المُعارضة الِّليبراليَّة في مصر وخيبة الأمل!!...


  
-    المُعارضة الِّليبراليَّة المصريَّة تقول إنَّ دعم إدارة بوش الابن كان أكثر من دعم أوباما للديمقراطيَّة في مصر
-    تراجع التَّمويل من أكثر ما يثير قلق المجتمع المدنيِّ في مصر
-    استضافة نشطاء مصريُّون في واشنطن لا يعني علاقاتٍ دافئةً دائمًا

كتب: أحمد عبد الفتَّاح
استضافَتْ واشنطن قبل فترةٍ مجموعاتٍ من نشطاء ودعاة الإصلاح من مصر ومن العالم العربي والإسلامي؛ حيث نظموا فعالياتٍ عدةٍ لدعوة أوباما إلى وضع حقوق الإنسان وقضايا الدِّيمُقراطيَّة على قمة أولويَّاته في العالم العربيِّ.
ومن بين هذه الفعاليات ما وقع في فبراير الماضي، حيث دعا خبراء من مصر والولايات المتحدة إدارة الرئيس باراك أوباما إلى جعل قضايا حقوق الإنسان على رأس أجندة الإدارة الأمريكيَّة الجديدة في العالم العربي، وذلك خلال الحلقة النقاشية التي انعقدت في واشنطن لمناقشة تقرير "من تصدير الإرهاب إلى تصدير القمع: حقوق الإنسان في المنطقة العربيَّة"، والذي صدر عن مركز القاهرة لدراسة حقوق الإنسان.
وشارك في النَّدوة، التي انعقدت الجمعة 6 فبراير الماضي في منظمة "مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط" في واشنطن، بهي الدين حسن، رئيس مركز القاهرة، ورضوان زيادة، الأستاذ الزائر بمركز كار لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد، وميتشيل دن، الزميلة بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وأدار النقاش أندرو ألبرتسون، المدير التنفيذي لمشروع ديمقراطية الشرق الأوسط.
وقال بهي الدين حسن في النَّدوة إنَّ التَّقرير الذي أعَّدته مُنظمته يتناول جهود دول عربية لحماية من وصفهم بـ"منتهكي حقوق الإنسان، مثل الرئيس السوداني عمر البشير".
واعتبر حسن أنَّ تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي جاء نتيجة "افتقاد الرغبة السياسية"، متهما من وصفهم بالمحررين بالتحول إلى "منتهكين" لحقوق الإنسان في المنطقة العربية، وقال إنَّ نتيجة هذا كان ظهور قوى معارضة جديدة تمثلت في حركات الاحتجاج الشعبية والمدونين وجماعات الشباب ووسائل الإعلام المستقلة والجماعات المدافعة عن حقوق الأقلِّيَّات.
ودعا المشاركون في النِّقاش صناع السياسات في الولايات المتحدة إلى "عدم استبعاد حقوق الإنسان على الإطلاق" من أجندة الإدارة الأمريكية في المنطقة العربيَّة.
وقال مركز القاهرة لحقوق الإنسان في بيانٍ صحفيٍّ في حينه إنَّ التَّقرير "استهدف بالرَّصد والتحليل الأوضاع في 12 دولةٍ، شملت مصر وتونس والجزائر والمغرب والمملكة السعودية والبحرين وسوريا، إلى جانب خمسة من البلدان التي تعيش تحت وطأة الاحتلال، أو في ظل نزاعات داخلية مسلحة، وهى العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة، والسودان ولبنان واليمن".
وبعد ذلك بشهرٍ تقريبًا، وفي العاشر من مارس الماضي عقد 80 خبيرًا وناشطًا مؤتمرًا صحفيًّا في العاصمة الأمريكيَّة واشنطن، وجهوا خلاله خطابًا مفتوحًا إلى الرئيس الأمريكي، طالبوا فيه أوباما بجعل الديمقراطية في الشرق الأوسط على رأس أولويات إدارته.
ومن أبرز الموقعين على الخطاب أنور إبراهيم، نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق، والناشط المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، وميشيل دن، الباحثة بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، والبروفيسور الأمريكي فرانسيس فوكوياما، الأستاذ بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، ومؤلف كتاب "نهاية التَّاريخ" المشهور، وناثان براون، الباحث المتخصص في شئون الشَّرق الأوسط والأستاذ بجامعة جورج واشنطن، وغيرهم.
وفي بيانٍ له في حينه، قال رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية، الذي شارك في جمع التوقيعات على الخطاب: "لقد ظلت الولايات المتحدة وأوروبا طوال عقود يدعمون ويدللون الدكتاتوريين في العالم العربي، وقد كان هذا أمرا كارثيا بالنسبة للمنطقة والعلاقات الإسلامية الأمريكية".
وطالب الموقعون على الخطاب إدارة أوباما بدعم الديمقراطية حتى في الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة حليفة، مشيرا بشكل خاص إلى مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وتونس، وجاء في الخطاب: "إننا نعترف بأن اتخاذ هذه الخطوات سوف يمثل مصاعب ومآزق، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تحرك جريء اليوم قبل أي وقت آخر".
وأضاف الموقعون على الخطاب: "لدينا فرصة غير مسبوقة في إرسال رسالة واضحة إلى العالم العربي والإسلامي، وهي أن الولايات المتحدة سوف تدعم كل الذين يكافحون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".
خيبة أملٍ!!
إلا أنَّ المعارضة المدنيَّة والِّليبراليَّة في مصر، أصيبت بخيبةِ أملٍ بعد ذلك، بعد وضوح تراجُع دعم الإدارة الأمريكيَّة للمجتمع المدني والمُعارضة في مصر.
وكانت أبرز الأصوات التي عبَّرت عن خيبة الأمل هذه المُدوِّن المصريِّ وائل عبَّاس، ففي أكتوبر الماضي أجرى الصَّحفيُّ ميشيل بيترو أجرى مقابلةً شخصيَّةً مع المُدِّون، أثناء وجود عبَّاس بالنَّدوة التي نظَّمتها مُنظَّمة الحقوق والدِّيمُقراطيَّة بعنوان وسائل الإعلام الحُرَّة في مواجهة الأنظمة القمعيَّة، ونشرتها صحيفة (ماكلينز) الكنديَّة الإلكترونيَّة على موقعها على شبكة الإنترنت.
عبَّاس أكَّد خلال المُقابلة أنَّه فُصِلَ من عمله كمراسلٍ لوكالة الأنباء الأوروبيَّة عام 2007م، بسبب التَّدخُّل الأمنيٍّ الذي كان له دورٌ كبيرٌ في فصله من عمله بعدما اشترط جهاز أمن الدَّولة على وكالة الأنباء الأوروبيَّة فصل وائل عبَّاس من عمله حتى يُسْمَح للوكالة بمزاولة نشاطها في مصر.
وقال ‘نَّ سبَّب التَّضيق الأمنيِّ عليه رُبَّما لأنَّه أجرى مقابلة مع أبن أخِ الرَّئيس الرَّاحل أنور السَّادات، الذي قال له بأنَّ الرَّئيس حسني مُبارك، هو الذي دبَّر عمليَّة اغتيال الرئيس الرَّاحل، وكان هذا الحدث انقلابًا عسكريًّا.
الأهم من ذلك أنَّ وائل عبَّاس أكَّد أنَّ الرَّئيس الأمريكيَّ باراك أوباما خسر احترام النَّاس؛ لأنَّه ومنذ وصوله للحكم بالولايات المتحدة وخطابه الشَّهير للمسلمين من مصر في يونيو الماضي، والحكومة المصريَّة تُضيِّق الخِناق على المعارضة أكثر، وتعتقل الكثير منهم، كما أنَّ خطابه يُشبه خطاب الإخوان المسلمين؛ حيث خاطب مشاعر المسلمين، عندما ذكر آياتٍ قرآنيَّةً، ولم يخاطب العقول، وهو ما تفعله جماعة الإخوان مع الفقراء في مصر، بحسب قوله.
وأكد عبَّاس أنَّ عهد الرئيسَ الأمريكيَّ السَّابق جورج بوش الابن كان أفضل بالنِّسبة للمُعارضة في مصر؛ لأنَّه كان يضغط على الحكومة المصرية لتترك مساحةٍ للدِّيمُقراطيَّة والمعارضة، عكس أوباما، الذي لا يُريد أنْ يفعل شيئًا تجاه ما يحدث للمعارضة في مصر، وكأنَّه مؤيدًا للحكومة المصريَّة في قمعها للمعارضين.
وجهة النَّظر هذه أكدَّها نُشطاء إصلاحيُّون آخرون في مصر؛ حيث قالوا إنَّ التزام الولايات المتحدة بالإصلاح في مصر في هبوطٍ مستمرٍ بحسب مقالٍ نشرته صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة في عددها الصَّادر في التاسع من أكتوبر الماضي، للكاتب الأمريكي سودارسان راجافان.
ورصدت الصَّحيفة في تقريرٍ لها الشُّعور بالإحباط المُتزايد لدى النُّشطاء في مصر من تراجع الالتزام الأمريكيِّ بنشر الدِّيمُقراطيَّة في العالم العربي، وقالت إنَّه بعد أشهرٍ من الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في القاهرة، والذي تعهَّد فيه بالالتزام الأمريكي بحقوق الإنسان وحكم القانون، تبرز مخاوفٌ بين النُّشطاء المطالبين بالإصلاح في مصر، من أنَّ الولايات المتحدة تتخلى عن الجهود التي بذلتها لتحقيق الإصلاحات الدِّيمُقراطيَّة في مصر.
فمنذ هذا الخطاب، شنَّت الشُّرطة المصريَّة حملةٍ جديدةٍ على جماعة الإخوان المسلمين "المحظورة"، واعتقلت مئاتٍ من أعضائها، ما بين المدونين الشَّباب وكبار قادة الجماعة، ومنعت الحكومة حركة معارضة وسطيَّة من أن تصبح حزبًا شرعيًّا [في إشارةٍ إلى مجموعة حزب (الوسط)]، وفي مدينة المحلَّة الكبرى، والتي تُعدُّ معقِل الإضرابات العُمَّاليَّة التي وقعت خلال الأسابيع الأخيرة، فإنَّه يبدو أنَّ الحكومة لا تستجيب لمطالب العمال أو تقمعها.
وتنقل الصَّحيفة عن كمال الفيومي، أحد القيادات العُمَّاليَّة، والذي تمَّ اعتقاله من قِبَلِ الحكومة لتنظيمه إضرابًا كبيرًا العام الماضي، قوله: "نحن ساخطون للغاية على الرَّئيس أوباما، فقد منح النِّظام الضَّوء الأخضر ليفعل ما يريده مع الشَّعب المصري".
وتمضي الصحيفة قائلة إنَّ الضُّغوط الأمريكيَّة من أجل الإصلاح الدِّيمقراطي في مصرن والتى كانت فعَّالة فى وقتٍ ما، تضاءلت خلال السَّنوات الأخيرة من حُكم الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، لكنَّ مُنتقدين يقولون إنَّ الضُّغوط قد خفَّت بشكلٍ ملحوظٍ في وقتٍ تقترب مصر فيه من مرحلةٍ انتقاليَّةٍ سياسيَّةٍ حاسمةٍ، وهي الانتخابات الرَّئاسيَّة المُقرَّرة في العام 2011م، وهناك تكهنات بأنَّ الرَّئيس مُبارك سيجعل ابنه جمال خليفةً له قبل الانتخابات، ممَّا يُثير المخاوف من أنَّ النِّظام سيمد حكمه المُمتد أصلاً منذ 28 عامًا بشكلٍ غير ديمقراطيٍّ.
ونقلت (الواشنطن بوست) عن أحد مسئولي السَّفارة الأمريكيَّة بالقاهرة قوله إنَّه رُبَّما يكون هناك تغييرًا في التَّكتيكات، لكنَّ التزام واشنطن بالدِّيمُقراطيَّة ودعم حقوق الإنسان في مصر لا يزال مستمرًّا، وأضاف المسئول أنَّ كبار المسئولين الأمريكيِّين سيستمرون في إثارة هذه القضايا مع نظرائهم المصريِّين.
واقترنت حالة الإحباط الحالية بخفض التَّمويل الأمريكي المُخصَّص لبرامج الدِّيمقراطيَّة في مصر من قِبَلِ إدارة أوباما التي تتمتَّع بعلاقاتٍ دافئةٍ مع حكومة مُباركن ويرى نُشطاء مصريُّون أنَّ النَّهج الوسطي الذي تتبناه إدارة أوباما قد يكون انعكاساتٌ كبيرةٌ في المنطقة التي يُهيمن عليها الحُكَّام المُستبدِّين الذين لا يستجيبون إلا للضَّغط.
وقال الدُّكتور أيمن نور، مُؤسِّس حزب الغد للصَّحيفة الأمريكيَّة، إنَّ تراجُع حديث أوباما عن الدِّيمُقراطيَّة يمنح هذه الأنظمة غير الدِّيمقراطيَّة الأمان وانطباعًا بأنَّهم لن يتعرَّضوا لضغوطٍ، وهذا الأمر لديه تأثيرٌ سلبيٌّ على الدِّيمُقراطية في العالم العربي.
ويزداد اليوم اعتماد إدارة الرَّئيس أوباما على مصر في محاولة بَدء مفاوضات السَّلام بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين، وفي احتواء الجماعات الأصوليَّة، مثل حماس وحزب الله، وأشارت الصَّحيفة إلى أنَّ أوباما التقى مع مُبارك ثلاث مرَّاتٍ، مُعيدًا بذلك مصر إلى مكانتها كحليفٍ استراتيجيٍّ رئيسيٍّ للولايات المتحدة فى العالم العربي، وهذا يعني انتهاء مرحلة جورج بوش الابن التى شهدت توتُّرًا بين القاهرة وواشنطن بسبب سياسة الولايات المتحدة في الشَّرق الأوسط وغزو العراق والانتقادات الأمريكيَّة لمصر سياسيًّا ولسجل حقوق الإنسان فيها.
ولعل أوضح دليلٍ على التَّحوُّل في السِّياسة الأمريكيَّة إزاء مصر، كما يقول نُشطاء، هو قطع التَّمويل، ففي العام الماضي، خصصت الولايات المتحدة مبلغ 54.8 مليون دولار لبرامج الدِّيمُقراطيَّة، منها 27.85 مليون دولار ذهبت إلى برامج المجتمع المدني والتي تُعدُّ همزة الوصل بين "القاعدة الشَّعبيَّة للنِّضال من أجل الدِّيمُقراطيَّة"، وفى هذا العام تقلَّص المبلغ إلى 20 مليون دولار، منها 5 ملايين دولار فقط ذهبت إلى المجتمع المدني.
وتحدثت الصحيفة عن نور، وقالت إنَّه زعيمٌ معارضٌ استفاد من الضُّغوط الأمريكيَّة بإطلاق سراحه في وقتٍ مُبكِّرٍ هذا العام، بعد سجنه ثلاث سنوات بتهمة التَّزوير.
وعندما سُئل نور عمَّا إذا كان يعتقد أنَّ إدارة أوباما سوف تُمارس جهودًا مماثلةً إذا وضعته الحكومة في السَّجن مرة ثانية، هزَّ رأسه نافيًا، وقال نور إنَّ الأمريكيِّين يُركِّزون حاليًا على إسرائيل، فهم يعتقدون أنَّ النِّظام الحالي ناجحٌ، لذلك لنْ يقوموا بأيَّة مخاطرةٍ، أمذَا أنور السَّادات ابن شقيق الرَّئيس المصريِّ الرَّاحل، فيعتقد أنَّ الأمريكيِّين سئموا من المصريِّين، فقد تمَّ إنفاق الملايين لتعزيز الدِّيمُقراطيَّة، ولم يحدث شيءٌ.
ويخشى العديد من النُّشطاء من أنَّ إدارة أوباما ستُفكِّر بالطَّريقة نفسها إزاء جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثمَّ ستفرض الشَّرعيَّة على ما يتوقَّع الكثيرون من انتقال السُّلطة إلى جمال مبارك في دولةٍ لم تشهد أبدًا انتقالاً ديمقراطيًّا للسُّلطة.
واختتمت الصَّحيفة تقريرها برأيٍ لجمال عيد، المُدير التَّنفيذيِّ للشَّبكة العربيَّة لحقوق الإنسان، الذي قال: "كنَّا نأمل أنْ تكون إدارة أوباما مختلفةٌ عن غيرها من الإدارات الأمريكيَّة، لكن الولايات المتحدة تهتم بالاستقرار أكثر من الدِّيمُقراطيَّة"..

أقرأ المزيد...

تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...



-    سوء التَّخطيط في حفل تدشين التَّحالُف الجديد يؤشِّر لسوء تخطيط أكبر
-    هذه التَّحالفات مصيرها الفشل بسبب عدم اعتمادها على الجماهير في حركتها

كتب: أحمد عبد الفتَّاح
ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر، وما يرتبط بها من قضايا، وخصوصًا فيما يتعلَّق بالضرورات التي تفرض إنشائَها، وأهدافها التي يجب أنْ تتبناها لإنقاذ مستقبل مصر، والكيانات التي يجب أنْ تحتويها هذه الحركات، حتى لا يكون مصيرها مصير العديد من التَّحالُفات التي نشأت في مصر في الأعوام الماضية، وكان مصيرها كلها الفشل الذريع.
ولعل تعاقُب الأحداث على الأرض يرغمنا على استمرار فتح هذا الملف، فقبل أيامٍ أعلن الدُّكتور أيمن نور مُؤسِّس حزب الغد، عن تشكيل تحالفٍ وطنيٍّ جديد ضد التَّوريث يحمل اسم " مايحكومشِ"، وتمَّ تدشين هذا التَّحالُف الجديد في مؤتمرٍ حاشدٍ أُقيم الخميس 15 أكتوبر الماضي، بمقرِّ حزب الغد بوسط القاهرة، وبحضور العديد من الشَّخصيَّات السِّياسيَّة المصريَّة، التي مثَّلت أحزابًا وقوىً سياسيَّةً مصريَّةً، بما في ذلك مشاركةٌ منخفضة الشِّدَّة من جانب جماعة الإخوان المسلمين، ممثلةً في عددٍ من نواب  كتلها في مجلس الشعب المصريِّ.
ولكن كان اللافت غياب أحزاب المُعارضة الرَّسميَّة الرَّئيسيَّة، وهي الوفد والناصري والتَّجمُّع والجبهة، وما أثار تساؤلاتٍ عديدةً حول فرص ومستقبل نجاح هذا التَّحالُف الجديد، مع عدم مشاركة الإخوان فيه بقوَّة، واعتزال أحزاب المعارضة الرَّئيسيَّة له.
وفي هذا الإطار نحاول هذه المرَّة أنْ نرصدَ المشهد السِّياسيَّ المصريَّ في ظلِّ التَّحالُف الجديد، ودراسة فرص نجاحه من عدمها.
الحَدَث
يوم الخميس 15 أكتوبر، وبمقر حزب الغد بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، أعلن الدُّكتور أيمن نور رسميًّا عن تدشين الحملة الوطنيَّة ضد التَّوريث.. "مايحكومشِ"، وفي وجود 35 شخصيَّةٍ سياسيَّةٍ وعامَّةٍ، استقرَّ الجمع على اختيار الدُّكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة، مُنسِّقًا للَّجنة التَّحضيريَّة للحملة حتى انتهاء أعمال الَّلجنة التَّحضيريَّة.
نور قال إنَّ الحملة تستهدف رفض التَّوريث في كلِّ مُؤسَّسات الدَّولة، وليس شخص جمال مبارك، وأكَّد على جدِّيَّة الحملة بالقول "إنَّ الحملة ليست إنشائيَّةً"، كما حاول إعطاء الأمر بُعدًا شعبيًّا عندما قال إنَّخ سيتم ملاحقة أي شكلٍ من أشكال التَّوريث قضائيًّا وشعبيًّا.
وبإلقاء نظرةٍ سريعةٍ على قائمة الحضور، نُلاحظ أنَّها ضمَّت مجموعةٌ قليلة فقط من ألوان طَيْف المعارضة المصريَّة؛ حيث لم يتواجد سوى حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة "تحت التَّأسيس"، والدُّكتور عبد الحليم قنديل المُنسِّق العام للحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، ومحمد أنور السادات وكيل مُؤسِّسي حزب الإصلاح والتَّنمية، وهو بدوَرْه حزبٌ لا يزال تحت التَّأسيس.
أما الإخوان المسلمون فقد حضر عنهم الدكتور فريد إسماعيل، عضو الكُتلة البرلمانيَّة للإخوان بمجلس الشعب ممثلاً للجماعة
كما كان من الطَّريف أنَّ الدُّكتور حسن نافعة أمين عام ملتقى الفكر العربيـ والذي انتخبه الحاضرون مُنسِّقًا عامًّا للَّجنة التَّحضيريَّة للتحالف الجديد، قد انتقد سوء التَّنظيم الذي اعترى يوم تدشين التَّحالُف  أو المؤتمر التَّأسيسيَّ الأوَّل، وقال إنَّ "الفوضى" اعترته، مُشدِّدًا أنَّه سوف يُركِّز خلال الاجتماعات القادمة على تنظيم الأمور "بشكلٍ أدقٍّ وفعَّالٍ".
سوء تخطيط
وبالفعل كانت فوضى؛ حيث لم تَكَدْ تمرُّ أيامٌ قليلةٌ، إلا وأعلن أعضاء التَّحالُف، وبعد جلستهم التحضيريَّة الأولى، عن تغيير اسم التَّحالف من "مايحكومشِ" إلى اسمٍ آخر، لم يعلنوا عنه بعد- (!!)- ويعملون على اختيارهن مُؤكِّدين أنَّ الاسم الأوَّل كان من اختيار نور، وأنَّهم رأوا عدم ملائمته.
كما كانت الشَّائعات العدو الثَّاني للتَّحالُف الوليد، فبعد ساعاتٍ من تدشين التَّحالُف الجديد خرج الدُّكتور يحيى القزَّاز عضو حركة "كفاية"، في تصريحاتٍ صحفيَّةٍ له أرجع فيها سبب عدم تلبيته دعوة أيمن نور لحضور المُؤتمر التَّأسيسيِّ لحملة "ضد التَّوريث"، إلي أنَّ منظمة "فريدم هاوس" الأمريكيَّة، كانت وراء تنظيم حملة "مايحوكمشِ"، لتغيير تركيبة المجتمع السياسيِّ المصريِّ، وفي محاولةٍ منها لاستكشاف نبض الشَّارع المصريِّ تجاه زعامة نور، لتقوم بتغيير إستراتجيَّتِها من دعم جمال مبارك إلى أيمن نور!!
وفتح القزَّاز النَّار على الكلِّ؛ فعلى الرَّغم من الحذر الذي استقبلتْ به التَّحالُف الجديد وانخفاض مستوى مشاركتها فيه، فإنَّ القزَّاز اتَّهم جماعة الإخوان المسلمين بوجود مصالحٍ بينها وبين السَّفارة الأمريكيَّة، خاصَّة بعد تلبيتها لدعوة نور، في أولى الأعمال الجبهويَّة- كما قال- التى يشاركون فيها بعد رفض المشاركة في الجبهات الأخرى مثل "كفاية".
كما قال إنَّ اليوم الأوَّل للحملة ضمَّ شخصيَّاتٍ أخرى لا تهدف سوى الظُّهور الإعلاميِّ، وتتردَّد على السَّفارة الأمريكيَّة، وأرجع سبب مُشاركة بعض الشَّخصيَّات في الفعاليَّات التي تُنظَّم على السَّاحة إلى "حُبِّ الظُّهور في كادرات الفضائيَّات"، كما خشي البعض من أنْ يسرق أيمن نور الأضواء منهم!!.
الغريب أنَّ القزَّاز قال إنَّ مساعي هؤلاء قد خابت بسبب "الحشد الهائل، واصطفاف المعارضة خلفه (نور) في مشهد المؤتمر؛ حيث بدا وكأنَّه زعيمًا لهم" في تناقضٍ واضحٍ مع كلامه الأوَّل!!
وثير تصريحات القزَّاز واحدةً من أهم الآفات التي تُعاني منها النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة، والتي أدَّت إلى انهيار أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت بين قوى المعارضة المصريَّة، وهي "حبُّ الظُّهور"، وما يمكن وصفه بالأنانية السِّياسيَّة بين النُّخَبِ، وهو العامل الأوَّل في انهيار أغلب التَّحالُفات السَّابقة.
تُوقُّعات بالسُّقوط المُبكِّر
ولعل كل تلك الأجواء وغيرها، هي ما دفعت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) في تحليلٍ مُطوَّلٍ لها عن هذا التَّحالف الجديد، إلى أنْ تتوقَّع فشله؛ حيث شكَّكت الصَّحيفة في إمكانيَّة نجاح الحملة التي تشنُّها المعارضة المصريَّة ضد توريث الحكم، متساءلةً عن كيفيَّة نجاح هذه المجموعة المُتنافرة من أحزاب المعارضة والشَّخصيَّات المتناقضة أنْ تتجمَّع بنجاحٍ لتحدِّي الدَّولة البوليسيَّة التي تضغط عليهم منذ سنواتٍ طويلةٍ بالتَّخويف والاعتقالات؟!
وأشارت الصحيفة إلى أنَّ التَّحالُف المُناهض للخلافة، الذي يقوده مُرشَّح الرَّئاسة السَّابق ومُؤسَّس حزب الغد أيمن نور، اكتسب زخمًا خلال المؤتمر الأوَّل له بوجود مُمثِّلين عن جماعة الإخوان المسلمين، والحركة المصرية من أجل التَّغيير "كفاية"، والجبهة الدِّيمقراطيَّة، والحزب الشُّيوعيِّ المصريِّ، وحزب العدالة والتَّنمية "تحت التَّأسيس".
ووصفت الصَّحيفة جمال مبارك نجل رئيس الجمهوريَّة، وأمين السِّياسات في الحزب الحاكم، بأنَّه لم يُختَبَر سياسيًّا، وصاحب خبرةٍ مُحدودةٍ محليًّا وعالميًّا، إلا أنَّ الصَّحيفة استدركت قائلةً إنَّه "صوتٌ مؤثِّرٌ" في الحزب الوطني الدِّيمقراطي الحاكم.
السَّببُ الحقيقيُّ للفشل
من الجائز أنْ يكون الحكم بفشل التَّحالُف الجديد مبكِّرًا أمرًا مُجحِفًا، إلا أنَّ كل الدَّلائل والمُؤشِّرات تؤكِّد على ذلك، لأنَّ التَّحالُف الجديد، وببساطةٍ، اختار طريق الفشل المُحتَّم الذي اختارته أغلب التَّحالُفات القديمة.
فالقاعدة العلميَّة الشَّهيرة تقول "البدايات المتشابهة تؤدِّي إلى نهاياتٍ متشابهةٍ"، أو مثلما قال المَثَلُ القديم "الَّذين يسلكون نفس الطُّرق يصلون إلى نفس النَّتائج"، والتَّحالُفات في مصر جميعها تقريبًا اختارت طريقًا واحدًا، لا تحاول التَّفكير خارجه، والاختلاف الوحيد يكون في المُكوِّنين للتَّحالُف، فمثلاً لو ضمَّ التَّحالُف مُمثِّلين للإخوان و"كفاية"، فنجد أنَّ أحزاب المُعارضة الأربعة الرَّئيسيَّة تُقاطعه، وإنْ ضمَّ الأحزاب الأربعة، يُقاطعه الإخوان و"كفاية"، وإنْ ضمَّ التَّحالُف بعض الشَّخصيَّات تُقاطعه شخصيَّاتٌ أُخرى لأنَّها علي خلافٍ مع المُشاركين، وهكذا.
كما أنَّ هناك ضرورةٌ لأنْ تُفكِّر النُّخَبُ السِّياسيَّة المصريَّة "خارج الصندوق"، أي أنْ تبحث عن القوى الحقيقيَّة المؤثِّرة في الشَّارع، كحركات الاحتجاج الاجتماعيِّ وحركات العُمَّال التي استطاعت أنْ تهُزَّ عروش الحُكَّام.
وكل هذا لا ينفي وجوب تنحية كافَّة الخلافات التي بين القُوى والنُّخب السِّياسيَّة جانبًا، ولو لمرَّةٍ واحدةٍ، من أجل إنقاذ ما يُمكن إنقاذَه في مصر، وخاصَّة أنَّ البلد مُقبلٌ على مرحلةٍ هي الأخطر في تاريخها الحديث، في ظلِّ الظُّروف المحلِّيَّة والدَّوليَّة الحالية!!..

أقرأ المزيد...

خارطة الطَّريق نحو جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ...



كتب: أحمد عبد الفتَّاح
فًتَحَتْ (اتِّجاهات) في أعدادها الأخيرة ملف مقترح تأسيس جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، والذي أُثير على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، ففي العدد الخامس، وتحت عنوان "هل راهن الإخوان على الجواد الخاسر في إفطارهم؟"، رُصِدَت محاولة الإخوان الأخيرة لإنشاء جبهةٍ وطنيٍةٍ جديدةٍ على غرار العديد من الجبهات الوطنيَّة التي قامت في الفترة الأخيرة، وكان مصير أغلبها هو الفشل.
ولعل القوى الوطنيَّة المصريَّة لم تجتمع على هدفٍ مشتركٍ قدر اجتماعها هذه الأيام على فكرة ضرورة إنشاء جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، تضمُّ كافَّة قوى وألوان الطَّيف السِّياسيِّ المصريِّ من أجل مواجهة سيناريو التَّوريث المنتظُر والمُتسارِع في خطواته، والوصول إلى نتيجةٍ في ملفِّ الإصلاح والتَّغيير في مصر، والذي لم يحدث فيه أيُّ تقدُّمٍ تقريبًا منذ أنْ فُتِحَ هذا الملف.
(اتِّجاهات) تفتح من جديد ملف التَّحالُف الوطنيِّ، وتحاول أنْ ترصًد هذه المرة "خارطة طريقٍ" للوصول لكيفيَّة الوصول التَّحالف الوطنيِّ الجديد أو الجبهة الجديدة، التي أصبحت وبلا شك أمل مصر الوحيد لتخرج ممَّا هي فيه الآن.
ولكن وقبل الخوض في هذه الإشكاليَّة يتطرَّق سؤالٌ لابدَّ من الإجابة عليه قبل أيِّ شيءٍ، وهو.. لماذا جبهةٌ وطنيَّةٌ، وما هو دورها؟
لماذا الآن جبهةٌ وطنيَّةٌ؟
يُجْمِع السِّياسيِّين في مصر بدايةً من أقصى اليمين الِّليبراليِّ إلى يمين الوسط الإسلاميِّ، وحتى أقصى اليسار الشُّيوعيِّ، أنَّ مصر أصبحت في أمسِّ الحاجة إلى تحالُفِ كافَّة قُواها الوطنيَّة في جبهةٍ جديدةٍ لإنقاذ "ما يمكن إنقاذه" في مصر ومن مصر.
فمصر تُواجه هذه الأياَّم العديدَ من التَّحدِّيات، لعلَّ أبرزها تسارُع ملفِّ التَّوريث، ووصل الأمر إلى حدِّ ظهور جمال مبارك نجل الرَّئيس في زياراتٍ ميدانيَّةٍ إلى قُرى ونجوع مصر، وفي صحبته عددٌ من الوزراء يُلقي إليهم الأوامر لحلِّ مشاكل سُكَّان تلك القرى والنُّجوع، في صورةٍ ذهنيَّةٍ تُعيدنا إلى سنينَ عدَّةٍ خلت، عندما كان يتكرَّر نفس ذلك المشهد مع اختلافٍ بسيطٍ، وهو أنَّ بطله الرَّئيسي كان الرَّئيس حسني مُبارك نفسه، لا نجله جمال.
وكما قلنا في رهان الإخوان على الجواد الخاسر، فمع تسارُع وتيرةِ سيناريو التَّوريث، لا يوجد حلٌّ أمام القوى السِّياسيَّة المصريَّة إلا التَّصدِّي لذلك السِّيناريو بكافَّة الطُّرق، وهو ما يتطلَّب تحالفها فيما بينها في كيانٍ ضخمٍ يمكن له أنْ يُهدِّد ذلك النِّظام العجوز، وهو الأمر الصَّعب، فالنِّظام المصري هو نظامٌ راسخٌ في الحكم لعواملٍ عدَّة لا مجال لذكرها هنا.
أمَّا علي باقي الأصعدة سواءٌ الاقتصاديِّ منها أو الاجتماعيِّ أو الصِّحيِّ أو التَّعليميِّ، فمصر تُعاني وبشدَّة في كافَّة تلك المجالات، فجميع التَّقارير الدَّوليَّة أو حتى المحلِّيَّة، حتى بما فيها تلك التي تُُصْدِرُها جهاتٌ حكوميَّةٌ مصريَّةٌ، تبرهن بالدَّليل القاطع علي مدى تدهور الوضع في مصر على كافة المستويات.
وبعيدًا عن التَّقارير، تكفي جولةٌ في أيِّ شارعٍ في مصر لمُدَّة ساعةٍ واحدةٍ، للوقوف علي الوضع المأساوي في مصر.
فقدان الأمل لدى المصريِّين هو المُشكلة الأكبر التي تُواجه البلاد، فسيناريو التَّوريث وكافَّة المشاكل التي تُعاني منها البلاد حاليًا يمكن مواجهته في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي تصدِّي المصريين لها.
وبغضِّ النَّظر عن كلِّ ما فات، فإنْ قامت جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ لها هدفٌ واحدٌ فقط، يجب أنْ يكون هذا الهدف هو إعادة بثِّ الأمل في المصريِّين من جديدٍ، بعد حالة اليأس القياسيَّة التي وصولوا إليها.
في منطق الأهداف
بعد أنْ طوَّفنا سريعًا في الأسباب التي يجب بمقتضاها أنْ تقوم جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ الآن، وليس بعد ساعةٍ، يظهر السُّؤال التَّالي: ما هي أهداف هذه الجبهة؟
التَّجرُبة تُؤكِّد أنَّ الأهداف المُباشِرة والمُركَّزة هي دائمًا الطَّريق الأسهل والأقصر والأوقع للنَّجاح، فعلى مرِّ الأعوام الأخيرة أثبت العُمَّال أنَّهم الوحيدون الذين استطاعوا ليَّ يَدِ النِّظام، والحصول على حقوقهم منه بالقوَّة، ولنْ نكون مُبالغين إنْ قُلنا إنَّ العمال هم أوَّل من فاز في معركة أمام هذا النَّظام القمعيِّ.
وبإلقاء نظرةٍ على معارك العُمَّال مع النِّظام، نلاحظ أنَّها كانت دائمًا معاركٌ بأهدافٍ صغيرةٍ مرحليَّةٍ سهلة التَّنفيذ، ومع تحقيق الهدف تنتقل المعركة إلى الهدف التَّالي، وهكذا.
فالعمال مثلاً كانوا يبدءون مطالبهم بطلب صرف بدلٍ لا يتجاوز بضعة جُنيهات عن كلِّ شهرٍ، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم بعد الحصول على هذا البدل إلى معركةٍ على بدلٍ لآخر محرومين منه، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم إلى مطالبتهم برعايةٍ صحيَّةٍ وسكنٍ ملائمٍ.... الخ.
وبدراسة هذه الحالة الفريدة يُمكن أنْ نستنتج أنَّ أيَّ تحالفٍ ناجحٍ لابد أنْ يبحث عن هدفٍ واحدٍ يلتف حوله الجميع، ويحاربون من أجل تحقيقه، ثم الانتقال إلى هدفٍ مرحليٍّ آخرٍ بعد تحقيق الهدف الأول.
ولعل الأهداف المرحليَّة يمكن أنْ تتنوَّع وتختلف، كما أنَّ المشكلة الأهم أنَّ لكلِّ فصيلٍ سياسيٍّ في مصر أهدافه الخاصَّة التي يراها عاجلةً، ولهذا يجب البحث عن هدفٍ لا يختلف عليه أحدٌ.
التَّوريث مفتاح النَّجاح!!
وبدراسة الواقع المصريِّ الحاليِّ نستنج أنَّ مُفتاح نجاح أيِّ تحالفٍ وطنيٍّ جديدٍ هو التَّوريث، فالنِّظام من جهةٍ أصبح يحثُّ الخُطى من أجل تنصيب النَّجل خلفًا لوالده، بينما تُجْمِع كلُّ قوى المُعارضة المصريَّة سواءٌ أكانت أحزاب- حقيقيَّةً وليست كرتونيَّةً من قَبيل حزب الأمة الذي صوَّت رئيسه للرَّئيس مبارك رئيسًا لمصر، رغم أنَّه كان أحد مُنافسيه في الانتخابات- والقوى والجماعات الوطنيَّة المصريَّة والحركات الاجتماعيَّة وفرد الشارع العادي على وجوب التَّصدي لملف التَّوريث، ويرفضون وصول جمال مبارك إلى كُرسيِّ رئاسة الجمهوريَّة، لا لشيءٍ إلا لأنَّه نجل الرَّئيس.
إذًا فالهدف المُرشَّح وبقوَّةٍ لأَنْ يكون الهدف الرَّئيس لأيِّ تحالفٍ جديدٍ هو مُواجه ملف التَّوريث وبقوَّةٍ، ولعل فُرص النَّجاح في هذا الملفِّ كبيرةٍ جدًّا، وأكثر من فُرص النَّجاح في أيِّ ملفٍّ لآخر كملفِّ إطلاق الحُرِّيات أو ملفِّ المُعتقلين السِّياسيِّين؛ لأنَّ ملف التَّوريث هو تقريبًا الملفُّ الوحيد الذي لا يُلاقي إجماعًا من أركان النِّظام.
فوفق ما يتسرَّب من داخل أروقة قُصور الحكم في مصر، فهناك أطرفٌ قويَّةٌ في مصر ترفض تصعيد جمال مبارك خلفًا لوالده، لأنَّه من ناحيةٍ ليس من أبناء المُؤسَّسة العسكريَّة، ومن ناحيةٍ أخرى فهو رافضٌ لقيادات الحرس القديم  في الحزب الوطنيِّ.
وباستغلال هذا الرفض استغلالاً جيِّدًا، فمن السَّهل جدًّا لأيِّ حركة احتجاجٍ مصريٍّ جديدةٍ أنْ تفوز وبضربةٍ قاضيةٍ على النِّظام في هذه المعركة.
من هم أعضاء التَّحالُف؟
لعلَّ أحد أهم أسباب انهيار التَّحالُفات السَّابقة هي أمرَيْن، الأوَّل هي تشتُّتها في أهدافها، وعدم توحُّدها على هدفٍ واحدٍ واضحٍ بسبب اختلاف أيديولوجيَّات مُكوِّنات التَّحالُف، أما السَّبب الثَّاني فهو مُكوِّني التَّحالُف نفسه.
هناك حقيقةٌ مُؤسفةٌ في مصر، وهي أنَّ نسبة 2% فقط من سكَّان مصر هم أعضاءٌ في أحزابٍ سياسيةٍ، وأغلبهم هم أعضاءٌ في الحزب الوطنيِّ الدِّيمُقراطيِّ الحاكم، وبإضافة عدد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها أكبر فصيلٍ سياسيٍّ في مصر، إلى الرَّقْم السَّابق، لن نجد أكثر من 5% من المصريِّين هم من لهم نشاطٌ سياسيٌّ ضمن جماعةٍ سياسيَّةٍ في مصر.
وهذا الرَّقْم من المُمْكِن أنْ يُؤشِّر لنا وبقوَّةٍ عن سبب فشل أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت على الأحزاب، وفي بعض الأحيان على جماعة الإخوان المسلمين والحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، بجانب تلك الأحزاب حتى أصبح طقسًا عند تكوين أيِّ جبهةٍ جديدةٍ أنْ يتمَّ التَّشاوُر بين هذه القوى، وفقط ويكون الاختلاف في نوعيَّة المُنضمِّين.
ففي بعض الحالات ينضم الإخوان وفي حالاتٍ ثانيةٍ لا ينضموا بسبب رفض بعض القُوى التَّعاون معهم، إلا أنَّ المُحصلِّةَ دائمًا في النَّهاية هي تحالفٌ يُدور في أحسن الأحوال في رقم 3% من سكان مصر.
وحتى جماعة الإخوان المسلمين نفسها، وفي إفطارها السَّنويِّ الأخير الذي وضعوا له هدفٌ عريضٌ، وهو الخروج بجبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، فشلت في تحقيق هذا الهدف، لأنَّ الجماعة راهنت على الَّلاعبين "الطَّبيعيِّين" الذين يلعبون على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة منذ سنينَ عدَّة، بعضهم قياداتٌ سياسيَّةٌ تاريخيَّةٌ، وبعضهم ظهر مع الحراك السِّياسيِّ الأخير في مصر والذي بدأ في العام 2005م واستمر حتى العام 2007م تقريبًا، من دون التَّفكير بالدَّفع بدماءٍ جديدةٍ في التَّحالف الجديد.
نعود هنا إلى ذات الفكرة التي سبق وأنْ تمَّ التأكيد عليها من قبل؛ حيث إنَّ أيَّ تحالُفٍ وطنيٍّ ينجح في تحقيق أهدافه في مصر، وعلى رأسها هدف التَّغيِّير، يجب أنْ يضمَّ الحركات والأُطُر الشَّعبيَّة القادرة على تحريك النِّظام والتَّأثير فيه، ومن بينها الاحتجاجات العُمَّاليَّة.
ولكن ثَمَّة مشكلةٍ ها هنا، وهي أنَّه صحيحٌ أنَّ هناك تأثيرًا سياسيًّا للحركات العُمَّاليَّة، بطبيعة حركاتها، ولكن هل الحركات العُمَّاليَّة راغبة في تحويل اتِّجاهها من حزمة أهدافها الاجتماعيَّة والمعيشيَّة إلى قائمة أهداف ذات طابعٍ سياسيٍّ؟.
إنَّ ما تُدركه هذه الحركات أنَّ سرَّ نجاحها يعود إلى أنَّها بعيدةٌ عن العمل السِّياسيِّ، وغير مرتبطةٍ بفصيلٍ بعينه، ولكنَّها قد تنأى بنفسها عن أيِّ محاولةٍ لانتزاعها من هذا الإطار إلى إطارٍ آخرٍ تفشل فيه.
إذن فإنَّ المُهمَّة الأولى لأيِّ تحالُفٍ وطنيٍّ جديدٍ في مصر ليست في جذب الحركات العُمَّاليَّة، ولكنها في "إقناع" هذه الحركات وقياداتها، بقائمة الأهداف والحركة الجديدة!!

أقرأ المزيد...

هل جمال مبارك حقًّا من أكثر 100 شخصيًّةٍ مُؤثِّرةٍ في العالم؟!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

للمرَّة الأولى ظهر اسم جمال مبارك نجل الرَّئيس المصري محمد حسني مبارك وأمين لجنة السِّياسات بالحزب الوطني الحاكم في مصر، في قائمة أهم مائة شخصيَّةٍ مُوثِّرةٍ في العالم، والتي تنشرها مجلة (التايم) الأمريكيَّة؛ حيث حلَّ في المركز الثامن عشر، بحصوله على ثمانمائة وثلاثون ألف صوتٍ بمتوسط 31 نقطة.
ويكون بذلك هو الشَّخصيَّة العربيَّة الثَّانيَّة في القائمة بعد الإماراتي الشيخ أحمد بن زايد آل نهيان، رئيس هيئة أبو ظبي للإستثمار، والذي حل في المركز الثالث عشر بمتوسط 36 نقطةً.
ووصفت المجلَّة الأمريكيَّة جمال مبارك بأنَّه سياسيٌّ مصريٌّ، وأنَّه ابن الرَّئيس المصريِّ محمد حسني مبارك، كما وصفته بأنَّه الرَّئيس المرتقب لمصر، خاصَّة مع تزايُد وتيرة تلميع وتجهيز جمال مبارك ليخلف والده في منصبه، وأكَّدت المجلَّة أنَّ جمال مبارك يستغل زياراتٍ دوريَّةً يقوم بها للولايات المتحدة للدَّعاية لنفسه بأنَّه أفضل شخصٍ لتولِّي مهام رئيس مصر القادم.
المفاجأة الأكبر كانت تقدُّم جمال مبارك على شخصيَّاتٍ عالميَّةٍ كبيرةٍ، مثل الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما، والَّذي حلَّ في المركز السَّابع والثَّلاثين، والدالاي لاما، والذي حلَّ في المركز الواحد والسِّتِّين، والبابا بنديكيت السادس عشر بابا الفاتيكان، والذي حلَّ في المركز الثَّامن والسَّبعين، ومارك زوكربرج مؤسس موقع (فيس بوك) الاجتماعيِّ الشَّهير، والذي حلَّ في المركز الواحد والتِّسعين، والإعلامية الأمريكيَّة المعروفة أوبرا وينفري، والتي حلت في المركز الثَّامن والتِّسعين.
نظرة سريعة على القائمة
أمَّا المركز الأول في التقرير الجديد، فقد كان مفاجأةً من أكبر مفاجات التَّرشيحات لهذا العام؛ حيث أحتل كريستوفر بول قائمة الصَّدارة في قائمة المائة الأكثر تأثيرًا، وبول أو كما يعرف باسم "مووت"، هو طالبٌ جامعيٌّ يبلغ من العمر واحدٌ وعشرين عامًا، وهو مُؤسِّس موقع (فورتشان دوت أورج)، وهو موقعٌ تفاعليٌّ يابانيٌّ، وله تأثيرٌ واسع الانتشار.
بول حصل على أكثر من ستة عشر مليون صوتٍ، بمتوسط 90 نقطةً، بفارقٍ كبيرٍ بينه وبين صاحب المركز الثَّاني، وهو رئيس الوزراء الماليزيِّ الأسبق أنور إبراهيم، الذي حصل على أقل من مليونَيْ ونصف المليون صوت، بمتوسط 47 نقطة.
الشَّخصيَّة العربيَّة الثَّالثة في القائمة كانت من نصيب وزير النفط السعودي علي النُّعيمي، والذي حلَّ في المركز التَّاسع عشر بمتوسط 30 نقطةً، وهو يظهر في القائمة للمرَّة الثَّانية، يليه في المركز الرَّابع عربيًّا والعشرين في القائمة، الزَّعيم الشِّيعي مُقتدى الصَّدر (35 عامًا)، والذي يدخل القائمة للمرة الثَّالثة بمتوسط 29 نقطة.
هل- حقًّا- جمال مبارك مُوثِّرٌ؟
"المفأجاة" فرضت سؤالاً هامًّا للغاية هل- حقًّا- جمال مبارك من أكثر الشَّخصيَّات تأثيرًا في العالم؟.. بالطبع الإجابة لا ، فجمال مبارك يمكن أنْ يكون من أكثر 10 شخصيَّاتٍ تأثيرًا على الشَّأن الدَّاخليِّ المصريِّ، إلا أنَّه من المستحيل أنْ يكون من أكثر 100 شخصيَّةٍ تأثيرًا في العالم؛ لأنَّ جمال مبارك ببساطةٍ غير معروف خارج حدود مصر.
ولمعرفة كيفيَّة وصول جمال مبارك الي تلك المرتبة المُتقدِّمة، يُمكن مُراجعة قواعد اختيار القائمة، فالمجلَّة الأمريكيَّة اعتادت أنْ تطرح أسماء 200 شخصيَّةٍ كل عام ترى المجلَّة أنَّهم مرشَّحين لأنْ يكونوا أكثر الشَّخصيَّات تاثيرًا على سُكَّان العالم، سواءٌ بالسَّلب أو بالإيجاب.
ثُمَّ تفتح التَّصويت عليهم على موقعها على شبكة الإنترنت، ويتم ترتيبهم تصاعديًّا حسب أعداد الأصوات التي حصلوا عليها، ومن هنا يُمكن ببساطة استنتاج أنَّ جمال مبارك وصل إلى تلك المرتبة بحكم عدد المُصوِّتين له على موقع الإنترنت الخاص بالمجلَّة، وهو ما يفتح الباب مُجدَّدًا للحديث حول كتائب النُّشطاء الإلكترونيِّين الذين يُعدُّهم الحزب الوطنيِّ منذ سنواتٍ، ويتنشرون على العشرات من مواقع الإنترنت وخاصَّة (فيس بوك) والمُدوَّنات، ويعملون على عدَّةِ أمورٍ، أهمُّها تلميع جمال مبارك بصفته الرَّئيس القادم لمصر، وإبرازه على أنَّه مُرشَّح الشَّباب لهذا المنصِب.
وتقنيًّا، فإنَّ الأمر ليس بالصَّعب، فمن المُمكن لبضعة آلافٍ من نُشطاء الحزب الوطنيِّ وجمعيَّة جيل المستقبل التَّابعة لجمال مبارك، أنْ يصوتوا أكثر من 800 ألف مرَّةٍ على موقع المجلَّة بواسطة برامج "بروكسي" "proxy"، وهي برامج تعمل على إخفاء هويَّة أجهزة الحاسب الآلي حتى لا يستطيع موقع المجلَّة اكتشاف أنَّ هناك شخصًا صوَّت أكثر من مرَّةٍ، وإذا وضعنا في الاعتبار أنَّ أغلب هولاء النُّشطاء هم مأجورون، يتقاضون أجورهم من المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم بالحزب، مباشرةً، لن يكون مستغربًا بالمرَّة المركز الذي وصل له أمين السِّياسات بالحزب في ترتيب (التَّايم).
وبعيدًا عن التِّقنية ومرَّات التَّصويت، هناك مُؤشِّرٌ خطيرٌ للغاية يبُدر في الأفق من تصويت (التَّايم)، وهو دخول جمال مبارك أصلاً في ترشيحات المجلَّة كأحد أكثر 200 شخصيَّة تأثيرًا في العالم.
الأسباب وراء ترشيحات المجلَّة غير معروفةٍ، الا أنَّه وحسب ما تقول المجلَّة، فإنَّ ترشيحاتها لها قواعدٌ كثيرةٌ وصارمةٌ منها أنْ تكون التَّرشيحات عبر لفيفٍ من الخبراء، وانْ تشمل كافَّة مناطق العالم، إلا أنَّ المجلَّة لا تُعلَّل أسباب اختيار الشَّخصيَّات، وتكتفي بوضع نبذةٍ مُختصرةٍ جدًّا عن الشَّخصيَّات المختارة.
وحتي تقوم المجلَّة باستعراض أسباب ترشيحها لجمال مبارك- وهو ما لا يحدث في الأغلب- فإنَّ التَّساؤل يظلُّ مطروحًا عددٌ من التَّساؤلات المشروعة بالفعل: على أيِّ أساسٍ رشَّحت المجلَّة جمال مبارك كأحد أهم 200 شخصيَّة في العالم؟، وما دلالة ذلك التَّصرُّف؟، وهل هو إنذارٌ جديدٌ للمصريِّين بقرب رحيل رئيسهم الحالي من منصبه، وتسليمه مقاليد الأمور لابنه الأصغر؟!
الشَّباب يردُّون
من جهتهم دشَّن نُشطاء مصريُّون على شبكة الإنترنت تصويتًا مُشابهًا لتصويت مجلة (التايم)، ولكن هذه المرة علي موقع (فيس بوك) لأكثر 10 شخصيَّاتٍ مصريَّةٍ تأثيرًا، واقترح القائمون على الفكرة 40 مُرشَّحًا للقائمة طلبوا من المُشاركين في الاستطلاع اختيار 10 منهم، وترتيبهم حسب تأثيرهم على الشَّعب المصريِّ.
وقال أحمد شقير صاحب الفكرة: "نحاول أنْ نُصْدِر قائمةً بأكثر عشر شخصيَّاتٍ مصريَّةٍ مُعاصرةٍ مؤثرةٍ من أربعين شخصيَّةٍ، مع ملاحظة الفرق بين أنَّ التَّأثير لا يشترط إيجابيَّة الشَّخصيَّة أو سلبيَّتها، إعجابنا بها أو رفضنا لها، فقط نراها تؤثر في حياتنا بطريقةٍ أو بأخرى، تأخذ وقتًا منَّا للتَّفاعُل معها، وحيزًا للحديث عنها، ومساحةً للتَّفكير بها"..
.....

أقرأ المزيد...

أمن مصر المائي وضرورة إنقاذ النِّيل من إسرائيل!!...

بقلم: ياسر حسن

لا مجالَ للفهم الخاطئ.. هذا هو ما يجب أنْ تكون عليه قناعة أيِّ مراقبٍ وهو يتابع التَّحرُّكات الراهنة لإسرائيل في مناطق منابع حوض النِّيل ودِوَلِه الرَّئيسيَّة، مع عدم اقتصار الأمر على زيارة وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان إلى هناك، بل تجاوز ذلك إلى وصول جنرالات عسكريِّين إسرائيليِّين إلى رواندا وتنزانيا، لبحث ما أسموه بـ"تنمية موارد" تلك الدول، ومساعدتها على ادخار المياة "المستنزفة"، وتخزينها في خزاناتٍ وبحيراتٍ صناعيَّةٍ فيها.
وبطبيعة الحال فإنَّ مصر وأمنها القومي هي الطَّرف الأوَّل المُعرَّضة مصالحه للخطر بسبب هذه التَّحرُّكات الإسرائيليَّة، وفي هذا الإطار فإنَّ هناك أهميَّةٌ بالغةٌ لإيجاد إطارٍ بحثيٍّ معمَّقٍ لدراسة هذه الإشكاليَّة ومستجداته، بعد أنْ دخلت إسرائيل مع مصر "معركة الماء وتجفيف المنابع".
الحرب القادمة
راج في السَّنوات الأخيرة الحديثُ عن أزمة المياه في العالم وكونها أحد أسباب الحروب القادمة في المنطقة العربيَّة، وكان من أهم الأسباب التي دعت إلى قول ذلك:
-    تناقُص المخزون المائيِّ العربيِّ، وتدنِّي مُعدَّل المياه المُتاحة إلى ما دون المعدل العالمي بالنِّسبة للفرد.
-    الاستيلاء والاستغلال غير الشَّرعي وغير الرَّشيد لموارد المياه العربيَّة.
-    تزايُد الطَّلب على الماء نظرًا لتزايد أعداد السُّكَّان، وتنامي الاحتياجات الإنسانيَّة والتَّنمويَّة.
وتزداد أبعاد المشكلة قتامةً، وجود منابع المياه الرَّئيسيَّة للدِّول العربيَّة خارج حدود المنطقة العربيَّة؛ حيث إنَّ ثماني دولٍ مجاورةٍ للدِّول العربيَّة تتحكَّم في أكثر من 85% من منابع المياه الدَّاخلة إلى العالم العربي، والتي أصبحت مُهدَّدةٌ بسبب إنشاء مشروعاتٍ مائيَّةٍ تُشكِّل تعديًا على الحقوق العربيَّة في المياه المشتركة.
مع عدم وجود أو تقادم الاتفاقيات الدَّوليَّة التي تُنظِّم العلاقة بين دول المنابع غير العربيَّة المجاورة ودول المجرى والمصب العربيَّة.
ولم تعد هذه الأمور بمثابة "هواجس" داخليَّة في العالم العربي؛ حيث إنَّ الإعلام الغربي بدوره بدأ في تسليط الضَّوء على هذه المشكلة، فعلى هامش الجولة التي قام بها أفيجدور ليبرمان إلى بعض الدول الأفريقية في سبتمبر الماضي، ذكرت صحيفة (اللوفيجارو) الفرنسيَّة أنَّ هذه الجولة تُشكِّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل مصر، موضحةً أنَّ هذا التَّحرُّك، وهو الأول منذ 25 عامًا، يُعتَبَر تمهيدًا لحرب المياه في الشَّرق الأوسط، والتي سوف تبدأ في قلب القارة الإفريقيَّة.
وأضافت أنَّ الوزير الإسرائيلي زار إثيوبيا وكينيا وأوغندا لأنَّها تُشكل دول منبع النِّيل، مشيرة إلى أنَّه ضغط على إثيوبيا لبناء سدودٍ على نهر النِّيل، مع الوضع في الاعتبار أنَّ 85% من حجم مياه النَّهر التي ترد إلى مصر تأتي من النِّيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا.
واستطردت الصحيفة في تحليلها للأمر: "مصر تُموِّل حفر الآبار في كينيا لتنظيف البحيرات الأوغنديَّة، ولكن إسرائيل تُساهم في الوقت ذاته في بناء السُّدود في إثيوبيا وثلاثة مشاريع جديدة في أوغندا.. هذه الإغراءات التي تمارسها إسرائيل تتجاوز حدود المُنافسة الدِّبلوماسيَّة مع مصر، لأنَّ الموضوع بالنِّسبة لإسرائيل هو الوصول إلى مياه النِّيل".
وانتهت الصَّحيفة إلى القول إنَّ إسرائيل ومُنذ تأسيسها تحاول أنْ تحصل على مياه النِّيل، وقد سبق أنْ طرحت في عام 1974م فكرة إعادة القدس المُحتلَّة إلى الفلسطينيِّين، مُقابل نقل 840 مليون مترٍ مكعَّبٍ من مياه النِّيل سنويًّا إلى إسرائيل، وهذه الكمِّيَّة كافيةٌ لتغطي احتياجاتها من المياه، غير أنَّ المشروع اصطدم بمعارضة إثيوبيا والسُّودان في حينه.
النِّيل يجّف!!
ولعل المشكلة الإسرائيليَّة فيما يخص مطامع الدَّولة العبريَّة في مياه النِّيل، ترتبط بمشكلةٍ أخرى تتهدَّد مياه النَّهر، وهو تعرُّض النِّيل إلى الجفاف!!.
وفي هذا الإطار حذَّر تقريرٌ صدر مؤخَّرًا عن مركز "الأرض" لحقوق الإنسان من تأثيرات مشاريع المياه الإسرائيليَّة على مياه النِّيل، ومن بينها مشاريعٌ تتم عبر حفر آبارٍ جوفيَّةٍ بالقرب من الحدود المصريَّة مع إسرائيل.
وذكر التَّقرير أنَّ إسرائيل قامت بحفر آبارٍ جوفيَّةٍ بالقرب من الحدود المصريَّة، وتعمل من خلال مشروع "أليشع كالي" على نقــل ميـــاه النِّيل إلى إسرائيل، عن طريــق سحــارةٍ أسفل قناة السُّويس.
كما يقوم مشروع "يؤر" بنقــل مياه النِّيل إلى إسرائيل عبر شق ستِّ قنواتٍ تحت مياه قناة السُّويس، وبإمكان هـذا المشروع نقل مليار مترٍ مكعَّبٍ، لريِّ صحراء النَّقب، منها 150 مليون متر مكعَّب، لقطاع غزة، وهو ما يؤثِّر على موارد مصر المائيًّة مُستقبلاً.
كما حذّر من قضيَّة إعادة توزيع حُصص مياه النِّيل، التي تفجَّرت مرَّةً أخرى وبقوَّةٍ خلال اجتماع نيروبي عام 2004م لدول حوض النِّيل، وذلك بعد أنْ أطلقت برلمانات كلٍّ من كينيا وتنزانيا وأوغندا في ديسمبر من العام 2003م دعوتها بضرورة إعادة النَّظر في توزيع حُصص مياه النِّيل، وعدم الاعتراف بالاتفاقيَّات التَّاريخيَّة المُنظِّمة للعلاقة بين دول المنبع ودولة المصب.
وأوضح التَّقرير الصَّادر بعنوان: "مشكلات المياه في مصر"، النِّسب المختلفة لاستخدامات المياه في مصر، حيث يُستخدم لري الأراضي الزِّراعية نحو 49.7 مليار مترٍ مُكعَّبٍ، و1.3 مليار مترٍ مُكعَّبٍ في الاستخدامات المنازلية، و4.6 مليار مترٍ مُكعَّبٍ في الصِّناعة، و8.2 مليار مترٍ مُكعَّبٍ لضمان احتياجات الملاحة والكهرباء أثناء السَّدة الشِّتويَّة، و2 مليار مترٍ مُكعَّبٍ فاقدٍ بالبحر من شبكة الرَّيِّ.
واستنادًا إلى التَّقارير العلميَّة، فإنَّ استهلاك الفرد في مصر من المياه بلغ في المتوسط 140 لترًا يوميًّا، وأنَّ القاهرة وحدها تستهلك ما يعادل من 57% من جملة استهلاك مدن مصر مجتمعةٍ من المياه، و46% من جملة استهلاك القُطر كله.
اتفاقيَّة مياه النِّيل
اتفاقيَّة مياه النِّيل أو مبادرة حوض النِّيل، هي اتفاقيَّة أبرمتها الحكومة البريطانيَة، بصفتها الاستعماريَّة، نيابةً عن عددٍ من دول حوض النِّيل، وهي أوغندا وتنزانيا و كينيا، في العام 1929م مع الحكومة المصريَّة، وتتضمَّن إقرار دول الحوض بحِصَّةِ مصر المكتسبة من مياه‏ النِّيل، وأنَّ لمصر الحق في الاعتراض في حال إنشاء هذه الدِّول مشروعاتٍ جديدةٍ على النَّهر أو روافده.
وتبع هذه الاتفاقيَّة أخرى مصريَّة سودانيَّة في العام 1959م، تُعطي لمصر حق استغلال 55 مليار مترٍ مُكعَّبٍ من مياه النِّيل من أصل 83 مليار مترٍ مُكعَّبٍ تصل إلى السُّودان، ليتبقى للخرطوم 18 مليار متر مكعب من مياه النِّيل.
وتضمَّنت اتفاقية العام 1959م، بندًا يُعرَف ببند الأمن المائيِّ، الذي يقضي بعدم السَّماح بإقامة مشروعاتٍ على حوض النِّيل، إلا بعد الرجوع إلى دولتَيْ المصب.
وقد أكَّدت محكمة العدل الدَّوليَّة على إلزاميَّة هذه الاتفاقيَّات لدول حوض النِّيل؛ حيث كانت قد قضت في العام 1989م بأنَّ اتفاقيَّات تقاسم المياه شأنها في ذلك شأن اتِّفاقيَّات الحدود، ولا يجوز تعديلها.
وتضم مبادرة حوض النِّيل كلاًّ من مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الدِّيمقراطيَّة وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا واريتريا.
وفي فبراير من العام 1999م تمَّ توقيع مبادرة حوض النِّيل بين دول حوض العشر، بهدف تدعيم أواصر التَّعاوُن الإقليمي في مختلف المجالات بما في الجوانب الاجتماعيَّة بين هذه الدِّول، وقد تمَّ توقيعها في تنزانيا.
أطماعٌ إسرائيليَّةٌ
في تصريحٍ لوزير الموارد المائيَّة المصريِّ السَّابق المهندس محمود أبو زيد في 11 مارس 2009م، في بيانٍ له حول أزمة المياه في الوطن العربي، ألقاه أمام لجنة الشُّئون العربيَّة، حذَّر من تزايُد النُّفوذ الأمريكيِّ والإسرائيليِّ في منطقة حوض النِّيل من خلال "السَّيطرة على اقتصاديَّات دول الحوض، وتقديم مساعداتٍ فنِّيَّةٍ وماليَّةٍ ضخمةٍ" لهذه البلدان.
ومن بين أخطر المقترحات التي تمَّ طرحها بإيعازٍ إسرائيليٍّ من جانب دول حوض النيل فكرة "تدويل المياه" أو تدويل مياه الأنهار من خلال هيئةٍ مشتركةٍ من مختلف الدول المتشاطئة في نهرٍ ما، وكان الهدف منه هو الوقيعة بين مصر ودول حوض النِّيل.
وقد ألمح أبو زيد في فبراير 2009م إلى وجود مُخطَّطٍ إسرائيليٍّ أمريكيٍّ للضَّغط على مصر لإمداد تل أبيب بالمياه، بالحديث عن قضيَّة "تدويل الأنهار" هذه.
وترجع خطورة الخلاف الحالي بين دول منابع النِّيل ومصر إلى تصاعُد التَّدخُّل الإسرائيليِّ في الأزمة، وذلك عبر إغراء دول المصب بمشاريعٍ من بينها جسورٍ وسدودٍ بتسهيلاتٍ غير عاديَّةٍ تشارك فيها شركاتٌ أمريكيَّةٌ، بحيث تبدو إسرائيل وكأنَّها إحدى دول حوض النِّيل المتحكمة فيه، أو بمعنىً أخر الدَّولة "رقم 11" في منظومة دول حوض النِّيل.
والهدف بطبيعة الحال هو إضعاف مصر، التي لا تكفيها أصلاً كميَّة المياه الحالية، بسبب تزايُد عدد السُّكَّان.
وقد رفضت مصر أكثر من مرَّةٍ فكرة مد تل أبيب بمياه النِّيل عبر أنابيبٍ؛ حيث لا يمكن ذلك عمليًّا، حتى لو أردت مصر لأنَّها- كما سبق القول- تُعاني من قلَّة نصيب الفرد من المياه، كما أنَّ خطوةٍ كهذه تتطلَّب أخذ أذن دول المنبع.
والحقيقة أنَّ الدَّور الإسرائيليِّ في أزمة مياه النِّيل له أبعادٌ تاريخيَّةٌ قديمةٌ؛ حيث ظهرت الفكرة بشكلٍ واضحٍ في مطلع القرن العشرين عندما تقدَّم الصحفي اليهودي تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونيَّة في العام 1903م إلى الحكومة البريطانيَّة بفكرة توطين اليهود في سيناء، واستغلال ما فيها من مياهٍ جوفيَّةٍ، وكذلك الاستفادة من بعض مياه النِّيل، وقد وافق البريطانيُّون مبدئيًّا على هذه الفكرة على أنْ يتم تنفيذها في سرِّيَّةٍ تامَّةٍ.
ثم رفضت الحكومتان المصريَّة والبريطانيَّة مشروع هرتزل الخاص بتوطين اليهود في سيناء ومدهم بمياه النِّيل لأسبابٍ سياسيَّةٍ تتعلق بالظُّروف الدَّوليَّة والاقتصاديَّة في ذلك الوقت.
مشاريعٌ إسرائيليَّةٌ
في الوقت الرَّاهن يمكن القول إنَّ هناك أربعةَ مشاريعٍ أساسيَّةٍ يتطلَّع إليها الإسرائيليُّون بهدف استغلال مياه النِّيل، وهي:
1.    مشروع استغلال الآبار الجوفيَّة:
قامت إسرائيل بحصر عددٍ من الآبار الجوفيَّة بالقرب من الحدود المصريَّة، وترى أنَّه بإمكانها استغلال انحدار الطَّبقة التي يوجد فيها المخزون المائيِّ باتجاه صحراء النَّقب.
وكشفت ندوةٌ لمهندسين مصريِّين عُقِدَت في عقد التِّسعينيَّات الماضي أنَّ إسرائيل تقوم بسرقة المياه الجوفيَّة من سيناء، من على عمق 800 مترٍ، من سطح الأرض، كما كشف تقريرٌ أعدَّته لجنة الشُّئون العربيَّة بمجلس الشَّعب المصري في يوليو من العام 1991م، أنَّ إسرائيل تعمَّدت خلال السَّنوات الماضية سرقة المياه الجوفيَّة في سيناء عن طريق حفر آبارٍ ارتوازيَّةٍ قادرة- باستخدام الآليات الحديثة- على سحب مصادر المياه المصريَّة.
2.    مشروع إليشع كالي:
في العام 1974م طرح أليشع كالي- وهو مهندسٌ إسرائيليٌّ- تخطيطاً لمشروعٍ يقضي بنقل مياه النِّيل إلى إسرائيل، ونُشِرَ المشروع تحت عنوان: "مياه السَّلام"، ويتلخَّص في توسيع ترعة الإسماعيليَّة لزيادة تدفق المياه فيها، ونقل كميَّاتٍ من هذه المياه عن طريق سحَّارة أسفل قناة السُّويس بعد اتفاقيَّات السَّلام لتنفيذ المشروع.
3.    مشروع يؤر:
قدَّم الخبير الإسرائيليُّ شاؤول أولوزوروف النَّائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيليَّة مشروعًا للرَّئيس المصري الرَّاحل أنور السَّادات خلال مباحثات كامب ديفيد، ويهدف المشروع إلى نقــل مياه النِّيل إلى إسرائيل عبر شقِّ ستِّ قنواتٍ تحت مياه قناة السُّويس، وبإمكان هـذا المشروع نقل 1 مليار متر مُكعَّب لري صحراء النَّقب منها 150 مليون مترٍ مٌكعَّبٍ لقطاع غزة.
ويرى الخبراء اليهـود أنَّ وصول المياه إلى غزة يُبقي أهلها رهينةَ المشروع الذي تستفيد منه إسرائيل، فتتهيب مصر من قطع المياه عنهم.
4.    مشروع ترعة السَّلام (1):
هو مشروع اقترحه السادات في حيفا عام 1979م، وقالت مجلة (أكتوبر) المصريَّة وقتها: "إنَّ الرَّئيس السَّادات التفت إلى المُختصِّين وطلب منهم عمل دراسةٍ عمليَّةٍ كاملةٍ لتوصيل مياه نهر النِّيل إلى مدينة القدس، لتكون في مُتناول المُتردِّدين على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وحائط المبكى".
وإزاء ردود الفعل على هذه التَّصريحات سواءً من إثيوبيا أو المعارضة المصريَّة ألقى مصطفى خليل رئيس الوزراء المصريِّ آنذاك بيانًا أنكر فيه هذا الموضـوع قائلاً: "عندما يُكلِّم السَّادات الرَّأي العام يقول: أنا مستعدٌّ أعمل كذا فهو يعني إظهار النِّيَّة الحسنة، ولا يعني أنَّ هناك مشروعًا قد وضــع وآخذٌ طريقه للتَّنفيذ".
التَّأثير على حصَّة مصر
وتطمع إسرائيل في أنْ يكون لها بصورةٍ غير مباشرةٍ، اليد الطُّولى في التَّأثيــر على حُصَّة مياه النِّيل الواردة لمصر، وبدرجةٍ أقل السُّودان؛ وذلك كورقة ضغطٍ على مصر للتَّسليم في النهاية بما تطلبه إسرائيل.
بل إنَّ للخبراء الصَّهاينة لغةً في مخاطبة السُّلطات الإثيوبيَّة تتلخَّـص في ادعـــاءٍ خبيثٍ يقول إنَّ حُصَصِ المياه التي تقرَّرت لبلدان حوض النِّيل ليست عادلة؛ وذلك أنَّها تقرَّرت في وقـتٍ سابــقٍ على استقلالهم، وأنَّ إسرائيل كفيلةً بأنْ تُقدِّم لهذه الدِّول التِّقنية التي تملكها من ترويض مجرى النِّيل وتوجيهه وفقاً لمصالحها.
من أجل ذلك تتوارد الأنباء والأخبار عن مساعداتٍ إسرائيليَّةٍ لإثيوبيا لإقامة السُّدود وغيرها من المنشآت التي تُمكِّنُها من السَّيطرة والتَّحكُّم في مياه النَّهر.
ولقد دأبت العواصم المعنيَّة بدءًا من أديس أبابا مرورًا بالقاهرة وانتهاءً بتل أبيب، على نفي هذه الأنباء، والاحتمال الأرجح هو تورط إسرائيل في المشاركة في مساعدة إثيوبيا في إنشاء السُّدود على النِّيل الأزرق.
وقد بدأ الدَّور الإسرائيليِّ في النَّشاط في السَّنوات الخمس الماضية، إذ بدأت سلسلةً نشطةً من الاتِّصالات مع دول منابع النِّيل، خصوصًا إثيوبيا، التي قام رئيس وزراءها ميليس زيناوي بزيارة تل أبيب في أوائل يونيو من العام 2004م، وأوغندا لتحريضهما على اتفاقيَّة مياه النِّيل القديمة المبرمة عام 1929م بين الحكومة البريطانيَّة بصفتها الاستعماريَّة نيابةً عن عددٍ من دول حوض النِّيل.
ومع أنَّ هناك مطالباتٌ منذ استقلال دول حوض النِّيل بإعادة النَّظر في هذه الاتِّفاقيات القديمة، بدعوى أنَّ الحكومات القوميَّة لم تُبرمها، ولكن أبرمها الاحتلال نيابة عنها، وأنَّ هناك حاجةً لدى بعض هذه الدِّول خصوصًا كينيا وتنزانيا لمواردٍ مائيَّةٍ مُتزايدةٍ؛ فقد لوحظ أنَّ هذه النَّبرة المُتزايدة للمُطالبة بتغيِّير حُصَصِ مياه النِّيل.
وقد تعاظمت هذه المطالب بالتَّزامُن مع تزايُد التَّقارُب الإسرائيليِّ مع هذه الدِّول، وتنامي العلاقات الأفريقيَّة مع إسرائيل.
وهكذا عادت المناوشات بين دول حوض النِّيل للظُّهور مع مصر، خاصَّة بين مصر وتنزانيا، وانضمَّت إلى هذا المبدأ أوغندا وكينيا، وطلبت الدِّول الثَّلاث من مصر التَّفاوُض معها حول الموضوع، ثم وقَّعت تنزانيا مع رواندا وبوروندي اتفاقيَّة نهر كاجيرا عام 1977م، التي تتضمَّن بدورها عدم الاعتراف باتِّفاقيَّات 1929م، بل وطلبت حكومة السُّودان بعد إعلان الاستقلال أيضًا من مصر، إعادة التفاوض حول اتِّفاقيَّة 1929م.
كذلك أعلنت إثيوبيا رفضها لاتفاقيَّتَيْ 1929م و1959م، في جميع عهودها السِّياسيَّة منذ حكم الإمبراطور هايلي سلاسي، ثُمَّ النِّظام الماركسيِّ بقيادة مانجستو هايلي ماريام، وحتى النِّظام الحالي، التذي يقوده زيناوي.
وفي العام 1981م سعت لاستصلاح 227 ألف فدان في حوض النِّيل الأزرق بدعوى "عدم وجود اتفاقيَّاتٍ بينها وبين الدِّول النِّيليَّة الأخرى"، كما قامت بالفعل عام 1984م بتنفيذ مشروع سد "فيشا"- أحد روافد النِّيل الأزرق- بتمويلٍ من بنك التَّنمية الأفريقيِّ، وهو مشروعٌ يُؤثِّر على حُصَّة مصر من مياه النِّيل بحوالي 0.5 مليار مترٍ مُكعَّبٍ، وتدرس ثلاثة مشروعات أخرى يُفترض أنَّها سوف تؤثِّر على مصر بمقدار 7 مليارات مترٍ مُكعَّبٍ سنويًّا.
أيضًا أعلنت كينيا رفضها وتنديدها- منذ استقلالها- بهذه الاتِّفاقيَّات القديمة لمياه النِّيل لأسبابٍ جغرافيَّةٍ واقتصاديَّةٍ، مثل رغبتها في تنفيذ مشروع استصلاحٍ زراعيٍّ، وبناء عددٍ من السُّدود لحجز المياه في داخل حدودها.
وكانت جبهة السُّودان هي الأهم، لأسبابٍ عدَّةٍ، في مُقدِّمتها أنَّها تُمثِّل ظهيرًا وعُمقًا إستراتيجيًّا لمصر، التي هي أكبر دولةٍ عربيَّةٍ، وطبقا للعقيدة العسكريَّة الإسرائيليَّة، فإنَّ مصر تُمثِّل العدو الأوَّل والأخطر لها في المنطقة، ولذلك فلإنَّ التَّركيز عليها قويًّا للغاية في الخُطَط الإسرائيليَّة.

أقرأ المزيد...

"استقلال القضاء".. حقٌّ منتهكٌ بالقانون!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

إصلاح المنظومة القضائيَّة بات قضيَّةٌ مُلحَّةٌ في مصر!!.. هكذا ببساطة، ولا تقتصر المطالبة بها على القضاة وحدهم، وإنَّما أصبحت على رأس أولويَّات دعوات الإصلاح السِّياسيِّ لكل القوى السِّياسيَّة بمختلف اتِّجاهاتها الفكريَّة، وخاصَّة بعد الشُّهرة الإعلاميَّة والأهميَّة التي اتَّخذتها تحرُّكات القضاة التي شهدتها مصر في العام 2005م.
ولعل أبرز ملامح ذلك الإصلاح المطلوب تتمثَّل في استقلال القضاء بعيدًا عن السُّلطة التَّنفيذيَّة بصفته السُّلطة التي تفصل دائمًا بين السُّلطات وبين الشَّعب، ولذلك السَّبب فانَّ كل الدَّستاتير التي تعاقبت على مصر أحتوت نصوصًا أساسيَّةً بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته، وتحظر وتؤثِّم التَّدخُّل في أيَّة قضيَّةٍ أو أيِّ شأنٍ من شئونه وشئون قضاته، من جانب أيَّة سلطةٍ أو أيِّ شخصٍ.
وبالرَّغم من ذلك، فإنَّ الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر، لم تتوقَّف طوال هذه السِّنين عن النَّص في القوانين المُنظِّمة للسُّلطة القضائيَّة وغيرهاـ على ما يُجرِّد تلك النُّصوص من مضمونها تمامًا، بل ويخالفها بنصوصٍ صريحةٍ تُصادِر بها- لحساب السُّلطة التَّنفيذيَّة- معظم أصول هذا الاستقلال وقواعده وضماناته.
كما تسند بها بعض اختصاصات القضاء الطَّبيعيِّ إلى غيره، وتصدر قراراتٌ وتصرفاتٌ واقعيَّةٌ أخرى من خلال وزارة العدل، وهي إحدى أذرع السُّلطة التَّنفيذيَّة، يسيطر بها النِّظام على إرادة رجال السُّلطة القضائيَّة وشئونهم، بل وأحكامهم!
في مبدأ الاستقلال:
المادة (64) من الدُّستور تنصُّ على أنَّ سيادة القانون أساس الحكم في الدَّولة، كما نصَّت المادة (65) منه على أنْ تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيَّتان لحماية الحقوق والحُرِّيَّات، ونصَّت المادة (166) كذلك على أنَّ القضاة مُستقلِّون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأيَّة سلطةٍ التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة.
ووفق هذه النُّصوص فالقضاء المصري هو مستقلُّ تمامًا عن السُّلطتَيْن التَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة، فحرَّمت عليهما التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة، وحالت بذلك بينهما وبين القضاء حتى تكون له قيمته وجدواه.
ومن ثَمَّ فقد حرصت المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء رقم (66) لسنة 1943م، على التَّنويه بأنَّ نصوص الدُّستور لم تُنشئ حقيقة استقلال القضاء، فمن طبيعة القضاء أنْ يكون مُستقلاً والأصل فيه أنْ يكون كذلك، وكل مساسٍ بهذا الأصل من شأنه أنْ يعبث بجلال القضاء، وكل تدخُّلٍ في عمل القضاة من جانب أيَّة سُلطةٍ من السُّلطتَيْن يخلُّ بميزان العدل، ويُقوِّضُ دعائم الحكم.
فالعدل كما قيل قديمًا أساس الملك، ومن الحقِّ أنْ يتساوى أمام قُدس القضاء أصغر شخصٍ في الدَّولة بأكبر حاكمٍ فيها، وأنْ ترعى الجميع عين العدالة.
وحتى على المستوى المالي، كفل القانون والدُّستور استقلاليَّة القضاء، فقد نصَّت المادة الثَّامنة من ذلك القانون، المقابلة للمادة (68) من قانون السُّلطة القضائيَّة القائم حاليًا، على أنْ تُحدَّد مُرتَّبات القضاة بجميع درجاتهم وفقًا للجدول الملحق بهذا القانون، ولا يصح أنْ يُقرَّر لأحدٍ منهم مُرتبٌ بصفةٍ شخصيَّةٍ ولا مُرتَّبٌ إضافيٌّ من أيِّ نوعٍ كان، أو يُعامَل معاملةٌ استثنائيَّةٌ بأيَّة صورةٍ.
واستهدف هذا النَّص وغيره تقنين ما هو سائدٌ في سائر القوانين المقارنة للدِّول الدِّيمقراطيَّة، من وضع نظامٍ إداريٍّ وماليٍّ خاصٍّ بالقضاة يحفظ استقلالهم ويُحقِّق المساواة فيما بينهم، ويُمكِّنُهم من مقاومة الضُّغوط التي قد تُمارَس عليهم، ويحول دون وقوعهم أسرى لمصالحهم الشخصيَّة.
كما أنَّ تشريعات الدِّول الدِّيمقراطيَّة أرست أصول النِّظام الماليِّ والإداريِّ التي تضمن استقلال القضاء، كما ردَّدت هذه الأصول نصوص المواثيق والاتِّفاقيَّات الدَّوليَّة والإعلانات العالميَّة لحقوق الإنسان، باعتبار أنَّ القضاء أحد أهمِّ حصون حماية حقوق الإنسان.
فقد نصَّت المادة العاشرة من الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان الصَّادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948م، على أنَّ "لكلِّ إنسانٍ، على قدم المساواة التَّامة مع الآخرين، الحقُّ في أنْ تنظُر قضيَّتَه محكمةٌ مُستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا منصفًا وعلنيًّا للفصل في حقوقه والتزاماته، وفي أيَّة تهمةٍ جزائيَّةٍ تُوجَّه إليه".
كما أكَّد الإعلان العالميُّ لاستقلال القضاء الصَّادر في مونتريال عام 1983م، ضرورة أنْ "يضمن القانون كفاية مُرتَّبات القضاة المناسبة لمسئوليَّات مناصبهم وكرامتهم وإعادة تسوية الرَّواتب والمعاشات بانتظامٍ وفق مُعدَّل ارتفاع الأسعار".
كذلك نصت القوانين في الدِّول الدِّيمقراطيَّة على أنَّه "لا يجوز أنْ يُنشَأ بين القضاة ولا بين أعضاء النِّيابة فيما يتولُّونَه من سلطات التَّحقيق، أيُّ نوعٍ من التَّبعية الإداريَّة مهما اختلفت درجاتهم أو مستويات محاكمهم، فكلُّهم قضاةٌ مستقلُّون لا يتبع أحدٌ منهم أحدًا مهما علت درجته وارتفع مقامه، إنَّما تكون التَّبعيَّة لجمعيَّات القُضاة أنفسهم، بمحاكمهم، وفي توزيع العمل فيما بينهم فحسب".
وقد عبر الإعلان العالمي لاستقلال القضاء عن تلك المعاني، بما نصَّ عليه من وجوب استقلال القضاة تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم، وعدم مساس أيِّ تسلسلٍ تنظيميٍّ في القضاء بحق القاضي في إعطاء قراره بحرِّيَّةٍ تامَّةٍ، وألا يكون للسُّلطة التَّنفيذيَّة أيَّة رقابةٍ على الوظائف القضائيَّة، ولا القيام بأيِّ عملٍ أو تعطيل القيام بأيِّ عملٍ يؤدِّي إلى استبعاد الحل القضائيِّ لأحد النِّزاعات، أو تعطيل التَّنفيذ السَّليم لقرار إحدى المحاكم" (المبدأ 2/231).
في مصر.. القانون ينتهك استقلال القضاء:
وبالرَّغم من أنَّ المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء- رقم (66) لسنة 1943م- والتي سبق الإشارة اليها، أشارت عن أنَّ ما جاء به من ضماناتٍ تشريعيَّةٍ لاستقلال القضاء، هو مجرَّد خطوةٍ على طريق هذا الاستقلال، ولكن سوف تتبعها خطوات، إلا أنَّ الحكومات المُتعاقبة على مصر، وعلى العكس، أخذت تنتقص من هذه الضَّمانات، وتتحكَّم في شئون رجال القضاء وإرادتهم وحُرِّيَّتهم بنصوصٍ تشريعيَّةٍ وتطبيقاتٍ عمليَّةٍ مُخالفةٍ للدُّستور، سلبت بها مضمون ذلك الاستقلال وجدواه.
ومن بين هذه المخالفات [كما رصدتها دراسات أعدتها جماعة "محامون بلا قيود"]:
1-    المادة (4/9) من قانون السُّلطة القضائيَّة المُعدَّل بالقانون 35 لسنة 1984م، والذي صارت بموجبه السُّلطة التَّنفيذيَّة مُمثَّلةٌ في شخص وزير العدل، تنفرد بالكلمة النَّهائيَّة في ندب وتجديد ندب من تختارهم هي وحدها من مستشاري محاكم الاستئناف ليكونوا- لأيِّ عددٍ من السِّنين- مجرَّد تابعين لها في رئاسة المحاكم الابتدائيَّة في الإشراف على الرُّؤساء والقضاة، بل وأحكامهم وقراراتهم القضائيَّة والولائيَّة وسائر العاملين في هذه المحاكم، بل وتنبيههم إلى ما يقع منهم مُخالفًا لمقتضيات وظائفهم، كما اختصَّ هؤلاء الرُّؤساء في الوقت نفسه برئاسة الدَّوائر القضائيَّة في المحكمة ذاتها.
ومع تقادم العهد بهؤلاء الرُّؤساء في مناصبهم ومزاياهم الماليَّة والعينيَّة، تنامت سلطاتهم المختلطة، سعةًَ وعُمقًا، حتى امتدت آثارها إلى العمل القضائيِّ ذاته، واهتزَّت الثِّقة العامَّة به، خاصَّة حين يتم تعيين بعضهم في مناصب المحافظين، وحين تتضمَّن محاضر توزيع العمل بالجمعيَّات العموميَّة لبعض المحاكم دعوة كافَّة القُضاة من أعضائها لما معناه ضرورة عرض الدَّعاوى الهامَّة المنظورة أمامهم على رئيس المحكمة للمداولة معه فور حجزها للحكم، وقبل الفصل فيها، وفي ذلك ما فيه من إثمٍ جنائيٍّ وقضائيٍّ بموجب أحكام الدُّستور والقانون.
2-    المادة (78) من القانون ذاته، الذي أنشئت إدارة في وزارة العدل تابعةٌ لمكتب الوزير، وهي إدارة التَّفتيش القضائيِّ على أعمال القُضاة والرًُّؤساء بالمحاكم، وتقدير أهليَّتِهم وصلاحيَّتِهم ومساءلتهم وفحص وتحقيق الشَّكاوى التي تُقدَّم ضدهم، واقتراح ندبهم ونقلهم وترقيتهم أو تخطيهم..إلخ.
وبطبيعة الحال يجري تحت ذلك كلُّه تحت سيطرة الوزير، وهو ما يعني- ببساطةٍ- قضاءً على استقلال القضاء والقُضاة، وسلب إرادتهم وهز، بل وتضييع، الثِّقة العامَّة فيهم.
3-    المواد (93) و(125) وما بعدها في القانون المذكور التي تُخوِّل الوزير وبعض تابعيه سلطاتٍ إداريَّةً وتأديبيَّةً على القضاة.
4-    وعلى المستوى المالي تمَّ الضَّرب فيها عرض الحائط بالضَّمانات التَّشريعيَّة التي تحول دون تحكم السُّلطة التَّنفيذيَّة من خلال وزارة العدل في مرتَّبات ومُخصَّصات القضاة بالتقليص أو الإفراط، حتى أفسدت النِّظامُ الماليُّ الخاصُّ بالقضاة عبر إنشائها نظامٍ موازٍ.
وقد أطلقت وزارة العدل يدها في التَّميِّيز بين القضاء، سواءً في توزيع ما يُسمَّي بالحوافز ومكافآت العمل الإضافيِّ ودورات التَّحكيم والكسب غير المشروع، أو في سائر أنواع المعاملة الماليَّة والعلاجيَّة والاجتماعيَّة والمزايا العينيَّة الأخرى، وذلك بصورٍ شتى، وبالمخالفة لصريح نص المادة (68) من ذلك القانون، ولصريح نصوص جدول المُرتَّبات والمُخصَّصات الملحقة به.
وبلغ الأمر في ذلك إلى حدِّ احتفاظ الوزارة بدفتر شيكاتٍ رسميٍّ تصرفُ منه بإرادتها المنفردة أيَّ مبلغٍ لمن يشاء من رجال القضاء، من دون أيَّة قواعدٍ ولا رقابةٍ ولا مساءلةٍ ولا حسابٍ.
5-    وبالمخالفة لنص المادة (30) من قانون السُّلطة القضائيَّة، وبموجب اختصاصات إدارة التَّفتيش القضائيِّ ورؤساء المحاكم، بل والتَّنازُل غير المشروع الذي تتضمَّنه جميع محاضر الجمعيَّات العموميَّة للمحاكم عن أهم اختصاصاتها لرؤسائها، تتحكَّم وزارة العدل في توزيع العمل أمام الدَّوائر بالهوى والاعتبارات الشَّخصيَّة التي تثير التساؤلات، وليس بقواعدٍ موضوعيَّةٍ عامَّةٍ مجرَّدةٌ، وطال ذلك محكمة النَّقض ذاتها لأوَّل مرة في تاريخها.
6-    احتوت المادة (36) على انتهاكاتٍ صريحةٍ لاستقلال القضاء؛ حيث نصت على أنْ "يكون للوزير أنْ يعيد إلى الجمعيَّات العامَّة للمحاكم الابتدائيَّة ولجان الشُّئون الوقتيَّة بها ما لا يرى الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النَّظر فيها".
7-    نصَّت المادة (78) وما بعدها على أنْ تتشكِّل بوزارة العدل إدارة للتَّفتيش القضائيِّ على أعمال القضاة والرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة ويضع وزير العدل لائحة للتَّفتيش القضائيِّ، وأُخرى لتفتيش النِّيابات، ويخطر وزير العدل من يقدر بدرجة متوسط أو أقل من المتوسط من رجال القضاء والنِّيابة العامَّة بدرجة كفايته، وذلك بمجرد انتهاء إدارة التَّفتيش المُختصَّة من تقرير كفايته، كما يُخطِر من حلَّ دورهم في التَّرقية ولم تشملهم، بأسباب تخطيهم.
ويختص الوزير كذلك بتعيين القضايا التي تُنظر وعدد الجلسات وأيام انعقادها ومن يقوم بالعمل في أثناء العطلة القضائيَّة (المادتان 87 و88).
كما نصَّت الفقرتان الرَّابعة والخامسة من المادة التَّاسعة من قانون السُّلطة القضائيَّة على أنْ "تكون رياسة المحكمة الابتدائيَّة بطريق النَّدب، من بين مستشاري محاكم الاستئناف بقرارٍ من وزير العدل، بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، لمدَّة سنةٍ على الأكثر قابلةٍ للتَّجديد- وليس بعد موافقة المجلس- وأنْ يكون بكلِّ محكمةٍ ابتدائيةٍ عددٍ كافٍ من الدَّوائر يرأس كل منها رئيس المحكمة أو أحد الرؤساء بها".
يدل ذلك كله على أنَّ السُّلطة التَّنفيذيَّة صارت لها الكلمة النَّهائيَّة في هذا النَّدب المختلط بما يترتَّب عليه من تخويل المستشار المختار بمعرفة الوزارة وحده ولايتَيْ الإدارة والقضاء مع رياسة دوائر المحكمة، وفي وقتٍ واحدٍ، إلى جانب ما يتولاه من اختصاصاتٍ أخرى رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وتأديبيَّةٍ على جميع القضاة والرُّؤساء بالمحكمة وسائر موظَّفيها وعُمَّالها، ناهيك عن اختصاصاته الانتخابيَّة المُستحدثة وغيرها.
كما يختص أيضًا بتنظيم الخدمات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة لرجال القضاء والنِّيابة بقرارٍ من الوزير، وللوزير حق طلب إحالة القاضي للمعاش أو نقله لوظيفة غير قضائية (المواد 91 و111 و129)، وحق الإشراف على جميع المحاكم والقضاة وأعضاء النِّيابة العامَّة (المادتان 93 و125).
وبينما لرئيس كلِّ محكمةٍ حقُّ الإشراف على القُضاة التَّابعين لها، فإنَّ للوزير طلب وقف القاضي أو عضو النِّيابة (المادة 97)، وحق تنبيه الرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة وقُضاتها وأعضاء النِّيابة العامَّة كتابةً وشفاهة، إلى ما يقع منهم مخالفًا لمقتضيات وظائفهم (المادتان 94 و126).
كما أنَّ الوزير من حقِّه يطلب من رئيس المحكمة الحق، إذا تكرَّرت المخالفة أو استمرت، رفع الدَّعوى التَّأديبيَّة، وتقام هذه الدعوى- ودعوى الصَّلاحية- بطلبٍ من الوزير بناءً على تحقيقٍ جنائيٍّ أو إداريٍّ يتولاه أحد نوَّاب رئيس محكمة النَّقض أو رئيس محكمة استئناف، يندبه الوزير أو مستشارٍ من إدارة التَّفتيش القضائيِّ التابعة للوزارة (المادة 99).
كل ذلك يضمن تخويل السُّلطة التَّنفيذيَّة سلطاتٍ رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وماليَّةٍ وتأديبيَّةٍ، تتدخَّل بها في صميم شئون العدالة والقضاء والقُضاة، بالمخالفة للدُّستور الذي على مبدأ استقلال القضاء والقُضاة كضمانٍ أساسيٍّ للحقوق والحُرِّيَّات.
الإشراف علي الانتخابات.. المسمار الأخير:
لعل إدراك النِّظام في مصر لقوَّة القضاة، وإدراكهم هم أنفسهم لأهمِّيَّة حركتهم في العام 2005م، والتي أدَّت لموجةٍ واسعةٍ من الحِراك السِّياسيِّ في مصر، والتَّجربة التي أعقبت انتخابات 2005م؛ حيث فاز 88 من مُرشَّحي الاخوان بعضوية مجلس الشَّعب بسبب الأشراف القضائيِّ أساسًا على الانتخابات، هو ما دفع النِّظام الحاكم إلى الدَّفع باجراء تعديلاتٍ على الدُّستور المصريِّ في العام 2007م، يُلغَى بموجبها الإشراف القضائيِّ على الانتخابات أو المبدأ الذي عُرِفَ في مصر بمبدأ قاضٍ لكلِّ صندوقٍ.
فقد كانت المادة (88) من الدُّستور تنص على أنْ يتم الاقتراع في انتخابات مجلس الشَّعب "تحت إشراف أعضاء من هيئةٍ قضائيَّةٍ"، وطلب رئيس الجمهورية تعديل هذه المادَّة بحُجَّه "ما يسمح بمواجهة التَّزايُد المطرد لأعداد النَّاخبين، وما يفرضه من زيادةٍ مُماثلةٍ في أعداد لجان الاقتراع ومراكز الفرز (...)، ويضمن في الوقت نفسه إجراء الانتخابات في يومٍ واحدٍ".
وكانت النَّتيجة الحتمية لهذا التَّعديل مشاركة هيئاتٍ غير قضائيَّةٍ في الإشراف على الانتخابات.
كما عمد النِّظام الحاكم إلى المزيد من التقييد على تيار الاستقلال في أوساط القضاة المصريِّين، والذين يمثلون نصف عدد الهيئة القضائيَّة في مصر- خمسة آلاف من بين عشرة آلاف قاضٍ- فكانت البداية بالمحاولة الفاشلة لإقصاء المستشار هشام البسطاويسي نائب رئيس محكمة النَّقض والمستشار محمود مكي نائب رئيس محكمة النَّقض، والتي انتهت بمواجهات الشَّارع الشَّهيرة بين الإخوان والدولة، وأدَّت لتراجُع النِّظام عن محاولته هذه.
ثم بدأت الدَّولة بعد ذلك في محاصرة تيار الاستقلال في المحاكم المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل محاكم الاستئناف والدُّستوريَّة العليا، وكذلك في أندية القضاة.
فكان- على سبيل المثال- تعيين المستشار فاروق سلطان رئيسًا للمحكمة الدستوريَّة، بعد توليه الإشراف على انتخابات نقابة المحامين مباشرةً، وهو ما دفع مراقبون في الخارج إلى إبداء دهشتهم لذلك، ومن بينهم ناتان براون الكاتب الأمريكي البارز في مقالٍ تحليليٍّ نشره في مجلة (فورين بوليسي) الأمريكيَّة المرموقة تحت عنوان "لماذا عيَّن النظام المصري رئيسًا جديدًا للمحكمة الدُّستوريَّة؟".
وقال إنَّ من بين الأسباب الحقيقيَّة لترقية المستشار فاروق سلطان رئيس محكمة جنوب القاهرة السَّابق؛ لكي يصبح رئيسًا للمحكمة الدُّستوريَّة العليا، أعلى سُلطةٍ قضائيَّة في مصر، هو كونه مقرَّبًا من النِّظام، وقال إنَّ تعيينه يهدف إلى تسهيل عملية انتقال السُّلطة لجمال مبارك أمين السِّياسات في الحزب الوطنيِّ الحاكم من دون حدوث أيَّة عقباتٍ.
وكان من بين هذه الخطوات أيضًا "إنجاح" المستشار أحمد الزِّند المعروف بأنَّه رجل النِّظام القوي في نادي القضاة في منصب رئيس النَّادي على حساب مُرشَّح تيَّار الاستقلال المستشار هشام جنينة، ويُضاف إلى ذلك الإبقاء على المستشار ممدوح مرعي في منصبه كوزيرٍ للعدل رغم كل الانتقادات الموجَّهة له.
والآن السُّؤال أو الأسئلة التي تطرح نفسها، هل القضاء المصري مُستقلٌ؟!، وما هو دوره في التَّغيُّرات القادمة في مصر؟!، وهل سوف يكون هناك إمكانيَّةٌ لتكرار ملحمة انتخابات 2005م؟!.. البعض يؤكِّد أنَّه من المستحيل التَّكهُّن بذلك الآن!!
----------------------
المصادر الرَّئيسيَّة:
1- مشروع تعديل قانون السُّلطة القضائيَّة ومُذكِّرَتَه الإيضاحيَّة الذي وضعته الجمعيَّة العموميَّة لقضُاة مصر منذ العام 1991م.
2- وثائق وتوصيات مؤتمر الجمعيَّة العموميَّة لقضاة مصر الملحقة بالكتاب الذهبي للمحاكم الأهليَّة الذي أصدره نادي القضاة عام 1991م.
...

أقرأ المزيد...

ثمن الدِّيمُقراطيَّة


بقلم: حسن القباني(*)

دَفَعَ العالم الحر والأحرار ثمنًا غاليًا من أجل ترسيخ الدِّيمُقراطيَّة في بعض بلدان العالم، حتى صارت هذه البلدان مثلاً عظيمًا في الحُرِّيَّة والعدالة وسيادة القانون والدُّستور، ومدرسةً تهفو اليها قلوب وعقول مُحبِّي العدل لنيل شرف التَّواجُد بها وإعادة تجربتها، الا أنَّ المُستبدِّين في العالم العربي لهم رأيٌ آخرٌ أفسد كل محاولات الشُّعوب لنيل حقوقها رغم استمرار هذه المحاولات.
ولعل التوقف مع مشهد جماعة بحجم حركة حماس، وهي تسعى لاقرار قوة القانون في رفح الفلسطينية ضد محاولات بعض المنلفتين رغم ضراوة الحصار على قطاع غزة، أو مشهد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهي تُجري انتخابات مجالس شورى الجماعة في المحافظات، رغم ضرورة الاعتقالات ضد اعضائها وقياداتها، يطرح بُعدًا جديدًا في التفكير في أهميَّة مُساندة الاتِّجاه الدِّيمُقراطيِّ للحركات الاسلاميَّة، خاصَّة إذا كانت بحجم مثل حجم الإخوان المسلمين.
إنَّ المستبدين يُجبرون أوطانهم على الخسارة مرَّتَيْن في هذه المرحلة الحرجة، فهم بمواصلتهم سياساتهم يُرَسِّخون للتَّضييق والاحتقان وقتل الحُرِّيَّات، ويمنعون الحركات الاسلاميَّة من نقلةٍ نوعيةٍ تصل بهم إلى قناعاتٍ جديدةٍ في طريقة الحكم، أو على الأقل تُحفِّزُهم على مواصلة اجتهاداتهم التي تطوِّر من قراءاتهم وقراراتهم السِّياسيَّة، بما يصبُّ في صالح البلاد والعباد، وبطرقٍ ديمُقراطيَّةٍ لا يعلو عليها فكرٌ مُتجمِّدٌ، ولا تنسفها تحرُّكاتٍ غير إبداعيَّةٍ.
المشكلة هنا والتي يجب أنْ نتصارح بها جميعًا، ونقف معها لندرسها من جديد، هي ما لخَّصه المُفكِّر والقانونيُّ المستشار طارق البشري، النَّائب الأسبق لرئيس مجلس الدَّولة المصريِّ؛ حيث قال إنَّ الدِّيمُقراطيَّة- بشكلٍ عامٍ- لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة، وإنَّ الإصلاحات التي تطالب بها أمريكا في فلسطين والعالم العربي على عكس معنى الدِّيمُقراطيَّة الحقيقيِّ على طول الخط!
هذه المشكلة كشفها بصراحةٍ- أيضًا- أحد أقطاب النِّظام المصري، والذي يجيد الخطاب مع الغرب؛ حيث أكد الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجيَّة بمجلس الشَّعب المصري، أنَّ أيَّة انتخاباتٍ نزيهةٍ ستُخرِج 22 نظامًا عربيًّا معارضًا لأمريكا ومصالحها، وهو ما اعتبره القيادي بجماعة الاخوان المسلمين في مصر الدكتور جمال حشمت- في ندوةٍ سياسيَّةٍ بنقابة المحامين الفرعيَّة بمحافظة البحيرة- أنَّ النِّظام بذلك قد اختار شعار "التَّزوير هو الحل" أمام كل محاولات الإصلاح، وبالتَّالي يُغلِق الأُفُق نحو المستقبل لإجراء انتخاباتٍ نزيهةٍ، مشددًا في نفس الوقت على أنَّ الاخوان والقوى السياسية الأخرى في مصر لا يعولوا على الخارج في مساعدتهم، وأنَّه لا مفرَّ سوى أنْ تَحدُث حالةً من التَّنسيق والتَّوافُق حول المطالب الرَّئيسيَّة لإصلاح نظام الحكم وتغييره من أجل الاتِّفاق على حدٍّ أدنى للحوار.
هذا المشهد لابد أنْ يضعنا أمام حالةِ مفارقةٍ عجيبةٍ وحالةٍ من الدَّهشة وسيلٍ عارمٍ من التَّساؤلات، لأنَّه إذا كُنَّا نريد فعلاً كعالمٍ حرٍّ ومُثقَّفين أحرار توطين الدِّيمُقراطيَّة ومُحاربة الاستبداد، لا يجوز الصمت على هذا العوار الحادث لأنَّنا ببساطةٍ سنكون مشاركين في جريمة قتل الأجيال القادمة خاصة من الحركات الإسلاميَّة صاحبة الشَّعبيَّات العريضة في هذه الأوطان.
إنَّ استمرار تقويض الدِّيمُقراطيَّة واحتكار المصطلح على بعض القوى من دون السَّماح بإقراره على أرض الواقع، يفتح الباب لمزيدٍ من اليأس، وهذا أمرٌ شديد الخطورة على مستقبل الأوطان، ويعني أنَّ الدِّيمُقراطيَّة يجب أنْ يُصر عليها الجميع، بمن فيهم ضحاياها رغم كونها كالجمر في أيدي الضَّحايا.
إنَّ ثمن الدِّيمقراطيَّة غاليًا، وإقراره يحتاج لوقتٍ وعقلٍ مبدعٍ وجهدٍ جهيدٍ مخلصٍ وشريفٍ ووطنيٍّ لمواجهة كارهي العدالة والحُرِّيَّة في هذه الأوطان من أجل مستقبلٍ أفضل يحمل الخير للجميع.
------------------------------
(*) صحفي مصري

أقرأ المزيد...

الشَّارع السِّياسيِّ قبل الانتخابات التَّشريعيَّة.. "شبح التَّوريث"!!


بقلم: محمد سعيد

بات من المؤكد مع اقترب موعد انتخابات مجلس الشعب المصري نهاية العام القادم، والتي يسبقها انتخابات مجلس الشورى، الَّلذَيْن صار لهما تأثيرٌ كبيرٌ عقب التعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة في عامي 2005م، و2007م، أنَّ معالم التَّوريث وإجراءات تسليم السُّلطة لنجل الرئيس حسني مبارك الأصغر جمال مبارك أمين السياسات في الحزب الوطني الحاكم، باتت أمرٌ شبه محسومٍ من وجهة نظر الكثير من المراقبين.

وقال هؤلاء إنَّ معالم التَّوريث تزداد تأكيدًا، مع تصريحات مبارك الغامضة خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة بشأن مستقبل الأوضاع في مصر في مرحلة ما بعد حكمه؛ حيث لم يذكر ردًّا قاطعًا ينفي فيه أو يؤكِّد هذا الأمر.
ومع استمرار الوضع السِّياسيِّ المتدهور في مصر، تحاول القوى السِّياسيَّة والاحزاب لململة أوراقها سريعًا قبيل انتخابات مجلس الشَّعب المقررة في خريف العام القادم 2010م، والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى منتصف العام نفسه، ويظل شبح التَّوريث ماثلٌ أمام عينيها، فكلُّ فصيلٍ يحاول إعادة ترتيب أوراقه قبل تلك الَّلحظة الحاسمة.
الإخوان والمُعضلة الأمنيَّة
والأمر الَّلافت للنَّظر في ظلِّ الحملة الأمنيَّة الشَّرسة على جماعة الإخوان المسلمين، وتزايُد حدَّة الهجمات في محاولةٍ "لقصقصة الرِّيش والتَّعطيل والإلهاء" الجماعة عن عمليَّة تمرير السُّلطة باعتقال ثلاثةِ من أعضاء مكتب إرشادها، وهم: الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدُّكتور أسامة نصر، والدُّكتور محمود حسين، فضلاً عن سجن النَّائب الثَّاني لمرشدها العام المهندس خيرت الشاطر وعضو مكتب الإرشاد الدُّكتور محمد علي بشر ضمن المحكمة العسكريَّة الأخيرة، والتي صدر فيها الحكم في ابريل من العام 2007م.
زد علي ذلك احتجاز العشرات من مسئولي المكاتب الإداريَّة والقطاعات ومسئولوا الِّلجانٍ الفنِّيَّة المُتخصِّصة من العناصر المُؤثِّرة داخل الجماعة.
ومع تصاعد وتيرة الأحداث الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وتنامي حدَّة الضَّربات الأمنيَّة وجدت جماعة الإخوان نفسها وحيدةً في الشَّارع السَّياسيِّ، فالكلُّ تخلَّى عنها سواء الأحزاب أو الحركات والتَّجمُّعات السِّياسيَّة الأخرى، ووصل الأمر إلى درجة وكأن الإخوان "فيروس" يجب الابتعاد عنه خشية الإصابة بمرضٍ معدٍ لا يُشفَى منه إلا بالاعتقال والمحاكمات والتشويه.

ورغم المحاولات الحثيثة للإخوان للملمة الجماعة السِّياسيَّة وجمعها تحت رايةٍ واحدةٍ تستطيع من خلالها مواجهة البطش والعسف الحكوميِّ الذي طال الشَّعب المصريِّ، صغيره قبل كبيره، سواء المشتغلين بالعمل العام، السِّياسيِّ والإجتماعيِّ، أو الممتنعين عن الخوض فيه، كان الصَّد وأصابع الاتِّهام تُوجَّه إليهم بمحاولة تكوين تجمُّعٍ سياسيٍّ تُواجِه الجماعة به الحكومة من خلف السِّتار!
واستمرارًا لأزمة الإخوان، نجدها هي الأخرى تُثير لغطًا وشكوكًا حول مشروعها السِّياسيِّ والفكريِّ من خلال تصريحات أو كتابات يعتقد كثيرٌ من الباحثين أنَّه أمرٌ مقصودٌ من قيادات الجماعة، لتبقى في الصُّورة السِّياسيَّة والإعلاميَّة، بدلاً من حملات الإبعاد والتَّهميش، وهو ما تقوم الجماعة بمعالجته من خلال العمل الشَّعبيِّ الاجتماعيِّ، الذي يمحو تلك الحملات التَّشويهيَّة، وباستغلال القناعة العامَّة لدى الشَّعب، والتي تقول إنَّ الطَّرف الذي تقوم الحكومة بتشويهه من الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة، يكون هو على الحق، وأنَّ الحكومة خائفةُ منه ومن قوته.
ورغم حملة الاعتقالات والمُحاكمات والتَّشويه التي يُمارسها النِّظام الحاكم عبر أداته الأمنيَّة، تُصرُّ الجماعة على خوض الانتخابات، وإنْ كانت التَّجرُبة تلك المرَّة مشوبةٌ بالحذر بعد أحداث التَّزوير واسعة النِّطاق لانتخابات المحلِّيَّات والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى الأخيرتَيْن، بل إنَّ هناك أصواتًا تُنادي بعدم خوض تلك التَّجرُبة مرةً أخرى، وخاصة بعد التَّقدُّم الكبير الذي أحرزته الجماعة في انتخابات مجلس الشَّعب عام 2005م.
فببساطة فإنَّ النِّظام الحاكم لن يسمح بتكرار تلك التَّجرُبة التي وضعته في مآزقٍ قانونيَّةٍ وسياسيَّةٍ كبيرةٍ، بعدما أظهرته بأنَّه خارجٌ على الإرادة الوطنيَّة التي مثَّلها نوَّاب الإخوان والمُعارضة المائة بمجلس الشَّعب.
ومع استمرار تأكيد الجماعة عبر تصريحات سياسيِّيها وقياداتها بعزم الجماعة عللى خوض أيِّ انتخاباتٍ، فهناك مؤشراتٌ تقول إنَّ الجماعة لن تُشارك في انتخابات التَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى مُنتصف العام القادم، حفاظًا على أفرادها من الاعتقال، ولتوفير جهودها لمعركة انتخابات مجلس الشَّعب نهاية العام نفسه.
حزب التَّوريث
وفي المقابل، تظل الخلافات وشبح التَّوريث مُسيطران على أداء الجانب الآخر من المعادلة السِّياسيَّة في مصر، وهو الحزب الوطنيُّ الحاكم، وأصبح الحديث عن خلافة الرَّئيس مبارك هو الموضوع الأساسيُّ بصالون الحزب.
وأصبح الحديث السَّائد بشأن الأوضاع الموجودة في الحزب يتلخَّص في صراعٍ بين الحرس القديم والذي يمثله كمال الشاذلي القيادي بالحزب وصفوت الشَّريف أمين عام الحزب، وفي مقابله "طقم" أصدقاء نجل الرئيس في مقدمتهم المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم والمسئول الأساسيِّ عن تنفيذ الكثير من خطط الحزب، والدكتور محمد كمال أمين العضويَّة، بينما يظل الدُّكتور مفيد شهاب محتفظًا بدور "المحلل والتَّرزي" القانوني للحزب ولسياسته، ومعه الدُّكتور عليُّ الدِّين هلال أمين الإعلام كوجهٍ "ظريفٍ" على شاشات التِّلفاز والحلقات النَّقاشيَّة.
ولعل مشهد الاستقالات الجماعيَّة التي شهدتها الانتخابات الدَّاخليَّة للحزب، والتي أُجْرِيَت مؤخرًا، كشف عن خلافاتٍ كبيرةٍ بين عناصر الحزب، بمحاولة كل فردٍ الحصول علي أكبر قطعةٍ من "الكعكعة"، ولكن تدخُّلات المهندس عز لتمرير أشخاصٍ بعينهم لتولِّي مناصب الأمانة العامَّة، وأمانة المحافظات، فجرَّت الخلافات بين أعضاء الحزب، وصل لحد تحرير محاضرٍ بأقسام الشُّرطة!
وهو الأمر الذي سينعكس بالضَّرورة على اختيارات الحزب لمُرشَّحيه في الانتخابات التَّشريعيَّة القادمة، وستتكرَّر كالعادة أزمة التَّرشيحات، وسيتقدَّم الآلاف من المُرشَّحين بصفةِ مستقلٍّ، وسيقوم الحزب بفصلهم وعند نجاحهم بالتَّزوير والعصا الأمنيَّة، سيقوم الحزب بضمِّهم مرةً أخرى بدعوى "وحدة الصَّف" و"العفو والصَّفح عن أبنائه الغاضبين".
كفاية والأحزاب.. ماضي!!
نأتي إلى الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"- كنموذجٍ للحركات الشَّعبيَّة البديلة التي تكاثرت في مصر في الفترة الأخيرة- هي الأخرى في حالٍ يُرثى له بعد وفاة زعيمها الرَّوحي المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، وتنحِّي الدُّكتور عبد الجليل مصطفى وانشغال مُنسِّقها العام الجديد الدُّكتور عبد الحليم قنديل بمعاركٍ صحفيَّةٍ وإعلاميَّةٍ، بالاضافة لخفوت نجم الحركة بعد فترة الحراك السِّياسيِّ التي بدأت في العام 2005م، وانتهت بنهاية الانتخابات التَّشريعيَّة في نهاية العام نفسه.
في المقابل تقف الأحزاب المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل الوفد والتَّجمُّع والنَّاصري، في زاويةٍ سياسيَّةٍ حرجةٍ عنوانها "الفشل" و"الشِّلَليَّة" و"المصالح الخاصة"، فالحزب الناصري مع تقاعُد زعيمه التَّاريخيِّ ضياء الدِّين داوود لمرضه، ومحاولة سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق نائب رئيس الحزب الحثيثة للإستيلاء على الحزب، وتقديم نفسه مُرشَّحًا للرَّئاسة مُمثِّلاً للتَّيَّار النَّاصري.
أمَّا حزب الوفد فلا يزال يحاول لملمة أعضائِه وأوراقه بعد أزمة رئاسة الحزب التي أفقدته كثيرًا من تاريخه الوطني، فضلاً عن انشغال هيئته العليا في أعمالها الخاصة، أو ممارسة دورٍ تنظيريٍّ عن الحياة السِّياسيَّة من دون فعلٍ حقيقيٍّ.
أمَّا التَّجمُّع فهو الآخر يعيش أزمة، ولكنه بنبرةٍ منخفضةٍ قليلاً، كون رفعت السَّعيد رئيس الحزب يضع مصالحه الشَّخصيَّة مع النِّظام فوق كافة الاعتبارات، وسط صمتٍ مريبٍ من أعضاء الحزب الَّذين سلَّموا رقبتهم له انعكس ذلك في أزمة السَّعيد الأخيرة مع النَّائب أبو العز الحريري عضو الحزب بتخييره ما بين الاعذار للسعيد وإمَّا الفصل من الحزب.
أمَّا حزبي الجبهة والغد فكلاهما خيَّبا ظنَّ الكثير من المواطنين، بعد استمرار الأوَّل في رفع شعار الِّليبراليَّة التَّنظيريَّة، والثَّاني الِّليبراليَّة الواقعيَّة التي أدَّت إلى انقسامه ودخول طرفَيْ النِّزاع حول الحزب نفق القضاء المظلم.
الأقباط.. والدَّور الخفي
ويتبقَّى في المُعادلة السِّياسيَّة المصريَّة، الأقباط، كعاملٍ مؤثِّرٍ في الضَّغط على النِّظام المصريِّ باتِّصالاتها بدولٍ ومنظماتٍ أمريكيَّةٍ غربيَّةٍ، بهدف الحصول على امتيازاتٍ جديدةٍ وابقاء الوضع المصري مُتوتِّرًا لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب، وهو ماتنفيه قيادات الكنيسة بتأكيدها على تأييد الرَّئيس مبارك ونجله ولسياسات الحزب الوطني، وهو ما عبَّر عنه رأس الكنيسة القبطيَّة في مصر صراحةً البابا شنودة الثَّالث في أكثر من موضعٍ.
ورغم حملات التَّشويه التي تُمرِّرها الكنيسة ضد الدَّولة المصريَّة عبر ما يُسمَّى بأقباط المهجر، يحاول النِّظام المصري إيهام نفسه بأنَّ هناك فرقٌ بين الأقباط، رغم علمه اليقينيِّ أنَّ شعب الكنيسة وقياداته، الكهنوتيَّة والعلمانيَّة، غير راضيةٍ عن كمِّ الصَّمت الذي يمنحه النِّظام لهم ولأنشطتهم التَّنصيريَّة والسِّياسيَّة المشبوهة، في حين تظل العصا الأمنيَّة موجهةً للإخوان المسلمين، وهو ما تراه القيادة الكنسيَّة غير كافٍ.
ولكن الصُّورة داخل الجماعة المسيحيَّة في مصر غير بسيطة على هذا النَّحو؛ حيث توجد العديد من الرؤى ووجهات النظر، في الوسط المسيحي نفسه، ولنأخذ الموقف من الانتخابات الرَّئاسيَّة نموذجًا، فمنذ أيامٍ نشرت وكالة أنباء (إنتر برس سيرفيس) تقريرًا بعنوان "المسيحيُّون منقسمون بشأن الانتخابات الرَّئاسيَّة" لأدم مورو وخالد موسى العمري.
التَّقرير يتحدَّث عن دعم الكنيسة القبطيَّة في مصر رسميًّا، وكذلك الكنيسة الكاثوليكيَّة لجمال مبارك رئيسًا للجمهورية خلفا لوالده الرئيس المصري حسني مبارك، في حين يعترض جيل الشَّباب المسيحي على جمال مبارك والحزب الوطني الحاكم، متهمين جمال والحزب بإهدار حقوق الأقباط والتَّحيُّز إلى جانب المسلمين.
كما يتناول التَّقرير اعتراض الكاتب القبطي جمال أسعد على تصريحات للبابا شنودة بطريرك الكرازة المرقصيَّة في يوليو الماضي، قال فيها إنَّ أغلبيَّة الجمهور يحبون جمال مبارك.
أسعد أكد على أنَّه ليس من حق أحدٍ أنْ يقول بأنَّ الجمهور مع فلان أو ضد فلان إلا من خلال الاستفتاء، وهو ما لم يفعله شنودة.
التَّقرير كذلك تناول تصريحات لأشخاصٍ مؤيدين ومعارضين لجمال مبارك، لدرجة أنَّ بعض الأقباط أسَّسوا صفحةً على موقع (فيس بوك) أسموها "أقباط مصر"، للتَّنديد بمحاولات توريث الحكم لجمال مبارك.
وقال التَّقرير إنَّ الكنيسة في مصر لها سلطةٌ دينيَّةٌ فقط على المسيحيين، أمَّا في السِّياسة فكثيرٌ من المسيحيِّين لا يأخذون بتوصياتها، كما حدث عام 2005م، عندما طلبت الكنيسة القبطيَّة من أتباعها تأييد مرشحي الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانيَّة، ومع ذلك منح  كثيرٌ من الأقباط ثقتهم لمرشحي جماعة الإخوان المسلمين.
على هذه الصورة، وما بين منقسم أو مأزوم أو مُشتَّت، تستقبل الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة عامًا من أهم الأعوام في الحياة السِّياسيَّة المصريَّة، فكيف سوف تنتهي الأمور.. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام وحدها!!...

أقرأ المزيد...

قضيَّة سياج.. واستكمال لمُسلسَل إهدار المال العام....


كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

قصةٌ جديدةٌ نطالعها كحلقةٍ جديدةٍ ضمن حلقات مسلسل إهدار المال العام في مصر، مثلها مثل غيرها من قصصٍ كثيرةٍ عن وطن هناك من يسعي لاستباحته، وما استعادته مصر بالسِّلاح أو بالتَّحكيم الدَّوليِّ يمكن احتلاله من جديد بالدُّولار وباليورو.. إنَّها قصة رجل الأعمال وجيه إيلاي جورج سياج، الخواجة المصري الذي يحمل الجنسيَّة الايطاليَّة، ويعمل في مجال الاستثمار السِّياحيِّ، والذي كان يسعى لزرع الصَّهاينة في سيناء.

قد تتعدد مشاهد تلك القصَّة، وكان من المُمكن أنْ تنتهي نهايةً مؤلمةً، لولا استيقاظ بعض أجهزة الدَّولة من غفلتها؛ فمصير تلك الصَّفقة إذا ما كانت قد تمَّت كان الأمر سيسير لصالح إسرائيل؛ حيث كان سينتهي الأمر بتمليك بعض حملة الجنسيَّة الإسرائيليَّة650 ألف مترًا مُربَّعًا، ممتدةٌ على مساحة ثماني كليومترات على الحدود الصُّهيونيَّة بمنطقة طابا.
وقد أدَّت المشكلة التي يناقشها الملف بتحميل خزينة الدَّولة مبلغ 750 مليون جنيه، سيتم دفعها من جيوب الشَّعب المصرىِّ الذى سيتحملها من حصيلته من الضَّرائب، وسيتم توجيهها لتحمل أخطاء مسئولي الحكومة؛ حيث تمَّ الانتهاء من جولات التَّحكيم الدَّولي في قضية رجل الأعمال وجيه سياج، والتى أسفرت عن تلك الكارثة.
حيث أنهى مركز التَّحكيم الدَّولى التَّابع للبنك الدَّولي "أكسيد" في واشنطن الحكم في قضية شركة سياج للاستثمارات السِّياحيَّة مع الحكومة المصريَّة حول السَّيطرة على أرض طابا، بتغريم مصر 74 مليون دولار بالاضافة إلى 60 مليون دولار أخرى كمصاريفٍ، وبذلك يكون المجموع 134 مليون دولار توازي نحو 750 مليون جنيه مصري.
وقد أكَّد الخبراء والمُتخصِّصُون أنَّ قضيَّة سياج مليئةٌ بالأخطاء الاجرائيَّة والقانونيَّة، لما تتوافر فيها من أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ، فضلاً عن إشارتهم إلى ازدواجيَّة الحكومة في التَّعامُل مع القضايا المختلفة ومراعتها لمصالح كبار رجال الحكومة على حساب الشَّعب، خاصةً في الفرق الواضح والكبير في التَّعامُل بين قضيَّة مصنع أجريوم في دمياط وقضية سياج.
وبالقاء نظرةٍ سريعةٍ فى صفحات التَّاريخ نجد أنَّه بعد حرب 1973م، وبموجب اتِّفاقيَّة السَّلام المُوقَّعة بين مصر والكيان الصهيونى، والتى تمت في 17 سبتمير 1978م، تم استرداد معظم الأراضي المصريَّة بسيناء، وكعادة اليهود الذين لا يحترمون أيِّ تعاقدٍ أو أيِّ اتِّفاقٍ، فقد ادَّعوا أنَّ لهم حقًّا تاريخيًّا في طابا لتُصبح هي المدخل الذي يعلقون عليه آمالهم؛ حتى يتواجدوا داخل الأراضي المصريَّة.
وبعد مداولاتٍ ومباحثاتٍ شاقَّةٍ ومريرةٍ تمَّ الاتِّفاق مع الكيان الصُّهيونيِّ على الُّلجوء للتَّحكيم، وفي 30 سبتمبر 1988م، أعلنت هيئة التَّحكيم الدَّوليَّة في الجلسة التي عُقِدَت في جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أنَّ طابا أرضًا مصريَّةً، وفي 19 مارس 1989م، رفع الرَّئيس حسني مبارك علم مصر على طابا المصريَّة.
ولكن السُّؤال هنا هو هل عادت طابا كاملةً لمصر؟، وما الذي حدث لهذه الأرض ليصبح جزءً منها ملكًا لأسرة رجل الأعمال وجيه سياج لتُصبِحَ مصر اليوم أمام هيئة التَّحكيم في منازعات الاستثمار (إكسيد)، التَّابعة للبنك الدَّولي.
جذور القضيَّة
بإلقاء الضَّوء على الجذور الأولى للقضيَّة، سنجد أنَّه في 14 يناير من العام 1989م، وأثناء حكومة رئيس الوزراء الرَّاحل عاطف صدقي، قام وزير السياحة آنذاك فؤاد سلطان بالموافقة على بيع 650 ألف متر من أرض طابا لشركة الاستثمارات السِّياحيَّة وإدارة الفنادق "سياج"، وتمَّ البيع دون دراسةٍ كافيةٍ بأنْ يشترى هذا المستثمر كل تلك المساحة، ومن دون معرفةٍ حكوميَّةٍ بطبيعة نشاطه، ومن دون توقُّفٍ أمام خطورة المنطقة التى اشترى فيها من النَّاحية الأمنيَّة، خاصةً وأنَّ هذه الأرض تبعد حوالي 6 كيلومترات فقط عن الحدود المصريَّة مع الكيان الصُّهيونيِّ.
وأرجع الخبراء أنَّ الحكومة قدَّمت مبرراتٍ واهيةٍ ووافقت على البيع بعيدًا عن التَّخصيص، الى أنَّ السِّياحة في هذه المنطقة شبه ميتةٍ، وهم في حاجةٍ لمن يُحييها، وللتباهي بأنَّها تفتح الطَّريق أمام الاستثمار، حتى لو كان استثمارًا مدموغًا بخاتم الصَّهاينة الذين يخططون للعودة إلى سيناء بطرقٍ ملتويةٍ مثل الاتفاق مع "سياج" ومن على شاكلته، لذلك تحجَّجت الحكومة المصريَّة بأنَّها لجئت لبيع هذه المنطقة لرجل الأعمال وجيه سياج؛ لإحياء السِّياحة في هذه المنطقة عن طريق بيعها.
ويقضي عقد البيع بأنْ تبيع الحكومة المصريَّة 650 ألف مترٍ مربعٍ، بطول 1500 متر على السَّاحل، بمبلغ 975 ألف جنيه بواقع جنيه ونصف للمتر، وكان الاتفاق يقضي بأنْ يدفع وجيه سياج 20% من المبلغ عند التَّوقيع مع سداد الباقي على 7 سنوات يستحق أوَّلها بعد 3 سنواتٍ من توقيع العقد، وبذلك يكون السَّداد خلال عشر سنوات.
وبعدها كوّن سياج وآخرون، في يوليو 1992م، شركة "سياج طابا" على أنْ تمتلك شركة سياج السِّياحيَّة 75% من "سياج طابا"، ثم زاد سياج من حصته لتصل إلى 88%، وحِصَّة والدته حوالي 11% ومنى سياج وثلاثة آخرين من الأبناء حوالي 1%، وكان من المُقرَّر أنْ يتم إنشاء منتجعٍ سياحيٍّ يتَّسع لحوالي 1650 شخصًا، وبنيةٍ تحتيَّةٍ على 3 مراحلٍ.
وانتهز الكيان الصُّهيوني تلك الفرصة وقاموا بالاتفاق مع رجل الأعمال سياج في أغسطس 1994م لإنشاء شركة "لومير هولدينج" الصّهيونيَّة لتمويل جزءٍ من المرحلة الأولى من المشروع.
ثمَّ أخذت القضيَّة أبعادًا أخرى تمثَّلت فى إلغاء التَّخصيص بقرارٍ رئاسيٍّ لدواعٍ أمنيَّةٍ، وفي العام 2003م تمَّ تخصيصها لشركة غاز شرق المتوسط، وبعدها بدأت جولات التَّحكيم الدَّولي لتنتهي بكارثة الحكم الأخير، الذى قضى بتغريم الحكومة المصرية 750 مليون جنيه.
أبعاد قانونيَّة
ذكر بعض الخبراء أنَّ سبب خسارة الحكومة المصريَّة في التَّحكيم الدَّولي دائمًا إلى نقص الكوادر القانونيَّة القادرة على التَّعامُل مع هذه القضايا، في حين اتَّهم آخرون ضعف القوانين المحلِّيَّة، وتضارُب السِّياسات الاستثماريَّة إلى جانب الفساد الإداريِّ، بأنَّها أهم العوامل التي مكَّنت رجال الأعمال الأجانب من الحصول على أحكامٍ لم يكونوا يستطيعون الحصول عليها إذا وجدت قوانين تحمي المصالح القوميَّة، بينما أرجعها خبراءٌ آخرون إلى تواطؤ كبار المسئولين في الدَّولة والطَّامعين في ثروات البلد، وتهاوُن المسئولين عند كتابة بنود التَّعاقُد في الحفاظ على حقوق البلد.
وفي تحليلٍ للدُّكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجيَّة الأسبق حول ملابسات تلك القضية أوضح أنَّ تلك القضيَّة تُعدُّ واحدةٌ من القضايا الكثيرة التي خسرت فيها مصر أموالاً طائلة في التَّقاضي، مشيراً إلى أنَّ تلك القضيَّة بالذَّات تُعْتَبَر نموذجًا وتصويرًا دقيقًا للحالة المصريَّة التي آن الأوان لفتح تحقيقٍ مستقلٍّ ومحاسبة المسئولين عن هدر هذه الأموال والإساءة إلى مصر و فرص الاستثمار فيها.
وفسر دكتور الأشعل أوجه الاختلاف في تلك القضية عن غيرها فيما يخص التَّحكيم أمام مركز (أكسيد)، موضحًا أنَّ هناك ثلاثة أمورٍ أساسيَّةٍ تمثِّل هذا الاختلاف، وأوَّلها أنَّ تلك القضيَّة مرَّت بمحطات فسادٍ واستهتارٍ وعدم إكتراثٍ من جانب المسئولين ممَّا تسبَّب في أنْ يكون الشَّعبَ المصريَّ هو الضَّحيَّة بأنْ يدفع الشَّعبُ المصريُّ ثمن هذا العبث الذي يرتكبه كبار المسئولين في مصر.
وثانيها فهي مسألة التعويض، مبرزًا الأشعل أنَّ قدر التَّعويض المطلوب من الحكومة المصريَّة خياليٌّ، ولم يحدث أنْ قرَّر حكم تحكيم في كل تاريخ التَّحكيم الدَّولي مثل هذا المبلغ.
أما الأمر الثَّالث فيتمثل في أنَّ الطرف الآخر يحمل الجنسية المزدوجة، وأنَّ جزءًا كبيرًا من عمليَّة التَّقاضي ركزت على قضيَّة الجنسيَّة.
وخلال تحليل الدكتور الأشعل للقضيَّة أوضح أنَّ قضيَّة سياج ترتبط بعددٍ من المحطَّات التي يجب التَّحقيق فيها؛ فالمحطة الأولى هي تخصيص أراضي في طابا للاستثمار، ولابد أنَّ الذي أَمَرَ بالتَّخصيص يعلم حساسيَّة هذه المنطقة للأمن القومي المصري، واحتمال تسرُّب شركاتٍ صُهيونيَّةٍ إلى المستثمرين الأصليِّين الذين استغلوا وضعهم وجنسيَّتَهم المصريَّة للحصول على هذا التَّخصيص ممَّا يتطلَّب النَّظر في إصدار قانونٍ يُراعي هذه الأخطاء.
وبالانتقال الى المحطة الثَّانية هي نزع ملكيَّة هذه الأراضي بتحويلها وإعادة تخصيصها إلى المنفعة العامَّة، وهذا موقفٌ صائبٌ؛ لأنَّه يُصحِّح الخطأ الأوَّل، وهو تخصيص الأرض أصلاً للمستثمرين، وكان يتعيَّن أنْ تكون الدَّولة طرفًا في هذا الاستثمار أو أنْ يتم الاكتتاب فيه من جانب الجمعيَّات الأهليَّة المصريَّة.
أمَّا المحطَّة الثَّالثة التي يجب التَّحقيق فيها هي صدور أحكامٍ من القضاء المصريِّ لصالح من نُزِعَت ملكيَّتهم في طابا، ثم إهدار قيمة هذه الأحكام من جانب الحكومة، ولابد من وقفةٍ مع الحكومة وتطبيق القانون الجنائيِّ المصريِّ الذي يقضي بحبس المسئول أيًّا كانت مرتبته في جنحةٍ مُباشرةٍ إذا لم يُنفَّذ الحكم، وعارٌ علينا في مصر أنْ تكون الحكومة قدوةً في امتهان الدُّستور وإهدار قيمة القضاء، ولكنَّها تتشدَّد لإرغام المواطنين على احترام هذه الأحكام، ويبدو أنَّها من السِّمات الأساسيَّة للنُّظم المتخلفة.
أما المحطَّة الرَّابعة، وكانت أصعب تلك المحطَّات جميعًا فهي إعادة تخصيص الأراضي ونقلها من المنفعةِ العامَّة إلى منفعة أحد المستثمرين، وهو رجل الأعمال حسين سالم، وكان طبيعيًّا أنَّ سياج الذي نُزعت ملكيته لصالح أحد المستثمرين بعد ذلك، بعد أنْ كانت قد نُزِعَتْ للمصلحة العامَّة فضلاً عن التَّلاعُب بحقِّه في التَّعويض من جانب الحكومة أنْ يفقد الثقة في مصر وحكومتها، مما جعله يلجأ إلى مركز "أكسيد" لكي تجني مصر ضحيَّة هذه التَّصرُّفات غير المسئولة لكي تُمثل أمام المركز، وتشهد المحطة الخامسة وهي تواضع الإدارة المصريَّة في إدارة عمليَّة التَّحكيم.
وأجمل دكتور الأشعل مجموعة الحلول واضعًا إياها بين أيدي المسئولين المصريين؛ حيث أوضح أنَّه لابد أنْ تُشكَّل لجنة للتَّحقيق، مكونةٌ من جميع النَّقابات المصريَّة من مهندسين ومحامين وصحفيِّين وغيرها من الجهات غير الحكوميَّة التي يعنيها الكشف عن مأساة مصر في تلك القضيَّة، وأشار إلى ضرورة أنْ يلتزم المسئولون في هذه القضية بدفع هذا التَّعويض من أموالهم الخاصَّة، وأنَّه لابد وأنْ يقف الشَّعب وقفةً صامدةً في وجه تلك القضيَّة، وأنْ تكون أعمال لجنة التَّحقيق شفَّافة، وأنْ تُحيط المجتمع المصريِّ بكل تطورات هذا التَّحقيق.
جريمةٌ جنائيَّةٌ
منذ أيامٍ قلائلٍ أعلن المحامي عصام سلطان الخبير فى قضايا التَّحكيم الدَّوليِّ أنَّ قضيَّة وجيه سياج تتوافر فيها كافَّة أركان الجريمة الجنائيَّة بشكلٍ كبيرٍ؛ حيث تمثَّلت في جناية إهدار المال العام، مع تسهيل الاستيلاء عليه، والتَّربُّح غير الشَّرعيِّ، وتزوير مُحرَّرٍ رسميٍّ، لما ثبُت أنَّ رجل الأعمال سياج كان يحمل جوازَ سفرٍ لبنانيًّا مزوَّرًا بحسب ما أوردته الحكومة الِّلبنانيَّة.
وأستنكر المحامي سلطان تقاعُس الحكومة المصريَّة في توجيه أيَّة اتِّهاماتٍ من هذه النَّوعيَّة؛ حيث إنَّها حتى الآن لم تتقدَّم ببلاغٍ واحدٍ ضد كل المشاركين في الأمر، من وجيه سياج، ورئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد، ورجل الأعمال "المشبوه" حسين سالم، مؤكدًا أنَّ التَّحقيقات معهم ستفتح العديد من ملفات الفساد في مصر.
وأشار سلطان إلى أنَّ الازدواجيَة هي ما تعاملت به الحكومة مع هذه القضيَّة، مشيرًا إلى تعاملها في قضية مصنع أجريوم؛ حيث تمَّ الُّلجوء إلى التَّحكيم الدَّولي في قضيَّة سياج، قبل اتِّخاذ أيِّ إجراءٍ قانونيٍّ بمصر- والذي كان سيكشف الكثير- لإيقاف إجراءات إتمام التَّحكيم، طبقًا للقانون الجنائي.
وأكد سلطان أنَّ الحُكمَ الذي حصل عليه سياج مؤخرًا يشوبه أمورٌ عديدةٌ، أوَّلها أنَّه تمَّ من خلال إجراءاتٍ غير صحيحةٍ، بدءًا من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّوليِّ، بعكس ما تمَّ مع قضيَّة أجريوم، حينما قُدِّمَ أولاً بلاغٌ للنَّائب العام، وتمَّ فتح التَّحقيق في تخصيص الأرض للمشروع، وبالتَّحقيقات تمَّ إلغاء المشروع بأكمله، ولم يتمكَّن أحدٌ من الُّلجوء للتَّحكيم الدَّولي أولاً، وهذا ما كان سيحدث لو التزمت الحكومة وقامت بواجب الدِّفاع في تلك القضية (قضيَّة سياج).
ألا أنَّ هذا لم يحدث بل إنَّ مكتب بيكر ماكنزى، الذى تولى قضيَّة سياج، هو نفسه محامي الحكومة في قضيَّة أجريوم، معلنًا أنَّ ذلك المكتب تقاضى أتعابًا وصلت لأكثر من 27 مليون جنيه في قضية سياج.
وفي تعليقٍ للدُّكتور أحمد كمال أبو المجد رئيس هيئة الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في الدَّعوى التَّحكيميَّة التى أقامها سياج ضد الحكومة المصريَّة، أشار إلى أنَّه بالمراجعة المتأنِّيَة لمنظومة الحكم التَّحكيميِّ والحيثيَّات التى بُنِيَ عليها أكَّد أنَّه تبيَّن وجود أخطاءٍ إجرائيَّةٍ وثغراتٍ قانونيَّةٍ عديدةٍ في تلك القضية من شأنها أنْ تؤدِّي إلى بطلانه.
وأشار أبو المجد إلى أنَّ تفاصيل ذلك كلِّه سيتم الكشف عنه أمام الهيئة التَّحكيميَّة الجديدة التى تنظر دعوى البطلان التي أقامتها الحكومة المصريَّة، وقال إنَّ الدِّفاع عن الحكومة المصريَّة في هذه القضيَّة سيجري في هذا الإطار التزامًا بالمبادئ القانونيَّة والقواعد المهنيَّة الواجبة...

أقرأ المزيد...

مصر واتفاقية حوض النيل الجديدة.. أزمة أمن قومي!!


بقلم: أحمد التلاوي

تواجه مصر في الوقت الرَّاهن واحدةً من أكبر "المطبات" الصعبة التي تواجه الأمن القومي المصري في غضون المائة عامٍ الأخيرة، وهي تلك المتعلقة بالأزمة التي أثارتها عددٌ من دول المنابع في دول حوض نهر النيل بشأن اتفاقيات تقاسم مياه النيل التي تمَّ التوصل إليها في الحقبة الاستعماريَّة بين البلدان المشتركة المتشاركة في مسار نهر النيل ومياهه

وفي حقيقة الأمر أنَّه غير خافٍ على أحدٍ أنَّ الأزمة الأخيرة التي أثارتها هذه الدول تأتي في وقتٍ شديد الحرج بالنسبة لموضوع الأمن المائي المصري؛ حيث بدأت مظاهر العوز المائي في الظهور على أرض الواقع داخل مصر، سواءً على مستوى الاستخدام المنزلي الخاص بمياه الشرب، أو على مستوى الاستخدام الزراعي.وبات من المألوف أنْ نسمع عن أزمة نقص مياه الشرب في بعض القرى المصرية، بل وفي بعض مدن الدلتا ومحافظات القاهرة الكبرى، مثل طنطا وقليوب وغيرها.كما أنَّه بات من المألوف أنْ تطالعنا التقارير الإعلامية والبحثية الصادرة عن بعض الجهات والمراكز المرموقة، ومن بينها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء عن مشكلات نقص مياه الري الزراعي التي تعاني منها بعض المحافظات المصرية، مثل المنوفية والدقهلية وكفر الشيخ، بل إنَّ الأزمة وصلت إلى درجة تلف وفساد بعض الترع ومسارات مياه الري بسبب نقص مستوى منسوب المياه الواصل إليها، وهو ما يؤدي إلى زيادة ملوحة المياه الباقية فيها، بما يؤثر سلبًا بطبيعة الحال على مستوى جودة الأراضي الزراعية.
كما أنَّ الأزمة اكتسبت أبعادًا وخلفياتٍ أخرى بعد الإعلان عن وجود تخطيط في وزارة الخارجية الصهيونية لترتيب زيارة لوزير خارجية الكيان المتطرف أفيجدور ليبرمان إلى عددٍ من البلدان الأفريقيةن ومن بينها بعض البلدان التي تعاند مصر فيما يخص الاتفاقيات القديمة الموقعة، مثل إثيوبيا وأوغندا، وهي بطبيعة الحال دولٌ باتت مخلب قط كبير للتحالف الاستعماري الغربي- الصهيوني في القارة السوداء.

أطماعٌ صهيونيةٌ
لا يخفى على أحدٍ ما للكيان الصهيوني طيلة العقود الماضية من أطماعٍ في مياه النيل، مع انسجام ذلك مع العديد من المخططات الموضوعة في المشروع الاستعماري الصهيوني التوسُّعي، ومن بينها تطويق الأمن القومي المصري والعربي جنوبًا، ومعالجة مُشكلة نقص المياه المزمنة التي يعانون منها في الكيان الصهيوني، وكذلك محاولة فرض خريطتهم المشئومة "من النِّيل للفرات.. أرضك يا إسرائيل" على العالم العربي والإسلامي كله.
ولا تعود المطامع الصهيونية في مياه النيل إلى فترة نشأة الكيان العنصري في فلسطين، بل تعود إلى ما قبلها، وتحديدًا إلى العام 1930م؛ عندما تقدم زعيم الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل إلى الحكومة البريطانية بمشروعٍ لتحويل جزء من مياه نهر النيل إلى صحراء النَّقْب جنوب فلسطين المحتلة.
وفي العام 1974م صمَّم المهندس الصهيوني إليشع كيلي مشروعًا لمحاولة جلب مياه نهر النيل لقلب الكيان، من خلال توسيع ترعة الإسماعيلية حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها وسحبها من أسفل قناة السويس في مشروعٍ أشبه بمشروع تُرعة السلام الحالي.
وبعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد أواخر السبعينيات بين مصر والكيان، تقدمت السلطات الصهيونية بطلبٍ لإمداد الكيان بمياه النيل، وهو ما رفضته مصر بموجب الاتفاقيات المُوقعة مع دول حوض النيل، والتي تنص على عدم جواز إمداد أية دولةٍ خارج حوض النيل بمياه النهر.
إلا أنَّ الكيان طيلة السنوات السابقة لم يهدأ له بالاً، وراح يعقد الاتفاقيات مع بلدان المنابع الأهم، مثل إثيوبيا وكينيا، للتعاون المائي معها، وأقيمت بالفعل مشروعاتٍ على مجرى النهر من دون موافقةٍ مصريةٍ، ومن بينها مشروع سد "فيشا" على النيل الأزرق في إثيوبيا.
وفي إطار هذه الخلفيَّات، يزور ليبرمان أفريقيا ودول حوض النيل الرئيسية في الوقت الذي ترفض فيه هذه البلدان الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، والتي أقرتها الاتفاقيات والمواثيق التي وقعت عليها دول الحوض في شأن تقاسم مياه النيل، ومن بينها اتفاقيَّتَيْ العام 1929م والعام 1959م، وكذلك العهود الدولية التي تضع قواعد تقاسم مياه الأنهار الدولية، والتي تنظم حصص المياه بين دول المنابع وبلدان المرور ودول المصب.
الكيان والأزمة الجديدة
ثارت في الفترة الأخيرة مشكلة بين مصر وبعض بلدان حوض النيل التي تطالب بفرض اتفاقية إطارية جديدة على مصر والسودان، بحجة أنَّ الاتفاقيات القديمة موقعةٌ أيام الاستعمار، بالرغم من أنَّ الدول الأفريقية بعد الاستقلال اتفقت على اعتماد العديد من الترتيبات الموروثة من أيام الاستعمار مثل اتفاقيات ترسيم الحدود.
إلا أنَّ القانون الدولي يؤكد بطلان هذا الادعاء، فالمادة 12 من اتفاقية فيينا الموقعة في العام 1978م، تؤكد توارث المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الطبيعة الفنية, ومنها الاتفاقيات المتعلقة بالأنهار الدولية, وأنه لا يجوز التحلل منها بالادعاء أنها قد أبرمت في الحقبة الاستعمارية.

كما أنَّ محكمة العدل الدولية أصدرت حكمًا أكدت فيه هذا المبدأ في النزاع بين المجر وسلوفاكيا بشأن نزاعهما حول إقامة مشروعات للمياه على نهر الدانوب؛ حيث قررت أنَّ المادة 12 هذه أصبحت جزءًا من القانون الدولي العرفي العام, والذي يلزم جميع الدول, بما فيها الدول التي ليست طرفا في اتفاقية فيينا.
ولذلك رفضت مصر مطالب دول المنبع، وهي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا والكونغو ورواندا وبوروندي؛ حيث تطالب مصر بأنْ يظل الحال على ما هو عليه، سواءً فيما يخص الحصص المائية أو ترتيبات الوضع بين دول المصب والمنبع.
وتتمسك مصر بثلاثة نقاطٍ أساسيةٍ, وهي: الموافقة المسبقة على أية مشروعاتٍ على حوض النيل, والأمن المائي, والحقوق التاريخية في مياه النيل لدول المصب، وكذلك موضوع الإجماع في القرارات المتخذة الذي تصر عليه مصر والسودان.
وفي فتراتٍ تاريخيةٍ عديدةٍ كانت مصر تدعم بعض المشروعات في دول حوض النِّيل، مع تقديم العديد من المساعدات المادية أو الفنية أو في مجال التدريب وإقامة المشروعات التنموية, بما في ذلك حفر الآبار لتوفير مياه الشرب للمواطنين الأفارقة في هذه البلدان، طالما لا تؤثر على حصة مصر من مياه النهر والتي تصل إلى 55.5 مليار مترًا مكعبًا سنويًّا.
وهي الحصة التي أقرتها اتفاقية العام 1959م الموقعة بين مصر والسودان؛ حيث تحصل مصر بموجبها على 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا أي 78% من مياه النيل المشتركة بينهما، بينما ويحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب أي الـ13% الباقية.
وكثيرًا ما هددت مصر باللجوء إلى الخيار المسلح لوقف أية مشروعاتٍ تمس بأمنها المائي، كما وقع في السبعينيات الماضية، وفي الوقت الرَّاهن طرحت مصر عدة بدائل للتَّعامُل مع الأزمة الحالية، منها التفاوض والوساطة والتحكيم ثم اللجوء إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وتتهم مصادرٌ سياسيةٌ مصريةٌ, دولاً أجنبيةً وعلى رأسها الكيان الصهيوني بالتحريض على الأزمة الحالية لضرب المصالح العربية في أفريقيا.
فبحسب دراسة أجراها الصحفي المصري فتحي خطَّاب، ففي العام الحالي 2009م، قدم الكيان إلى كل من الكونغو الديمقراطية ورواندا- من دول المنبع- دراساتٍ تفصيليةً لبناء ثلاثة سدودٍ، كجزءٍ من برنامج متكاملٍ يهدف الكيان من خلاله إلى التمهيد لمجموعةٍ كبيرةٍ من المشروعات المائية في هذه الدول، وخصوصًا رواندا.
ويتوجه الاهتمام الصهيوني في هذا الإطار إلى نهر كاجيرا, الذي يمثل حدود رواندا مع بوروندي في الشمال الشرقي لإقامة أكثر من سدٍّ عليه, كما تقدم شركات صهيونية دعمًا فنيًّا وتكنولوجيًّا لهاتَيْن الدولتَيْن في مجال الري والزراعة "بشكلٍ شبه مجانيٍّ"!!.
أما في أوغندا, فلا يزال الكيان يقوم بمحاولة بتفعيل اتفاقية تنفيذ مشاريع ري في عشر مقاطعاتٍ متضررةٍ من الجفاف, وإيفاد بعثةٍ أوغنديةٍ إلى الكيان الصهيوني لاستكمال دراسة المشاريع, التي يقع معظمها بالقرب من الحدود الأوغندية المشتركة مع السودان وكينيا, ويجرى استخدام المياه المتدفقة من بحيرة فيكتوريا لإقامة هذه المشاريع, وهو ما يؤدي إلى نقص المياه الواردة إلى النيل الأبيض, أحد أهم الروافد المغذية لنهر النيل في مصر؛ حيث يقدم 16% من الوارد المائي السنوي إلى مصر.
وفي أوغندا أيضًا يحاول الكيان دفع الحكومة الأوغندية إلى إقامة مشروعاتٍ مائية في مقاطعة كاراموجا الواقعة بالقرب من الحدود السودانية, في المقابل تم قتل مشروع قناة جونجلي في جنوب السودان، والذي كان من المفترض بموجبه تجفيف مناطق المستنقعات الموجودة في جنوب غربي السودان، لتوفير أربعة مليارات مترًا مكعبًا من مياه النهر الضائعة في هذه المناطق.
وفي إثيوبيا اتفق الكيان مع الحكومة الصهيونية على إقامة مشاريعٍ مشتركةٍ عند منابع نهر النيل, تتضمن إقامة أربعة سدود على النيل لحجز المياه وتوليد الكهرباء, فضلاً عن ضبط حركة المياه في اتجاه السودان ومصر, ومن المتوقع أن يتم استكمالها خريف العام الحالي، وهو فصل الأمطار في هضبة الحبشة، بعد أن تم تكليف شركة صينية بتنفيذه.
إلى جانب ذلك كله فإنَّ هناك مشروعٌ إثيوبيٌّ صهيونيٌّ بمساعدةٍ ألمانيةٍ يهدف إلى دعم مشروعات التنمية الزراعية في إثيوبيا, وتعمل فيه مجموعةٌ من الشركات الاستثمارية الصهيونية يملكها جنرالات متقاعدون في جهاز الموساد!!
ومن خلال هذا العرض السريع يتضح لنا أنَّ هناك حاجةٌ إلى تحركٍ سريعٍ أيضًا من جانب الحكومة المصرية، أم أنَّ التقصير المعتاد سوف يشمل هذا الملف أيضًا؟!


أقرأ المزيد...

نحو شرطةٍ وطنيَّةٍ


بقلم: حسن القباني

هناك العديد من الحقائق التي يجب أنْ نُعيد التَّذكير بها في زحمة أحداث العنف الأمني الباطش في وطننا، وهي حقائقٌ كالشَّمس يحاول محبو العنف حجبها، وكالنَّفس يسعي محبو السُّلطة قتلها، ولكن هيهات أنْ يستمر هذا مهما بلغ الظلم والعدوان والاستبداد.



أوَّلها أنَّ جهاز الشُّرطة بات جهازًا حزبيًّا، ويمكن أنْ نعتبره "ميليشيا حزبيَّة للحزب الوطني"، تلعب دورًا حزبيًّا بعيدًا تمامًا عن العمل المهني الوطني، وتمارس مهامٌّ خاصة لصالح فصيلٍ ضد فصيلٍ في غيبةٍ من الدُّستور وصحيح القانون، حتي باتت مصر وفي القلب منها المعارضة أمام جهازٍ غير وطنيٍّ، لا يجيد إلا مداهنة النِّظام الحاكم والصَّمت علي جرائمه، والتَّدخُّل السَّافر لصالحه دون خوفٍ من الله عز وجل، ومراعاةً لمصالح الوطن العليا ومطالب الشَّعب الحقيقيَّة، أو على الأقل مراعاة نصوص القانون.
وثانيها أنَّنا نواجه حالة من تغييب الوعي والقانون بتعمُّد من قِبَلِ كُلِّيَّات الشُّرطة ومراكز تدريبها، بحيث صرنا أمام ضباط يمارسون العنف والتَّعذيب ضد أبناء الشَّعب، وخاصة المعارضين منهم للحزب الوطني، وكأنَّهم في مهمةٍ وطنيَّةٍ فدائيَّةٍ، استحلُّوا فيها الكذب والدَّجل والتَّطاول على الحُرِّيَّات، واندمجوا في حالةٍ انفصاميَّةٍ غريبةٍ، حتى بات فيهم من يرى أنَّه بالمقارنة بغيره معتدلاً ورحيمًا (!!)، وكأن الاسلام قد أباح العنف والتَّعذيب لصالح الحزب الوطني، لأنَّه الحزب الحاكم المفدَّى!!
وثالثها: ابتزاز الجهاز لمعظم العاملين الصِّغار به كالمخبرين وأمناء الشُّرطة وصغار الرُّتَب، لخروج معظمهم من مناطقٍ تُعاني الفقر الشَّديد أوالجهل, عن طريق ايهامهم أنَّه صاحب الفضل وولي نعمتهم الذي جعل منهم أصحاب صولةٍ وجولةٍ، بما أدَّى إلى جعل هؤلاء العاملين الصِّغار دمية في أيدي ضباطٍ لا يخافون إلا على مصالحهم الشَّخصيَّة، ويُخالفون صحيح القانون.
ورابعها: أنَّنا أمام جهازٍ يتستَّر على مجرميه، ويحاول أنْ يُضفي عليهم قداسةً ومنعةً شخصيَّةً، ممَّا يجعلهم يفعلون أيِّ شيءٍ مهما بلغ جرمه في سبيل التَّرقية والمحافظة على المكتسبات الشَّخصيَّة العالية التي يتلقَّوْنَها منه.
وخامسها: استغلال النِّظام الحاكم للواقع الاقتصادي السَّيِّء، واهتمامه بمرتبات العاملين بجهاز الشُّرطة بدرجةٍ جعلت من بعضهم ينسلخون من الواقع الاقتصاديِّ الأليم الذي يرزح تحته شعب مصر الصَّابر, ويُسمُّون الواقع بغير اسمه، وهنا لا انتقد حقوقهم الماليَّة التي تناسب أعمالهم، بقدر ما أنتقد إغراء أبناء الجهاز بالمال مقابل تنفيذ أوامر الدَّمار والخضوع والتَّنفيذ.
لقد نجحت القيادات الشُّرَطيَّة- للأسف- في تغذية الضُّباط بفكرة شخصنة الوطن في شخصٍ واحدٍ، و"حزبنة" الحياة السِّياسيَّة المصريَّة في حزبٍ واحدٍ لا مُنافس له, وجَعْل أمن الوطن والمواطن هو أمن النِّظام الحاكم لا غير، فضلاً عن عدم وجود تربيةٍ إيمانيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ لصف العاملين بجهاز الشُّرطة، وكل ما هو موجودٌ في هذه النَّاحية إنَّما هو رصيد تربية الآباء لأبنائهم، لا تربية هذا الجهاز لنفسه.
باختصار: لا حلَّ إزاء ذلك من وجهة نظرنا، إلا باستمرار الفاعليَّات الرامية إلى زيادة الوعي الوطني لدى الشَّعب المصريِّ خلال الأعوام المقبلة، بجوار زيادة المقاومة القانونيَّة لأعمال العنف؛ حتى نكتسب أرضًا وأجيالاً صالحة للعمل في جهاز الشرطة, ويرجع جهازًا وطنيًّا لا يحب إلا الوطن، ولا يعرف إلا الحق، ولا يتعامل إلا بالحق وللحق، والله قادرٌ على ذلك، إنَّه نِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصير.


أقرأ المزيد...

السِّياسة المصريَّة وخطيئة التخلِّي عن السُّودان


دراسة بقلم: أحمد طه

تقوم نظرية الأمن القومى لأية دولةٍ وفقًا لثلاثة مُحدِّدات، الأول هو الجغرافيا، والثاني هو التراكم التاريخي لهذه الجغرافيا، والثالث هو الرؤى المختلفة للاشخاص- الذين تولوا زمام السلطة- لهذا الأمن القومي عبر التاريخ، وتهدف سياسات الأمن القومي إلى تعظيم مصالح الدولة، وتقليل التهديد الموجهة إليها.
وبداية، ترى غالبيَّة مدارس العلوم السياسية إنه من الصعوبة بمكان الوصول إلى تعريفٍ شاملٍ للأمن القومي، على تباين ظروف كل دولةٍ، بحيث تختلف اعتبارات الأمن القومي لديها، إلا أنه يمكن البدء من تعريف دائرة المعارف البريطانية للأمن القومي، وترى الموسوعة إنَّه يمكن تعريف الأمن القومي مبدئيًّا على أنه "حماية الأُمَّة من خطر القهر على يد قوةٍ أجنبيةٍ"،

ثم وضعت مدارس عدة في العلوم السياسية عددًا من التعريفات المختلفة باختلاف الظروف التاريخية التي ظهرت فيها هذه التعريفات، والأوضاع الجيوسياسية للدولة المعنية، ومن خلال هذه التعريفات، فإننا يمكننا الخلوص إلى أنَّ الأمن القومي لمعظم دول العالم هو القدرة على حماية الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية، بأنواعها سواءً الطبيعية أو التي تصدر عن أعداء الدولة، وتوفير قدرة المجتمع على الاستمرار والتطور المستقبلي".

واتفقت أغلبية المدارس السياسية العربية والعالمية على أنَّ الأمن القومي بمفهومه الشامل لا يمكن نشوءه ونجاحه إلا في ظل حكم ديمقراطيٍّ حقيقيٍّ، يقوم على أساس المؤسسية في صناعة القرار، كما أن هناك العديد من القضايا الأساسية المتعلقة بالأمن القومي للدولة، التي يجب مراعاتها، مثل حماية حدود الدولة وبقائها، وكذلك الفضاء التابع لها جوًّا وبحرًا لو كانت هذه الدولة تمتلك شواطئ على البحار المفتوحة.

ويُدخل بعض علماء الإستراتيجية الدولية- مثل ليدل هارت- قضية الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل منابع نهر النيل بالنسبة لمصر، وتأمين مصادر المياه للدولة.

ووفقًا لتلك التعريفات، فإنَّ الأمن القومي للدولة لا يقف عند حدودها، فمثلاً فإنَّ الأمن القومى الأمريكي يمتد من جزر الأزوروس في المحيط الأطلنطي شرقًا إلى جزيرة أوكيناوا في اليابان غربًا، وشمالاً حتى كندا والمحيط القطبي المتجمد، وجنوبًا حتى أمريكا اللاتينية، وفي حالة بريطانيا، نجد أن وضع بريطانيا كجزيرةٍ في بحر الشمال والمحيط الأطلنطي بجوار القارة الأوروبية، حتم عليها دوما رؤية اتحاد ألمانيا وفرنسا أو المانيا وروسيا تهديدًا لأمنها القومي.

ولكن هذه التعريفات- كما يقول الدكتور‏ بهجت قرني (أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة مونتريال‏ الكندية‏ والجامعة الأمريكية بالقاهرة)- يقصر تهديدات الأمن القومي على المناحي العسكرية البحتة والمصدر الخارجي‏ فقط، وبالتالي يقصر وسائل الدفاع عن الأمن القومي على الأداة العسكرية فقط والتسليح.

إلا أن هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وساهمت أحداث 11 سبتمبر في المزيد من التطوير لهذا المصطلح ومكوناته، مع تراجع التهديدات العسكرية للأمن القومي إلى مراتب أدنى لصالح تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية التي أدت في الكثير من الأحوال إلى تفتت دولٍ بأسرها واختفائها وظهور دول أخرى محلها.

كما أن التدخلات الدولية أو الخارجية في الشئون الداخلية للدول لم تعُد تقتصر على التهديد المسلَّح، بل بات تهديد المصالح الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية على قدر درجة قوة وانتشار نفوذ الدولة وبالتالي توسع مصالحها وممكنات تهديداتها.

ولذلك فإن اللواء الدكتور زكريا حسين- أستاذ الدراسات الإستراتيجية والمدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية المصرية- وضع تعريفًا للأمن القومي للدولة يتضمَّن الآتي: "القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية.. الاقتصادية والعسكرية.. في شتى المجالات، في مواجهة المصادر التي تتهددها في الداخل والخارج، وفي السِّلم والحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطًا للأهداف المخططة".

وطبقًا لهذا التعريف فإن هناك مجموعةً من الاشتراطات المهمة بالنسبة لقضية الأمن القومي تقوم على أساس مبدأَي الإدراك والتنمية؛ حيث الإدراك هو معرفة طبيعة ممكنات الخطر الداخلي والخارجي، ثم رسم سياسة شاملة أو إستراتيجية محددة لتنمية قوى الدولة لمواجهة هذه التهديدات الخارجية والداخلية وفق سيناريوهات محددة، مثل القوات المسلَّحة، والاقتصاد القومي الشامل، وتأمين كافة مرتكزات الشأن المعنوي لدى المواطنين.

وعلى ذلك فإن قضية الأمن القومي قضيةٌ متنوعةٌ في أبعادها، فهناك المناحي الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك السياسية والعسكرية.. وغيرها، وتهتم بهذه الأمور مجموعةٌ من الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية المختصة.

أولاً: السودان والأمن القومي المصري

وعند النظر الى الحالة المصرية التي هي محور الحديث، نجد أن الأمن القومي المصري يرتكز على محورَيْن، الأول هو البوابة الشرقية، وهو محور يمكن القتال عليه؛ حيث مثلت البوابة الشرقية نقطة العبور الرئيسية لغالبية الغزاة الذين جاؤا الى مصر عبر العصور.

أما المحور الثاني فهو الحدود الجنوبية ويرتبط هذا المحور بتأمين استمرارية تدفق مياه النيل إلى الأراضي المصرية، والتي تعد شريان الحياة لها، وهو محور لا يمكن القتال عليه بسبب امتداده لمساحات شاسعة يصعب تغطيتها بقوات مقاتلة تستطيع التمركز فيها.

ولذلك تعتبر الدبلوماسية هي الأداة الرئيسية للتعامل مع هذا المحور، أو بواسطة أدوات القوة الناعمة المتمثلة في المعونات والمنح الدراسية والبعثات التعليمية.. إلخ.

وهناك مساحةٌ عريضةٌ للتداخل في دائرتَيْ الأمن القومي في البلدَيْن ترتكز على عناصر مشتركة محددة كانت هي المحرك لاتِّفاقيَّة الدفاع المشترك، التي وقعها الطرفان في عهد الرئيسَيْن محمد أنور السادات وجعفر محمد النِّميري، ثم ألغيت في العهد الحزبي الثالث في السُّودان خلال الفترة من 1986م حتى 1989م.

وتتركز عناصر الأمن القومي المشترك بين البلدَيْن في محاور محددة، هي المياه والعمق الاستراتيجي الأرضي والفضائي والبشري المشترك بينهما، وفي حين تبدو مصر نشطة وفاعلة في تحريك هذه العناصر بما يخدم مصالحها كان الجانب السُّوداني متراخيًّا في تحريك ما يليه من مصالح، حتى باتت النظرة السُّودانيَّة العامة متوجسة بهواجس الاستغفال التي ولدها طغيان المصالح المصريَّة على العلاقات الثنائيَّة بين الطرفَيْن.

أولاً: خلفيةٌ تاريخيةٌ

عند النظر إلى التعاطي المصري مع السودان خلال القرن الماضي، وخصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين، يتضح أن هناك أخطاءٌ فادحةٌ قد ارتكبت وتسببت فيما وصلت إليه الحالة السودانية من مشاكلٍ متفاقمةٍ هبطت بها الى حالةٍ مستعصيةٍ تكاد تدخل السودان في "عمليةٍ جراحيةٍ كبرى" تهدف إلى تقسيمه.

وفي الحقبة شبه الليبرالية التي شهدتها مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين كان العنوان الرئيسي لمطالب الحركة الوطنية المصرية بكافة فصائلها يتمثل في أمرين، داخليًّا الدستور والديمقراطية، وخارجيًّا الاستقلال التام لمصر والسودان، أي وحدة وادي النيل.

وقد كان السودان يُحكَمُ حكمًا ثنائيًّا من بريطانيا ومصر بموجب اتفاقية عام 1899م، إلا أن بريطانيا كانت تنفرد بحكم السودان على أرض الواقع، وكان هذا أمرًا منطقيًّا لكون مصر محتلة من بريطانيا منذ العام 1882م.

وكان الشعبان المصري والسوداني يؤمنان بأنهما شعبٌ واحدٌ، وحدت بينهما الطبيعة والنيل والحضارة واللغة والدين والتاريخ، وكان هذا الايمان يدفع الشعب السوداني إلى الثورة على الاستعمار البريطاني، مطالبًا بعودة الوحدة مع مصر، وبسبب السودان تعثرت جميع المفاوضات التى جرت بين مصر وبريطانيا، والتى أجراها الزعماء الوطنيون المصريون المتعاقبون منذ العام 1924م، إذ كانت بريطانيا تتمسك دومًا باستمرار الحكم الثنائي في السودان، وكان هذا الأمر محل رفض المصريين.

وكانت هناك رؤيةٌ واضحةٌ لدى زعماء الحركة الوطنية المصرية إزاء أهمية السودان بالنسبة لمصر، وواقع التَّرابُط العضويِّ القائم بين شطري وادي النيل، فكان الأمير عمر طوسون أحد رموز الحركة الوطنية المصرية، يقول: "إذا لم نستعمر السودان فليستعمرنا السودان"، بينما كان الزعيم سعد زغلول يقول: "إن المفاوض الذي يفرط في السودان كالشخص الذى يفرط في عرضه".

وكان مصطفى النحاس يقول: "فليقطع يميني عن شمالي ولا ينفصل السودان عن مصر"، وهو القول الذى ترجمه عمليًّا عندما قرر امام البرلمان المصري في 8 أكتوبر من العام 1951م، إلغاء معاهدة 1936م الموقعة مع بريطانيا، واتفاقية السودان الموقعة في العام 1899م، داعيًا الشعبَيْن المصري والسوداني إلى مقاومة الاحتلال البريطاني.

وعندما سارعت بريطانيا باعداد مشروعٍ لدستورٍ يمنح السودان الحكم الذاتي بهدف إجهاض المقاومة المسلحة ضد الاستعمار البريطاني لوادي النيل، علق فؤاد سراج الدين- سكرتير حزب الوفد ووزير الداخلية آنذااك- على الأمر قائلاً: "إن الاستفتاء في السودان كالاستفتاء على مصير أسيوط مثلاً فيما إذا كانت ترغب في الاستقلال عن مصر".

وبعد ذلك تسارعت وتيرة التطورات في مصر حيث اُحْرِقَت القاهرة، وجاء انقلاب الجيش في 23 يوليو 1952م، والذي سُمِّي فيما بعد بالحركة المباركة ثم الثورة بقيادة محمد نجيب الذى ولد لأبٍ مصريٍّ وأمٍّ سودانيةٍ، وكان هذا الأمر صمَّام الأمان لوحدة البلدَيْن.

ثانيًا: المرحلة الحديثة

ثم حدث تحولٌ خطيرٌ في الموقف المصري تمثل فى عودة المفاوضات مع بريطانيا، وقبول ثوار يوليو لمبدأ الاستفتاء على تقرير مصير السودان، وتم إسناد ملف السودان إلى الصاغ صلاح سالم، دونما أيِّ مؤهلٍ أو مسوغٍ إلا لأنه ولد بالسودان وقتما كان والده موظفًا هناك، وقد صرح سالم أنه قبل قيام الثورة لم يكن يعرف شيئًا قط عن قضية السودان، ولم يقرأ عن السودان إلا بعض القصص عن مغامرات صيد الوحوش في غابات الجنوب.

وبناءً على هذا، أوفد مجلس قيادة الثورة صلاح سالم إلى جنوب السودان بهدف استطلاع الأحوال هناك، ولدى وصوله إلى الجنوب شارك سالم بعض القبائل في رقصة كانت تؤدى تحية للضيوف، إلا أنه شاركهم الرقص عاريًا بعدما تجرد من ثيابه، ونشرت الصحف العالمية صورته تحت عنوان "الكولونيل العاري"، والأسوأ أنه ذهب إلى هناك موزِّعًا الأموال والهبات بسخاءٍ شديدٍ على زعماء الجنوب بغية شراء ولائهم لمصر.

وقد أتى فعله بنقيض مراده؛ إذ خشى الجنوبيون التصويت لصالح الاتحاد مع مصر، خشية اتهامهم بالتربح وتعاطي الرشاوى على حساب مصالح القبائل الجنوبية.

وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال عن مصر، وكان ذلك لعدة أسبابٍ، أولها ما فعله صلاح سالم في الجنوب، والثاني وهو الأهمن هو خشية الشمال من الاتحاد مع مصر بعدما رأوه من سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل توليه الرئاسة، وتخلصه من محمد نجيب السوداني الأصل بالصورة التي تمت؛ حيث جرى عزله ونفيه بطريقةٍ قاسيةٍ ومهينةٍ، وهو الأمر الذي كان له أسوأ الأثر في نفوس السودانيين.

وأُضيف إلى ذلك بطش العسكر بمعارضيهم في مصر، كما بطشوا بنجيب وجماعة الإخوان المسلمين، وكانت المحصلة هي انفصال السودان عن مصر في العام 1954م.

وكان الانفصال بمثابة أول مسمار في وحدة السودان الإقليمية كدولةٍ موحدةٍ ومستقرةٍ، ففي العام 1955م، أي بعد الانفصال بعامٍ واحدٍ، ظهرت حركة "أنيانيا"، وهي أول حركةٍ انفصاليةٍ مسلحةٍ في جنوب السودان.

ومنذ ذلك الحين تتابع ظهور الحركات الانفصالية الجنوبية، وما أن يتم القضاء على حركة إلا وعاودت الظهور من جديد في شكلٍ آخرٍ وبمسمىً آخر، وقالت بعض الدراسات إن النظام الناصري كان أول من سلح الحركات الجنوبية ضد الشمال السوداني نكاية فيه، وعقابا له على تعاطفه مع نجيب والإخوان المسلمين، ورفضه الوحدة مع مصر تحت حكم العسكر.

وكان مما أثار العديد من التساؤلات في ذلك الحين وفي العقود التي تلت الانفصال عن السودان سياسة الوحدة التي حاول عبد الناصر إحياءها وتطبيقها في العالم العربي؛ حيث كان من المنطقي تطبيقها على السودان وليس سوريا أو اليمن، باعتبار العوامل الجغرافية والتاريخية وغيرها التي كانت تدعم فرص نجاح الوحدة بين مصر والسودان عن الوحدة بين مصر وسوريا مثلاً.

ومنذ ذلك الحين أخذت السياسة المصرية تنحو منحى التجاهل تجاه السودان، فقد انكفأت مصر على نفسها بعد كارثة هزيمة العام 1967م، وتحول اهتمامات القيادة المصرية إلى أولوية تحرير التراب الوطني المصري بالحرب والتفاوض.

في المقابل، وطيلة هذه الفترة، كان السودان يمر بتحولاتٍ خطيرةٍ، وكانت القوى الاستعمارية تدفع الأمور فيه باتجاه التقسيم والتفتيت.

ومع تأرجح العلاقات المصريَّة السودانية خلال فترة الحكم الحزبي الأخير في السُّودان في السنوات من العام 1986م حتى العام 1989م)، ثُم الانهيار الكبير لهذه العلاقات خلال العقد الأول من حكم الرئيس السوداني عمر حسن البشير، تورطت مصر بشكلٍ علنيٍّ في أزمة جنوب السودان، فحاولت استيعاب بعض مفردات المشكلة في مقابلة المد الأصولي في السودان.

فانخرطت مصر في تقديم المساعدات للحركة الشَّعبيَّة لتحرير السودان وجناحها العسكري الجيش الشعبي، واحتضنت التحالف الشمالي المعارض للخرطوم، في إطار المواجهة مع النظام السوداني الذي أوصل العلاقة بين البلدَيْن إلى حالة العداء السافر المعلن.

ووصل الأمر إلى حد اتهام النظام المصري لنظيره السودانى بدعم أعمال العنف والإرهاب التي وقعت في مصر في عقد التسعينيات الماضية، ووصل الأمر إلى حافة الحرب بين البلدين، وكانت قاصمة الظهر في العلاقات المصرية السودانية أتت على وقع اتهام الجانب المصري للنظام السوداني بالضلوع فى محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في العام 1995م، والتى اندلع على إثرها سجالٌ إعلاميٌّ حادٌّ بين الطرفين، كان يتحول إلى حربٍ مسلحةٍ.

وفي هذه الأثناء كانت المواجهات الدامية على أشدها بين الجيش السوداني والجبهة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج، والتي كانت تسعى إلى السيطرة على كامل السودان وليس الجنوب فحسب، عبر اقتسام السلطة والثروة مع حكومة جبهة الانقاذ في الخرطوم، وتعالت أصواتٌ في مصر تقول بوجوب دعم مصري للجنوب، ردَّا على ما كانت تصفه القاهرة بدعم حكومة الإنقاذ لجماعات العنف في مصر.

وظلت العلاقات بين الجانبين في حيز القطيعة والتدهور، حتى أطاح الرئيس السوداني عمر البشير برفيقه في انقلاب يونيو 1989م الدكتور حسن الترابي زعيم جبهة الإنقاذ في ديسمبر من العام 1999م، ووضعه قيد الاقامة الجبرية، ثم الاعتقال الصريح، وعند ذلك بدأ تيار من الدفء يسري في أوصال العلاقات بين الجانبين؛ حيث كانت مصر ترى فى وجود الترابي في سدة السلطة عقبةً كأداء في طريق عودة المياه إلى مجاريها مع النظام السوداني.

وكان النظام المصري يرى في جناح الترابي في الحكم في الخرطوم أنه بمثابة "الجناح الإسلامي المتطرف" في النظام السوداني، وأنه يسعى إلى تنفيذ أجندة "الأممية الإسلامية"، والتي يقوم وفقًا لها النظام السوداني بدعم الجماعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في دول الجوار، وهو ما أثار حفيظة واعتراض الجانب المصري.

وبعد ذلك بدأت العلاقات في العودة إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا، ولكن بعد أن دفع الطرفان الثمن غاليًا، خاصة السودان الذى دفع الثمن قدرًا كبيرًا من استقراره، وقدرًا أكبر من خيرة شبابه، إلا أن التواجد المصري في المشاكل السودانية كان آخذًا في الانحسار، فقد كان التواجد المصري في اتفاقية مشاكوس الموقعة بين فرقاء الازمة في السودان في كينيا في العام 2002م، تواجدًا رمزيًّا غير فعَّالٍ؛ حيث كانت المفاوضات والاتفاقية تحت اشراف المبعوث الأمريكي للسلام في السودان في ذلك الحين جون دانفورث.

واستمرت اللامبالاة المصرية في التعامل ما الملف السوداني، حتى بعد اندلاع الصراع في دارفور في أبريل من العام 2003م؛ حيث تعامل معه الجانب المصري بقدرٍ كبيرٍ من التجاهل عبر كافة مراحله، وانتهى به إلى الغياب التام في مراسم توقيع اتفاقية أبوجا في مايو 2006م بين الخرطوم وفصيل الزغاوة في حركة تحرير السودان.

وهو أمرٌ يحمل دلالةً خطيرةً، إذ يبدو أن البعض لا يدرك خطورة ما يحدث في دارفور، ومدى تأثيره البالغ السوء على الأمن القومي المصري في ظل وجود 26 ألف جنديٍّ أمميٍّ على الحدود المصرية بموجب لقرار مجلس الأمن رقم (1769)، ومدى التداعيات الأمنية الخطيرة المترتبة على اشتعال هذه المنطقة، وكان من بين مظاهرها حادث اختطاف الفوج السياحي الأجنبي من قلب الأراضي المصرية في سبتمبر 2008م.

خلاصة

لاحظ البعض وجود صحوةٍ "متأخرةٍ" للدبلوماسية المصرية وانتباهها لما يحدث في السودان، ويخشى البعض من القول أنها قد جاءت بعد فوات الأوان، بعد أن أحكمت القوى الدولية الحبل حول رقبة السودان، ولم يبق لها إلا أن تجذب الحبل حتى يختنق السودان، وينفرط نظام عقده، لتبدأ مرحلة اقتسام الغنائم بين تلك القوى.

فقد غابت مصر عن المشاكل السودانية المتفاقمة خلال السنوات الماضية، وتركتها تزداد سخونة واشتعالاً من دون أيِّ تدخلٍ منها بسبب خلافاتٍ ناتجةٍ عن حسابات سياسيةٍ خاطئةٍ يتحمل الجانبين مسئوليتها، وقد يدفع السودان ثمنها من استقراره ووحدته، وتدفع مصر ثمنها من استقرار أمنها القومي؛ حيث يصل التهديد إلى حد تحكم البعض في منابع النيل.

وقد يقول البعض إن الرئيس المصري حسني مبارك قد قام بزيارةٍ الى جوبا في الجنوب السوداني في نوفمبر الماضي في أول زيارةٍ لرئيسٍ مصريٍّ منذ نحو أربعين عامًا للجنوب، ولكنها بدت لكثيرٍ من المراقبين أنَّها تأتي بعدما تأكد الجانب المصري من احتمالية انفصال الجنوب فى الاستفتاء المزمع اجراؤه فى 2011م، بموجب اتفاق سلام الجنوب الموقع بين جارانج والبشير في نيفاشا الكينية في 9 يناير 2005م.

وختامًا، يمكن القول إننا أمام تحركاتٍ دولية واسعة النطاق لا تخطئها العين يقودها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) تهدف إلى التواجد العسكرى المكثف للقوى الدولية الأكثر نفوذًا حول الحدود المصرية من مختلف الجهات بُغية حصار مصر وعزلها عن محيطها الإقليمي تارةً بحجة منع تهريب السلاح إلى غزة في البحرَيْن الأحمر والمتوسط، وتارةً أخرى تحت دعوى مكافحة القرصنة في البحر الاحمر، وثالثة بذريعة حماية المدنيين من الإبادة الجماعية في دارفور.. فكيف يمكن لمصر مواجهة هذه التحركات لاستعادة تأثيرها العربي المتراجع ودورها الاقليمى المفقود؟!.. سؤال لا إجابة عنه الآن.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح