الولايات المتحدة أفغنة الصِّراع بتجنيد أكبر عددٍ مُمْكنٍ من الأفغان في الجيش والشُّرطة لتخفيف الضَّغط على قوَّات التَّحالُف، وهو في ذلك يُخالف أهم قاعدةٍ حربيَّةٍ، وهي ضرورة إيمان كلِّ جنديٍّ بالقضيَّة التي يُحارب من أجلها، وهو ما لا يتوفَّر لدى أغلب قوَّات الجيش والشُّرطة الَذين رأوا في الالتحاق بصفوف العسكر وظيفةً أفضل من غيرها في بلدٍ يُعاني الجهل والفقر والمرض.
وفي ذات الإطار أيضًا يجري حاليًا التَّفاهُم مع المعتدلين من حركة طالبان، ولكن لم يصل الطرفان بعد إلى تفاهمٍٍ واضحٍ في هذا الخصوص.
..........؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
يواجه حلف النَّاتو الآن أصعبَ اختبارٍ له منذ نشأته؛ فالأوروبيُّون الذين انضموا للنَّاتو من أجل أنْ يستظلُّوا بمظلَّة الحماية الأمريكيَّة من تهديد الاتِّحاد السُّوفيتي، يدفعون الآن ثمنًا باهظًا تحت القيادة الأمريكيَّة بين سفوح جبال أفغانستان الشَّاهقة؛ حيث تتحدث روما عن ضرورة سحب قواتها كما أنَّ كلاًّ من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، باتوا يشعرون بثقل هذه الحرب وتكلفتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة.
ولا يملك أوباما أو غيره قرار الانسحاب من أفغانستان.. الآن لا مجال للانسحاب، ولا بد من استكمال العمليَّات العسكريَّة، ليس فقط لأنَّ الأهداف المُعْلَنة من الحرب لم تتحقَّق، ولكن لأنَّ الواقع الإستراتيجيِّ يُؤكِّد هزيمة قوات النَّاتو أمام طالبان والقاعدة في حالة الانسحاب، ولن تمرَّ هذه الهزيمة بسهولةٍ على الغرب، فإنْ كانت هناك خلافات بين الحلفاء فيما يتعلَّق بالحرب على العراق، فلا يوجد أيِّ خلافٍ على الحرب في أفغانستان، بالإضافة إلى أنَّ البعض يتحدَّث في دوائرٍ غربيَّةٍ عن أنَّ الهزيمة في أفغانستان تعني أنَّ قرونًا من التَّفوُّق الغربيِّ ذهبت هباء.
فهل يُهزَم الحلفاء بالفعل؟.. هل تكون أفغانستان سببًا في حدوث صدعٍ يصعب معالجته في جدار النَّاتو الذي أسقط جدار برلين؟!!.. الأيام وحدها سوف تجيب عن ذلك!!.

......

أقرأ المزيد...

هولدن و(الصَّنداي تايمز).. حرب المخابرات في الشرق الأوسط...


العنوان: هارولد إيفانس: القتل العمد، المخابرات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) و(الصَّنداي تايمز)
المصدر: صحيفة (الصَّنداي تايمز) البريطانيَّة
التَّاريخ: 6 سبتمبر 2009م
المؤلف: الكاتب والصَّحفي البريطاني هارولد إيفانس، رئيس التَّحرير السَّابق لصحيفة (الصَّنداي تايمز)
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
هارولد إيفانس رئيس التَّحرير السَّابق (للصَّنداي تايمز) يكشف أسرر عالم الجاسوسيَّة بعد مقتل ديفيد هولدن مراسل صحيفة (الصَّنداي تايمز) بالقاهرة في السَّبعينيَّات الماضية.
*..*
لقد تمكنَّا في الأربعة عشر عامًا الماضية، التي عملت فيها كرئيس تحرير (الصَّنداي تايمز)، من الكشف عن كثيرٍ من الأسرار، ولكن أخطر هذه الأسرار التي يتم الكشف عنها الآن هي قضية اغتيال ديفيد هولدن رئيس شبكة مراسلي (الصَّنداي تايمز) في القاهرة في ديسمبر عام 1977م، فمن هو القاتل؟
منذ سنوات وأنا أتساءل من هو القاتل؟، ولكني لم أكتب عن هذا الموضوع من قبل، ولكنِّي الآن أكتب عن هذه الحادثة التي تتعلَّق بالجاسوسيَّة، وبدأت تتكشَّف حقائق هذه الحادثة ببطءٍ وبشكلٍ مؤلمٍ وبحقائقٍ ملموسةٍ.
في 19 نوفمبر عام 1977م، قام الرَّئيس المصريِّ محمد أنور السَّادات بزيارةٍ غير مسبوقةٍ للقدس لتقديم غصن الزيتون أمام الكنيست الإسرائيليِّ، وعرض السَّلام على إسرائيل نيابةً عن الدِّول العربيَّة، وذلك بعد تحقيق النَّصر في عام 1973م على إسرائيل.
السَّادات تعرَّض للشَّجْب من قِبَلِ الدِّول العربيَّة، كما اتُّهِم بالخيانة من قِبَلِ سوريا وليبيا والعراق واليمن الجنوبيِّ وجميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينيَّة.. هذه الدول رتَّبت لقاء قمة لتوجيه اللوم للسَّادات في ليبيا بعد زيارة السَّادات لإسرائيل.
هولدن الذي كان يبلغ من العمر 53 عامًا، وكان كالنَّجم السَّاطع كأفضل مراسلٍ صحفيٍّ يُغطِّي أخبار الشَّرق الأوسط، والذي تمكَّن من تغطية حرب يونيو 1967م، وحرب اكتوبر المعروفة بحرب يوم الغفران عام 1973م.
لقاءات هولدن بمسئولي المخابرات والدبلوماسيِّين والأكاديميِّين ورؤساء تحرير الصحف العربيَّة، جعلته دائمًا في خطرٍ، خاصة وأنَّه يعمل في منطقةٍ متوترةٍ.
هولدن كان يؤلِّف كتابًا عن المملكة العربيَّة السعوديَّة، ولكن في ذلك الحين طُلِبَ منه تغطية زيارة السادات لإسرائيل وردود الأفعال على هذه الزِّيارة، فقد خطط لزيارة سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل والضفة الغربية المحتلة، انتهاءً بمصر، ولكن يبدو أنَّ قرار اغتيال هولدن قد اتخذ بالفعل عند بدء جولته من سوريا.
يفيد هولدن بأنَّه كان من المقرر أنْ يصل إلى القاهرة على متن طائرةٍ قادمةٍ من الأردن مساء الثلاثاء 6 ديسمبر 1977م، ولكنِّي عندما حاولت الاتصال به في اليوم التالي للتشاور معه حول الموضوع الذي يمكن أنْ يكتبه لم أجد أحدًا يرد عليَّ، فأعطيت له فرصة لأتصل به مرةً أخرى، وكنت أعلم أنَّ عملية الاتصال بالشَّرق الأوسط صعبةٌ، ولكن يوم الخميس شعرت أنَّ هناك مشكلةٌ، فقررت أنا وزملائي البحث عنه في كل مكانٍ، وفي يوم الجمعة تمَّ التَّأكُّد من أنَّه غادر القدس ووصل القاهرة عن طريق طائرةٍ قادمةٍ من الأردن.
في وقتٍ متأخرٍ من يوم السبت 10 ديسمبر، وصلت رسالة إلى السفارة البريطانيَّة تفيد بأنَّ جثة رجلٍ أوروبيٍّ تمَّ العثور عليها، وهي موجودةٌ بمشرحة القصر العيني، وتوجه بوب جوبينز مراسل (بي. بي. سي) ليُفاجَئ بأنَّ القتيل هو ديفيد هولدن، كبير مراسلي صحيفة (الصَّنداي تايمز) في الشَّرق الأوسط، ولكنه لاحظ عدم وجود إصاباتٍ في جسد هولدن سوى جرحٍ صغيرٍ ولكنَّه نافذٌ في الصَّدر.
تمَّ العثور على جثة هولدن يوم الأربعاء 8 ديسمبر بعد تسع ساعاتٍ من وصوله القاهرة على الطريق السريع بالقرب من جامعة الأزهر، وقدماه قد تمَّ ربطهما بعضهما ببعض، وكذلك يداه، وكان من الواضح أنَّ أمرًا غريبًا حدث؛ حيث تم الاستيلاء على بطاقات الهوية الخاصَّة به، حتى علامة الصَّحافة التي كانت على الجاكت الخاص به.
هولدن تمَّ إطلاق النار عليه من مسافةٍ قريبةٍ؛ حيث اخترقت رصاصة عيار 9 مم صدره لتستقر عند قلبه، ومن الواضح أنَّ مقتل هولدن كان ما بين الساعة الثالثة صباحًا إلى الخامسة فجرًا، يعني بعد ثلاث ساعات تقريبًا من تحرُّكه من مطار القاهرة.
كانت الصدمة كبيرة لصحفيِّي (الصَّنداي تايمز)، فبعد الإعلان عن مقتله بساعاتٍ قرر 6 صحفيِّين التَّوجُّه للشَّرق الوسط لمعرفة الأماكن التي زارها هولدن قبل مقتله، والوصول إلى الجاني.
عدة أسئلة كان الصَّحفيِّين يبحثون عن إجابةٍ عنها، أهمُّها مَنْ الذي جاء مع هولدن على متن الطائرة "آر. جي- 503" القادمة من الأردن؟، هل تم رصد أحد الإرهابيِّين على متن الطائرة؟، هل كان هناك من ينتظره في المطار؟، كان كانت لديه مشاكلٌ في حياته الخاصَّة قد تكون هي السَّبب في قتله؟، هل هناك ما يشير إلى أنَّه مستهدفٌ من قبل العناصر الإرهابيَّة أو الفصائل الفلسطينيَّة؟، ما الذي لاحظه خلال جولته بالشَّرق الأوسط؟، وهل تلقَّى تحذيراتٍ بالقتل من أحد؟، هل طلب منه نقل رسالةٍ حسَّاسةٍ للغاية من أحد الأشخاص إلى شخصٍ مهمٍّ في القاهرة، ولا يمكن لهذه الرسالة أنْ تصل عبر الهاتف أو الفاكس؟.
الصحفيين تأكدوا من أنَّ هولدن في الأسبوع الذي زار فيه دول المنطقة التقى بالزُّعماء والدبلوماسيِّين العرب، ولكنه تسلم من الفلسطينيِّين بالضفة وثيقةً طُلِبَ منه تسليمها للرئيس السَّادات، تطالب السَّادات وتناشده بعدم التفاوض مع إسرائيل.
اتضح بعد ذلك أنَّ الصحفية الفرنسية كينايز مراد التي تعمل مع صحيفة (لو نوفول أوبسرفاتور)، والمتعاطفة مع منظمة التحرير الفلسطينية صاحبته في رحلته في سوريا والأردنن ونحن نعتقد أنَّها كانت تتتبعه وتنقل خططه إلى جهةٍ معينةٍ.
مراد بدت معجبة بشخصية هولدن، لقد ظلت معه في غرفته بالعاصمة الأردنيَّة عمَّان، حتى الواحدة صباحًا لتناول الشراب بعد تناولهم للعشاء معًا يوم الثالث ديسمبر، وفي الخامس من ديسمبر توجهت مراد وفي خطوةٍ غريبةٍ إلى سوريا في الوقت الذي سافر فيه الرئيس السوري وقتها (حافظ الأسد) والوفد المرافق له إلى ليبيا للمشاركة في القمة العربية الرافضة للخطوة التي قام بها السَّادات لعقد سلام مع إسرائيل.
تقارير الشرطة أكدت أنَّ هولدن لم يركب أيَّ تاكسي كان موجودًا بمطار القاهرة، مما يعني أنَّ هولدن ربما ركب سيارةَ أجرة شعبيَّة، ولكنها ستكون غير مريحةٍ له، ممَّا يدل على أنَّ هولدن ربما التقى بشخصٍ ما هو الذي أخذه من مطار القاهرة.
قرب منتصف ليلة الخميس 15 ديسمبر، تمَّ استدعاء جون باري وبيتر جيلمان إلى قسم شرطة الدُّقي، وهما من فريق إعداد التَّقارير في (الصَّنداي تايمز) بالقاهرة، والتقى بهما النبوي إسماعيل الذي شغل منصب وزير الدَّاخلية في مصر قبل مقتل هولدن بفترةٍ قصيرةٍ، وكان معه عددٌ كبيرٌ من القيادات الأمنيَّة الَّذين يُحقِّقون في مقتل هولدن، ويقفون بجوار سيارة (فيات 128)، والتي يُعتَقد أنَّ هولدن قُتِلَ فيها؛ حيث تم العثور بداخلها على حقيبته الحمراء وبها هديَّتَيْ عيد ميلاد لزوجته، بالإضافة إلى آلة كاتبة خاصة به عُثِرَ عليها في السيارة.
ووجدت بعضٌ من أوراق كتابه عن المملكة العربية السعودية كذلك، ولكنها وُجِدَت متفرقةٌ، ولوحظ أنَّ جواز سفره مفقودٌ، بالإضافة إلى فقدان كل الصور واللقطات التي التقطتها كاميرته خلال جولته في البلدان العربية.
إسماعيل ورفاقه يقولون إنَّ الدافع من قتل هولدن هو السرقة، ولكن كيف ذلك والمبالغ النقدية ما زالت بحوزة هولدن؟.. من الملاحظ أنَّ القتلة كانوا يبحثون عن شيءٍ معينٍ، ولا يريدون سوى هذا الشيء الذي يبحثون عنه.
هناك احتمالٌ كبيرٌ بأنَّ قتْل هولدن جاء بعد حديثه عن اكتشافه لفساد بمناصب عليا في المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، ولكنه أكد للصَّحفية الفرنسيَّة التي التقى بها في الأردن بأنَّه لا ينوي الكشف عن هذه الأسرار في كتابه لذلك كان هناك اعتقادٌ بأنَّ أوراق الكتاب الذي أعده هولدن عن السعوديَّة، والذي تم العثور على بعض أوراقه لم يكن مكتملاً.
الشُّرطة المصريَّة تقول إنَّ هولدن ربما وافق على ركوب سيارة أجرة شعبية طواعيةً توفيرًا للمال، ولكن هذا الموضوع مستحيل، فهولدن كان في رحلةٍ شاقةٍ، ومن المستحيل أنْ يُخاطر بنفسه من أجل جنيهات.
فهل أُجْبِرَ هولدن على دخول سيارة الأجرة؟، هذا أمرٌ مستحيلٌ، لأنَّ المطار مكتظٌّ برجال الأمن ، فمن الممكن أنْ يكون أحد رجال الشُّرطة هو الذي دفع هولدن لركوب السَّيارة أو شخصٌ آخرٌ انتحل شخصيَّة رجلٍ يعرفه هولدن، ولكن السيناريو المتداول حاليًا هو أنَّ الاحتمال الأكبر أنَّ أحد الأشخاص انتحل شخصيَّة رجل ينتظره هولدن.
إذا كان هولدن قد اختطف في سيارة فيات بيضاء، فإنَّه من الواضح أنَّ السيارة التي عُثِرَ عليها ليست هي السَّيارة التي قُتِلَ فيها.
الشُّرطة عثرت على سيارةٍ على مسافة 80 ميلاً شمال القاهرة، ووُجِدَت رصاصة في الكرسي الخلفيِّ مطابقة للرَّصاصة التي أُطْلِقَت على هولدن، عيار 9 مليمترات، وُوجِدَت العديد من بقع الدم على المقاعد الأمامية للسيارة.
بعد نقل الجثة إلى لندن وتشريحها، تبيَّن أنَّ هولدن تمَّ ربط يدَيْه بقوةٍ، وحدثت معركةٌ بينه وبين خاطفيه أثناء نقله من سيارةٍ لأخرى.
بعد شهرٍ من وقوع الحادث اكتشفت الشُّرطة سيارةً فيات ثالثة لها علاقة بالحادث، وكان من الواضح بعد استجواب أصحاب السيارات الثلاث أنَّها قد تمَّت سرقتها جميعًا، فالأولى سُرِقَت في الأسبوع الثَّالث من أكتوبر بعد أنْ اتَّخذ هولدن قرارًا بزيارة القاهرة، أمَّا بقيَّة السيارات، فقد تمَّت سرقتها يوم 6 ديسمبر، عندما قرر هولدن الانتقال من القدس إلى القاهرة، ممَّا يدل على أنَّ عملية الاختطاف مُدبَّرةٌ ومُخطَّطٌ لها مسبقًا.
خلال عطلة أعياد الميلاد عام 1977م، قُتِلَ دبلوماسيٌّ مصريٌّ رفيع المستوى في لندن، وقيل إنَّ العملية قامت بها عناصرٌ متشددةٌ من حركة فتح رافضة لمبادرة السَّادات للسَّلام مع إسرائيل، وقتها أكَّدت هيلينا كوبان مراسلة صحيفة (الصَّنداي تايمز) في بيروت، والتي كانت لها علاقات عملٍ جيدةٍ مع زعيم حركة فتح ياسر عرفات، الذي وعد بفتح تحقيقٍ في الحادث.
الصَّحفيَّان باري وجيلمان الَّلذان تمَّ التحقيق معهما في القاهرة، تمَّت دعوتهما لزيارة بيروت، وهناك التقوا في مبنىً مهجورٍ قُصِفَ أثناء الحرب الأهليَّة في لبنان، برجلٍ في مُنتصف العمر، اتَّضح بعد أنَّه علي حسن سلامة مسئول الاستخبارات بحركة فتح، الذي اتُّهم من جانب إسرائيل بتدبير عمليات اختطاف أثناء أولمبياد ميونيخ عام 1972م.
باري نقل تأكيدات علي حسن سلامة بأنَّ فتح لا علاقة لها بقتل هولدن لا هي ولا أيًّا من فصائل المقاومة الفلسطينيَّة، لأنَّه ليس من سياسة المقاومة الفلسطينيَّة اغتيال الصَّحفيِّين خاصَّة وأنَّ صحيفة (الصَّنداي تايمز) تُعتَبَر صديقة للفلسطينيِّين لأنَّها نشرت تقريرًا يتحدَّث عن سوء معاملة السُّجناء الفلسطينيِّين.
هناك تطورٌ كبيرٌ يؤكد على أنَّ احتمال ضلوع فتح في قتل هولدن احتمالٌ بعيدٌ، وذلك بعدما أكَّد بول إيدي احد مراسلي (الصَّنداي تايمز) في الأسبوع الثاني من يناير 1978م، أنَّ هناك مستنداتٌ تمَّت سرقتها من مكتب هولدن، من بينها 8 فاكسات تتحدَّث عن تغيير هولدن لوجهة سفره وتنقلاته أثناء جولته في الدول العربيَّة. بداية من قرار سفره إلى القاهرة مرورًا بجولته في الأردن والقدس.
الغريب أنَّ وثائق تتعلَّق بالتَّحقيق وشهادات باري وجيلمان جرت سرقتها، ممَّا يؤكد أنَّ هناك من يتجسَّس من الموظَّفين داخل مكتب (الصَّنداي تايمز) بالقاهرة على الصَّحفيِّين.
في 24 يناير قرَّر إيدي إخفاء كافة الوثائق المتعلقة بالتحقيق داخل خزينةٍ محكمةٍ، ولكنَّه فوجئ بأنَّ المستندات التي اخفاها سرقت ما بين 26 إلى 27 يناير، أي أنَّ الِّلص استغرق 36 ساعةً فقط للوصول إلى المستندات المتعلقة بجريمة اغتيال هولدن وكل ما يتعلق بالتحقيقات.
من الواضح أنَّ سرقة بيانات في لندن والقاهرة لا يمكن أنْ تقوم بها جماعةٌ إرهابيَّةٌ عاديَّةٌ، وهناك احتمال بضلوع (إم. آي- 6)، المخابرات البريطانيَّة الخارجيَّة، في عملية اختطاف هولدن وقتله، أو احتمال ضلوع منظمةٍ دوليَّةٍ كبيرةٍ في الحادث، خاصَّة وأن تكلفة العملية ليست بمقدور جماعاتٍ إرهابيَّةٍ.
الشرطة المصريَّة حاولت إثبات أنَّ الحادث إرهابيٌّ، ولكن كيف وهذه العملية لا تشبه عمليَّات الاغتيال التي تقوم بها الجماعات الإرهابيَّة، كما أنَّه من المعروف أنَّ الجماعات الإرهابيَّة تعلن عن العمليَّات التي تقوم بها، وهو ما لم يحدث في حادث اغتيال هولدن، فلم تظهر أيَّة جماعةٍ إرهابيَّةٍ تعلن مسئوليتها عن قتل هولدن.
هناك العديد من المشتبه فيهم بتنفيذ العمليَّة، ولديهم قدراتٌ على تنفيذ مثل هذه العمليَّات بسهولةٍ، أولاً لا يمكننا استبعاد المصريِّين من المسئولية، فربما هم المسئولين عن اغتيال هولدن، وربما وكالات الاستخبارات الأجنبيَّة كمخابرات إسرائيل أو الولايات المتحدة أو روسيا، وربما بريطانيا أو السعوديَّة، ومع ذلك فليس علينا أنْ نبحث عن قاتل هولدن، وإنما علينا أنْ نبحث كذلك عن علاقات القتيل.
هولدن هو ابن رئيس تحرير صحيفة (سندرلاند)، وتلقَّى تعليمه بمدارس كويكر وكلية إيمانويل، وعمل لمدة 3 سنوات كمدرسٍ للجغرافيا، ثم عمل مراسلاً لصحيفة (التَّايمز) ومن قبلها (الجارديان).
هناك حدثٌ مهمٌّ في حياة هولدن، فقد كان صديقًا لرجلٍ مسنٍّ ألمانيٍّ يدعى ليو سيلبرمان، كان متحمسًا للشُّيوعيَّة، وكان معاديًا للولايات المتحدة، ثم أصبح فجأة مؤيدًا للولايات المتحدة ومساندًا لإقامة دولةٍ إسرائيليَّةٍ، وقاد حملة ضد منتقدي الصُّهيونيَّة، وتعتقد الاستخبارات الأمريكيَّة أنَّه عميلٌ للمخابرات البريطانيَّة.
سيلبرمان كان قويًّا، وأكثر إثارةٍ من هولدن، ولكنهما كانا من العشَّاق الشَّواذ وفقًا لما أكَّده فريدي أخو سيلبرمان، وبعد وفاة سيلبرمان تزوج هولدن عام 1960م من روث لينام المصورة الصحفية بمجلة (الحياة).
فوجئنا بأنَّ هولدن من المخنَّثين، ومع ذلك حاولنا التَّعرُّف على ما وراء هذه العلاقة، فسألنا مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي والاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة الَّلتان تعمَّدتا المماطلة في الكشف عن أيَّة معلوماتٍ، لذلك قمنا برفع دعوى قضائيَّةٍ ضد الوكالة والمكتب للإفراج عن المعلومات بموجب قانون حُرِّيَّة المعلومات.
كان علينا أنْ نصل إلى المعلومات من مصادرٍ غير رسميَّةٍ، وعلمنا أنَّ هولدن التقى بعد أسابيعٍ من وصوله كمراسل لصحيفة (التَّايمز) إلى واشنطن عام 1954م بأحد العملاء السُّوفييت المعروفين، ولكن مكتب التحقيقات الفيدرالي رفض الكشف عن مزيدٍ من المعلومات، مؤكِّدًا على أنَّها تتعلَّق بالأمن القوميِّ، كما أنَّ الاستخبارات الأمريكيَّة تعاملت معنا بشكلٍ أقل ممَّا كان متوقَّعًا.
16 شهرًا مضت منذ أنْ رفعنا الدَّعوى القضائيَّة للحصول على معلوماتٍ بشأن هولدن وسيلبرمان  من الـ(إف. بي. آي)، والـ(سي. آي. إيه)، ولكن لم ينتج عن ذلك أيِّ ردٍّ، وفي النِّهاية أكدت وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة أنَّه ليس لديها ملفٌّ عن هولدن، وليس لديها أيَّة معلوماتٍ عن مقتله، ولكن سيلبرمان كان عميلاً أمريكيًّا بريطانيًّا في ذات الوقت.
حاولنا بعد ذلك الطَّلب من محكمةٍ أمريكيَّةٍ بأنْ تقوم بالضَّغط على الاستخبارات الأمريكيَّة، ومكتب التَّحقيقات الفيدراليِّ للكشف عن معلوماتٍ مُتعلِّقةٍ بهولدن في جلسةٍ سرِّيَّةٍ، ولكن المحكمة قالت إنَّ القضيَّة تتعلَّق بالأمن القوميِّ الأمريكيِّ ولا يُمكن الكشف عنها.
من هنا توقَّعنا أنَّ مقتل هولدن ربما يكون بسبب علاقته بأكثر من جهاز مخابراتٍ، كلُّ جهازٍ له أولويَّاتٌ مُعيَّنةٌ، ومقتله كان رسالةً من جهاز استخباراتٍ إلى جهازٍ آخرٍ بأنَّ القتل هو ثمن الخيانة لذلك فضَّلوا ترك جثَّتِه من دون إخفائها.
الآن علينا أنْ نحاول معرفة مَنْ الجهة الاستخباريَّة الأولى التي جنَّدته، والجهة الثَّانية التي جنَّدته  ليصبح عميلاً مزدوجًا، وهو ما دفع الجهة الأولى لاغتياله، معتبرةً أنَّ عمله لجهةٍ أخرى جعلته خائنًا.
هناك ثلاث وكالات لها مصالحٌ مع هولدن، إمَّا وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة أو الموساد الإسرائيلي، أو المخابرات السوفيتيَّة السابقة (كي. جي. بي).
من الواضح أنَّ الجهة الأولى التي جنَّدته هي المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، وهي التي قاومت بقوَّةٍ الكشف عن أيَّةِ معلوماتٍ عنه.
ولذلك فهناك احتمالٌ بتورُّط المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة والموساد في قتل هولدن بمساعدة مِنْ المصريين الذين اعتبروا أنَّ جولة هولدن بالدِّول العربيَّة ستُشكِّل خطرًا على توقيع اتِّفاقيَّة السَّلام، خاصَّة وأنَّ هناك احتمالٌ بأنَّ هولدن كان عميلاً للمخابرات السُّوفيتيَّة التي تنافس المخابرات الأمريكيَّة، وهو ما يعني أنَّ هولدن قُتِلَ كي لا يقوم بتسريب معلوماتٍ مُتعلِّقةٍ بقضيَّة السَّلام بين مصر وإسرائيل إلى الاتحاد السُّوفيتي.
وأقوى دليلٌ على هذا الرأي الرسالة التي حملها هولدن من أهل الضفة الغربيَّة إلى السَّادات، وهي الرسالة التي لم يتمكَّن من توصيلها، وكانت تتحدث عن طلب أهل الضفة من السَّادات وقف التعاون مع الإسرائيليِّين.
...

أقرأ المزيد...

تقريرٌ للكونجرس الأمريكيِّ حول المعونة العسكريَّة لإسرائيل والدِّول العربيَّة...


واشنطن- أميركا إن أرابيك
كشف تقرير صادر عن وحدةٍ بحثيَّةٍ بالكونجرس الأمريكيِّ عن وجود فروقٍ تفضيليَّةٍ شاسعةٍ بين المعونة الأمريكيَّة التي تقدم لدولٍ عربيةٍ مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية والعراق من جانبٍ، وبين المعونة التي تقدم لإسرائيل من جانبٍ آخرٍ، بما يتيح لها مرونةً هائلةً وفوائدَ أكبر من المُساعدات الخارجيَّة الأمريكيَّة.
وقال التَّقرير الصَّادر عن "خدمة أبحاث الكونجرس" (سي. آر. إس)، التي تُعَدُّ الذِّراعُ البحثيُّ لأعضاء الكونجرس، والهيئة التي يستعينون بها في توثيق قراراتهم، إنَّ إسرائيل هي "الدَّولة الوحيدة التي تحصل على كلِّ المعونة المُخصَّصة لها من الكونجرس دفعةً واحدةً في خلال 30 يومًا فقط من بدء السَّنة الماليَّة، في حين تضطرُّ الدِّول العربيَّة إلى تلقِّي المعونة متقطعةٌ طوال العام".
ويتيح هذا الشَّرط الفرصة لإسرائيل للقيام باستثمار هذه الأموال في سنداتٍ أمريكيَّةٍ تُعطيها عوائدًا كبيرةً إضافيَّةً على رأس المال نفسه.
وقال التَّقرير الصادر بعنوان "المساعدات الأمريكيَّة للشَّرق الأوسط" ويقع في 28 صفحة، إنَّ من بين الشًّروط التَّفضيليَّة التي تحصل عليها إسرائيل، ولا تحصل عليها مصر مثلاً، أنَّ إسرائيل يمكن أنْ تُنفق جزءًا من المعونة العسكريَّة الأمريكيَّة على مجال "البحث والتَّطوير" داخل مراكز في الولايات المتحدة نفسها.
وبندٌ تفضيليٌّ آخر، وفق التَّقرير، هو أنَّ إسرائيل يمكنها استخدام جزءٍ من المعونة لشراء أسلحةٍ وأجهزةٍ من شركاتٍ عسكريَّةٍ إسرائيليَّةٍ خاصَّةٍ، يقابل هذا أنَّ مصر، وهي التي تحصل على معونةٍ للحفاظ على اتفاقية السَّلام بينها وبين إسرائيل، والمُوقَّعة في العام 1979م، تضطر لشراء أسلحةٍ أمريكيَّةٍ بحوالي ثلث المعونة، في حين يُنفَق الباقي على تكاليف المتابعة والصِّيانة وخدمة ما بعد البيع.
يذكر أنَّ تقرير خدمة أبحاث الكونجرس تكون حصرية على أعضاء الكونجرس ومساعديهم، لكن يتم الإفراج عنها لاحقًا لعددٍ قليلٍ من الهيئات.
وقال التَّقرير إنَّ المساعدات العسكريَّة لإسرائيل سوف تزيد في العام 2018م، لتصل إلى 3.1 مليار دولار سنويًّا، وهو ما قد يُمكِّن إسرائيل من "شراء أكثر الأسلحة الأمريكيَّة تقدُّمًا وتطورًا بما في ذلك البيع المحتمل لطائرة (إف- 35) القتالية الضَّاربة" التي تُنْتِجُها شركة لوكهيد مارتن الأمريكيَّة، أكبر شركات التَّصنيع العسكريِّ الأمريكيَّة.
وكانت الشَّركة قد كشفت مطلع الشَّهر عن أول طائرة شبح مقاتلة يتم تدشينها فى البحريَّة الأمريكيَّة،، وهى لطائرةٍ من نوع "إف- 35 سي"، والتي تُعدُّ أحدث الطَّائرات لدى القوَّات المسلحة الأمريكيَّة.
وقالت لوكهيد مارتين، في بيانٍ لها، إنَّ الطائرة "إف- 35" تُعْتَبر فريدةٌ من نوعها في العالم، وتُعْتَبَر من جيل الطَّائرات القتاليَّة الخامس، وتتميَّز بمزيجٍ من إمكانيَّات التَّسلُّل المُتقدِّمة، مع سرعةٍ تفوق سرعة الصَّوت، كما أنَّها متعدِّدةُ الأدوار، وتقول الشَّركة إنَّ أوَّل الإنتاج قد يبدأ لآخر العام الحالي للطَّائرة التي بها أنواعٌ يمكنها الهبوط رأسيًّا من دون الحاجة الى مهبطٍ.
وذكر التَّقرير أنَّ إدارة الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، قد وافقت على زيادة المعونة  الأمريكيَّة المُقدَّمة للكيان بمقدار 6 مليارات دولار خلال عشر سنواتٍ، بما في ذلك بندٌ يُعطي لإسرائيل الحقَّ في إنفاق 26.3 في المائة من المساعدات الأمريكيَّة العسكريَّة على شركاتٍ إسرائيليَّةٍ، في حين تُحرَم الدول العربيَّة من إنفاق هذا على شركاتها.
يذكر أنَّ الإدارة الأمريكيَّة الحالية قد طلبت 2.7 مليار دولار لإسرائيل من المساعدات العسكريَّة لعام 2010م، في حين بلغ الطلب لمصر 1.3 مليارًا، أي أقل بأكثر من النِّصف.
وقال التَّقرير، الذي كتبه خبير شئون الشَّرق الأوسط في خدمة أبحاث الكونجرس جيريمي شارب: "لقد اتخذ الكونجرس إجراءات لتقوية أمن إسرائيل، والحفاظ على تفوقها التكنولوجي على العسكريين في الدِّول المجاورة".
على صعيدٍ آخر كشف التَّقرير أنَّ مصر طلبت زيادة المعونة العسكريَّة، على غرار الزِّيادة التي حصلت عليها إسرائيل، لمواجهة التكلفة المتزايدة للأسلحة والمُعدَّات الأمريكيَّة التي تقوم مصر بشرائها من الولايات المتحدة.
وقال التَّقرير إنَّ العسكريِّين المصريِّين طلبوا "أكثر من مرَّةٍ زيادة التَّمويل العسكريِّ لمواجهة الكُلفة المُتزايدة للصِّيانة وخدمة المُتابعة وما بعد البيع".
وقال التَّقرير إنَّ مصر تضطر لانفاق ثُلُثِ المعونة الإجماليَّة التي تبلغ 1.3 مليار دولار على شراء أسلحةٍ أمريكيَّةٍ جديدةٍ، في حين تضطر لإنفاق الباقي على تطوير المُعدَّات الموجودة وبين عمليَّات الصِّيانة وخدمة ما بعد البيع.
وأضاف التَّقرير أنَّه "من المُنتَظَر أنْ تقل هذه النِّسبة (أي الثُّلُث) في المستقبل البعيد، نتيجة الكُلفة المُتزايدة لعقود الصِّيانة وخدمة ما بعد البيع".
وقال التقرير أيضًا إنَّ برنامجَ "التَّدريبَ العسكريَّ الدَّوليَّ، الذي تقوم فيه العسكريَّة الأمريكيَّة بتدريب ضُبَّاطٍ من جيوشِ دولٍ صديقةٍ، بلغت كلفته لصالح مصر 1.4 مليار دولار سنويًّا"، مضيفًا أنَّ مصر تحصل على أسلحةٍ بملايين الدُّولارات من برنامج "تكهين وإحلال" الأسلحة الأمريكيَّة القديمة أو غير المستخدَمَة.

أقرأ المزيد...

لن تسير أبدًا بمفردك!!...


إسرائيل: تأييد أوباما للعرب لم يؤثر على الدعم المقدم لإسرائيل
إعداد: قسم التَّرجمة بوحدة الدِّراسات

ثارت في الفترة الأخيرة مجموعة من النَّقاشات في دهاليز السِّياسة الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، بما في ذلك الأوساط الإعلاميَّة ودوائر صناعة القرار في كلا البلدَيْن حول موقف الإدارة الأمريكيَّة الجديدة من الأوضاع في الشرق الأوسط، والضُّغوط التي تمارسها الولايات المتحدة في الوقت الرَّاهن على إسرائيل فيما يخص مسألة تجميد المستوطنات في الضفة الغربيَّة المحتلة.
ويرى البعض أنَّ الموقف الأمريكي غير جادٍّ فيما يخص فرض ضغوط على إسرائيل تلزمُها بوقف بناء المستوطنات، ويدللون على ذلك بموقف الإدارة الأمريكيَّة الأخير الذي أعلن عنه مسئول إسرائيلي رفيع، والذي أكَّد قبول واشنطن لعرضٍ إسرائيليٍّ يعتمد على أساس تجميد البناء والتوسيع المستوطنات لمدة تسعة أشهر، ولكن القرار الإسرائيلي استثنى القدس المحتلة، وكذلك أعمال بناء مُؤسَّسات خدميَّة وحكوميَّة في المستوطنات القائمة بالفعل!!

وكان من بين الآراء والمواقف التي أثارت عاصفة من النقاشات والانتقادات ما طرحه يورام إتينجر، القنصل الإسرائيلي العام السابق في الولايات المتحدة؛ حيث خالف الاتجاه العام القائم في إسرائيل، وقال إنَّ الطريقة التي تتعامل بها الحكومة الإسرائيليَّة مع واشنطن في هذا الإطار، تهدد المصالح الإسرائيليَّة.
وفي هذا الإطار نشرت صحيفة (اليديعوت أحرونوت) الإسرائيلية مقالاً مهمًّا لأتينجر بتاريخ 17 أغسطس 2009م عرض فيه الدِّبلوماسي الإسرائيليِّ خلاصة آراءه حول هذا الأمر.
ويخلص المقال في النَّهاية إلى أنَّ كل ما يجيء من مواقفٍ على لسان الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما وأركان إدارته في هذا الإطار، أو ما وصفه بتأييد أوباما للعرب لن يمس الدعم الأمريكي لإسرائيل، باعتبار أنَّ المصالح بين الطَّرفَيْن أكبر بكثيرٍ من عوارض السِّياسة الإقليميَّة والدَّوليَّة، وباعتبار الرَّابط الدِّيني القائم بين الجانبَيْن!!
فإلى المقال:
لقد قدَّم الشعب الأمريكي عرضًا طويل الأجل لدعم الدَّولة اليهوديَّة على الرَّغم من سياسة الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما المؤيدة للعرب، وتحديًا لتوجهات صحيفتَيْ (النيويورك تايمز) و(الواشنطن بوست)، اللتَيْن هما على النَّقيض من توجهات صحيفة (الوول ستريت جورنال) التي تدعم إسرائيل.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجراه مركز راسموسن في 10 أغسطس الجاري، وهو المركز الذي يمكن الاعتماد عليه واعتماد استطلاعات الرَّأي الصادرة عنه، فإنَّ 70 % من النَّاخبين الأمريكيِّين يعتبرون إسرائيل حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، في حين كان 66% من النَّاخبين الأمريكيِّين قد قالوا بأنَّ إسرائيل حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وذلك في الاستطلاع الذي أجراه مركز راسموسن في 2 يونيو 2009م، بينما اعتبر 8 % فقط من الأمريكيِّين أنَّ إسرائيل تُعتَبَر عدوٌ للولايات المتحدة.

استطلاع الرَّأي الأخير الذي أجراه مركز راسموسن كشف عن تأييد 39% من النَّاخبين الأمريكيين لمصر باعتبارها حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وحصلت المملكة العربية السعودية على تأييد 23% من الأمريكيِّين، وحصل العراق على تأييد 17% من الأمريكيِّين.
وأظهر الاستطلاع كذلك أنَّ 32% فقط من المسلمين بالأقطار الإسلاميَّة نواياهم حسنةُ تجاه الولايات المتحدة الأمريكيَّة، واعتبر 21% أنَّ علاقات الولايات المتحدة بالأقطار الإسلاميَّة ستتحسن عام 2010م، في حين اعتبر 25% بأنَّ علاقة الولايات المتحدة بالأقطار الإسلاميَّة ستشهد تدهورًا عام 2010م.
وأظهر الاستطلاع كذلك أنَّ 34% من الأمريكيِّين يعتقدون أنَّ الفلسطينيِّين من الممكن أنْ يعترفوا بحق إسرائيل في الوجود، في حين يعتقد 74% من النَّاخبين الأمريكيِّين أنَّ تحقيق السَّلام الدَّائم بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين لن يتحقَّق في غضون 10 سنوات.
في 3 مارس 2009م أظهر استطلاعٌ للرَّأي أجراه معهد جالوب في الولايات المتحدة أنَّ إسرائيل تأتي في المرتبة الرَّابعة بعد بريطانيا وكندا واليابان، وقبل ألمانيا، كحليفٍ قويٍّ للولايات المتحدة.
نتائج استطلاع الرَّأي الذي أجراه معهد جالوب في 3 مارس 2009م تتَّفق إلى حدٍّ ما مع نتائج الاستطلاع الذي أُجرِيَ في 3 مارس 2008م، واعتبر أنَّ إسرائيل تأتي في المرتبة الخامسة بعد ألمانيا وقبل الهند وفرنسا وكوريا الجنوبية والمكسيك كحليفٍ قويٍّ للولايات المتحدة بنسبة تأييدٍ بلغت 71%، في حين اعتبر 14% فقط من الأمريكيِّين أنَّ السُّلطة الفلسطينيَّة هي حليفٌ قويٌّ للولايات المتحدة، وحصلت كوريا الشمالية على 12%، وإيران على 8%، لتصبحان بذلك أقل دول العالم في نظر الأمريكيِّين تحالفًا وتأييدًا للولايات المتحدة.
استطلاعات الرَّأي السَّابقة تدلُّ على أنَّ تصريحات أوباما وكبار مستشاريه المُؤيِّدة للعرب والمسلمين، ومحاولة إدانة إسرائيل باعتبارها عقبةٍ في طريق السَّلام لم تؤثِّر على دعم الأمريكيِّين لإسرائيل، وفي ذات الوقت لم تُغيِّر وجهة نظر الأمريكيِّين الذين يَشكُّون في نوايا العرب والمسلمين، بمن فيهم الفلسطينيين.
وينظر الرَّأي العام الأمريكيِّ لإسرائيل باعتبارها نموذجٍ لمكافحة الإرهاب، ويمكن أنْ يكون لها دورٌ في منع تكرار هجمات 11 سبتمبر 2001م، في حين ينظر الأمريكيُّون للعرب على أنَّهم مناهضين للولايات المتحدة، ويمكن أنْ يُكرِّروا سيناريو 11 سبتمبر.
دافع الضَّرائب الأمريكيُّ يعتبر المسلمين هم السَّبب الحقيقي في زيادة الضَّرائب المفروضة عليه، بسبب الإجراءات الأمنيَّة المُشدَّدة في المطارات الأمريكيَّة، والتي تحتاج إلى أموالٍ طائلةٍ تحصل عليها الإدارة الأمريكيَّة من أموال دافعي الضَّرائب الأمريكيِّين، وتُؤثِّر وسائل الإعلام الأمريكيَّة سلبًا على الدَّعم الشَّعبيِّ الأمريكيِّ للمسلمين بسبب نقلها واهتمامها بإبراز صورة المسلمين في العراق وأفغانستان الذي يفجرون ويقتلون الأمريكيِّين هناك.
الدَّعم الأمريكيُّ لإسرائيل لم يتوقَّف منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948م، باعتبارها دولةٍ تُقيم العدل وتُحارب الظُّلم، وتُواجه نفس التَّحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، في حين يُنْظَرُ للعرب والمسلمين على أنَّهم ظالمين ومُخادعين، ودائمًا يُشكِّلون تهديدًا للولايات المتحدة وإسرائيل على السَّواء.
الدَّعم الأمريكيُّ لإسرائيل ما كان له أنْ يتمَّ ويستمرَّ لولا المصالح المُشتركة بين الجانبَيْن، كما أنَّ هناك استثماراتٌ كبيرةٌ بينهما في مجالات التِّجارة والطِّب والزِّراعة والتَّعاون العسكريِّ، وأبعد من ذلك، يمكن القول بأنَّ الولايات المتحدة كانت تدعم إقامة دولةٍ يهوديَّةٍ منذ القرن السَّابع عشر الميلاديِّ.
الولايات المتحدة هي أكثر الدِّول الدِّيمُقراطيَّة الغربيَّة تديُّنًا؛ حيث يؤمن 91% من الأمريكيِّين بالله، وهؤلاء تقوم عقيدتهم على التَّعاليم الدِّينيَّة المشتركة بين اليهوديَّة والمسيحيَّة، وليس على التَّعاليم المشتركة بين الإسلام والمسيحيَّة، وللعقيدة اليهوديَّة دورٌ كبيرٌ في تشكيل الفكر الثَّقافيِّ والقضائيِّ والسِّياسيِّ عند الأمريكيِّين.
ويهتم 45% من الأمريكيين بحضور درس الأحد بالكنيسة للاستماع إلى تعاليم وخطبة الكتاب المقدس الذي يوجد في كل غرفةٍ بفنادق الولايات المتحدة، كما يُباع حوالي 15 مليون نسخةٍ من الكتاب المقدس سنويًّا بالولايات المتحدة، حتى أنَّ القنوات الدِّينيَّة في الولايات المتحدة زادت خلال الثَّلاثين عامًا الماضية من 9 قنوات إلى 275 قناة.
وممَّا يدل على تعاطف الأمريكيِّين مع اليهود، فإنَّ تمثال سيدنا موسى يقع في واجهة مكتب رئيس الكونجرس الأمريكيِّ بواشنطن، وعلى مكتب قاضي المحكمة العليا الأمريكيَّة، كما تُوجد خُطط لنشر الوصايا العشر لسيدنا موسى وتماثيل له في عددٍ من الولايات الأمريكيَّة.
الحقيقة أنَّ إسرائيل تعتمد على النَّاخبين الأمريكيِّين كوسيلةٍ للضَّغط على أعضاء مجلس النُّواب ومجلس الشُّيوخ إذا ما حاولوا رفع أيديهم عن دعم إسرائيل، لذلك تُركِّز إسرائيل ومُؤيِّدوها على كسب الرَّأي العام الأمريكيِّ كوسيلةٍ للضَّغط على السِّياسيِّين...

أقرأ المزيد...

الفوضى الخلاقة وعلاقتها بوضع العالم العربيِّ والإسلاميِّ الحالي...


دراسة من إعداد: أحمد عبد الفتاح

لم يكن العالم قبل العام 2005م يسمع عن مصطلح الفوضى الخلاقة، ولم تذكر أيٌّ من مراجع العلوم السِّياسيَّة أيَّ تعريفٍ حول هذا المصطلح قبل هذا التَّاريخ إلى أنْ خرجت وزيرة الخارجيَّة الامريكيَّة السَّابقة كوندريزا رايس في العام 2005م وفي حديثٍ لها لصحيفة (الواشطن بوست) الأمريكيَّة، وصفت فيه ما يحدث على أرض العراق من أعمال عنفٍ وعنفٍ متبادلٍ، بأنَّها فوضى خلاقة


وفي حوارها هذا أسهبت رايس في إيضاح أنَّ أعمال العنف في العراق هي نوعٌ من أنواع الفوضى التي ستُفضي إلى دولةٍ الدِّيمُقراطيَّة المنشودة في العراق، وحصرت رايس الفوضي الخلاقة بالفوضى التي تنتجها عمليَّة تحولٍ ديمُقراطيٍّ، كاحتلال الولايات المتحدة للعراق، على حد وصفها.
ومنذ هذا التَّاريخ أصبح مصطلح "الفوضى الخلاقة" هو المصطلح الرَّسميِّ الذي تستخدمه الإدارة الأمريكيَّة ومسئوليها لوصف الحالة في العراق وشبَّهه بعض الكُتَّاب بمصطلح" النِّيران الصَّديقة" وغيرها من المصطلحات التي وضعتها الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة لتُداري بها عجزها على مختلف الصُّعُد في العراق وأفغانستان.
ويرى أغلب المحللين السياسيين أنَّ مُصطلح "الفوضى الخلاقة" هو تغطيةٌ للفشل الأمريكيِّ الذَّريع في المنطقة لدرجة أنَّ "الفوضى" أصبحت مصلحةً أمريكيَّةً مؤقتةً، فالفوضى لم تكن يومًا ولن تكون يومًا بنَّاءة بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي دائمًا هدَّامة، والمقصود بالبنَّاءة هنا التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وبذلك تكون بنَّاءة للولايات المتحدة ولكن هدَّامة للجميع(1).
وأجمع المحللين السياسيين على أنَّ "الفوضي الخلاقة" هو مصطلحٌ وُضِعَ لوصف أيِّ نوعٍ من أنواع الفوضى تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وليس أدلَّ على ذلك من مقال الباحث الامريكي مايكل ماكفيل في أحد أعداد دوريَّة (البوليسي ريفيو)، قال فيه إنَّه "لم يعد في وسع الولايات المتحدة الحفاظ على الوضع الرَّاهن فقط، فهي تسعى إلى التَّغيير، وهذه المهمة يجب أنْ تكون عدوانيَّة بطبيعتها، لأنَّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مجرد الانتظار ثم القيام بردِّ فعلٍ على الهجوم التَّالي، وأصبح عليها أنْ تُبادر هي بالهجوم".
وحدَّد ماكفيل فيما بعد خطوط "الفوضى البنَّاءة" التي يجب اتباعها في الشَّرق الأوسط، وهي: التزام الإدارة الأمريكيَّة بـ"مبدأ الحرِّيَّة" والتَّرويج لها، على أنْ يتم توسيع الحريَّات الفرديَّة وإزالة القوى المُعارِضة للحرِّيَّة، سواءً أكانوا أفرادًا أو منظماتٍ أو أنظمةً، فيجب أنْ يتضمن مصطلح الإدارة عن "الفوضى الخلاقة" معنيَيْن: الأول التَّدمير، والثَّاني البنَّاء، وأنَّ العدو الذي يجب تدميره هو أيديولوجيٌّ بالدَّرجة الأولى، وهو "الشُّموليَّة الإسلاميَّة" وليس الإسلام نفسه.
ولكن في حقيقة الأمر هذا مجرَّد تغطية، فالجميع يعلم أنَّ الإسلام محارَب، ويستمر ماكفيل بالقول إنَّ نشر الدِّيمُقراطيَّة في الشَّرق الأوسط سيكون للمصلحة الأمريكيَّة، بما يتضمنه ذلك في شأن التركيز على الحرِّيَّة الفرديَّة، ثمَّ تطبيق الدِّيمُقراطية لاحقًا(2).
ويعلق أستاذ العلوم السِّياسيَّة المصريِّ الدُّكتور حسن نافعة على مصطلح "الفوضى الخلاقة" قائلاً: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يتحفنا فيها الأكاديميُّون المتخصِّصون وصُنَّاع السِّياسة الأمريكيَّة بمصطلحاتٍ من هذا النوعن فقد أصبح صك المصطلحات السِّياسيَّة غير المألوفة حرفةً أمريكيَّةً خالصةً، ومجالاً محجوزًا لا يقدر أحدٌ على الدُّخول إلى حلبة المنافسة فيه!".
ويبدو أنَّ هذه الحرفة تحوَّلت إلى صناعةٍ تطرح منها في سوق السِّياسة ما تشاء بين الحين والآخر، وسيكون من السَّذاجة بمكان الاعتقاد بأنَّ هذا النَّوْع من المصطلحات الغريبة يأتي من وحي الخاطر مصادفةً، فالواقع أنَّها مصطلحاتٌ مدروسةٌ بعنايةٍ، ويُقْصَدُ بها أداء وظائفٍ مُحدَّدةٍ للتَّضليل وإخفاء حقيقة النِّيَّات وتجميل العيوب الظَّاهرة في المواقف والسِّياسات، فالأوضاع التي يدركها النَّاس على أنَّها تنطوي على قدرٍ ما من "عدم الاستقرار" أو "الغموض" أو "الفوضى" هي بطبيعتها أوضاعٌ سلبيَّةٌ، لكنَّها حين تأتي مقترنةٌ بأوصافٍ أخرى، ويصبح عدم الاستقرار "منضبطًا"، والغموض "بناءً"، والفوضى "خلاقة"، فمن الطَّبيعي أنْ تتبدَّل الأمور وتتحوَّل صورةُ السَّلبيِّ إلى إيجابيٍّ والقبيح إلى حسنٍ.
ويضيف نافعة: "ولأنَّنا لا نسأل أنفسنا عادةً ذلك السُّؤال البديهي حول صاحب المصلحة، فغالبًا ما يقع بعض مثقَّفينا بحسن النِّيَّة، أو يتعمدون الإيقاع بنا بسوء نيَّةٍ، في مصيدة هذه المصطلحات الأمريكيَّة المضلِّلة(3).
وفي حقيقة الأمر فمصطلح "الفوضى الخلاقة" هو الشَّقيق الأصغر لسلسةٍ طويلةٍ من المصطلحات التي اعتادت الإدارة الأمريكيَّة علي اختراعها مثل "الغموض البنَّاء"، على سبيل المثال، تمَّ صكُّه في نهاية عقد التِّسعينيَّات الماضية، لتبديد القلق من الغموض الذي اكتنف اتفاقات أوسلو، خصوصًا بعد بداية تعثر تنفيذها على الأرض.
هل يوجد- حقًّا- فوضي خلاقة؟:
علمنا مما سبق أنَّ "الفوضى الخلاقة" هي الفوضى التي تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولكن السُّؤال: "هل هناك فوضى تصب في مصلحة الشُّعوب عامَّةً؟".
بالتاكيد إنَّ الإجابة على هذا التَّساؤل بـ"لا"؛ حيث إنَّه لا يوجد مثل هذا النَّوع من الفوضى لأسبابٍ عدَّة، أهمها أنَّ الفوضى في تعريفها هي حالة من اللا نظام ووفق جميع النَّظريات السياسيَّة، ولذلك فلا يمكن لحالةٍ من اللا نظام أنْ تُنْتِج نظامًا ديمُقراطيًّا أو تُنْتِج شيئًا لصالح الشُّعوب حتى الثَّورات الشَّعبيَّة- كالثَّورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة- بالرَّغم من كونها تحرُّكٍ عفويٍّ من الشَّعب.
إلا أنَّه لا يمكن إطلاق مصطلح الفوضة الخلاقة عليه لسببٍ بسيطٍ، أنَّه كان هناك من يُحرِّك الجموع الغاضبة، كما أنَّ كل الجموع اتَّحدت على هدفٍ واحدٍ، وهو الإطاحة بنظام شاه إيران السَّابق، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد الفوضى، وهي عدم اتِّحاد الاتِّجاه والوجهه.
وقبل الخوض في الوضع المصري وتداعياته وعلاقته بمصطلح "الفوضى الخلاقة"، يجب علينا المرور سريعًا على بعض أهمِّ البؤر التي أطلقت عليها الإدارة الأمريكيَّة- بصفتها مبتكِر المُصطلح- وضع "الفوضى الخلاقة"، فبالرُّجوع إلى ما قاله الباحث الامريكي مايكل ماكفيل، وعندما ننظر إلى هذه النِّقاط الثَّلاث التي حدَّدها في بحثه، نجد أنَّ لبنان كان ساحةً مُهيَّأةً لتقبُّل مثل هذا الواقع الجديد بعد سقوط العراق وأفغانستان.
فلبنان كان دائمًا يوصَّف على أنَّه واحةٌ للدِّيمُقراطيَّة في المنطقة، وفيه قوىً مسيحيةٌ تتخوَّف بشكلٍ دائمٍ مما ذكره الباحث وأسماه بـ"الشُّموليَّة الإسلاميَّة"، وبالتَّالي فالهدف كان البدء من لبنان على أنْ يتمَّ جر البلدان الأخرى، كلٌّ في وقته.
وفي هذا الإطار، يستعرض مدير معهد واشنطن روبرت ساتلوف في تقريرٍ له نُشِرَ عام 2005م، سياسة الإدارة الأمريكيَّة تجاه لبنان، وهي تدخل في إطار التَّحوُّل من الاستقرار إلى الفوضى، وتحتاج إلى آليَّةٍ، وهي بحسب التَّقرير:
-  تركيز جهود الإدارة والرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن شخصيًّا على بندٍ واحدٍ من القرار الدَّوليِّ رقم (1559)، وهو بند الانسحاب السُّوريِّ من لبنان، خاصَّةً بعد مقتل رئيس الوزراء الِّلبنانيِّ الأسبق رفيق الحريري في فبراير من العام 2005م، والتَّداخُلات الدَّوليَّة التي حصلت عقب ذلك.
-  إخضاع الانتخابات الِّلبنانيَّة للمرَّةِ الأولى لإشرافٍ دوليٍّ وتحت سيف الضُّغوط والتَّدخُّلات الدَّوليَّة لا سيما الفرنسيَّة والأمريكيَّة.
- طَرَحَ عددٌ من السِّيناريوهات للتَّعامُل مع البنود الأخرى من القرار (1559) القاضية بسحب سلاح الميليشيَّات الِّلبنانيَّة والسِّلاح الفلسطيني في المخيمات لتنفيذها في الزَّمان والمكان المناسبَيْن.
وبناءً على ما سبق وبالنَّظر إلى الوضع الحاليِّ في لبنان، فإنَّنا نلاحظ أنَّ لبنان كما العراق وأفغانستان، هي السَّاحات الثَّلاثة التي تتجلى فيها معاني مصطلح "الفوضى الخلاقة" كما تعرفه الإدارة الأمريكيَّة، وكما عرَّفته رايس في حوارها في العام 2005م.
ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الوضعَيْن الِّلبنانيِّ والعراقيِّ يمكن اعتبارهما "فوضى خلاقة" للنِّظام الإيرانيِّ كما هما بالنِّسبة للإدارة الأمريكيَّة، فالمُتابِع للسَّاحتَيْن العراقيَّة والِّلبنانيَّة، يُلاحَظ أنَّ كلاهما تلعب فيه إيران بأصابعٍ خفيَّةٍ من أجل تأجيج الأوضاع بهما.
ونرى التَّدخُّل من جهة الحرس الثَّوريِّ الإيراني في العراق بوجهٍ خاصٍّ وتجيشه لميليشات الموت بل ان البعض يري ان الفوضي في العراق ولبنان تصبُّ في المصلحة الإيرانيَّة أكثر ممَّا تصبُّ في المصلحة الأمريكيَّة.
ففي العراق استطاع النِّظام الإيرانيِّ ردُّ ثأره في حربه مع العراق في عهد الرَّئيس العراقيِّ الرَّاحل صدَّام حسين، وفي لبنان، فإيران استطاعت بدعمها لحزب الله الِّلبنانيِّ في حربه على الكيان الصُّهيوني، ومن بعدها دعم حزب الله في معركته مع الأغلبيَّة البرلمانيَّة الِّلبنانيَّة.
وقد نتج عن ذلك كله وضعٌ سياسيٌّ في الشَّارع العربيِّ، وأصبحت الشُّعوب العربيَّة ترى أنَّ إيران الدَّولة الوحيدة التي تستطيع مواجهة الكيان الصُّهيوني، وتغاضت الأغلبيَّة العظمى من هذه الشُّعوب عن الجرائم الإيرانيَّة على السَّاحة العراقيَّة.
"الفوضى الخلاقة" في مصر:
وِفْق التَّعريف الأمريكيِّ للفوضى الخلاقة، فإنَّ ما يجري الآن على أرض مصر، هو "الفوضى الخلاقة" في صورتها المثاليَّة، فما يحدث الآن على أرض مصر يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على نظام الرئيس المصريِّ حسني مبارك، ومن بعده نجله جمال- أمين السِّياسات في الحزب "الوطني" الحاكم- في الحكم لضمان عدم وصول التَّيَّار الإسلاميِّ مُمثلاً في الاخوان المسلمين إلى الحكم.
وفي نفس الوقت يظهر للمُشاهِد أنَّ الإدارة الأمريكيَّة تُسانِد التَّغير الدِّيمُقراطي في مصر، وأنَّها المدافع الأوَّل عن الحُرِّيَّات فيها، وهو ما يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على صورتها في العالم كراعٍ للسَّلام والدِّيمُقراطيَّة، وفي نفس الوقت الحفاظ على مصالحها في مصر التي تأتي على رأسها أمن الكيان الصُّهيونيِّ.
البعض من المُتابعين للشَّأن المصريِّ ربط بين تفجيرات دهب وشرم الشيخ التي حدثت قبل سنواتٍ، وبين نظريَّة "الفوضى الخلاقة" الأمريكيَّة، إلا أنه وبالنَّظر إلى الأمر من منظورٍ أوسعٍ، وليس فقط من منظورٍ أمنيٍّ ومنظور التَّفجيرات وأعمال العنف، نرى أنَّ الفوضى التي تجتاح مصر على الصُّعد الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة.. إلخ، كلها لا تصب إلا في مصلحة الإدارة الأمريكيَّة.
ومن دون الخوض في تفاصيلٍ تزج بنا في نظرية المؤامرة، نُلاحظ أنَّ الإدارة الأمريكيَّة راضيةٌ عن كلِّ ما يحدث في مصرن ففي الوقت التي كانت تضغط الإدارة الأمريكيَّة لإطلاق سراح السِّياسيِّ المعارض الدُّكتور أيمن نور، وهو فردٌ واحدٌ، لم نسمع أيِّ صوتٍ ينادي بحريَّة أكثر من 40 من قيادات الإخوان الذين حوكموا امام محكمةٍ عسكريَّةٍ في قضيَّةٍ أقل ما تُوصف بأنَّها هزليَّةً.
وفي الوقت الذي نرى فيه معارضة الإدارة الأمريكيَّة للمشروع النَّوويِّ الإيرانيِّ وغيره من المشاريع النَّوويَّة لـ"الدول المارقة"، نرى من الإدارة الأمريكيَّة رضىً غير عاديٍّ عن المشروع النَّوويِّ المصريّ "المزمع إقامته"، والذي وصفه أغلب المحلِّلين السِّياسيِّين بأنَّه آخر إبداعات النِّظام المصريِّ لخلق مشروعٍ قوميٍّ له ليضمن التفاف الشَّعب من حوله، كما فعل الرئيس الرَّاحل جمال عبد النَّاصر في مشروع السَّد العالي.
حتي الحركات الاحتجاجيَّة الأخيرة التي ظهرت في مصر، وعلى رأسها الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، والتي تُعاني اليوم من حالة انهيارٍ داخليٍّ، فقد ضمنت حالة الفوضى الموجودة في المجتمع المصريِّ، أنْ تظل هذه الحركة حركةً نخبويَّةً، وضمنت أيضًا ألا يتفاعل معها سوى أعدادٌ قليلةٌ يمكن السَّيطرة عليها وقت الُّلزوم.
وهو ما لوحظ في السَّنوات الأخيرة؛ حيث بلغت الحركة أوجها في العام 2005م، مع مظاهرات القضاة، ولكن ومع نفاذ صبر النِّظام المصريِّ وإعلانه ضمنيًّا انتهاء فترة السَّماح بالحراك السِّياسيِّ، استطاعت الأجهزة الأمنيَّة وقف أيِّ تحرُّكٍ في الشَّارع للحركة، بالرَّغم من زيادة أعداد المنتمين لها عن العام 2005م.
هل يمكن للفوضى في مصر أنْ تُنْتِج شيئًا خلاقًا للمجتمع المصري؟:
وفق النَّظريَّات السِّياسيَّة، وطبقًا لما يجري علي أرض الوقع، فلا يمكن وبايِّ حالٍ من الأحوال أنْ تُنْتِج حالة الفوضى التي يعيشها المجتمع المصري حاليًا، أيَّ نوعٍ من أنواع الفوضى الخلاقة بالنسبة له.
فالبعض يراهن على أنَّ الشَّعب المصريَّ بلغ مرحلةً من الضَّغط أوشك فيها على الانفجار، ‘لا أنَّ هذا الانفجار تأخَّر كثيرًا، ويرى الأغلبية العظمى من المتابعين أنَّ الشَّعب المصريَّ لن يثور في ظلِّ هذه الأحوال التي يعيشها إلا في حالة حدوثِ معجزةٍ.
فبالرَّغم من زيادة الضُّغوط كل يومٍ عن الذي سبقه على رجل الشَّارع، وتضاعُف الاسعار كل يومٍ تقريبًا، وغيرها من الضُّغوط، ألا أنَّ المُتابِع للشَّارع يُلاحِظ أنَّ الشَّعب في حالة خمولٍ واستكانةٍ غريبةٍ، ولعلنا لا نجد تفسيرًا لذلك إلا من خلال نظريات الفوضى في علم الفيزياء وليس في العلوم السِّياسيَّة!!
إلى أين تسير الفوضى بمصر؟:
تسير الفوضى بمصر إلى مزيدٍ من الفوضى ومزيدٍ من التَّدهُور على مختلف الأصعدة، فلا يمكن اعتبار حوادث العبَّارات والقطارات، وأنفلونزا الطيور والخنازير، وتدهور أحوال حقوق الإنسان بالرَّغم من تضاعف أعداد جمعيَّات حقوق الإنسان في مصر، إلا مظاهرٌ من مظاهر الفوضى التي يعيشها المجتمع المصريُّ، وهو ما نلاحظة على مختلف الأصعدة.
فعلى سبيل المثال، وعلى الصَّعيد الاجتماعي، يمكن اعتبار اختفاء ما كان يسمَّى بالطبقة المتوسطة لصالح الطَّبقة الفقيرة ومحدودة الدَّخل، وتضخُّم ثروات الطَّبقة الثَّريَّة بالمجتمع المصري، هو المظهر الأبرز للفوضى الاجتماعيَّة في مصر.
أمَّا على الصَّعيد الاقتصاديِّ، فلم تشهد دولة في العالم فوضى كالتي تعانيها مصر في الفترة الأخيرة، فبالرغم من انخفاض أسعار صرف الدولار الأمريكيِّ، وهو ما نتج عنه انخفاض أسعار الكثير من السِّلع في مختلف دول العالم، إلا أنَّه وفي مصر فقط، تضاعفت أسعار الكثير من السِّلع بالرَّغم من أنَّ الجنيه المصري مرتبطٌ بالدُّولار الأمريكيِّ حتي وصل الأمر ببعض السِّلع كزيت الطَّعام لأنْ يتضاعف ثمنه بمقدار 100%.
وعلى الصَّعيد السِّياسيِّ استطاع النِّظام المصريُّ فَرْض نوعٍ من أنواع الفوضى التي غيَّبت كل القوى السِّياسيَّة عن السَّاحة، فالاخوان المسلمون مشغولون بمعتقليهم في السُّجون، وعلى رأسهم مجموعة المهندس خيرت الشاطر وإخوانه والدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإخوانه، وتراجعت عن تحرُّكها في الشَّارع الذي هز أركان مصر منذ العام 2004م.
بينما حزب الغد، والذي كان المنافس الرَّئيسي للرَّئيس مبارك في انتخابات الرِّئاسة، زُجَّ به في مشاكلٍ داخليَّةٍ لا نهاية لها، ودعمت فيه الحكومة جبهة المنشقِّين ضد جبهة مؤسسه أيمن نور، بمختلف الوسائل.
وعلي هذا المنوال تسير الأمور في أغلب الأحزاب السِّياسيَّة المصريَّة والقوى السِّياسيَّة، ولكن يثور تساؤلٌ شديد الأهمِّيَّة في هذا الإطار، وهو ما دور الإصلاحيِّين ضد ما يحدث من فوضى في مصر؟!.
يطل علينا هذا السُّؤال برأسه، ويلحُّ علي كل إصلاحيي المجتمع، وألوان طيفه؛ حيث يتساءلون: "ما الحل؟!"
ومن وجهة نظر الكثيرين، فإنَّ الحل الوحيد لما تعانيه مصر من فوضى هو محاربتها بضدها، وهو النِّظام، ولا نقصد هنا النِّظام الحاكم، فالمقصد الحراك المُنظَّم والشَّامل، فالمجتمع المصريُّ يحتاج ومنذ زمنٍ إلى حركةٍ شعبيَّةٍ مُنظَّمةٍ ذات هدفٍ واحدٍ، وهو التَّغيير من دون التَّقيُّد بتيَّارٍ سياسيٍّ معينٍ أو فئةٍ مُعيَّنةٍ أو طائفةٍ مُعيَّنٍة، واختلال شرطٌ واحدٌ من هذه الشُّروط يؤدِّي إلى فشل هذه الحركة.
فعلي سبيل المثال لا توجد حركةٌ منظمةٌ في مصر سوى حركة الإخوان المسلمين، إلا أنَّ الاخوان ليست بالحركة الشَّعبيَّة، ومُقيَّدةٌ بنوعيَّاتٍ مُعيَّنةٍ من فئات المجتمع المصريِّ، كما أنَّ طبيعتها الدِّينيَّة- كما يقول اسمها- يمنع التفاف باقي فئات وطوائف الشعب حولها.
الحال نفسه بالنِّسبة للحركات الاحتجاجيَّة مثل (كفاية)، فحركة (كفاية) حركةٌ شعبيَّةٌ ذات هدفٍ يتعلَّق بالتَّغيير، وغير مُقيَّدةٍ بتيارٍ سياسيٍّ؛ حيث حوت بين أفرادها أُناسًا من كلِّ التَّيَّارات، إلا أنَّها لم تكن حركةٌ مُنظَّمةٌ بالمرَّة.

-----------------------
(1) مجلة العصر- 26 أغسطس 2005م- إستراتيجيَّة "الفوضى الخلاقة" في لبنان- علي حسين باكير
(2) Police review – Michelle Makvel – 5\2005
(3) حسن نافعة- إسلام أون لاين: "كوندي و"الفوضى الخلاقة" في المنطقة العربية".. 9 أبريل 2005م.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح