العدد الخامس بصيغة PDF

اتِّجاهات- العدد الخامس التَّجريبيُّ من الإصدار الثَّاني                                                                                                                                                

أقرأ المزيد...

حقوق الإنسان وأولويَّات العمل الوطني...



لم يَعُد الحديث عن ملفِّ حقوق الإنسان في مصر ترفًا ثقافيًّا أو موضوعًا محبَّبًا للنَّقاشاتٍ الإعلاميَّة والسِّياسيَّة في المنابر المختلفة في مصر، هذا بفرض أنَّه لدينا منابر؛ حيث إنَّ ملف حقوق الإنسان بات مُلِحًّا في ظل الأوضاع الرَّاهنة التي يمرُّ بها المشهد الحقوقيُّ في مصر.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ هناك العديد من الإشكاليَّات المطروحة في هذا الإطار وجب العمل على إضاءتها، وأوَّلها أنَّ ملف حقوق الإنسان في مصر لا يقتصر في مفاهيمه وملفَّاته على القضايا الشَّائعة مثل حرِّيَّة التَّعبير والرَّأي والتَّعذيب في مراكز الشُّرطة والسُّجون والمعتقلات في مصر، بل إنَّ الأمر يتجاوز هذه المفاهيم بكثيرٍ.
فمن خلال مطالعة تقارير المُنظَّمات الحقوقيَّة والجمعيَّات الأهليَّة التي تعمل في رصد واقع حقوق الإنسان المتدهوِر في مصر نجد أنَّ نطاق هذا التَّدهُور قد اتسع ليشمل حتى الحقوق الأساسيَّة للإنسان مثل الحقِّ في العمل والحقِّ في المسكن الملائم؛ حيث تنامت مؤشرات البطالة والعشوائيات إلى حدودِ مخيفةٍ، وبعض الحالات أخذ صورةً مأساويَّةً مثل بقاء أكثر من 20 أسرةً مصريَّةً في العراء أمام أنقاض منازلهم في الدويقة أكثر من عامٍ!!
إذن فانتهاكات حقوق الإنسان في مصر أخذت جانبًا شديد الأهمِّيَّة يمسُّ رفاهية المواطن وصميم حياته اليوميَّة، وإذا كان لذلك دلالاتٍ، فإنَّ الدلالة الأهم له أنَّ الحكم في مصر انتقل من مستوى الحكم الديكتاتوريِّ المُستبدِّ الذي يقمع الحُرِّيَّات والحقوق السِّياسيَّة، إلى مستوى الحكم الفاشل الذي عجز عن القيام بوظائفه، وتحقيق مطالب النَّاس اليوميَّة!!
ولذلك بات من المهم تحويل ملف حقوق الإنسان وصورته الذِّهنيَّة لدى المواطن من وضعيبته الحالية التي تركِّز على مطالب الصَّفوة السِّياسيَّة والثَّقافيَّة في الحقِّ في الكلام والانتقاد إلى مستوىً آخرٍ من العمل الوطني، والذي يُركِّز على مطالب المواطن البسيط من الغالبيَّة السَّاحقة من أبناء المجتمع المصريِّ....

اتِّجاهات

أقرأ المزيد...

"استقلال القضاء".. حقٌّ منتهكٌ بالقانون!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

إصلاح المنظومة القضائيَّة بات قضيَّةٌ مُلحَّةٌ في مصر!!.. هكذا ببساطة، ولا تقتصر المطالبة بها على القضاة وحدهم، وإنَّما أصبحت على رأس أولويَّات دعوات الإصلاح السِّياسيِّ لكل القوى السِّياسيَّة بمختلف اتِّجاهاتها الفكريَّة، وخاصَّة بعد الشُّهرة الإعلاميَّة والأهميَّة التي اتَّخذتها تحرُّكات القضاة التي شهدتها مصر في العام 2005م.
ولعل أبرز ملامح ذلك الإصلاح المطلوب تتمثَّل في استقلال القضاء بعيدًا عن السُّلطة التَّنفيذيَّة بصفته السُّلطة التي تفصل دائمًا بين السُّلطات وبين الشَّعب، ولذلك السَّبب فانَّ كل الدَّستاتير التي تعاقبت على مصر أحتوت نصوصًا أساسيَّةً بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته، وتحظر وتؤثِّم التَّدخُّل في أيَّة قضيَّةٍ أو أيِّ شأنٍ من شئونه وشئون قضاته، من جانب أيَّة سلطةٍ أو أيِّ شخصٍ.
وبالرَّغم من ذلك، فإنَّ الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر، لم تتوقَّف طوال هذه السِّنين عن النَّص في القوانين المُنظِّمة للسُّلطة القضائيَّة وغيرهاـ على ما يُجرِّد تلك النُّصوص من مضمونها تمامًا، بل ويخالفها بنصوصٍ صريحةٍ تُصادِر بها- لحساب السُّلطة التَّنفيذيَّة- معظم أصول هذا الاستقلال وقواعده وضماناته.
كما تسند بها بعض اختصاصات القضاء الطَّبيعيِّ إلى غيره، وتصدر قراراتٌ وتصرفاتٌ واقعيَّةٌ أخرى من خلال وزارة العدل، وهي إحدى أذرع السُّلطة التَّنفيذيَّة، يسيطر بها النِّظام على إرادة رجال السُّلطة القضائيَّة وشئونهم، بل وأحكامهم!
في مبدأ الاستقلال:
المادة (64) من الدُّستور تنصُّ على أنَّ سيادة القانون أساس الحكم في الدَّولة، كما نصَّت المادة (65) منه على أنْ تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيَّتان لحماية الحقوق والحُرِّيَّات، ونصَّت المادة (166) كذلك على أنَّ القضاة مُستقلِّون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأيَّة سلطةٍ التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة.
ووفق هذه النُّصوص فالقضاء المصري هو مستقلُّ تمامًا عن السُّلطتَيْن التَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة، فحرَّمت عليهما التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة، وحالت بذلك بينهما وبين القضاء حتى تكون له قيمته وجدواه.
ومن ثَمَّ فقد حرصت المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء رقم (66) لسنة 1943م، على التَّنويه بأنَّ نصوص الدُّستور لم تُنشئ حقيقة استقلال القضاء، فمن طبيعة القضاء أنْ يكون مُستقلاً والأصل فيه أنْ يكون كذلك، وكل مساسٍ بهذا الأصل من شأنه أنْ يعبث بجلال القضاء، وكل تدخُّلٍ في عمل القضاة من جانب أيَّة سُلطةٍ من السُّلطتَيْن يخلُّ بميزان العدل، ويُقوِّضُ دعائم الحكم.
فالعدل كما قيل قديمًا أساس الملك، ومن الحقِّ أنْ يتساوى أمام قُدس القضاء أصغر شخصٍ في الدَّولة بأكبر حاكمٍ فيها، وأنْ ترعى الجميع عين العدالة.
وحتى على المستوى المالي، كفل القانون والدُّستور استقلاليَّة القضاء، فقد نصَّت المادة الثَّامنة من ذلك القانون، المقابلة للمادة (68) من قانون السُّلطة القضائيَّة القائم حاليًا، على أنْ تُحدَّد مُرتَّبات القضاة بجميع درجاتهم وفقًا للجدول الملحق بهذا القانون، ولا يصح أنْ يُقرَّر لأحدٍ منهم مُرتبٌ بصفةٍ شخصيَّةٍ ولا مُرتَّبٌ إضافيٌّ من أيِّ نوعٍ كان، أو يُعامَل معاملةٌ استثنائيَّةٌ بأيَّة صورةٍ.
واستهدف هذا النَّص وغيره تقنين ما هو سائدٌ في سائر القوانين المقارنة للدِّول الدِّيمقراطيَّة، من وضع نظامٍ إداريٍّ وماليٍّ خاصٍّ بالقضاة يحفظ استقلالهم ويُحقِّق المساواة فيما بينهم، ويُمكِّنُهم من مقاومة الضُّغوط التي قد تُمارَس عليهم، ويحول دون وقوعهم أسرى لمصالحهم الشخصيَّة.
كما أنَّ تشريعات الدِّول الدِّيمقراطيَّة أرست أصول النِّظام الماليِّ والإداريِّ التي تضمن استقلال القضاء، كما ردَّدت هذه الأصول نصوص المواثيق والاتِّفاقيَّات الدَّوليَّة والإعلانات العالميَّة لحقوق الإنسان، باعتبار أنَّ القضاء أحد أهمِّ حصون حماية حقوق الإنسان.
فقد نصَّت المادة العاشرة من الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان الصَّادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948م، على أنَّ "لكلِّ إنسانٍ، على قدم المساواة التَّامة مع الآخرين، الحقُّ في أنْ تنظُر قضيَّتَه محكمةٌ مُستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا منصفًا وعلنيًّا للفصل في حقوقه والتزاماته، وفي أيَّة تهمةٍ جزائيَّةٍ تُوجَّه إليه".
كما أكَّد الإعلان العالميُّ لاستقلال القضاء الصَّادر في مونتريال عام 1983م، ضرورة أنْ "يضمن القانون كفاية مُرتَّبات القضاة المناسبة لمسئوليَّات مناصبهم وكرامتهم وإعادة تسوية الرَّواتب والمعاشات بانتظامٍ وفق مُعدَّل ارتفاع الأسعار".
كذلك نصت القوانين في الدِّول الدِّيمقراطيَّة على أنَّه "لا يجوز أنْ يُنشَأ بين القضاة ولا بين أعضاء النِّيابة فيما يتولُّونَه من سلطات التَّحقيق، أيُّ نوعٍ من التَّبعية الإداريَّة مهما اختلفت درجاتهم أو مستويات محاكمهم، فكلُّهم قضاةٌ مستقلُّون لا يتبع أحدٌ منهم أحدًا مهما علت درجته وارتفع مقامه، إنَّما تكون التَّبعيَّة لجمعيَّات القُضاة أنفسهم، بمحاكمهم، وفي توزيع العمل فيما بينهم فحسب".
وقد عبر الإعلان العالمي لاستقلال القضاء عن تلك المعاني، بما نصَّ عليه من وجوب استقلال القضاة تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم، وعدم مساس أيِّ تسلسلٍ تنظيميٍّ في القضاء بحق القاضي في إعطاء قراره بحرِّيَّةٍ تامَّةٍ، وألا يكون للسُّلطة التَّنفيذيَّة أيَّة رقابةٍ على الوظائف القضائيَّة، ولا القيام بأيِّ عملٍ أو تعطيل القيام بأيِّ عملٍ يؤدِّي إلى استبعاد الحل القضائيِّ لأحد النِّزاعات، أو تعطيل التَّنفيذ السَّليم لقرار إحدى المحاكم" (المبدأ 2/231).
في مصر.. القانون ينتهك استقلال القضاء:
وبالرَّغم من أنَّ المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء- رقم (66) لسنة 1943م- والتي سبق الإشارة اليها، أشارت عن أنَّ ما جاء به من ضماناتٍ تشريعيَّةٍ لاستقلال القضاء، هو مجرَّد خطوةٍ على طريق هذا الاستقلال، ولكن سوف تتبعها خطوات، إلا أنَّ الحكومات المُتعاقبة على مصر، وعلى العكس، أخذت تنتقص من هذه الضَّمانات، وتتحكَّم في شئون رجال القضاء وإرادتهم وحُرِّيَّتهم بنصوصٍ تشريعيَّةٍ وتطبيقاتٍ عمليَّةٍ مُخالفةٍ للدُّستور، سلبت بها مضمون ذلك الاستقلال وجدواه.
ومن بين هذه المخالفات [كما رصدتها دراسات أعدتها جماعة "محامون بلا قيود"]:
1-    المادة (4/9) من قانون السُّلطة القضائيَّة المُعدَّل بالقانون 35 لسنة 1984م، والذي صارت بموجبه السُّلطة التَّنفيذيَّة مُمثَّلةٌ في شخص وزير العدل، تنفرد بالكلمة النَّهائيَّة في ندب وتجديد ندب من تختارهم هي وحدها من مستشاري محاكم الاستئناف ليكونوا- لأيِّ عددٍ من السِّنين- مجرَّد تابعين لها في رئاسة المحاكم الابتدائيَّة في الإشراف على الرُّؤساء والقضاة، بل وأحكامهم وقراراتهم القضائيَّة والولائيَّة وسائر العاملين في هذه المحاكم، بل وتنبيههم إلى ما يقع منهم مُخالفًا لمقتضيات وظائفهم، كما اختصَّ هؤلاء الرُّؤساء في الوقت نفسه برئاسة الدَّوائر القضائيَّة في المحكمة ذاتها.
ومع تقادم العهد بهؤلاء الرُّؤساء في مناصبهم ومزاياهم الماليَّة والعينيَّة، تنامت سلطاتهم المختلطة، سعةًَ وعُمقًا، حتى امتدت آثارها إلى العمل القضائيِّ ذاته، واهتزَّت الثِّقة العامَّة به، خاصَّة حين يتم تعيين بعضهم في مناصب المحافظين، وحين تتضمَّن محاضر توزيع العمل بالجمعيَّات العموميَّة لبعض المحاكم دعوة كافَّة القُضاة من أعضائها لما معناه ضرورة عرض الدَّعاوى الهامَّة المنظورة أمامهم على رئيس المحكمة للمداولة معه فور حجزها للحكم، وقبل الفصل فيها، وفي ذلك ما فيه من إثمٍ جنائيٍّ وقضائيٍّ بموجب أحكام الدُّستور والقانون.
2-    المادة (78) من القانون ذاته، الذي أنشئت إدارة في وزارة العدل تابعةٌ لمكتب الوزير، وهي إدارة التَّفتيش القضائيِّ على أعمال القُضاة والرًُّؤساء بالمحاكم، وتقدير أهليَّتِهم وصلاحيَّتِهم ومساءلتهم وفحص وتحقيق الشَّكاوى التي تُقدَّم ضدهم، واقتراح ندبهم ونقلهم وترقيتهم أو تخطيهم..إلخ.
وبطبيعة الحال يجري تحت ذلك كلُّه تحت سيطرة الوزير، وهو ما يعني- ببساطةٍ- قضاءً على استقلال القضاء والقُضاة، وسلب إرادتهم وهز، بل وتضييع، الثِّقة العامَّة فيهم.
3-    المواد (93) و(125) وما بعدها في القانون المذكور التي تُخوِّل الوزير وبعض تابعيه سلطاتٍ إداريَّةً وتأديبيَّةً على القضاة.
4-    وعلى المستوى المالي تمَّ الضَّرب فيها عرض الحائط بالضَّمانات التَّشريعيَّة التي تحول دون تحكم السُّلطة التَّنفيذيَّة من خلال وزارة العدل في مرتَّبات ومُخصَّصات القضاة بالتقليص أو الإفراط، حتى أفسدت النِّظامُ الماليُّ الخاصُّ بالقضاة عبر إنشائها نظامٍ موازٍ.
وقد أطلقت وزارة العدل يدها في التَّميِّيز بين القضاء، سواءً في توزيع ما يُسمَّي بالحوافز ومكافآت العمل الإضافيِّ ودورات التَّحكيم والكسب غير المشروع، أو في سائر أنواع المعاملة الماليَّة والعلاجيَّة والاجتماعيَّة والمزايا العينيَّة الأخرى، وذلك بصورٍ شتى، وبالمخالفة لصريح نص المادة (68) من ذلك القانون، ولصريح نصوص جدول المُرتَّبات والمُخصَّصات الملحقة به.
وبلغ الأمر في ذلك إلى حدِّ احتفاظ الوزارة بدفتر شيكاتٍ رسميٍّ تصرفُ منه بإرادتها المنفردة أيَّ مبلغٍ لمن يشاء من رجال القضاء، من دون أيَّة قواعدٍ ولا رقابةٍ ولا مساءلةٍ ولا حسابٍ.
5-    وبالمخالفة لنص المادة (30) من قانون السُّلطة القضائيَّة، وبموجب اختصاصات إدارة التَّفتيش القضائيِّ ورؤساء المحاكم، بل والتَّنازُل غير المشروع الذي تتضمَّنه جميع محاضر الجمعيَّات العموميَّة للمحاكم عن أهم اختصاصاتها لرؤسائها، تتحكَّم وزارة العدل في توزيع العمل أمام الدَّوائر بالهوى والاعتبارات الشَّخصيَّة التي تثير التساؤلات، وليس بقواعدٍ موضوعيَّةٍ عامَّةٍ مجرَّدةٌ، وطال ذلك محكمة النَّقض ذاتها لأوَّل مرة في تاريخها.
6-    احتوت المادة (36) على انتهاكاتٍ صريحةٍ لاستقلال القضاء؛ حيث نصت على أنْ "يكون للوزير أنْ يعيد إلى الجمعيَّات العامَّة للمحاكم الابتدائيَّة ولجان الشُّئون الوقتيَّة بها ما لا يرى الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النَّظر فيها".
7-    نصَّت المادة (78) وما بعدها على أنْ تتشكِّل بوزارة العدل إدارة للتَّفتيش القضائيِّ على أعمال القضاة والرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة ويضع وزير العدل لائحة للتَّفتيش القضائيِّ، وأُخرى لتفتيش النِّيابات، ويخطر وزير العدل من يقدر بدرجة متوسط أو أقل من المتوسط من رجال القضاء والنِّيابة العامَّة بدرجة كفايته، وذلك بمجرد انتهاء إدارة التَّفتيش المُختصَّة من تقرير كفايته، كما يُخطِر من حلَّ دورهم في التَّرقية ولم تشملهم، بأسباب تخطيهم.
ويختص الوزير كذلك بتعيين القضايا التي تُنظر وعدد الجلسات وأيام انعقادها ومن يقوم بالعمل في أثناء العطلة القضائيَّة (المادتان 87 و88).
كما نصَّت الفقرتان الرَّابعة والخامسة من المادة التَّاسعة من قانون السُّلطة القضائيَّة على أنْ "تكون رياسة المحكمة الابتدائيَّة بطريق النَّدب، من بين مستشاري محاكم الاستئناف بقرارٍ من وزير العدل، بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، لمدَّة سنةٍ على الأكثر قابلةٍ للتَّجديد- وليس بعد موافقة المجلس- وأنْ يكون بكلِّ محكمةٍ ابتدائيةٍ عددٍ كافٍ من الدَّوائر يرأس كل منها رئيس المحكمة أو أحد الرؤساء بها".
يدل ذلك كله على أنَّ السُّلطة التَّنفيذيَّة صارت لها الكلمة النَّهائيَّة في هذا النَّدب المختلط بما يترتَّب عليه من تخويل المستشار المختار بمعرفة الوزارة وحده ولايتَيْ الإدارة والقضاء مع رياسة دوائر المحكمة، وفي وقتٍ واحدٍ، إلى جانب ما يتولاه من اختصاصاتٍ أخرى رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وتأديبيَّةٍ على جميع القضاة والرُّؤساء بالمحكمة وسائر موظَّفيها وعُمَّالها، ناهيك عن اختصاصاته الانتخابيَّة المُستحدثة وغيرها.
كما يختص أيضًا بتنظيم الخدمات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة لرجال القضاء والنِّيابة بقرارٍ من الوزير، وللوزير حق طلب إحالة القاضي للمعاش أو نقله لوظيفة غير قضائية (المواد 91 و111 و129)، وحق الإشراف على جميع المحاكم والقضاة وأعضاء النِّيابة العامَّة (المادتان 93 و125).
وبينما لرئيس كلِّ محكمةٍ حقُّ الإشراف على القُضاة التَّابعين لها، فإنَّ للوزير طلب وقف القاضي أو عضو النِّيابة (المادة 97)، وحق تنبيه الرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة وقُضاتها وأعضاء النِّيابة العامَّة كتابةً وشفاهة، إلى ما يقع منهم مخالفًا لمقتضيات وظائفهم (المادتان 94 و126).
كما أنَّ الوزير من حقِّه يطلب من رئيس المحكمة الحق، إذا تكرَّرت المخالفة أو استمرت، رفع الدَّعوى التَّأديبيَّة، وتقام هذه الدعوى- ودعوى الصَّلاحية- بطلبٍ من الوزير بناءً على تحقيقٍ جنائيٍّ أو إداريٍّ يتولاه أحد نوَّاب رئيس محكمة النَّقض أو رئيس محكمة استئناف، يندبه الوزير أو مستشارٍ من إدارة التَّفتيش القضائيِّ التابعة للوزارة (المادة 99).
كل ذلك يضمن تخويل السُّلطة التَّنفيذيَّة سلطاتٍ رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وماليَّةٍ وتأديبيَّةٍ، تتدخَّل بها في صميم شئون العدالة والقضاء والقُضاة، بالمخالفة للدُّستور الذي على مبدأ استقلال القضاء والقُضاة كضمانٍ أساسيٍّ للحقوق والحُرِّيَّات.
الإشراف علي الانتخابات.. المسمار الأخير:
لعل إدراك النِّظام في مصر لقوَّة القضاة، وإدراكهم هم أنفسهم لأهمِّيَّة حركتهم في العام 2005م، والتي أدَّت لموجةٍ واسعةٍ من الحِراك السِّياسيِّ في مصر، والتَّجربة التي أعقبت انتخابات 2005م؛ حيث فاز 88 من مُرشَّحي الاخوان بعضوية مجلس الشَّعب بسبب الأشراف القضائيِّ أساسًا على الانتخابات، هو ما دفع النِّظام الحاكم إلى الدَّفع باجراء تعديلاتٍ على الدُّستور المصريِّ في العام 2007م، يُلغَى بموجبها الإشراف القضائيِّ على الانتخابات أو المبدأ الذي عُرِفَ في مصر بمبدأ قاضٍ لكلِّ صندوقٍ.
فقد كانت المادة (88) من الدُّستور تنص على أنْ يتم الاقتراع في انتخابات مجلس الشَّعب "تحت إشراف أعضاء من هيئةٍ قضائيَّةٍ"، وطلب رئيس الجمهورية تعديل هذه المادَّة بحُجَّه "ما يسمح بمواجهة التَّزايُد المطرد لأعداد النَّاخبين، وما يفرضه من زيادةٍ مُماثلةٍ في أعداد لجان الاقتراع ومراكز الفرز (...)، ويضمن في الوقت نفسه إجراء الانتخابات في يومٍ واحدٍ".
وكانت النَّتيجة الحتمية لهذا التَّعديل مشاركة هيئاتٍ غير قضائيَّةٍ في الإشراف على الانتخابات.
كما عمد النِّظام الحاكم إلى المزيد من التقييد على تيار الاستقلال في أوساط القضاة المصريِّين، والذين يمثلون نصف عدد الهيئة القضائيَّة في مصر- خمسة آلاف من بين عشرة آلاف قاضٍ- فكانت البداية بالمحاولة الفاشلة لإقصاء المستشار هشام البسطاويسي نائب رئيس محكمة النَّقض والمستشار محمود مكي نائب رئيس محكمة النَّقض، والتي انتهت بمواجهات الشَّارع الشَّهيرة بين الإخوان والدولة، وأدَّت لتراجُع النِّظام عن محاولته هذه.
ثم بدأت الدَّولة بعد ذلك في محاصرة تيار الاستقلال في المحاكم المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل محاكم الاستئناف والدُّستوريَّة العليا، وكذلك في أندية القضاة.
فكان- على سبيل المثال- تعيين المستشار فاروق سلطان رئيسًا للمحكمة الدستوريَّة، بعد توليه الإشراف على انتخابات نقابة المحامين مباشرةً، وهو ما دفع مراقبون في الخارج إلى إبداء دهشتهم لذلك، ومن بينهم ناتان براون الكاتب الأمريكي البارز في مقالٍ تحليليٍّ نشره في مجلة (فورين بوليسي) الأمريكيَّة المرموقة تحت عنوان "لماذا عيَّن النظام المصري رئيسًا جديدًا للمحكمة الدُّستوريَّة؟".
وقال إنَّ من بين الأسباب الحقيقيَّة لترقية المستشار فاروق سلطان رئيس محكمة جنوب القاهرة السَّابق؛ لكي يصبح رئيسًا للمحكمة الدُّستوريَّة العليا، أعلى سُلطةٍ قضائيَّة في مصر، هو كونه مقرَّبًا من النِّظام، وقال إنَّ تعيينه يهدف إلى تسهيل عملية انتقال السُّلطة لجمال مبارك أمين السِّياسات في الحزب الوطنيِّ الحاكم من دون حدوث أيَّة عقباتٍ.
وكان من بين هذه الخطوات أيضًا "إنجاح" المستشار أحمد الزِّند المعروف بأنَّه رجل النِّظام القوي في نادي القضاة في منصب رئيس النَّادي على حساب مُرشَّح تيَّار الاستقلال المستشار هشام جنينة، ويُضاف إلى ذلك الإبقاء على المستشار ممدوح مرعي في منصبه كوزيرٍ للعدل رغم كل الانتقادات الموجَّهة له.
والآن السُّؤال أو الأسئلة التي تطرح نفسها، هل القضاء المصري مُستقلٌ؟!، وما هو دوره في التَّغيُّرات القادمة في مصر؟!، وهل سوف يكون هناك إمكانيَّةٌ لتكرار ملحمة انتخابات 2005م؟!.. البعض يؤكِّد أنَّه من المستحيل التَّكهُّن بذلك الآن!!
----------------------
المصادر الرَّئيسيَّة:
1- مشروع تعديل قانون السُّلطة القضائيَّة ومُذكِّرَتَه الإيضاحيَّة الذي وضعته الجمعيَّة العموميَّة لقضُاة مصر منذ العام 1991م.
2- وثائق وتوصيات مؤتمر الجمعيَّة العموميَّة لقضاة مصر الملحقة بالكتاب الذهبي للمحاكم الأهليَّة الذي أصدره نادي القضاة عام 1991م.
...

أقرأ المزيد...

ثمن الدِّيمُقراطيَّة


بقلم: حسن القباني(*)

دَفَعَ العالم الحر والأحرار ثمنًا غاليًا من أجل ترسيخ الدِّيمُقراطيَّة في بعض بلدان العالم، حتى صارت هذه البلدان مثلاً عظيمًا في الحُرِّيَّة والعدالة وسيادة القانون والدُّستور، ومدرسةً تهفو اليها قلوب وعقول مُحبِّي العدل لنيل شرف التَّواجُد بها وإعادة تجربتها، الا أنَّ المُستبدِّين في العالم العربي لهم رأيٌ آخرٌ أفسد كل محاولات الشُّعوب لنيل حقوقها رغم استمرار هذه المحاولات.
ولعل التوقف مع مشهد جماعة بحجم حركة حماس، وهي تسعى لاقرار قوة القانون في رفح الفلسطينية ضد محاولات بعض المنلفتين رغم ضراوة الحصار على قطاع غزة، أو مشهد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهي تُجري انتخابات مجالس شورى الجماعة في المحافظات، رغم ضرورة الاعتقالات ضد اعضائها وقياداتها، يطرح بُعدًا جديدًا في التفكير في أهميَّة مُساندة الاتِّجاه الدِّيمُقراطيِّ للحركات الاسلاميَّة، خاصَّة إذا كانت بحجم مثل حجم الإخوان المسلمين.
إنَّ المستبدين يُجبرون أوطانهم على الخسارة مرَّتَيْن في هذه المرحلة الحرجة، فهم بمواصلتهم سياساتهم يُرَسِّخون للتَّضييق والاحتقان وقتل الحُرِّيَّات، ويمنعون الحركات الاسلاميَّة من نقلةٍ نوعيةٍ تصل بهم إلى قناعاتٍ جديدةٍ في طريقة الحكم، أو على الأقل تُحفِّزُهم على مواصلة اجتهاداتهم التي تطوِّر من قراءاتهم وقراراتهم السِّياسيَّة، بما يصبُّ في صالح البلاد والعباد، وبطرقٍ ديمُقراطيَّةٍ لا يعلو عليها فكرٌ مُتجمِّدٌ، ولا تنسفها تحرُّكاتٍ غير إبداعيَّةٍ.
المشكلة هنا والتي يجب أنْ نتصارح بها جميعًا، ونقف معها لندرسها من جديد، هي ما لخَّصه المُفكِّر والقانونيُّ المستشار طارق البشري، النَّائب الأسبق لرئيس مجلس الدَّولة المصريِّ؛ حيث قال إنَّ الدِّيمُقراطيَّة- بشكلٍ عامٍ- لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة، وإنَّ الإصلاحات التي تطالب بها أمريكا في فلسطين والعالم العربي على عكس معنى الدِّيمُقراطيَّة الحقيقيِّ على طول الخط!
هذه المشكلة كشفها بصراحةٍ- أيضًا- أحد أقطاب النِّظام المصري، والذي يجيد الخطاب مع الغرب؛ حيث أكد الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجيَّة بمجلس الشَّعب المصري، أنَّ أيَّة انتخاباتٍ نزيهةٍ ستُخرِج 22 نظامًا عربيًّا معارضًا لأمريكا ومصالحها، وهو ما اعتبره القيادي بجماعة الاخوان المسلمين في مصر الدكتور جمال حشمت- في ندوةٍ سياسيَّةٍ بنقابة المحامين الفرعيَّة بمحافظة البحيرة- أنَّ النِّظام بذلك قد اختار شعار "التَّزوير هو الحل" أمام كل محاولات الإصلاح، وبالتَّالي يُغلِق الأُفُق نحو المستقبل لإجراء انتخاباتٍ نزيهةٍ، مشددًا في نفس الوقت على أنَّ الاخوان والقوى السياسية الأخرى في مصر لا يعولوا على الخارج في مساعدتهم، وأنَّه لا مفرَّ سوى أنْ تَحدُث حالةً من التَّنسيق والتَّوافُق حول المطالب الرَّئيسيَّة لإصلاح نظام الحكم وتغييره من أجل الاتِّفاق على حدٍّ أدنى للحوار.
هذا المشهد لابد أنْ يضعنا أمام حالةِ مفارقةٍ عجيبةٍ وحالةٍ من الدَّهشة وسيلٍ عارمٍ من التَّساؤلات، لأنَّه إذا كُنَّا نريد فعلاً كعالمٍ حرٍّ ومُثقَّفين أحرار توطين الدِّيمُقراطيَّة ومُحاربة الاستبداد، لا يجوز الصمت على هذا العوار الحادث لأنَّنا ببساطةٍ سنكون مشاركين في جريمة قتل الأجيال القادمة خاصة من الحركات الإسلاميَّة صاحبة الشَّعبيَّات العريضة في هذه الأوطان.
إنَّ استمرار تقويض الدِّيمُقراطيَّة واحتكار المصطلح على بعض القوى من دون السَّماح بإقراره على أرض الواقع، يفتح الباب لمزيدٍ من اليأس، وهذا أمرٌ شديد الخطورة على مستقبل الأوطان، ويعني أنَّ الدِّيمُقراطيَّة يجب أنْ يُصر عليها الجميع، بمن فيهم ضحاياها رغم كونها كالجمر في أيدي الضَّحايا.
إنَّ ثمن الدِّيمقراطيَّة غاليًا، وإقراره يحتاج لوقتٍ وعقلٍ مبدعٍ وجهدٍ جهيدٍ مخلصٍ وشريفٍ ووطنيٍّ لمواجهة كارهي العدالة والحُرِّيَّة في هذه الأوطان من أجل مستقبلٍ أفضل يحمل الخير للجميع.
------------------------------
(*) صحفي مصري

أقرأ المزيد...

هدى عبد المنعم وعودة الهاربين.. هل من مجال للحديث عن التَّوريث؟!...


كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

ثارت في الآونة الأخيرة سلسلةٌ من القضايا الشَّائكة تتعلق بفئةٍ في المجتمع المصري غاية في الخطورة؛ بعضًا من رموزها لديه السُّلطة بسبب مُقربته من مائدة صنع القرار، والبعض الآخر منهم حينما يفقد حيلته يهُرب إلى الخارج، ونقصد بها فئة رجال الأعمال التي تزايدت لائحة السَّوابق الخاصَّة بها حتى امتلأت في الآونة الأخيرة.
ولقد مثلت عودة "سيدة الأعمال" هدى عبد المنعم- الحاصلة على دبلوم التِّجارة- من الخارج بعد أكثر من 25 عامًا من الهروب، بمثابة جرس لناقوس الخطر الذي يحذِّرُنا من خطر عودة رجال الأعمال الهاربين بالخارج بدون عقاب أو رادع يستحقونه.
وأمام ذلك المشهد من القضايا المُتشابهة في السِّيناريوهات والأهداف، وبعيدًا عن تفاوت الفترات الزَّمنيَّة لهروب وعودة البعض، كان هناك سلسلةٌ من التَّساؤلات حول عودة رجال الأعمال الهاربين للخارج إلى أرض الوطن مرَّةً أخرى، وكان من بين هذه التساؤلات ما إذا كان الأمر يتعلَّق بمحاولة خلق جبهة من رجال الأعمال المساندين لعملية التوريث، في مواجهة "قلب النِّظام الصَّلب" الرَّافض للتوريث، وفي مقدمته القوَّات المسلَّحة والمخابرات.
وقد أشارت الإحصائيَّات إلى أنَّ رجال الأعمال المصريِّين الهاربين خارج البلاد يتجاوز عددهم 75 شخصًا يقيمون في دولٍ متنوعةٍ؛ وأنَّ معظمهم يتركز بأوروبا.
وجوه!!
يأتي في مقدِّمة رجال الأعمال الهاربين؛ رجل الأعمال رامى لكح أو ريمون لكح رجل الأعمال المصري الفرنسي الجنسيَّة، الذى كان عضوًا بمجلس الشَّعب في التِّسعينيَّات الماضية، ثم أصبح شديد الثَّراء، وأصبح لديه عددٌ من المشروعات فجأة، ثم اتَّضح أنَّ ديونه ازدادت لتبلغ 600‏ مليون جنيه لدي بنك القاهرة وحده، مما أدَّى مع إزديادها إلى أنْ يتوقَّف عن سدادها، وكالعادة يفر هاربًا خارج البلاد.
أمَّا عمرو النَّشرتي الذي تعود قصته إلى العام 2002م، فقد عقد اتفاقًا مع وزارة التَّموين آنذاك لتطوير فروع مُجمَّعات "النِّيل" الاستهلاكيَّة الشَّهيرة في مصر، وبالفعل نجح النَّشرتي في تطوير هذه المُجمَّعات، ولكن مع مُقاطعة النَّاس للمنتجات الإسرائيليَّة، وعدم رواج سلعه بسبب ارتباطاته الإسرائيليَّة في استثماراته وتجارته، فقد استدان مبالغًا كبيرةً من البنوك، واضطر معها لتوقيع شيكاتٍ للدَّائنين، ومنهم البنك الأهلي المصري وبنك قناة السويس، وعددٌ كبيرٌ من التُّجَّار، وعندما حان وقت السَّداد لم يستطع الوفاء، ولم يستطع دفع رواتب العاملين، فاضطر للاستغناء عن بعضهم، وساءت سمعته وطارده الدَّائنون، وذهب بعضهم للقضاء.
وتوالت أحكام الشيكات بدون رصيد الصادرة ضده، ثمَّ صدر حكمٌ ضده بالحبس 15 عامًا، إلا أنَّه لم يكن لديه قيمة الشِّيكات وبالتَّالي لم يستطع التَّصالُح، فهرب من مصر، ليقيم عند أخيه هشام النَّشرتي بسويسرا.
وتتعدَّد القصص، وتستمر حلقات مسلسل رجال الأعمال الهاربين، ومن بين هذه الوجوه أيضًا أشرف السَّعد، رجل الأعمال الذى تمَّ القبض عليه من قِبَلِ السُّلطات المصريَّة عام 1991م، بتهمة تهريب أموال المودعين في شركات توظيف الأموال الخاصَّة به، إلى الخارج وعدم استثمارها في مشروعاتٍ داخليةٍ، ليقضى بتلك التُّهمة مدة 11 شهرًا في السَّجن.
ولم يكد يخرج، حتى قام بتسديد كل أموال المودعين فى شركاته، وفور خروجه من السَّجن غادر أشرف القاهرة متوجِّهًا إلى لندن للإقامة والعمل هناك.
ومن قبل كلِّ هؤلاء هناك توفيق عبد الحي، رجل الأعمال المصرى الذي استهل هذه السِّلسلة من السَّرقات للمال العام، بعد أنْ بدأ نشاطه بعد تبنِّي مصر لسياسات الانفتاح الاقتصادي مباشرة في منتصف التِّسعينيَّات الماضية، والذي هرب عام 1982م عقب استيراده 1426 طُنًّا من الدَّواجن الفاسدة وبيعها للمصريين، بالإضافة إلى تورُّطِه في 25 قضيَّة نصبٍ واحتيالٍ، وإصدار شيكاتٍ بدون رصيدٍ بعد أنْ حصل على 45 مليون دولار من ثلاثة بنوكٍ كبرى بدون ضمانات أو مستندات.
وعندما قامت النيابة بإستدعائه، تم اكتشاف هروبه إلى سويسرا، بالإضافة إلى عادل أغا وإيهاب طلعت الَّلذَيْن بلغت مديونياتهما مليارات الجنيهات.
جوانبٌ قانونيَّةٌ
بالإضافة إلى الجوانب السِّياسيَّة للقضيَّة، فإنَّ هناك شقٌّ قانونيٌّ لها، وهو ذلك المتعلِّق بأسباب عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين.
وترجع أسباب عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين في أوروبا إلى مصر إلى أنَّه ليس هناك اتفاقيَّاتٌ مُبرمةٌ مع معظم الدِّول الأوروبيَّة تنص على تسليم أو رد المُتَّهمين إلى مصر، خاصَّةً في ظل أنَّ هناك دولٌ ترفض عقد اتِّفاقيَّاتٍ مع مصر في هذا المجال، لأنَّها ما زالت تُطبِّق حكم الإعدام، كما أنَّ هذه الدِّول تقول إنَّ جرائم رجال الأعمال المصريِّين لم تُرْتَكَب على أراضيها، وهو ما يُعرَف بالسُّلطة المكانيَّة، كما أنَّ هذه الدِّول تعمل على الاستفادة منهم إلى أقصى الحدود عن طريق استثمار أموالهم داخل تلك البلاد.
عودة المرأة الحديديَّة
لقد كانت عودة المرأة الحديديَّة إلى مصر بعد تسديد مديونياتها، ما يفتح شهيَّة رجال الأعمال الهاربين بأنَّهم قد يحصلون على البراءة، وربما سيكون أوَّل العائدين رجل الأعمال الشَّهير رامى لكح.
وإذا تناولنا الواقعة التي حدثت مُؤخَّرًا فسنجد أنَّ هدى عبد المنعم قيل إنَّها عادت الى مصر بعد أنْ أقنعها محاميها بأنَّ جميع الأحكام الصَّادرة ضدها قد سقطت بالتَّقادُم عدا الحُكم الصَّادر من محكمة الجنايات، وأنَّ شريكها في القضية ويُدعَى سيِّد عسكر، والذي كان قد صدر ضده حكمًا بالسَّجن 3 سنوات من محكمة الجنايات، حصل على البراءة من محكمة النَّقض، وهو ما سيُطبَّق عليها أيضًا؛ حيث إن أحكام محكمة النَّقض مُلزمةٌ لجميع المحاكم.
وقيل إنَّه بعد سفر هدى عبد المنعم إلى اليونان في منتصف الثَّمانينيَّات، قامت بتأسيس شركتَيْن للملاحة البحريَّة وتشطيبات السُّفن، وخلال 5 سنوات نجحت شركتَيْها، والتحق بهما حوالى 250 ألف عاملٍ يونانيٍّ، وبعد إخطار الإنتربول اليوناني بملابسات القضيَّة، ألقت السُّلطات اليونانيَّة القبض عليها، ولكن محكمةً يونانيَّةً قضت بعدم تسليمها لمصر.
وعندما عادت كان ضُبَّاط الجوازات قد فوجئوا بوصولها على الطَّائرة اليونانيَّة القادمة من أثينا، وتبيَّن وجود اسمها على قوائم ترقُّب الوصول مع ضبطها وإحضارها، فتمَّ القبض عليها ونقلها إلى مقرِّ الأمن العام؛ لاتِّخاذ الإجراءات القانونيَّة ضدها.
وكانت هدى عبد المنعم فى حالة هدوءٍ شديدٍ، وتحمل جواز سفرٍ منتهي الصَّلاحية صادر عام 1982م.
ونتوقف لحظات عند الطَّريقة التي تمَّت بها عمليَّة اعتقالها، خاصة أنَّ هدى عبد المنعم (البالغة من العمر 62 عامًا)، توجَّهت في هدوءٍ شديدٍ إلى شرطة الموانئ، لتقدم جواز سفرها المنتهي الصَّلاحية منذ العام 1982م، أي قبل خمس سنواتٍ من فرارها من مصر، ممَّا دعا الخبراء والمُتخصِّصون للتَّأكيد على أنَّها عادت تحت حماية سلطاتٍ كبيرةٍ، كما هربت الى مصر بمعاونة رجال من كبار الدَّولة كما قيل وقتها.
ومن بين الأسماء التي تردَّدت في ذلك الحين في ذلك الشَّأن، وزير الاقتصاد في ذات الوقت الدُّكتور مصطفى السَّعيد، ووزير الإسكان السَّابق محمد إبراهيم سليمان.
بداية القصة
أسَّست هدى عبد المنعم المُلقَّبة بالمرأةِ الحديديَّة، شركة "هيدكو مصر للإنشاءات والمقاولات"، عام 1986م، ومن خلال حملاتٍ إعلانيَّةٍ ضخمةٍ، تسابق المصريون في حجز أدوارهم في مشروعات المرأة الحديديَّة، والتي تمكنت بالفعل من جمع 45 مليون جنيه، وطلبت من المسئولين وقتها شراء مساحاتٍ كبيرةٍ من الأرض قرب مطار القاهرة الدَّوليِّ، ووافق المسئولون على الرَّغم من حظر البناء في تلك المنطقة، ودفعت 30% من قيمة الأرض، وأنشأت عددًا محدودًا من المباني.
ولكن في العام 1987م، بدأت رحلة السُّقوط بعد تلقِّي المستشار عبد القادر أحمد علي، المُدَّعي العام الاشتراكي آنذاك، بلاغاتٍ من الأفراد والبنوك الدَّائنة ضد هدى عبد المنعم لعدم تسليمها الوحدات السَّكنيَّة لحاجزيها، وتوقُّفها كذلك عن سداد مديونيَّتِها للبنوك.
ولتهدئة الموقف وقَّعت هدى عبد المنعم العديد من الشِّيكات بدون رصيدٍ، ولكن المُدَّعي العام أصدر قرارًا بمنعها من التَّصرُّف في أموالها وممتلكاتها العقاريَّة والمنقولة.
لكنها فاجأت الجميع بهروبها إلى باريس، ثم إلى أثينا بجواز سفرٍ مُزوَّرٍ باسمٍ مستعارٍ، وهو "صفيَّة محمد سلام"، وهو اسم زوجة بوَّاب مسكنها بمصر الجديدة بمساعدة الدُّكتور أحمد سلامة، وفي فرنسا طلبت حق الُّلجوء الدِّيني حتى لا تُسلَّم لمصر؛ حيث ادَّعت اعتناقها المسيحيَّة، وبدأت في ارتياد الكنائس للتَّأكيد على تحوُّلها إلى المسيحيَّة، ومنها كاتدرائيَّة نوتردام أشهر كنيسة في فرنسا وأوروبا، وكنيسة "إيل دى لاسيتيه" في باريس، والمعروفة وسط العرب والمصريِّين هناك بكنيسة العذراء مريم.
ولكن إدارة الهجرة والخارجيَّة الفرنسيَّة لم تأخذ الطَّلب بعين الاعتبار؛ لأنَّها وجدت أنَّ الاضطهاد بسبب الدِّين- كما ذكرت هدى- لم يتحقَّق فيه الشُّروط المطلوبة لمنحها الُّلجوء إلى فرنسا، ولذلك اضطُّرَّت هدى عبد المنعم لشدِّ الرحال إلى اليونان، وحصلت هناك على الجنسيَّة اليونانيَّة.
وقتها عقد الرَّئيس حسني مبارك عقد اجتماعًا مع ضُبَّاطٍ من الحرس الجمهوريِّ، تحدَّث خلاله عن تلك القضيَّة قائلاً إنَّ اسم هدي عبد المنعم كان موضوعًا بالفعل علي قوائم الممنوعين من السَّفر، ولكنها استطاعت بمساعدة أحد الضُّبَّاط الكبار بوزارة الدَّاخليَّة الهروب إلى خارج البلاد.
وزراءٌ ومسئولون مُتورِّطون
وارتباطًا بالأسماء الكبيرة التى زُجَّ بها في ذلك الملف، يبقى اسم الدُّكتور محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان الأسبق وعضو مجلس الشعب الأكثر تردُّدًا، فهو بحسب ما ذكرت مصادرٌ قريبةَ الصِّلة بالقضيَّة وقتها، أنَّه تولَّى منصب المُستشار الهندسيِّ لكل المشاريع المعماريَّة التي نفَّذتها هدى عبد المنعم أثناء تواجدها في مصر مقابل مبالغٍ ماليَّةٍ ضخمةٍ، وكوَّنا معًا إمبراطوريَّةً اقتصاديَّةً كبيرةً بحكم الخبرة والمال الَّلذين جمعا بينهما.
كما أشار البعض أيضًا إلى أنَّ الدكتور علي لطفي، الذى شَغِلَ منصب رئيس وزراء مصر حتى أواخر العام 1986م، كان شاهدًا ومعاصرًا لإمبراطوريَّتها التي كانت تبنيها.
مصير الآخرين
وفى أولى جلسات محاكمة المرأة الحديدية بعد القبض عليها، قضت محكمة جنايات شمال القاهرة باستمرار حبسها، ورفض طلب الدِّفاع الإفراج عنها، على أنْ يتم تحويل قضيَّتِها إلى محكمة الاستئناف لنظر الدعوى.
عودة هدى عبد المنعم بعد 22 سنةٍ من هروبها خارج البلاد عقب اتِّهامها بتزوير مُحرَّراتٍ رسميَّةٍ، والاستيلاء على المال العام، والتى صدر الحكم فيها عليها بالحبس 10 سنوات غيابيًّا في 24 أغسطس من العام 2000م، فتح الملف السَّاخن عن مصير رجال الأعمال الآخرين الهاربين خارج البلاد، ولماذا لا تقوم الدول التى تحتضنهم بردهم إلى مصر.
ولقد أصدر النَّائب العام المستشار عبد المجيد محمود، قرارًا بإدراج اسم هدى عبد المنعم على قوائم الممنوعين من السَّفر لحين الفصل نهائيًّا في إعادة محاكمتها في الحكم الصَّادر ضدها غيابيًّا بالأشغال الشَّاقة لمدة عشر سنوات.
كما تضمن قرار النَّائب الإشارة إلى قضايا الشِّيكات المُتَّهمة فيها سيدة الأعمال، والبالغ عددها 30 قضيةٍ.
وقد توجَّه النَّائب العام بإخطار مصلحة الجوازات بوزارة الدَّاخليَّة لاتِّخاذ كافَّة الإجراءات من أجل  إدراج اسم المُتَّهمة بكافة المنافذ والمطارات.
وكان النَّائب العام قد أصدر قرارًا بعد القبض على المُتَّهمة بمجرَّد وصولها إلى مطار القاهرة قادمةً من اليونان؛ سرعة اتِّخاذ إجراءاتِ إعادة محاكمتها، وتقديمها للمحكمة للطَّعن على الأحكام الصَّادرة ضدَّها.
من جانبٍ آخرٍ كشف مصدرٌ أمنيٌّ أنَّ هناك العديد من رجال الأعمال المصريين الهاربين في الخارج ما زالت أسماؤهم مدرجةٌ في نشراتٍ حمراء أصدرتها منظمة الشُّرطة الجنائيَّة الدَّوليَّة- الإنتربول- وتشير الملفات إلى أنَّ عددهم يبلغ 75 رجل أعمالٍ تُطالب مصر بتسليمهم، وهاربين إلى عدَّةِ دولٍ، منها بريطانيا وفرنسا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولكن معظمهم مقيمٌ في بريطانيا.
وأشار المصدر إلى أنَّ معظم رجال الأعمال الهاربين يتواجدون في بريطانيا؛ نظرًا لعدم وجود اتِّفاقيَّةٍ من أجل تبادُل وتسليم المطلوبين بينها وبين مصر، كما تُشير الملفَّات الى أنَّ السُّلطات البريطانيَّة تستفيد من عدم تسليم رجال الأعمال الهاربين إليها سواءً أكانوا مصريِّين أو من جنسيَّاتٍ أخرى؛ حيث إنَّ حجم استثمارات رجال الأعمال الهاربين في لندن يبلغ 40 مليار دولار، لذلك فإنَّ بريطانيا من أكثر الدِّول تشدُّدًا في تسليم رجال الأعمال المطلوبين إلى الدول التي تطلب تسليمهم.
عائدون!!
أكدت عدد من المصادر أنَّ الوجه التَّالي الذي سوف يعود إلى مصر بعد هدى عبد المنعم من هذه الزُّمرة، هو رامي لكح، الذي يُعتَبَر من أبرز رجال الأعمال الذين تمكنوا من الهروب لخارج البلاد خلال السَّنوات الأخيرة، وبدأوا في محاولاتٍ لتسوية مديونيَّاتهم للبنوك والعودة الى مصر مرةً أخرى؛ للاستفادة من التَّسهيلات التي تضمَّنها قانون البنوك الجديد.
رجل الأعمال رامي لكح بلغت مديونيَّتُه وفقًا للقضيَّة التي تُحقِّق فيها نيابة الأموال العامَّة العليا بإشراف المستشار علي الهواري المُحامي العام الأوَّل، نحو مليار و120 مليون جنيه للبنوك، وقد أوشك على إتمام تسوية مديونيَّتِه، والعودة إلى مصر مَرَّةً أخرى.
كما تشير قضايا التَّسهيلات الائتمانية والتي تابع التَّحقيق فيها المحامي العام المستشار أحمد عبد التَّوَّاب، أنَّ من رجال الأعمال البارزين الذين هربوا في الفترة الأخيرة ويسعى للتَّسوية، عمرو النشرتي، وبلغت مديونيته نحو 600 مليون جنيه للبنوك، وهو في طريق للتَّسوية والعودة إلى مصر.
كذلك رجل الأعمال تيسير الهواري وتبلغ مديونيَّتُه 480 مليون جنيه، وعادل أغا، والذي هرب العام الماضي 2008م، ويحمل جنسيَّاتٍ مصريَّةً وسوريَّةً وأمريكيَّةً، وتبلغ مديونيَّتُه 600 مليون جنيه، كذلك رجل الأعمال إيهاب طلعت، وتبلغ مديونيته لمُؤسَّسة (الأهرام) الصَّحفيَّة 143 مليون جنيه، بالاضافة الى 67 مليون جنيه لاتِّحاد الإذاعة والتِّليفزيون، وهو بدوره يسعى للعودة والتَّسوية.
وكما سبق القول، فإنَّه من المنتظر أن يكون رامي لكح هو أوَّل العائدين من هؤلاء؛ حيث تشير المعلومات إلى أنَّ أوراقًا مُهمَّةً سيتسلمها عماد عبد الله رئيس نيابة الأموال العامة العليا خلال الأيام القادمة، لاتمام تسوية مديونيَّة لكح.
وتشير المعلومات إلى أنَّ قانون البنوك الجديد ساهم في عودة آخرين كانوا هاربين؛ حيث أتاح لهم حفظ القضيَّة في حالة سداد المديونيَّة.
التوريث.. كلمة السِّر
ربط البعض ما بين "هجمة" العودة هذه، وبين ملف التَّوريث المرتقب للحكم في مصر بعد الرَّئيس مبارك لصالح نجله جمال أمين السياسات في الحزب الحاكم.
واشار مراقبون في هذا إلى وجود سلسلةٍ من الإجراءات التي بدأت لتهيئة الأمور لهذا الأمر، فالهدف الأساسي من التَّشكيل الوزاري المرتقب في مصر، هو تهيئة الأجواء لتوريث السُّلطة لصالح جمال مبارك، لذلك يُعتَقدُ على نطاقٍ واسعٍ أنَّ الملمح الأساسي للحكومة المقبلة أنَّ غالبيتها سيكون من رجال الأعمال.
في المقابل سيتم تحجيم عناصر ما يُعرَف بـ"الحرس القديم" في الحزب الوطني، ورأى هؤلاء أنَّ سيطرة أصحاب المصالح على الوزارة المقبلة، يعكس بوضوح طبيعة الصِّراع داخل الحزب الوطني والنِّظام السِّياسي المصري، والذى صار أشبه بالإقطاعيَّة الجمهوريَّة.
ذلك أنَّ الصِّراع في جوهره يُعبِّر عن مصالحٍ مُتناقضةٍ ومُتعارضةٍ بين أصحاب المصالح ذوي النُّفوذ والسُّلطة، بمعنى أنَّه صراعٌ على المصالح الشَّخصيَّة، وهذا ما اتَّضح في نتيجة الانتخابات البرلمانيَّة التي لم يفز فيها الحزب الوطني إلا بنسبة 30% من مقاعد مجلس الشَّعب، فيما فاز بـ40% من المقاعد المستقلون الذين تم استبعادهم عن الحزب وأُعيد ضمُّهم بعد الانتخابات.
وبربط هذه المشاهد مع بعضها البعض، نجد أنَّ مشهد عودة رجال الأعمال الهاربين يكشف لنا عن نيَّة النِّظام في تكتيل جبهةٍ من رجال الأعمال من أجل إنجاح مخطط التَّوريث، ولعل مشاهد الواقع هي التي تُظهر ذلك، في مواجهة قوى أخرى رافضة للتوريث.. كيف سيمر الأمر؟!، هذا ما سوف تجيب عنه الأيام أو الأشهر المقبلة في مصر...

أقرأ المزيد...

السُّجون المصريَّة.. سلخانة بالقانون!!...


إعداد: وحدة الدِّراسات والبحوث
مِنْ حقِّ النِّظام المصريِّ أنْ يتفاخر بين دول العالم بعدد السُّجون التي شيَّدها في أعوامٍ قليلةٍ، فالمُتابع يكاد أنْ يجزم أنَّ مصر لديها إحدى أكبر الخُطَط في العالم لإنشاء السُّجون في العالم، كما أنَّه سوف يجزم أيضًا أنَّ مصر لديها العدد الأكبر من السُّجون التي تُنْتَهك فيها أبسط حقوق السُّجناء.
فليس من الغريب حتى عندما تُطِلُّ على طريقةِ تصميم تلك السُّجون وطريقة المعاملة فيها وأحوالها، أنْ تُجْزِم أنَّ تلك السُّجون أُنشِئَت لأحد سببَيْن، إمَّا لأن تكون مفرخةً للخارجين عن القانون والكارهين للمجتمع، وإمَّا أنْ تكون مكانٌ بديلٌ لمستشفى الأمراض العقليَّة، يُحتَجَز فيه المعارضين السِّياسيِّين، حتى يخرجوا منه إمَّا مصابين بالجنون الحقيقيِّ، أو بأحد الأمراض المُزمِنَةُ الكفيلة بالقضاء عليهم.
والحقائق الموجودة في هذا الأمر شديدة الإثارة والحزن في آنٍ، فقد كشف- مثلاً- تقريرٌ حقوقيٌّ أعدته العديد من المنظَّمات الحقوقيَّة المصريَّة، وعُرِضَ علي المجلس الدَّولي لحقوق الإنسان في جنيف، عن وقوع حوالي 20 حالة سوء رعايةٍ صحيَّةٍ وحالتَيْ وفاةٍ، و6 حالات سوء معاملةٍ وحالةٍ واحدةٍ للمنع من التَّعليم في السُّجون المصريَّة في العام الماضي 2008م، في مقابل 26 حالة سوء رعايةٍ صحيَّةٍ، وحالتَيْ وفاة، و11 حالة سوء معاملة وحالة واحدة للمنع من التَّعليم في العام 2007م.
على أنَّ الأرقام تقول إنَّ الوضع العام الجاري سيكون أسوأ، فحتى أبريل الماضي وقعت 8 حالات سوء رعايةٍ صحيَّةٍ، وحالة وفاة واحدة، و6 حالات سوء معاملةٍ.
إلا أنَّ الأهم فيما جاء في التَّقرير هو وقوع مئاتٍ من حالات الاعتقالات السِّياسيَّة والجنائيَّة في الأعوام الثَّلاثة الأخيرة، وأنَّه من الفترة الواقعة بين عامَيْ 1992م و2009م وقعت 73 حالة اختفاء قسريٍّ، تم معرفة مصير 17 شخصًا منهم مقابل 56 شخصًا ما يزالون في عداد المفقودين.
تقرير حالة حول أوضاع السُّجون المصريَّة
بداية نعرض لأهم السُّجون المصريَّة، والحالة القائمة فيها كما رصدتها المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان في تقاريرها العديدة حول حالة السُّجون في مصر.
1.    سجن الفيوم:
راعت وزارة الدَّاخليَّة في اختيار موقع بناء سجن الفيوم وطريقة تصميمه الاعتبارات الأمنيَّة المُتعلِّقة بمنع هروب النُّزلاء والمعتقلين، وإشعارهم بالعزلة والنَّفيِّ القسريِّ عن العالم الخارجيِّ، بينما تجاهلت تمامًا الاحتياجات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة والنَّفسيَّة للسُّجناء والمعتقلين؛ حيث يقع السجن في منطقة (دمو) في مكانٍ صحراويٍّ يبعد عن العمران وعن مدينة الفيوم بنحو 20 كيلومترًا من طريق الفيوم- بني سويف، بينما تبعُد الفيوم عن القاهرة مسافة 90 كيلومترًا.
وقد افتُتِحَ هذا السَّجن في 17 مايو 1995م، ونُقِلَ النُّزلاء إليه من سجن استقبال طره على دفعاتٍ، كل دفعةٍ منها كانت نحو 500 معتقل، وأُضيف إليهم 2000 معتقل تمَّ نقلهم من سجونٍ أخرى، ويبلغ إجمالي العدد الحالي للمعتقلين داخل السجن حوالي 4000 معتقل.
وتقوم إدارة السَّجن بتوزيع النُّزلاء على العنابر حسب أقاليمهم، ويضم السَّجن 12 عنبرًا، 9 عنابر منها للسِّياسيِّين، وعنبران للجنائيِّين، وعنبرٌ آخرٌ للتَّأديب، وموزعةٌ على شكل مستطيل طول أضلاعه 1000 × 500 مترًا، ويضم كل عنبر ثماني عشرة زنزانة، وملحق به حمَّامان فقط، وتأخذ زنازين العنبر شكل حرف "H" الَّلاتينيِّ.
ويوجد بالسَّجن مكانٌ مُخصَّصٌ للتَّريُّض عبارة عن قطعة أرض خرسانيَّة تمتد بطول خمس زنازين وعرضها 6 أمتار، ومحاطةٌ بأسوارٍ، ويعلوها سلكٌ شبكيٌّ، ويضم عنبر التَّأديب خمس عشرة زنزانة فرديَّة، والزِّنزانة مساحتها 4 × 6 أمتار، وارتفاعها 4 أمتار، وجدران الزِّنزانة من الخرسانة المُسلَّحة وكذلك الأرضيَّة، وبكلِّ زنزانةٍ خمسة نوافذ، مساحة كلٍّ منها 60 × 40 سنتيمترًا، وارتفاعها عن أرض الزنزانة 3 أمتار، وشبابيك الزِّنزانة لا تسمح بدخول أشعة الشَّمس أو الهواء النَّقي حيث تطل على المناور الدَّاخليَّة للعنابر التي تحتوي على مواسير الصَّرف الصَّحيِّ.
2.    منطقة سجون طره:
لا يُعبِّر مصطلح "سجن طره" عن سَجنٍ واحدٍ، بل هو في الأصل عبارة عن مجموعةٍ من السُّجون والمنشآت الأخرى الواقعة في منطقة سجون طره الواقعة إلى الجنوب من العاصمة القاهرة، وفي منطقةٍ صحراويَّةٍ بعيدةٍ عن العمران.
وأول "مكوِّنات" هذه المنطقة، هو سجن استقبال طره، ويوجد به 3 عنابر، هي: "أ"، "ب"، "ج"، إضافة إلى عنبر التَّأديب، وبه ما يزيد على 1600 معتقل، والعنبرَيْن الأوَّلَيْن، "أ" و"ب"، عنابر متعددة الطَّوابق، وتقع الزَّنازين الفرديَّة في الدَّور الأوَّل، بينما الزَّنازين الجماعيَّة في باقي الأدوار، بينما يتكوَّن عنبر "ج" من دورٍ واحدٍ، ومبنيٌّ بالخرسانة المُسلَّحة، وعديم التَّهوية، وهو عنبرٌ حديث البناء، وسُمِّيَ بعنبر "شديد الحراسة".
وهناك أيضًا، مستشفى ليمان طره، وتقع داخل الليمان، وهي عبارة عن عنبرٍ منفصلٍ مساحته 30 × 20 مترًا، وينقسم العنبر إلى دورَيْن منفصلَيْن، والدَّور الأوَّل مُخصَّصٌ للسُّجناء الجنائيِّين، والدور أمَّا الثَّاني فمُخصَّصٌ للسُّجناء السِّياسيِّين، وبداخل عنبر المستشفى يوجد دورة مياه بها قاعدة بلدي وأخرى إفرنجي وحوض مياه واحد.
بجانب ذلك تضم منطقة سجون طره، سجن "شديد الحراسة"، ويقع في نهاية منطقة سجون طره، ويبعد حوالي كيلومتران من باب المنطقة، ويسبقه بالتَّرتيب سجن استقبال طره، وسجن مزرعة طره، وسجن ملحق المزرعة الواقع على طريق الأوتوستراد، وتمَّ الانتهاء من بناء سجن "شديد الحراسة" في 30 مايوم من العام 1993م، وافتُتِحَ في 26 يونيو من ذات العام، وتمَّ نقل النُّزلاء إليه من سجون أبو زعبل، واستقبال طره، وليمان طره.
ويضم السَّجن 320 زنزانة مُوزَّعةٌ على 4 عنابرٍ، ويضم كل عنبرٍ 80 زنزانةٍ على شكل حرف "H"، ومساحة الزِّنزانة 2.5 × 3 أمتار، بينما ارتفاعها 3.5 مترًا، وبكل زنزانةٍ نافذةٍ أبعادها 90 × 80 سنتيمترًا، ويبلغ ارتفاعها عن الأرض حوالي 2.5 مترًا، وتطل النافذة على طرقةٍ مُسوَّرةٍ أعلاها سقفٌ خرسانيٌّ، ويوجد بالسُّور فتحاتٍ على ارتفاع ثلاثة أمتار من سطح الأرض، يدخل منها الهواء والشَّمس بطريقةٍ غير مباشرةٍ؛ حيث إنَّ نافذة الزِّنزانة تنحرف عن الفتحة المُسوَّرة بمسافة 1.5 مترًا.
وللزِّنزانة بابٌ حديديٌّ ارتفاعه متران، وعرضه مترٌ واحدٌ، وبه فتحةٌ على ارتفاع 1.5 مترًا، أبعادها 25 × 15 سنتيمترًا، وبداخل كل زنزانةٍ كشَّافٌ كهربائيٌّ به لمبة 100 وات، ويتمُّ التَّحكُّم في إضاءتها عن طريق غرفة التَّحكُّم الخارجيَّة.
ويوجد بالسجن مكانٌ مُخصَّص للتَّريُّض، وهو عبارة عن قطعة أرضٍ خرسانيَّةٍ مُغطَّاةٌ بالرِّمال على شكل حرف "L"، وتقع في مؤخِّرة الزَّنازين، وهي خاصة بعشرين زنزانةٍ، ومساحتها 25 × 15 مترًا، والزِّنزانة في هذا السَّجن مُعدَّةٌ للحبس الانفراديِّ.
3.    سَجن دمنهور:
يبعد السَّجن عن القاهرة بحوالي 165 كيلومترًا، ويقع على الطَّريق الزِّراعيِّ، ويبعد عن الإسكندريَّة بحوالي 45 كيلومترًا، ويقع السَّجن في محافظة البحيرة، ويرتفع سور السَّجن عن الأرض 6 أمتار، ويليه سورٌ شائكٌ مكهربٌ بعلوِّ 5 أمتار.
ويضم السَّجن اثنَيْ عشر عنبرًا مُقسَّمين على النَّحو التَّالي: 5 عنابر للسُّجناء السِّياسيِّين، و3 عنابر للسُّجناء الجنائيِّين، وعنبر للتَّأديب، و3 عنابر للنِّساء، وقد بدأ إيداع السِّياسيِّين فيه في نوفمبر من العام 1995م، ثم أُخْلِيَ السَّجن منهم، وتحوَّل إلى سَجنٍ جنائيٍّ فحسب، حتى مايو 1997م؛ حيث تمَّ إعادة السِّياسيِّين مرَّةً أخرى إليه.
4.    سَجن أبو زعبل الصِّناعيِّ "شديد الحراسة":
يقع سَجن أبو زعبل الصِّناعي في منطقة سُجون أبو زعبل والمرج، والتي تقع خارج محافظة القاهرة ضمن الكردون المُحدِّد لمحافظة القليوبيَّة، وتبعد المنطقة عن القاهرة بحوالي 30 كيلومترًا تقريبًا، ويمكن الوصول إليها عبر طريق مصر- إسماعيلية الزِّراعي (طريق المعاهدة)، أو طريق بلبيس- الشَّرقية المُطلُّ على ترعة الإسماعيليَّة على يسار الطَّريق في حالة الذِّهاب إلى الإسماعيليَّة.
ويقع على الطَّريق مُباشرةً البوَّابة الرَّئيسيَّة للسَّجن، وتعُتَبَر هي المدخل الرَّئيسيِّ لمنطقة سجون أبو زعبل والمرج، وبعد العبور منها يتم السَّير لمسافة حوالي 500 متر، بعدها يقع السَّجن في نهاية السُّجون على اليسار، ويُعتَبَر سَجن أبو زعبل الصِّناعيِّ من السُّجون المُنشأةُ حديثًا؛ حيث أُنْشِئَ في أوائل العام 1996م، ويوجد على نفس الطَّريق سجن ليمان أبو زعبل، وبعده على اليسار وحدة تأمين منطقة السُّجون، وتتضمَّن قوَّات الشُّرطة والأمن المركزيِّ، ويُواجه سجن أبو زعبل الصِّناعيِّ السَّجن القديم الذي تقوم حاليًا مصلحة السُّجون بترميمه.
5.    ليمان أبو زعبل:
يقع ليمان أبو زعبل في منطقة سجون أبو زعبل والمرج، وهو من السُّجون المغلقة؛ حيث مُنِعَت عنه الزِّيارة منذ حوالي أربع سنواتٍ، ومعظم نزلاء ليمان أبو زعبل من المُنتمين للجماعات الإسلاميَّة المُتطرِّفة، ويضم الليمان حوالي 160 سجينًا، من بينهم بعض المحكوم عليهم بالسَّجن من 3 إلى 5 سنوات في قضيَّة تنظيم طلائع الفتح، والقضية رقم (235) للعام 1994م حصر أمن دولة عليا، التي أُطْلِقَ عليها إعلاميًّا اسم "قضيَّة الاغتيالات الكبرى وتفجيرات البنوك"، التي اتُّهمت فيها الجماعة الإسلاميَّة قبل مراجعاتها.
كما يُضم أيضًا بعض المحكوم عليهم بالأشغال الشَّاقة لمددٍ تتراوح ما بين 15 إلى 25 سنة في قضيَّة السِّياحة الشهيرة في العام 1997م.
وأخيرا أُودِعَ الليمان بعض المحكوم عليهم في القضيَّة المعروفة باسم تنظيم كرداسة، إضافة إلى بعض المعتقلين القياديِّين في الجماعات الإسلاميَّة.
6.    سَجن "وادي النَّطرون- 1":
يقع سجن "وادى النَّطرون- 1" على الكيلو 92 مسافة طريق القاهرة- الإسكندريَّة الصَّحراويِّ، ويبعد عن الطَّريق العموميِّ حوالي 500 متر، وانتهى بناء السَّجن في سبتمبر من العام 1994م، ونُقِلَ إليه المعتقلين من سجن استقبال طره وأبو زعبل الصِّناعيِّ، وبلغ إجمالي العدد الحالي للمعتقلين فيه حوالي 1620 معتقلاً.
ويضم السَّجن 54 زنزانة مُقسَّمةٌ على ثلاثة عنابرٍ جميعها للمعتقلين السِّياسيِّين، ويشمل كل عنبرٍ ثمانية عشر زنزانةٍ وملحقٌ به حمَّامان، وتأخذ زنازين العنبر شكل حرف "H"، ويوجد بالسَّجن مكانٌ مُخصَّصٌ للتَّريُّض تمتد بطول خمس زنازينٍ، وعرضها 6 أمتار، ومحاطةٌ بأسوارٍ.
كما يوجد بالسَّجن زنازينٌ فرديَّة لللتَّأديب، وتوجد في العنبرَيْن "1" و"2" (أ) زنزانةٌ مساحتها 4 × 6 أمتار، وارتفاعها 4 أمتار، وجدران الزِّنزانة من الخرسانة المُسلَّحة التي يصل سُمْكَها إلى أكثر من 30 سنتيمترًا، وكذلك الأرضيَّة من الخرسانة المُسلَّحة، وبكل زنزانةٍ 3 فتحاتٍ، واحدةٌ أعلى باب الزِّنزانة، وتبلغ مساحتها 25 ×20 سنتيمترًا، وتتخلَّلُها أسياخٌ حديديةٌ وأسلاكٌ شبكيَّةٌ شديدة الِّضيق.
ويقع في مقابل تلك الفتحة فتحتَيْن متجاورتَيْن، مساحة كلٍّ منهما 10 × 20 سنتيمترًا، ويبلغ ارتفاعها عن باب الزِّنزانة 3 أمتار، وهاتَيْن الفتحتَيْن لا تسمحان بدخول أشعة الشَّمس والهواء النَّقي؛ حيث تُطلان على زنزانةٍ أخرى تقع خلفهما، وتم إنشاء الفتحتَيْن الأخيرتَيْن في مايو 1996م، عقب إصابة العديد من المعتقلين بأمراضٍ صدريَّةٍ وضيقٍ في التَّنفُّس.
7.    سَجن "وادى النَّطرون- 2":
يقع على الكيلو 97 بطريق القاهرة- الإسكندريَّة الصَّحراويِّ، بعد مدينة السادات بحوالي 5 كيلومترات تقريبًا، وتقع البوابة الرَّئيسيَّة للسَّجن على مساحة 50 مترًا من الطَّريق على ناحية اليمين للذاهب باتِّجاه الإسكندريَّة، ويحيط بالسَّجن سورٌ خرسانيٌّ ارتفاعه سبعة أمتارٍ، ويمتد لمسافة 500 متر وبعرض 300 متر، ويتكون السَّجن من سبعة عنابرٍ فيها 4 عنابر مُخصَّصةٌ للسُّجناء والمعتقلين السِّياسيِّين، والثلاثة الآخرى للجنائيِّين الذين يبلغ عددهم 1100 سجينٍ جنائيٍّ.
وينقسم العنبر إلى قسمَيْن، "أ" و"ب"، يضم كلاً منهما 9 زنازين، وملحقٌ بكلِّ زنزانةٍ دورة مياه، ولا يوجد بالعنابر غرفٌ للتَّأديب، باستثناء العنبر رقم "7"، الذي يضم زنازين التَّأديب للسِّياسيِّين مع الجنائيِّين، ويبلغ العدد الإجمالي للسُّجناء والمعتقلين السِّياسيِّين داخل سجن "وادي النَّطرون- 2" نحو 1400 معتقلٍ، موزَّعين على 72 زنزانةٍ.
ويعتبر مجمع سجون وادي النَّطرون أحد أكبر السُّجون في الشَّرق الأوسط وأفريقيا.
8.    سَجن الوادي الجديد:
يقع السَّجن في مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، ويبعد عن القاهرة بحوالي 630 كيلومترًا، وتمَّ افتتاح السَّجن في الخامس من فبراير من العام 1995م، ويضم السَّجن 216 زنزانةً مُقسَّمةٌ على اثنَيْ عشر عنبرًا منها أحد عشر عنبرًا للمعتقلين السِّياسيِّين، بالإضافة إلى عنبرٍ واحدٍ للسُّجناء الجنائيِّين، ويضم كلَّ عنبرٍ 18 زنزانةً تأخذ شكل حرف "H"، ولا تزيد مساحة الزِّنزانة الواحدة على 4 × 6 أمتار، بارتفاع 4 أمتار.
وجدران الزِّنزانة من الخرسانة المُسلَّحة، وكذلك الأرضيَّة والسَّقف، وبكل زنزانةٍ دورة مياه غير مستورة، مساحتها مترًا واحدًا × مترًا واحدًا، كما أنَّ بكلِّ زنزانةٍ خمسة نوافذ، مساحة كلٍّ منها 60 ×40 سنتيمترًا، وارتفاعها عن أرض الزِّنزانة 3 أمتار، وشبابيك الزنزانة لا تسمح بدخول أشعة الشَّمس أو الهواء النَّقيِّ، لأنَّها تُطلُّ على المناور الدَّاخليَّة التي تحتوي على مواسير الصَّرف الصِّحيِّ، ويتكدَّس داخل كلِّ زنزانةٍ ما بين 20 إلى 25 معتقلاً.
مشكلاتٌ حقوقيَّةٌ
بمطالعةٍ سريعةٍ لما سبق نلاحظ شيئَيْن رئيسيَّيْن، الأوَّل أنَّ كافَّة تصميمات هذه السُّجون تُخالف  القاعدة 10 من قواعد الحدِّ الأدنى لمعاملة السُّجناء الصَّادرة في ختام مؤتمر جنيف الخاص بمكافحة الجريمة ومعاملة السُّجناء، والمنعقد في العام 1955م، والتي تنص على ضرورة أنْ تتوافر في السُّجون كل الاشتراطات الصِّحيَّة مع مراعاة حالة الطَّقس، وخاصَّة فيما يتعلَّق بكمِّيَّة الهواء والمُسطَّح الأدنى والإضاءة والتَّدفئة والتَّهوية.
أما الشَّيء الثَّاني فهو أنَّه في كل السُّجون تقريبًا تم تخصيص عنابر أكثر للسُّجناء السِّياسيِّين عن العنابر المُخصَّصة للجنائيِّين منهم، بالرَّغم من أنَّه من المفترض أنْ تكون السُّجون مُشيَّدةٌ في الأصل لاحتجاز الجنائيين لا السِّياسيِّين.
أمَّا الأحوال المعيشيَّة السَّيئة في السُّجون المصريَّة فمعروفةٌ، وتمَّ توثيقها من قِبَلِ العديدِ من المُنظَّمات الحقوقيَّة المصريَّة، سواءً من حيث التَّكدُّس أو تدنِّي نوعيَّة الطَّعام وانعدام الرِّعاية الصِّحيَّة وتفشِّي الأمراض المُعدية، وأيضًا من حيث شيوع العديد من حالات المُعاملة القاسية والتَّعذيب.
ولعل هناك فلسفةٌ ما تحكم هذه الأوضاع المتردية؛ حيث يستخدم النِّظام الحاكم مُمثَّلاً في وزارة الدَّاخليَّة هذه الظُّروف كنوعٍ من أنواع العقوبة الإضافيَّة تجاه المُحتَجَزين عمومًا، وتجاه المعتقلين السِّياسيِّين خصوصًا.
وكانت الظَّاهرة الأبرز في الأعوام الأخيرة هي تزايد حالات وفاة تحوم حولها الشُّبهات في السُّجون المصريَّة؛ حيث أصبحت السُّجون تنافس أقسام الشُّرطة ومقار جهاز مباحث أمن الدَّولة في سوء السُّمعة، بل إنَّ شهرًا واحدًا هو شهر فبراير 2005م سُجِّلَت به ستَّة حالات للوفيات بالسُّجون المختلفة، وكان بعض المحبوسين احتياطيًّا من ضمن المُتوفِّين.
ولعل انتهاكات حقوق الإنسان داخل السُّجون في مصر سببًا رئيسيًّا لانتشار الأمراض داخلها، فالإهمال في متابعة الحالة الصِّحيَّة للنُّزلاء وتوقيع الكشف الطِّبيِّ عليهم، يزيد من حالات الإصابة بالأمراض داخل السُّجون، وقد لاحظت المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان من خلال متابعتها لملف السُّجون أنَّ هناك بعض العوامل الأساسيَّة التي تُسْهِم في انتشار الأمراض، ومن بينها:
1.    سوء التَّغذية:
يؤدِّي الإهمال في النِّظام الغذائيِّ دائمًا لانتشار الأمراض، فإذا لاحظنا النِّظام الغذائيِّ داخل السُّجون، سوف نجده من أسوأ الأنظمة الغذائيَّة؛ حيث يتم الاعتماد على الفول والعدس والجبن والحلاوة والخضار والأرز، كما يُقدَّم للسُّجناء في بعض الأحيان بعض الُّلحوم أو البيض مرَّةً واحدةً في الأسبوع، ويتم إعداد الطعام بسلقه في المياه بدون أيَّة زيوتٍ أو ملحٍ، ويكون الإعداد في غاية السُّوء.
والطَّعام بصفةٍ عامَّة غير نظيفٍ وغير كافٍ، ممَّا يؤدِّي إلى انتشار العديد من حالات سوء التَّغذية والتَّسمُّم الغذائيِّ والضَّعف العام، وقد أدَّى ذلك إلى اعتماد النُّزلاء على الطَّعام الوارد إليهم من الزِّيارات التي يحضرها ذويهم، كما يقوم النُّزلاء بشراء بعض الأطعمة من الكانتين الخاص بالسَّجن.
2.    التَّكدُّس داخل الزَّنازين:
مُتوسِّط مساحة الزَّنازين داخل أغلب السُّجون المصريَّة حوالي 4 × 6 أمتار، ومُتوسِّط عدد النُّزلاء داخل الزِّنزانة الواحدة حوالي 15 فردًا، بحيث يكون نصيب الفرد الواحد داخل الزِّنزانة حوالي بلاطتَيْن (!!)، ولا شكَّ أنَّ وجود هذا العدد الكبير من النُّزلاء داخل هذه المساحة الضَّيِّقة يؤدِّي إلى انتشار العديد من الأمراض الوبائيَّة والأمراض الصَّدريَّة.
وتحتوي الزِّنزانة الواحدة في أغلب السُّجون على نوافذ صغيرة المساحة كما سبق العرض، لا تسمح بدخول أشعة الشَّمس والهواء، كما أنَّ المياه داخل السُّجون دائمًا غير متوافرة؛ حيث يتم قطعها بصفةٍ مُستمرَّةٍ، ولا تتواجد سوى ساعةٍ واحدةٍ كل ثلاثة أيامٍ، ويتم الاعتماد على المياه الجوفيَّة بما فيها من شوائبٍ ممَّا يؤثر على الكُلى، و يؤدِّي إلى انتشار الأمراض الوبائيَّة، وعدم تمكُّن النُّزلاء من الاستحمام لفترةٍ طويلةٍ.
أمَّا عن الوضع داخل الزَّنازين، فلا يُعتنى بنظافتها؛ حيث يتم ترك مخلفات النُّزلاء داخل العنبر لمددٍ طويلةٍ، ولا يتم إزلتها إلا عند مرور أحد الضُّبَّاط.
ولا تتوافر داخل السُّجون أغطيةٌ أو مفروشاتٌ، وينام النُّزلاء على الأرض، ممَّا يؤثِّر على الحالة الصِّحِّيَّة العامَّة لهم، وخاصَّة كبار السِّنِّ منهم، كما أنّ دورات المياه على قلَّتِها، عبارة عن حائط بارتفاع 150 سنتيمترًا من جهتَيْن، ويكون مكشوف السَّقف، كما لا يوجد عليه باب، ونظرًا لعدم الاعتناء بالنَّظافة فيها، فإنَّها تولِّد الرَّوائح الكريهة، كما تكون سببًا لانتشار الأمراض.
وهناك بعض النُّزلاء الذين يتمُّ منعهم من التَّريُّض لفتراتٍ طويلةٍ، ممَّا يؤثِّر على أرجلهم وعظامهم وحالتهم النَّفسيَّة.
3.    ضعف الرَّعاية الصِّحِّيَّة:
يوجد داخل كل سجن عيادةٌ ويتواجد بها طبيبٌ عامٌ ممارسٌ، وأغلب الحالات المرضيَّة يتم توقيع الكشف الطِّبِّي عليها من قِبَلِ هذا الطَّبيب، وعند تفحُّصِه لأيِّ حالةٍ مرضيَّةٍ، يقوم بمعالجتها بنوعٍ واحدٍ فقط من الأدوية، وهو عبارة عن مُسكِّن يتم صرفه لجميع الحالات، وفي الحالات الحرجة يُقرِّر عرضها على الطَّبيب الأخصائيِّ والذي نادرًا ما يتواجد داخل السَّجن؛ حيث يتواجد مرَّةً واحدةً كل ثلاثةِ أشهرٍ.
وكثيرا يخشى النُّزلاء المطالبة بالتَّوجُّه إلى العيادة؛ حيث إنَّه في حالة عدم وجود أعراضٍ قويَّةٍ للمريض، فإنَّ ذلك يُعرِّض النَّزيل للحبس الانفراديِّ بُحجَّة التَّمارُض، وكذلك إذ تمَّ الكشف على النَّزيل، فإنَّه لا يتمُّ صرف الأدوية المُعالِجة للحالة المرضيَّة، مما يجعل النُّزلاء يعتمدون على الأدوية التي تحضرها أسرُهم، وكذلك الاعتماد على بعض النُّزلاء من الأطباء في الكشف عليهم.
ويُعاني المرضى داخل المستشفيات من تدهور أوضاعهم الصِّحِّيَّة وسوء الرَّعاية الطِّبِّيَّة المُقدَّمة لهم، كما تُعاني عنابر المستشفيات من تدنِّي مستوى النَّظافة، كما تُعاني من عدم توافر الغذاء المناسب للمرضى وعدم توافر الأدوية.
كما أنَّ وإجراءات نقل المرضى إلى المستشفيات مُعقَّدةٌ، وفي حالة نقل المرضى إلى المستشفى، يتم وضع القيود في أيديهم، وربط الطرف الأخر في السَّرير طوال مدة بقائهم داخل المستشفى، ممَّا يزيد من حالتهم سوءًا، وفي حالة عرض المرضى على المستشفى، ويتحدَّد لهم موعدٌ للمتابعة، لا يُلتَفَت لهذا الموعد، ولا يتم نقلهم إلى المستشفى في هذا الميعاد، وهناك بعض النُّزلاء يُفضِّلون البقاء داخل الزِّنزانة عن الذهاب إلى المستشفى، لما يلاقونه من معاناةٍ داخل مُستشفيات السُّجون.
كما تتفشَّى الأمراض الوبائيَّة في أوساط المساجين في مصر، فظروف الاعتقال الصَّعبة والظُّروف الصِّحِّيَّة المحيطة بالسُّجون، كانت كفيلة بتفشِّي أمراضٍ وبائيَّةٍ، وخاصَّة المتعلِّقة بالجهاز التَّنفُّسيِّ كالرَّبو وأمراضٍ أخرى جلديةٍ كالجرب.
كما أدَّى تكدُّس أعدادٍ كبيرةٍ من السُّجناء داخل الزَّنازين إلى تفشِّي الشُّذوذ الجنسيِّ فيما بينهم، وخاصَّة أنَّ السُّجون تنتشر فيها تجارة المخدرات على نحوٍ واسعٍ على مرآى ومسمع من السَّجَّانين والضُّبَّاط الذين يشاركون في بعض الأحيان المساجين أرباح تلك التِّجارة.
حيث أوضحت دراسة صدرت عام 1985م تعاطي 95% من نزلاء السُّجون المصريَّة للأقراص المخدِّرة، كما أصبح 89% منهم يتعاطوها بانتظامٍ، أما الذين يتناولون المخدرات مجاملةً لأصدقائهم فوصلت نسبتهم إلى 86%، في حين لا تتوافر أرقام حديثة حول تلك الظَّواهر بسبب منع وزارة الدَّاخلية لاجراء مثل تلك الدِّراسات.
4.    المنع من الزِّيارة:
يؤدِّي المنع من الزِّيارة إلى سوء الحالة النَّفسيَّة للنُّزلاء وأسرهم، فهو يؤدِّي في كثيرٍ من الأحيان إلى عدم وصول الأدوية للنُّزلاء، وبالتَّالي تفاقُم حالاتهم المرضيَّة، ومن الأمثلة على ذلك نزلاء سجن ليمان أبو زعبل، فبالإضافة إلى وضعهم داخل زنازينٍ ضيقةٍ كما سبق القول، بدون أيِّ مصدرٍ للمياه وعدم وجود تهويةٍ كافيةٍ أو مراوحٍ، وبقائهم داخل الزَّنازين لمدة سبعة عشر ساعةٍ، وقضائهم حاجتهم داخل أوانٍ بلاستيكيَّةٍ، تم منع الزِّيارة عنهم منذ العام 1993م، كما تم منع الأطعمة والأدوية، بالإضافة لمنعهم من شراء الأدوية على نفقتهم الخاصَّة.
إبعاد وزارة الدَّاخليَّة
ولعل ذلك كله هو ما دفع السِّياسيِّين والحقوقيِّين إلى المطالبة بضرورة نقل تبعيَّة السُّجون إلى وزارة العدل، وتشكيل لجنةٍ مُستقلَّةٍ لإجراء تحقيقٍ في أسباب تدهور أوضاع السُّجون المصريَّة، وتفعيل دور القضاء في الرَّقابة على السُّجون وأماكن الاحتجاز، والسَّماح لمُؤسَّسات المجتمع المدنيِّ بزيارة كافَّة السُّجون والاطلاع على الأوضاع داخلها، ووقف استخدام سيَّارات التَّرحيلات الحالية واستبدالها بأخرى، تتوافر فيها الاشتراطات الآدميَّة.
وفيما يلي تعليقات بعض الحقوقيُّون والسِّياسيُّون الذين شاركوا في النَّدوة التي عقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان في وقتٍ سابقٍ هذا العام، تحت عنوان "أوضاع السُّجون في مصر"، والتي شارك فيها عددٌ كبير من المهتمِّين بحقوق الإنسان والمسئولين في وزارة الدَّاخليَّة.
    حافظ أبو سعدة، رئيس المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان، وأمين لجنة الشَّكاوى بالمجلس القومي لحقوق الإنسان:
"إنَّ حقوق السُّجناء تتعرَّض لمجموعةٍ من الانتهاكات، واتِّباع سياسة التعذيب وإساءة المعاملة كأداةٍ روتينيَّةٍ للتَّأديب والعقاب وانتزاع الاعترافات، فضلاً عن ازدحام الزَّنازين بالسُّجناء والمعتقلين، وتدنِّي مستوى النَّظافة، وتلوث المياه، ومنع التَّريُّض، وقلَّة الطَّعام، ويرتبط بذلك انتشار بعض الأمراض الوبائيَّة كالدَّرن والجرب داخل معظم السُّجون، وحرمان النُّزلاء من استكمال دراستهم، ومنع الزِّيارة، والاتِّصال بالعالم الخارجيِّ، ممَّا يُعتَبَر انتهاكًا للدُّستور المصريِّ والمواثيق الدَّوليَّة المعنيَّة بحقوق الإنسان، ولهذا أطالب بتشكيل لجنةٍ وطنيَّةٍ مستقلَّةٍ لإجراء تحقيقٍ شاملٍ ونزيهٍ في أسباب تدهور أوضاع السُّجون المصريَّة، على أنْ يتمَّ منحها السُّلطات الَّلازمة للوصول إلى المعلومات والبيانات التي تحتاجها، وألا ينحصر دور الَّلجنة في المسائل القانونيَّة، بل يمتد إلى الإحاطة بالأبعاد السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والتَّشريعيَّة، والتَّقدُّم بمشروعٍ شاملٍ لإصلاح السُّجون المصريَّة، كما أطالب بإلغاء ظاهرة السُّجون المغلقة، والتَّخلِّي عن ظاهرة الاعتقال المتكرِّر (لأسبابٍ سياسيَةٍ)، والإخراج الفوري عن المعتقلين الذين حصلوا على أحكامٍ نهائيَّةٍ بالإفراج عنهم من المحاكم المصريَّة".
    الدُّكتورة فوزيَّة عبد السَّتار، أستاذ القانون الجنائيِّ بجامعة القاهرة:
"الكثافة العدديَّة الهائلة التي تُعانيها السُّجون المصريَّة؛ حيث لا تتعدَّى المساحة المُخصَّصة للشَّخص الواحد من 50 إلى 70 سنتيمترًا، في حين تصل في سجون النِّساء إلى 30 سنتيمترًا فقط؛ الأمر الذي يؤدِّي إلى تناوب المساجين في النوم الذي يتم بجوار الآنية التي يقومون بالتَّبوُّل فيها؛ نظرًا لعدم وجود دورات مياة بالزَّنازين؛ الأمر الذي اعتبره سحقًا لكرامة النزلاء، وفي حين أنَّ وزير الدَّاخليَّة أصدر قرارًا عام 1998م بتخصيص سريرٍ ومرتبةٍ وبطَّانيةٍ لكل سجينٍ، إلا أنَّ القرار لم يُنفذ".
    إيهاب سلام الباحث بجمعيَّة حقوق الإنسان لمساعدة السُّجناء:
"النِّيابة العامَّة لا تُقدِّم الحماية الكافية للمُتَّهمين خاصَّة في الظُّروف التي يتمُّ فيها التَّعذيب؛ حيث يشترط القانون تقدُّم النِّيابة شكوى المواطن الذي تمَّ تعذيبه إلى المحكمة، الأمر الذي لا يتم في كثيرٍ من الأحيان، بالإضافة إلى خوف الضَّحايا من الشَّكوى ضد ضُبَّاط الشُّرطة الذين قاموا بتعذيبهم، حتى لا يكرِّروا ذلك معهم أو حرصًا على أهلهم من الاعتداء عليهم، موضحًا أنَّ الحكومة لا تُمارس أيَّة ضغوطٍ على ضُبَّاط الشُّرطة لتحجيم ظاهرة التَّعذيب، فالأوضاع داخل السُّجون مترديةٌ للغاية؛ حيث يُغلق بعضها بالسَّنوات، بحيث لا يعلم أحدٌ ما يجري داخلها"...

أقرأ المزيد...

المُنظَّمات الحقوقيَّة بمصر.. بين مطرقة الفرديَّة وسندان الانقسامات...


إعداد- شيماء جلال(*)
الحوار عن حقوق الإنسان بمصر قد لا ينتهي في ظل كثرة قضاياه، وما يفتح المجال للحديث عنها الأن، هو أنَّ الحكومة المصريَّة تقدَّمت خلال الأيام القليلة الماضية بتقريرٍ يصف وضع حقوق الإنسان بمصر لمناقشته بالمجلس الدَّولي لحقوق الإنسان بجنيف، وذلك في ذات الوقت تقريبًا الذي تقدَّمت فيه جمعياتٍ حقوقيَّةٍ مصريَّةٍ بتقاريرٍ موازيةٍ للتَّقرير الحكومي، للكشف عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر خلال السَّنوات الأربع الماضية.
ولكنَّنا في ظل تزايدُ في أعداد وأنشطة مُنظَّمات حقوق الإنسان؛ نجد أنَّها أصبحت عددًا كبيرًا، وقد تسمع عن بعضها على مدى فتراتٍ مُتباعدةٍ، وقد لا تسمع منها سوى تقارير أو بياناتٍ تدين اعتداءً هنا، أو واقعةً هناك، وكأنَّها ارتدت رداء الحكومة في شأن بيانات الشَّجب والإدانة.
وفي هذا التَّقرير المُجمَّع سوف نحاول تجميع أطراف الصُّورة الخاصَّة بواقع مُنظَّمات حقوق الإنسان في مصر، وطبيعة الأدوار التي تلعبها، ومدى فاعليَّتها وكفاءتها في القيام بأعبائها وأدوارها المُفترَضَة، وطبيعة الأسباب التي دفعت إلى تقلُّص أدوارها بحسب العديد من المراقبين.
كثرةٌ وحوارٌ غائبٌ!!
بحسب العديد من المراقبين، تُسيطر على المُنظَّمات الحقوقيَّة المصريَّة حالةٌ من الرُّوح الفرديَّة، وما يرتبط بها من مصالحٍ ضيِّقةٍ، لتصبح بمثابة حجر عثرةٍ في سبيل أيِّ محاولةٍ للتَّطوير.
وإنَّ أكثر من عشرين عامًا مضت على نشأة أوَّل منظمةٍ لحقوق الإنسان في مصر، وذلك منذ ميلاد المنظمة العربيَّة لحقوق الإنسان في مطلع الثَّمانينيَّات الماضية، والتي وُلِدَت من رحمها المنظمة المصريَّة لحقوق الإنسان عام 1985م، والتي أعقبها بروز عددٍ من المنظمات على إثر الأزمة التي شهدتها تلك المنظمة في العام 1994م.
وعلى الرغم من مرور هذه السَّنوات، لا يزال هناك الكثير من التَّحديات التي تواجه الحركة الحقوقيَّة في مصر.
وفي دراسةٍ له نشرها موقع الشَّبكة العربيَّة لمعلومات حقوق الإنسان، يقول النَّاشط والباحث في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدنيِّ عبد المولى إسماعيل، إنَّه على مدار العقد المُمتدُّ من العام 1994م، وحتى العام 2004م، تنوعَّت تلك المنظمات ما بين منظماتٍ دفاعيَّةٍ تتصدَّى لانتهاكات حقوق الإنسان في ميادينٍ مختلفةٍ، سواءً على صعيد الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة التي احتَّلت المساحة الأكبر، أو على صعيد الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتى ما زالت تحتل مساحةً أقل مُقارنةً بالمُنظَّمات العاملة في مجال الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، وفي اعتقادنا أنَّ هذا التَّبايُن راجعٌ إلى العديد من الأسباب من الصَّعب الإحاطة بها في هذا الإطار، هذا بالإضافة إلى المُؤسَّسات الأخرى التي تعمل في مجال التَّوعية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.
وفى إطار هذا التَّبايُن والتَّنوُّع في مجالات عمل مُنظَّمات حقوق الإنسان، والخبرة التي اكتسبتها في هذا المدى الزَّمني، منذ مطلع الثَّمانينيَّات، فقد كانت الفرصة مهيأةٌ لحوارٍ أوسع بين تلك المُنظَّمات في إطار هذا التَّبايُن وهذا التَّعدُّد، الأمر الذي كان سوف يُعطي تلك الحركة زخمًا ومدىً أوسع من الحركة والتَّأثير، سواءً على مستوى الرَّأي العام المصريِّ، أو جمهور المستفيدين الذين تتعامل معهم تلك المنظمات.
ويقول إسماعيل إنَّ ذلك يكتسب أهمِّيَّته في ظلِّ وجود الكثير من التَّحديات التي تواجه واقع حقوق الإنسان في مصر بدءً من الخطاب المُعادي في العديد من الصُّحف ووسائل الإعلام المختلفة، مرورًا بالقيود التَّشريعيَّة التي تحدُّ من نشاطها، انتهاءً بالتَّنكيل والانتهاكات التي يتعرض لها نُشطاء حقوق الإنسان بين الحين والآخر، الأمر الذي يمكن أنْ يُهدِّد وجود تلك المُؤسَّسات واستمراريَّة بقائها.
ويعيب النَّاشطُ والحقوقيُّ على مُنظَّمات حقوق الإنسان في مصر أنَّه بالرَّغم من وجود العديد من الظُّروف الموضوعيَّة التي تُهيِّئ الأرضيَّة المُناسبة لحوارٍ واسعٍ بين تلك المنظمات على أساسٍ من الأهداف المشتركة، فإنَّ هذا الحوار لا يزال غائبًا، والأمثلة الدَّالة على ذلك عديدة، أخرها ما تم فيما يتعلق بالمجلس القومي لحقوق الإنسان وبين مُنظَّمات حقوق الإنسان؛ حيث رفضت بعضها التَّعامُل معه، بينما قبلت مُنظَّماتٍ أخرى الانضمام اليه.
ولكن ذلك لا ينفي وجود لونٍ من ألوان التَّنسيق بين تلك المُنظَّمات في عددٍ من القضايا، إلا أنَّه لا يشكل حوارًا مستمرًا وممتدًا بين تلك المنظمات.
ومن ثم فإن السُّؤال الذي يطرح نفسه في هذا السِّياق، لماذا غاب هذا الحوار بين تلك المنظمات في ظل التَّحديات للتي تتعرَّض لها؟.. يجيب البعض على هذا السُّؤال بأنَّ هذا الحوار سيظلُّ غائبًا طالما غابت المعايير الضَّابطة والحاكمة لأساسيات وفرضيَّات هذا الحوار.
غياب معايير الضَّبْط:
لعل أوَّل تلك المعايير هو غياب البناء المُؤسَّسي لتلك المُنظَّمات، ومن ثمَّ فإنَّ استخدامنا لكلمة مُنظَّمات في هذا المُقام، وهو استخدامٌ مجازيٌّ لا يُعبِّر عن حقيقة الأمر الواقع، لأنَّ كلمةً مُنظَّمةً تعني وجود بناء مُؤسَّسيٍّ قائمٌ على أُسسٍ واضحةَ المعالم والحدود.
هذه المعالم تتجلَّى في وجود هيكلٍ تنظيميٍّ قائمٌ على الإرادة الحرَّة المستقلة لأفراده، التي تنبع من إيمان أفراد هذه المُؤسَّسة بالقِيَمِ والفضائل المدنيَّة القائمة على التَّسامُح وقبول الآخر، والإدارة السِّلميَّة للخلاف في وجهات النَّظر، والتي تُشكِّل الفضاء الواسع لبناء هذه المُنظَّمات.
ولكن عند إمعان النَّظر في تلك الفضائل المدنيَّة داخل تلك المُنظَّمات، سوف نجدها غائبةٌ تمامًا، ولعلَّ أبسط مثالٍ يمكن أنْ نسوقه في هذا الشَّأن هو غياب التَّداوُل السِّلميِّ لرئاسة تلك المُنظَّمات؛ حيث لم نجد أحدًا من القائمين على إدارة تلك المُنظَّمات قد ترك منصبه طواعيةً لغيره من أفراد نفس المُنظَّمة ليتولَّى عجلة القيادة، ومن ثمَّ تأكيد مبدأ المشاركة في إدارة شئون المُنظَّمة، الذي طالما تنادت به تلك المُنظَّمات في خطابها الذي تتوجَّه به سواءً للرَّأي العام، أو لجمهور المستفيدين، الأمر الذي يُفْقِدُها الكثير من مصداقيتها.
ولم يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد الى إحداث تغييرٍ عكسيٍّ في بناء المُنظَّمة التي قد تبدأ على أساسٍ من المُشاركة المحدودة، إلا أنَّها تنتهب إلى الانعدام الكامل لأُسُسِ تلك المُشاركة، وهناك بعض الأمثلة الدَّالة علي ذلك.
ويرفض عبد المولى إسماعيل الحُجَج التي يسوقها البعض من أنَّ القيود القانونيَّة المفروضة من جانبٍ، وتعسُّف سلطات الدَّولة من جانبٍ آخرٍ تُحول دون ذلك.
ولكن هذا القَول مردودٌ عليه من أنَّ هناك عددٌ- وإنْ كان محدودًا- من التَّجارِب النَّاجحة في هذا المجال، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ وجود بناءٍ مؤسسيٍّ قائمٍ على هيكلٍ تنظيميٍّ واضحٍ ومُحدَّد الاختصاصات والصَّلاحيَّات والمسئوليَّات، وتتداول في إطاره المعلومات يكون هو العاصم الأكبر من خطر الانزلاق إلى الشَّخصانيَّة وسيادة الرُّوح الفرديَّة العالمة ببواطن الأمور والمُتحكِّمة في كلٍّ شيٍّ التي يكون بيدها مفاتيح كلِّ صغيرةٍ وكلِّ كبيرةٍ داخل المُنظَّمة.
ويرتبط بحالة "الشَّخصانيَّة" تلك كافَّة الأمراض الخاصَّة بسيادة هذا النَّمط من الإدارة التي لا تنعكس على تطوير الأداء، ومن ثَمَّ غياب الآليَّات الدِّيمُقراطيَّة داخل البناء التَّنظيميِّ للمُؤسَّسة الفرديَّة، وتغليب وجهات نظر الفرد بكل خلفيَّاتها الاستبداديَّة في علاقة هذا الفرد (الرَّئيس/ المدير التَّنفيذيُّ) في علاقته مع نظرائه من الأفراد القائمين على إدارة المُنظَّمات الأخرى.
وفي حالة حدوث أيِّ حوارٍ داخل هذه المُنظَّمات يكون حوارًا فرديًّا ذاتيًّا قائمًا على تغليب مصلحة الفرد في المُقام الأوَّل, وبالتَّالي تسييد ما هو ذاتيٌّ على ما هو موضوعيٌّ، وفي هذا الصَّدد تبرز كافَّة المُشكلات والخلافات الشَّخصيَّة بين هؤلاء الأفراد عند التَّعامُل مع أيِّ مشكلةٍ تخصُّ واقع حقوق الإنسان في مصر.
غياب النِّظام المُؤسَّسي:
ويرتبط بسيادة هذا النَّوع من الإدارة افتقاد المُنظَّمة لجماعيَّة روح الفريق، وينعكس ذلك في افتقاد المُنظَّمة لأيِّ ابتكارٍ أو تجديدٍ؛ حيث تسود الرُّوح الوظيفيَّة داخل أعضاء الفريق العامل بالمنظمة بدلاً من روح الخلق والتَّجديد والابتكار.
كما يرتبط بغياب البِناء المُؤسَّسي أيضًا زيادة معدلات الدَّوران الوظيفي بين العاملين بالمُنظَّمة؛ حيث وصلت هذه المُعدَّلات إلى ما يقرب من الألف بالمائة داخل عددٍ من المُنظَّمات العاملة في مجال حقوق الإنسان.
ومن ثمَّ يُصبح الحديث عن بناء القدرات، وتنمية المهارات بمثابة حديثٍ فارغٍ من كلِّ مضمونٍ، وبالتَّالي ينتفي وجود أجيالٍ جديدةٍ يُمكن أنْ تساعد في تنوُّع الرُّؤى والأفكار أو ابتكار آليَّاتٍ جديدةٍ للتَّعامُل مع الانتهاكات المُتزايدة لحقوق الإنسان في مصر.
ويشير الباحث هنا إلى غياب أيَّة عقودِ عملٍ أو تأميناتٍ اجتماعيَّةٍ- ولو حتى عقود عملٍ مُؤقَّتةٍ ولمددٍ مُحدَّدةٍ، سواءً ستَّة أشهرٍ أو سنةٍ على أقصى تقديرٍ- للعاملين داخل تلك المُنظَّمات، ومن ثَمَّ يُصبح هؤلاء العاملين بتلك المُنظَّمات في وضعٍ أكثر هشاشةٍ في مواجهة أيَة صدماتٍ ولو بسيطةٍ، وبالتَّالي تفقد هذه المُنظَّمات الكثير من مصداقيتها عند الحديث عن الانتهاكات التي يتعرَّض لها العاملين في القطاعات الاقتصاديَّة المُختلفة داخل مصر.
كما يرتبط بغياب البناء المُؤسِّسي أيضًا غياب الشَّفافية فيما يتعلق بأية أمور داخل المنظمة سواء فيما يتعلق بتسيير الأمور الماليَّة، أو الأمور الإداريَّة البسيطة، ولا يقتصر الأمر فيما يتعلَّق بالشَّفافية على العاملين داخل المُنظَّمة فقط، بل يمتد إلى جمهور المستفيدين أيضًا، والذي يظلُّ مفعولاً به دائمًا، ولا يكون له أيِّ دورٍ فاعلٍ داخل المُنظَّمة سواءً بالسَّلب أو بالإيجاب.
وتمتد هذه التَّأثيرات إلى الرَّأي العام أيضًا، وعلى رأسه المهتمِّين بحركة حقوق الإنسان، وبالتَّالي يظلُّ الحديث عن دفعِ وتحريكِ روح التَّطوُّع لدى الأفراد الذين يرغبون في المشاركة في دفع وتطوير حركة حقوق الإنسان، أشبه بالحلقة المفرغة.
غياب آليات المُساءلة والمُحاسبة:
كما يرتبط بغياب البناء المُؤسَّسيِّ أيضًا غياب روح المساءلة، سواءً بين العاملين داخل تلك المُنظَّمات ومرؤسيهم من ناحيةٍ، أو بين جمهور المستفيدين أو الرَّأي العام وبين أيَّة منظمةٍ ما من ناحيةٍ أخرى، بحسب الباحث.
وتفتقد العديد من تلك المُنظَّمات للجمعيَّات العموميَّة التي يمكن أنْ تُحاسب وتناقش أيِّ خللٍ يعتري أداء المُنظَّمة في تحقيقها لرسالتها، وسوف يقول البعض في هذا السِّياق إنَّ القيود القانونيَّة المفروضة على تلك المُنظَّمات لا تخلق مساحةً كافيةً لتفعيل دور الجمعيَّات العموميَّة في هذا الصَّدد، ولكن هذه المبررات لا تكون مقنعةٌ في كثيرٍ من الأحيان.
ولذلك تفتقد هذه المُنظَّمات الرَّقابة والمُساءلة والمُحاسبة والتَّقييم، وحتى أبسط الأمور مثل وجود تقريرٍ سنويٍّ خاصٍّ بنشاط المُنظمة، يتضمن كافة الأوجه المُتعلِّقة بأنشطتها، لا يوجد لدى الكثير من هذه المُنظَّمات، هذا بالإضافة إلى ضعف أدوار مجالس الأمناء، والتي لبعضها مجرَّد وظيفةٌ شكليَّةٌ.
إلا أنَّ الباحث لا يرى أنَّ هذه الإشكاليَّات تمنع من الاعتراف بوجود حالةٍ من النَّشاط الذي يشهده المجتمعُ المصريُّ من جانب بعض المُؤسَّسات الحقوقيَّة الغير حكوميَّة خلال الفترة الماضية، إلا أنَّ المُحلِّلين اتفقوا على أنَّ هذا النَّشاط غير واضحٍ بسبب الممارسات الحكوميَّة، لأنَّ الحكومة المصريَّة تسير في اتِّجاه حقوق الإنسان خطوة للأمام، وخطوتَيْن للخلف.
إلا أنَّ هذا لا يمنع حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصريَّة لحقوق الإنسان من القول إنَّه بالرَّغم من كلِّ شيءٍ تبقى الإنجازات قائمة وفعَّالة، ومن بينها إلغاء عقوبة الجَلْد، والتي كانت موجودة حتى عام 2000م، فضلاً عن إحالة ضُبَّاط شرطة متهمين بالتَّعذيب إلى محكمة الجنايات.
رؤى حقوقيَّة
إلا أنَّ الصُّورة تظلُّ متباينةً؛ حيث إنَّ العاملين في أوساط جمعيَّات حقوق الإنسان في مصر، كما قال أبو سعدة، يرون أنَّ ما يحققونه- أيًّا ما كان- هو في عداد الإنجازات، في ظلِّ وجود العديد من المشكلات القانونيَّة والأمنيَّة التي تعترض طريق هذه المُنظَّمات.
ففي تحقيقٍ موسَّعٍ أجرته صحيفة (الشرق الأوسط) الَّلندنيَّة في أوساط النَّاشطين الحقوقيين في مصر، قبل فترةٍ، قال النَّاشط الحقوقيُّ عبد الجواد أحمد المحامي، والذي يرأس المجلس العربيِّ لدعم المُحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، كواحدةٍ من أحدث المُنظَّمات الحقوقيَّة بمصر تعمل بشكلٍ عامٍ في مجال حقوق الإنسان، وتُعنَى بملفٍّ خاصٍّ هو "نشر ثقافة المعايير الدَّوليَّة لكفالة المحاكمات العادلة.. قال إنَّ المُنظَّمة على حداثة عهدها بالعمل بدأت مجموعةٌ من الأنشطة، من بينها مبادرةٌ لإنشاء شبكةٍ عربيَّةٍ لمراقبة المحاكمات بالدول العربيَّة، وتضم هذه الشَّبكة عددًا من المُحامين والصَّحفيِّين، على ألا يتدخَّلوا في أعمال القضاء، وسيشاركون في تقديم الدِّراسات والأبحاث والمُقترحات المُتعلِّقة بالحفاظ على ضمانات التَّقاضي.
وحول تقييمه للمُنظَّمات الحقوقيَّة، قال: "أيًّا كان أداؤها، إلا أنَّها أثَّرت بشكلٍ ملحوظٍ في كلِّ المجالات في المرأة والطِّفل، حتى لو كانت هناك ملحوظاتٌ على آدائها، فقد قدَّمت الحد الأدنى لجزءٍ من التَّغيير وفتحت الباب ووضعت المجتمع على أوَّل الطَّريق، وحجزت موقعًا لحقوق الإنسان على أجندة المُجتمع والدَّولة وكل المُؤسَّسات المعنيَّة بالشَّأن العام.
وقال: "إنَّ بعض الجمعيَّات لا يصلح معها فتح العضويَّة فيها؛ حيث إن بعضها قائمٌ على الرَّصد، والآخر قائمٌ على التَّدريب فقط مثلاً"، مشيرًا إلى أنَّ "الجيل الثَّاني من المُنظَّمات كان لابد أنْ يتجه للتَّخصُّص".
من جانبها لفتت الدُّكتورة نولة درويش رئيسة منظمة المرأة الجديدة، النَّظر إلى أنَّ مُنظَّمات حقوق الإنسان تكاثرت عبر عقدَيْن أو أكثر، وجاء بعضها نتيجة انقساماتٍ بداخل مُنظَّماتٍ سابقةٍ، كما بدأت تتنوَّع في أنشطتها، وأخذت أشكالاً أكثر تخصُّصًا، فظهرت مُنظَّمات معنيَّة بمجالاتٍ، مثل: السُّجناء، والفلاحين، والعُمَّال، والنِّساء، والمُعوَّقين، والبيئة.
كما بدأ في الظُّهور نوعٌ آخرٌ من التَّقسيم، على أساس نوعية الأنشطة التي تمارسها منظمات حقوق الإنسان، فكان هناك من اهتم بالتدريب أو البحوث، أو تقديم أنواعٍ مختلفةٍ من الخدمات، مثل المساعدة القانونيَّة والعلاج، والرصد، والدِّفاع الاجتماعيِّ.
وتقول النَّاشطة نولة درويش إنَّ هناك العديد من المُشكلات التي تتعرَّض لها هذه المُنظَّمات، من بينها الضُّغوط السِّياسيَّة والأمنيَّة التي تتعرَّض لها، والتي تمنعها من أنْ تأخذ شكلاً قانونيًّا مُحدَّدًا؛ حيث يأخذ معظمها شكل الشركات المدنيَّة، حتى تتمتَّع بحرِّيَّة حركةٍ أوسع نطاقًا، فيما عدا المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان.
وفيما يخص قضيَّة التمويل، قال نجاد البرعي رئيس جمعية تنمية الدِّيمُقراطيَّة إنَّ المجتمع سيتمكن من تمويل منظَّماته بعد فترةٍ، حين تظهر طبقةٍ من رجال الأعمال، مثل التي كانت موجودةٌ قبل ثورة يوليو 1952م، ولن تزيد هذه الفترة عن 10 سنوات من اليوم، وسيكون التَّمويل بالكامل محلِّيًّا مع عدم إغفال التَّمويل الأجنبيِّ.
وعمومًا فإنَّ التَّمويل الأجنبيَّ- بحسب البرعي- موجودٌ للمنظمات الحقوقيَّة في العالم كله، وذكر أنَّ المعهد الدِّيمقراطيِّ الأمريكي والمعهد الجمهوريِّ تُموِّلهما مُؤسَّساتٌ هولنديَّةٌ، وقال إنَّ التمويل الوطني لمنظمات حقوق الإنسان في مصر لن يتحقَّق بدون رأسماليَّةٍ مصريَّةٍ وطنيَّةٍ، ورجال أعمالٍ يلعبون دورًا اجتماعيًّا، ويوقنون أنَّ ازدهار حقوق الإنسان هو الضَّمان السَّليم لحسن الاستثمار، أمَّا حاليًا فغالبيَّة رجال الأعمال يتخوَّفون من تمويل المُنظَّمات الحقوقيَّة، حتى لا يُتهموا بأنَّهم يُعارضون الحكومة.
---------------------
(*) من مصادرٍ مُختلفةٍ أُشِيرَ لها في المتن....

أقرأ المزيد...

أبو سعدة: البِنْيَة التَّشريعيَّة في مصر تُساعد على انتهاك حقوق الإنسان...


حاورته لـ(اتِّجاهات): الزَّهراء عامر
-    نحاول أنْ نُلغي نظام الكفيل المعمول به في معظم دول الخليج.
-    التَّعذيب يتمُّ في السُّجون وأقسام الشُّرطة على أُسسٍ منهجيَّةٍ.

صَدَرَ خلال الأيام القليلة الماضية تقريرَيْن لحقوق الإنسان في مصر، الأوَّل تقدمت به الحكومة إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان؛ حيث تقدَّمت بملفٍّ حول الأوضاع الحقوقيَّة في مصر، ذلك الملف الذي تمَّ إعداده بمشاركة عددٍ من الوزارات والهيئات، منها وزارات الخارجية والعدل والقوى العاملة والتَّضامُن الاجتماعيِّ.
ومن المفترض أنَّ هذا الملف يتضمَّن "الانجازات" التي قامت بها الحكومة لحماية حقوق الإنسان في مصر.
وفي ذات التَّوقيت تقريبًا تقدَّمت المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان بتقريرها إلى مكتب المُفوِّض السَّامي لحقوق الإنسان بجنيف، ضمن تقرير المراجعة الدولية، والذى يتضمَّن ملف مصر، والمزمع مناقشته في شهر فبراير من العام 2010م المقبل.
وتضمَّن تقرير المُنظَّمة صورة حول الانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان قي هذا البلد، وخصوصًا لمنظومة الحقوق السِّياسيَّة والمدنيَّة، بالإضافة إلى منظومات الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
مجله (اتِّجاهات) قامت بإجراء حوارٍ مع حافظ أبو سعدة رئيس المنظَّمة، لمعرفة رأيه في واقع الأوضاع الحقيقيَّة لملف حقوق الإنسان في مصر، ورؤيته هو الخاصَّة عن التَّقرير الذي تقدَّمت به منظمته إلى الأمم المتحدة في هذا الشَّأن.
(*) بدايةً نودُّ أنْ نعرف ما هو الاستعراض الدَّوري الشَّامل لحقوق الانسان؟، وما هي آلياته؟
(**) الاستعراض الدوريِّ الشامل هو عبارة عن عمليَّةٍ مُتفرِّدةٍ تشمل مراجعة سجلات حقوق الإنسان لـ192 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، ويجري هذا الاستعراض مرةً واحدةً كل أربع سنواتٍ، ويعتبر الاستعراض الدَّوريِّ الشَّامل هو أحد مستحدثات مجلس حقوق الإنسان، ويستند على مبدأ المعاملة المتساوية لكلِّ الدِّول، ويمنح هذا الاستعراض الفرصة لجميع الدِّول للإعلان عن الإجراءات التي اتخذتها لتحسين أوضاع حقوق الإنسان لديها، وللتغلُّب على التَّحديات التي تعوق التَّمتُّع بحقوق الإنسان، ويعدُّ الهدف النَّهائي للاستعراض الدَّوري الشَّامل هو تحسين أوضاع حقوق الإنسان داخل كلِّ بلدٍ ممَّا يخلف وراءه نِعمَّ الأثر على شعوب العالم.
(*) وما هو تقييمكم للبنية التَّشريعيَّة الحقوقيَّة في مصر؟
(**) لم تشهد البنية التَّشريعيَّة المصريَّة أيَّة تعديلاتٍ جوهريَّةٍ بما يتَّفق مع المواثيق الدَّوليَّة لحقوق الإنسان، فبالتَّالي ما زالت مليئةٌ بالعديد من القوانين المُقيِّدة للحقوق والحُرِّيَّات العامَّة، مثل قانون الطَّوارئ رقم (162) لسنه 1985م، الذي قرَّر مجلس الشَّعب في مايو 2008م، مد العمل بهذا القانون لتمتد حاله الطَّوارئ حتى يونيو 2010م، وهذا القانون هو الأداة التي تستخدمها السُّلطة التَّنفيذيَّة للعصف بالحقوق والحُرِّيَّات التي يكلفها لهم الدستور المصري.
بالإضافة إلى ذلك هناك قانون الإرهاب الذي تتَّجه الدَّولة في الفترة القادمة إلى إصداره.. هذا يعمل أيضًا على زيادة انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن وفقًا للمعايير الدَّوليَّة المُتَّفقُ عليها.
بجانب هذا، يتم انتهاك الحقِّ في التَّجمُّع السِّلميِّ على نطاقٍ واسعٍ من خلال قانون التَّجمُهر رقم (10) لسنة 1914م، وهو قانونٌ استثنائيٌّ أقرب للأحكام العرفيَّة، وقانون التَّظاهُر رقم (14) لسنة 1923م، والذي يُشكِّل قيدًا على حُرِّيَّة الأفراد في الاجتماع بمنح الشُّرطة الحق في منع الاجتماع قبل عقده، وكذلك الحق في حضور الاجتماعات وحلها إذا تطلَّب الأمر.
الدَّاخليَّة مُدانة
(*) ما هو تقيمكم لحالة حقوق الإنسان في السُّجون المصريَّة وفي أقسام الشُّرطة؟
(**) الأوضاع في السُّجون المصريَّة بالغة الخطورة، وتحتاج إلى تعديلاتٍ فوريةٍ للقوانين والتَّشريعات التي تحكم السُّجون، وهناك بعض العوامل التي لها دورٌ كبيرٌ في تردِّي أوضاع السُّجناء، من بينها التَّكدُّس داخل الزَّنازين ممَّا يساهم في انتشار الأوبئة والأمراض الصَّدريَّة، ناهيك عن سوء التَّغذية وعدم توافر الأطباء الأخصائيِّين داخل السُّجون.
وقد رصدت المُنظَّمة في الفترة من العام 2007م إلى أبريل 2009م، 54 حالة سوء رعايةٍ صحيَّةٍ و5 حالات وفاةٍ، و23 حالة سوء معاملة، وحالتَيْن تمَّ منعهم من حقِّهم في مُمارسة العمليَّة التَّعليميَّة.
وأيضًا هناك انتهاكات لحقوق المعتقلين السِّياسيِّين، فأغلب المعتقلين يعانون من الاعتقال المُتكرِّر بشأنهم، رغم صدور أحكامٍ قضائيَّةٍ تبرئهم من الاتهامات التي تنسب إليهم، ويتم تجديد حبسهم، وقد تصل مدة بقاء بعضهم داخل السُّجون بدون حكمٍ قضائيٍّ يُدينهم، إلى ما يقرب من عشرين عامًا، وهذا بخلاف ما يُعانيه المعتقلين من سوء المعاملة ووضعهم مع السُّجناء الجنائيِّين.
أمَّا فيما يتعلَّق بأقسام الشُّرطة نجد هناك انتهاكاتٌ واضحةٌ داخل غُرَف الحجز المؤقَّتة في القسم، حتى يتمَّ عرض المُتَّهمين على النِّيابة، وخاصَّة في عدم الفصل بين الرِّجال البالغين وبين النِّساء والأطفال القُصَّر، كلهم داخل مكانٍ واحدٍ، بالإضافة إلى صِغَرِ حجم الغرفة، وأحيانًا تقوم بعض الحملات وتقبض على ما يقرب من 300 فردٍ في نفس الَّليلة، فأين ستضع الشرطة هؤلاء النَّاس؟!.
وأحيانا يكون الوضع أكثر سوءٍ، وإهانةٍ للكرامة، ولا يحتاج الوضع إلى تشريعٍ قانونيٍّ فحسب، ولكن يحتاج قوةً رادعةً للحدِّ من ذلك.
وهناك جانبٌ آخرٌ لا يمكن إغفاله، وهو انتشار التَّعذيب على نطاقٍ واسعٍ في مصر خلال السَّنوات الثَّمانية التي مضت علينا في مجال رصد أوضاع حقوق الإنسان في المُؤسَّسات الأمنيَّة والعقابيَّة، فالتَّعذيب يتمُّ على أسسٍ منهجيَّةٍ داخل أقسام الشُّرطة والسُّجون، والمادة رقم (126) من قانون العقوبات خير دليلٍ على ذلك؛ حيث لا توفِّر الحماية الجنائيَّة الَّلازمة والفعَّالة لحقِّ الإنسان في السَّلامة البدنيَّة والذِّهنيَّة، ولكن تواجه فقط حالة التَّعذيب الواقع على المُتَّهم لحمله على الاعتراف،  وتضمن هذه المادة للجاني الإفلات من العقوبة.
وجاءت في توصيات التَّقرير الذي أُرسِلَ إلى مكتب المُفوِّض السَّامي بضرورة تعديل المادة رقم (126) لقانون العقوبات ومحاكمة من يقوم بالتَّحريض على ارتكاب مثل هذه الجرائم، وسيجعل ضُبَّاط الشُّرطة يُفكِّرون ألف مرَّةٍ قبل ارتكاب جرائم التَّعذيب.
المصريُّون في الخارج
(*) بعد أنْ سمعنا عن زيادة أحكام الإعدام بحق المواطنين المصريِّين في لبيبا، ومقتل مروة الشِّربيني في ألمانيا.. كيف ترون أوضاع المصريِّين في الخارج، وهل هناك محاولة لتحسين أوضاعهم؟
(**) نحن الآن نحاول أنْ نُلغي نظام الكفيل المعمول به في معظم دول الخليج، والذي هو السبَّب في تعريض المصريِّين هناك لانتهاك حقوقهم ويجعلهم مثل العبيد، مُسخَّرين تحت أيديهم، ليس لهم الحقُّ في ممارسة الحياة بحرِّيَّةٍ، بالإضافة إلى ضياع حقوقهم المادِّيَّة وحرمان المصابين منهم من العمل.
أمَّا تزايد أحكام الإعدام ضد المواطنين المصريين في لبيبا فهو نتيجة تراخي وزارة الخارجيةَّ  وعدم تدخُّلها في منع هذه الأحكام التَّعسُّفيَّة ضد المصريِّين في الخارج، وتدعوا المنظمة الوزارة بسرعة التَّدخُّل وحماية مواطنيها بالخارج، والعمل على إرجاع حقوقهم التي سُلِبَت منهم.
(*) وماذا عن الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للمواطن المصريِّ؟
(**) شهدت الفترة الماضية حزمة من الانتهاكات فما زال هناك زحامٌ في المواصلات وفي الشَّوارع، وغيابٌ للرَّعاية الصِّحِّيَّة، وضعفٌ وسوءٌ للخدمات داخل المُنشآت الصِّحِّيَّة العامَّة الخاضعة لإشراف الدوَّلة.
ولعل غياب العمل بأسلوب الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، تسبَّب في كثرة الإضرابات في بعض المُؤسَّسات الحكوميَّة لزيادة دخول المواطنين، ليواكب غلاء الأسعار للاحتياجات الأساسيَّة له.
إصلاحاتٌ تشريعيَّةٌ
(*) علمنا أنَّكم طالبتم الحكومة بإصدار تشريعٍ يضمن احترام "حقوق المواطن".. فما هي معالم هذا التَّشريع؟، وما الهدف منه على المستوى القريب والبعيد؟
(**) المادة الأولى من الدُّستور تضمن للمواطن حقَّ المواطنة، وحق المواطن في الحصول على وظيفةٍ، ونُطالب بضرورة وجود قانون أو آلية تضمن له الحقَّ في التَّعبير عن رأيه، وحقِّه في التَّظاهُر والتَّجمُّع السِّلميِّ، وإذا صدر هذا التَّشريع سينكسر حاجز الخوف عند المواطن.
(*) وما هو الهدف من وراء طلبكم تعديل قانون الإدارة المحلِّيَّة؟
(**) هذا القانون سيُحقِّق إيجابيَّاتٍ عديدةٍ؛ حيث سيتم التَّحكُّم في الميزانيَّات الخاصَّة بكلِّ محافظةٍ، فكل مدينةٍ لها رسومها التي يتم تحصيلها من المواطنين ومن كلِّ قريةٍ موجودةٍ داخل نطاق المحافظة، وهذه الأموال لا يتم استغلالها الاستغلال الأمثل، ويتم صرف هذه الأموال على تجميل الميادين الرَّئيسيَّة للقرى فقط، بينما يتم نهب باقي الأموال، ولهذا السَّبب كانت الفكرة تعديل هذا القانون.
وتعديل القانون يهدف أساسًا استغلال هذه الأموال في بناء المدارس وتجديدها وبناء المُستشفيات والعمل على تطويرها بدلاً من تزيين الميادين!!
(*) في النَّهاية هل ترى أنَّ هناك أملاً في أنْ يتحقَّق تغييرًا جذريًّا في أوضاع حقوق الإنسان في مصر؟، وفي أي مدى؟
(**) نحن نعلم جيِّدًا أنَّ التَّغيير دائمًا يأخذ زمنًا طويلاً، وأنا أرى أنَّ السُّلوك الرَّسميَّ القائم على حقوق الإنسان سيظل مستمرًّا، ولكنَّنا بدأنا تحت شعار "المواطن له حق"، وهذه المرَّة هناك آليَّاتُ مراقبةٍ جديدةٍ تجبر الحكومة على أنْ تكون مُلتزمةٌ بالمعايير الدَّوليَّة، وهذا الوضع إلى حدٍّ ما مُطمئنٌ باحتماليَّة تحقيق التَّوصيات التي جاء بها التقرير الذي قدمناه للأمم المتحدة.

أقرأ المزيد...

هل راهن الإخوان على الجواد الخاسر في إفطارهم؟!!...


بقلم: أحمد عبد الفتَّاح
لا شكَّ أنَّ الإفطار السَّنويَّ العام الذي تعقده جماعة الإخوان المسلمين كل عامٍ، ويدعو إليه مرشدها العام، هو إحدى أهم الأحداث التي ينتظرها الوسط السِّياسيِّ في مصر، ويترقَّب الجميع أخباره، بدايةً من الإعداد له وشخصيَّات المدعوين وماهيتهم، وحتى لحظة انفضاض الجمع، وصولاً إلى النَّتائج المترتبة على الإفطار.
ومما لا شك فيه أنَّ أهميَّة ذلك الإفطار تعود إلى أسبابٍ عدةٍ، أوَّلها بكل تأكيدٍ أنَّ جماعة الإخوان المسلمين هي الفصيل السِّياسيِّ الأكبر في مصر، كما أنَّ الجمع الذي يلتأم في هذا الإفطار لا يمكن أنْ يلتأم في مكانٍ أخرٍ.
ولعل إدراك النِّظام لمدى أهميَّة هذا الإفطار، هو ما دفعه منذ عامَيْن إلى الضَّغط في اتِّجاه إلغائه، وهو ما تمَّ بالفعل بعد رفض كافَّة الفنادق استقبال الافطار تحت ضغوطٍ أمنيَّةٍ، وهو ما دفع الجماعة إلى الاستعاضة عنه بسلسلةٍ من الإفطارات الأصغر حجمًا، تجمع المرشد العام وبعض قيادات الصَّف الأول من الجماعة، مع مجموعةٍ من رموز النُّخبة المصريَّة تُنْتَقى بعنايةٍ بالغةٍ.
والمُتابع لهذه الإفطارات، يلاحظ أنَّ طبيعة الكلمات والمناقشات التي تدور بين الحضور قد اختلفت كثيرًا عمَّا كانت عليه حينما كان يُعْقَد الإفطار بشكلٍ مُوسَّعٍ ويحضره الآلاف الأشخاص بأحد الفنادق الكبرى في العاصمة المصريَّة.
ففي العامين الماضيَيْن عُقِدَ الإفطار العام للجماعة في مقرِّ الأمانة العامَّة للكتلة البرلمانيَّة للإخوان المسلمين في مجلس الشعب في الإخشيد بضاحية المنيل، وحضره في كلِّ مرَّةٍ عددٌ يتراوح ما بين 30 إلى 60 شخصًا، واتَّسم في كلِّ مرَّةٍ بأنَّ الكلمات غير سابقة التَّجهيز، ولا تُتْلَى وفق ترتيبٍ مُعيَّنٍ، فغالبًا ما يفتتح المرشد العام الكلمات بكلمةٍ مقتضبة منه، ثم يستمع إلى آراء المشاركين حول بعض النِّقاط التي أثارها في كلمته، ثم يفتح باب الحوار لمن يريد المشاركة.
وجوهٌ جديدةٌ
ووفق تلك العادة الجديدة، دعا المرشد العام للجماعة الأستاذ محمد مهدي عاكف هذا العام، مجموعةً من النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة للإفطار مع قيادات الجماعة بمقر الأمانة العامَّة للكتلة بالمنيل يوم الأربعاء 2 سبتمبر.
ووفق الموقع الرسمي للجماعة، فإنَّ الإفطار شهد للمرة الأولى ظهور بعض الوجوه الجديدة، مثل الكاتب الصَّحفي فهمي هويدي، والمفكر الإسلامي الدُّكتور محمد عمارة، والدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس تحرير دوريَّة (السِّياسة الدَّوليَّة) الشَّهيرة ورئيس حزب الجبهة الدِّيمقراطيَّة.

هذا بالإضافة إلى العديد من الشَّخصيَّات التي اعتادت حضور إفطار الإخوان، مثل المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندريَّة السَّابق، والمفكِّر القومي الدُّكتور يحيى الجمل أستاذ القانون الدُّستوريِّ بجامعة القاهرة، والدُّكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوريِّ بجامعة القاهرة، والشَّاعر والأديب الدُّكتور جابر قميحة، والمفكِّر الدُّكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، والدُّكتور حمدي السَّيِّد نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصِّحة بمجلس الشعب.
بجانب الدُّكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية السَّابق، والدُّكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة والأمين العام لمنتدى الفكر العربي، والدكتور عبد الجليل مصطفى عضو حركة "9 مارس" المنادية باستقلال الجامعات، والمهندس محمد عصمت سيف الدَّولة المُتخصِّص في الشُّئون الفلسطينيَّة، والنَّائبُ المستقلُّ علاء عبد المنعم، وجورج إسحاق منسق حركة كفاية الأسبق، والمفكر القبطي الدُّكتور رفيق حبيب، والدكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب المستقل.
وعن الأحزاب والقوى السِّياسيَّة حضر المستشار سعيد النَّجار عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، والنَّائب حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة (تحت التَّأسيس)، وفاروق العشري رئيس المكتب السِّياسيِّ للحزب النَّاصريِّ، ، والمستشار محفوظ عزام رئيس حزب العمل، والدُّكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل "المُجمَّد"، والنَّائب سعد عبود عضو مجلس الشعب عن حزب الكرامة، والدُّكتور عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة "كفاية".
تحالفٌ جديدٌ بدوره!!
وفي كلمته القصيرة التي ألقاها المرشد العام للجماعة على الحضور عقب تناول طعام الإفطار، كان واضحًا جدًّا وللوهلة الأولى أنَّ المرشد العام لم يكن يحمل سوى هدفٍ واحدٍ في هذا الِّلقاء، وهو الخروج بجبهةٍ جديدةٍ للإصلاح والتَّغيير في مصر، على غرار العديد من الجبهات التي شُكِّلت في مصر في السَّنوات الأخيرة، وشَكَّلت تحالفاتٍ بين القوى السِّياسيَّة المصريَّة والأحزاب من أجل الإصلاح والتَّغيير في مصر، وكان الإخوان دائمًا في طليعة المُنظِّمين لمثل تلك الجبهات، وكانت أشهرها الجبهة التي قادها رئيس وزراء مصر الأسبق الرَّاحل الدُّكتور عزيز صدقي.
ولوحظ منذ الَّلحظة الأولى أنَّ المرشد استهدف في المقام الأول تحديد اسم لقيادة التحالف الجديد، وهو ما كان واضحًا عندما طلب عاكف عقب انتهاء كلمته من الدُّكتور حسن نافعه التَّحدُّث، فتحدث نافعة مؤكدا علي ضرورة ولادة التَّحالُف الجديد، ولما طلب المرشد من نافعة قيادة ذلك التَّحالُف مثل صدقي، اعتذر بحُجَّة أنَّه مفكرٌ ومنظِّرٌ، لا ناشطًا سياسيًّا.
وعلى هذا المنوال استمر اللقاء، فأغلب الحضور اعتذر عن قيادة التَّحالُف الجديد بحججٍ مختلفةٍ، إلا أنَّ القاسَم المشترك بين جميع من تحدَّثوا ومن شاركوا أنَّ أحدًا لم يكن مُتحمِّسًا بما فيه الكفاية للتَّحالُف الجديد، وهو ما ظهر جليًّا في عدم إعلان أحد المشاركين رغبته صراحةً في الانضمام، إمَّا بصفته الشَّخصيَّة أو بالكيان السِّياسيِّ المنتمي إليه، في التحالف الجديد.
كما أنَّ الِّلقاء لم يخرج باسم القائد الجديد للتَّحالُف خاصَّة مع حرص جماعة الإخوان على أنْ يكون ذلك الشَّخص من خارجها، وهو النَّهج الذي انتهجته الجماعة في جميع التَّحالُفات التي دخلتها، إلا تحالفًا واحدًا كان مُنسِّقُه هو الدُّكتور محمد السيد حبيب النَّائب الأوَّل للمرشد العام للإخوان المسلمين.
فشل؟!.. أم..؟!!
ولعل النَّتيجة التي خرج بها الإفطار، والمُتمثِّلةَ في الفشل عن إعلان التَّحالُف الجديد أو حتى الإعلان عن اسم منسِّقٍ له، يطرح عدةَ أسئلةٍ هامَّةٍ، وهي هل كانت فكرة الإخوان في تشكيل تحالفٍ جديدٍ فكرةٌ مستهلكةٌ لا تصلح حاليًا، ولهذا كانت تلك هي النَّتيجة الطَّبيعيَّة؟، أم أنَّ المشكلة في من دعتهم الجماعة لتشكيل ذلك التَّحالُف؟.. السَّؤال الثَّالث هو أنَّه في ظل غياب ذلك التَّحالُف، ما هو مستقبل الحياة السِّياسيَّة في مصر، وخاصَّة مع تسارع وتيرة سيناريو التَّوريث في الأيام الأخيرة؟
ومن السُّؤال الثَّالث من الممكن أنْ نجد إجابةً للسُّؤال الأوَّل، فمع تسارُع وتيرةِ سيناريو التَّوريث، لا يوجد حلٌّ أمام القوى السِّياسيَّة المصريَّة إلا التَّصدِّي لذلك السِّيناريو بكافَّة الطُّرق، وهو ما يتطلَّب تحالفها فيما بينها في كيانٍ ضخمٍ يمكن له أنْ يُهدِّد ذلك النِّظام العجوز، وهو الأمر الصَّعب، فالنِّظام المصري هو نظامٌ راسخٌ في الحكم لعواملٍ عدَّة لا مجال لذكرها هنا.
وهو ما ينقلنا إلى محاولة الإجابة عن السُّؤال الثَّاني: هل المشكلة في من دعتهم الجماعة لتشكيل ذلك التحالف؟.. وفق الذي حدث في الإفطار، فبكلِّ تأكيدٍ أنَّ المشكلة في من دعتهم الجماعة لا في الفكرة ذاتها؛ فالجماعة راهنت على الَّلاعبين "الطَّبيعيِّين" الذين يلعبون على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة منذ سنين عدة، بعضهم قياداتٌ سياسيَّةٌ تاريخيَّةٌ، وبعضهم ظهر مع الحراك السِّياسيِّ الأخير في مصر والذي بدأ في العام 2005م واستمر حتى العام 2007م تقريبًا.
إلا أنَّ هذه القيادات كان واضحًا جدًّا عليها أنَّها قد فقدت الأمل في التَّغيير، وهم معذورون في ذلك، فالنِّظام المصري اثبت أنَّ لديه قوَةٌ خارقةٌ على إجهاض أيِّ محاولةٍ للتَّغيير والحراك السِّياسيِّ في مصر، بل علي العكس ففي الوقت الذي توقَّع فيه الجميع سقوط النِّظام، فوجئ الجميع أيضًا بأنَّ النِّظام يستعرض عضلاته عبر تسريع سيناريو التَّوريث.
ووصل الأمر إلى حدِّ ظهور جمال مبارك نجل الرَّئيس في زياراتٍ ميدانيَّةٍ إلى قُرى ونجوع مصر، وفي صحبته لفيفٍ من الوزراء يلقي إليهم الأوامر لحل مشاكل سُكَّان تلك القرى والنُّجوع، في صورةٍ ذهنيَّةٍ تُعيدنا إلى سنينَ عدَّةٍ خلت عندما كان يتكرَّر نفس ذلك المشهد مع اختلافٍ بسيطٍ، وهو أنَّ بطله الرَّئيسي كان الرَّئيس حسني مُبارك نفسه، لا نجله جمال.
شروط التَّغيير
هذا الطَّرح يرغمنا على طرح تساؤلٍ جديدٍ وهو على من كان يجب أنْ يُراهن الإخوان ومِنْ خلفهم الشعب المصري من أجل التَّغيير؟!
قبل الإجابة على هذا التَّساؤُل يجب الوقوف أولاً على الشُّروط التي يجب أنْ تتوفَّر في ذلك الَّلاعب السِّياسيِّ الجديد، وللوقوف علي هذه الشُّروط يجب بدايةً أنْ نسترجع نموذج الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، كحركة احتجاجٍ سياسيٍّ ظهرت في مصر بسرعةٍ كبيرةٍ، وتمكَّنت من السَّيطرة على الشَّارع لوقتٍ قصيرٍ، إلا أنَّها رغم قِصَرِ تلك الفترة، استطاعت أنْ تصنع نوعًا من أنواع التَّغيِّير في طبيعة الحراك السِّياسيِّ في مصر.
فحركة "كفاية" رغم صغرها وقلَّة عدد أفرادها وفقرها المادي، إلا أنَّها استطاعت أنْ تفرض نفسها كأحد أهمِّ مُكوِّنات الحراك السِّياسيِّ المصريِّ في القرن الأخير؛ لأنَّ "كفاية" استطاعت ببساطة تهديد النِّظام المصريِّ عبر الخروج في مظاهراتٍ في شوارع مصر في مظهرٍ كان المصريُّون قد أوشكوا على نسيانه.
نموذج "كفاية" يؤكِّد أنَّ الشَّرط الأهم الذي يجب توافره في ذلك اللاعب السياسي هو قدرته علي هز العروش وتهديد النِّظام، وهو الشَّرط الذي توافر وبكثرةٍ في حركات الاحتجاج الاجتماعيِّ التي اجتاحت مصر في الأعوام الأربع الماضية.
فحركات الاحتجاج الاجتماعيِّ والحركات العُمَّاليَّة التي لها مطالبٌ هي في الأغلب فئويَّةٍ، استطاعت أنْ تُثبِت، وبالدَّليل القاطع، أنَّها الحركات الأقدر على تهديد النِّظام الحاكم في مصر، فتلك الحركات فازت في أغلب معاركها التي خاضتها مع النِّظام، واستطاعت عبر عُمَّال المحلَّة الكبرى، أنْ تقود أكبر حركة احتجاجٍ مدنيٍّ حدثت في مصر في العقود الأخيرة، والتي عُرِفَت بإضراب 6 أبريل في العام الماضي 2008م.
وعلى نهج عُمَّال المحلَّة، استطاع الملايين من العُمَّال الحصول على حقوقهم رغمًا عن الحكومة، وكانت انتصارات بعضهم انتصارات تُعدُّ سياسيَّةً، كما حدث مع موظَّفي الضَّرائب العقاريَّة الذين استطاعوا أنْ يفرضوا شروطهم على الحكومة، وأنْ يُنشئوا أوَّل نقابةٍ مستقلَّةٍ في مصر.
العُمَّال، وإنْ خرجوا في مطالبٍ تَظْهَر في ظاهرها أنَّها مطالبٌ فئويَّةٌ، إلا أنَّهم حملوا ضمن مطالبهم مطالبًا سياسيَّةً، ووصل الأمر في بعض تلك الأعمال الاحتجاجيَّة بأنْ يهتفوا ضد نظام الحكم وبسقوطه؛ لأنَّهم يرون أنَّ هذا النِّظام هو السَّبب الرَّئيسي وراء شقائهم.
ولعل إحدى أهم المُميِّزات التي تُميِّز تلك الحركات، أنَّها تُلاقي إجماعًا وطنيًّا من قِبَلِ جميع ألوان الطَّيف السِّياسيِّ المصريِّ، فعلي سبيل المثال يري الاشتراكيُّون واليساريُّون أنَّ دعم هذه المطالب ضروريَّةٌ وهامَّةٌ، وتصل إلى أنَّها تحتلُّ قِمَّة أولويَّاته، رغم أنَّ أدبيَّات اليسار ترى أنَّ المطالب الخاصَّة برفع الأجور في ظلِّ نظامٍ رأسماليٍّ، هي مطالبٌ تحسِّن ظروف العامل بالأجر، وأنَّها لا تحلُّ المشكلة، بل هي مجرد مُسكِّناتٍ تستخدمها الرَّأسماليَّة لتثبِّت نفسها، وللتغلُّب على مشاكل العُمَّال، إلا أنَّهم يرون الآن أنَّ دعم تلك هذه الحركات هي الطَّريقة الوحيدة لهز استقرار ذلك النِّظام.
وعلي نفس الشَّاكلة ترى التَّيَّارات اليمينيَّة والتَّيَّار الإسلاميُّ أنَّ دعم مطالب العُمَّال هو أولويَّةٌ مُلحَّةٌ، وهو ما تجلَّى في دعم الإخوان لتلك الحركات، وإنْ كان ذلك الدَّعم على استحياءٍ في بعض الأحيان لأسبابٍ عدَّةٍ، لعل أبرزها تخوُّف القائمين على تلك الحركات حساب تحرُّكاتهم على الإخوان، وهو ما يُضعِف كونها حركاتٌ اجتماعيَّةٌ في المقام الأول، فالمصريون اثبتوا أنَّهم لا يتفاعلون مع الحراك السِّياسيِّ، وتتدنَّى طموحاتهم في مجال تداوُل السُّلطة والدِّيمُقراطيَّة، ولكن في مقابل قابليَّتهم وبشكلٍ كبيرٍ للتَّفاعُل مع أيِّ حراكٍ اجتماعيٍّ في ظلِّ ظروف المعيشة الحالية.
وفي هذا المجال يقول الصَّحفيُّ البريطانيُّ سوردسون راكفان من جريدة (الواشنطن بوست): "كنت أحاور أحد الصَّحفيِّين المصريِّين، وأخذ يَعُدُّ لي مصائب ومشاكل الشَّعب المصريِّ واحدةً بعد الأخرى، فسألته وماذا ينتظر الشَّعب المصريُّ ليثور بعد كل هذا؟!، وهل سيثور الشَّعب في حالة توريث جمال مبارك"، فرد عليه الصَّحفيُّ المصريُّ بالقول: "الشَّعب لن يثور إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي أنْ يتم رفع ثمن رغيف الخبز من 5 قروش إلى 10 قروش"!!
وفي الختام، وبالعودة إلى قضيَّة التَّحالُفِ الوطنيِّ، فممَّا سبق نخرُج بنتيجةٍ واحدةٍ، وهي أنَّ أيُّ تحالفٍ وطنيٍّ يُريد فعلاً التَّغيير في مصر، يجب أنْ يضم في المقام الأول حركات الاحتجاج الاجتماعيِّ في مصر بكافَّة أشكالها؛ لأنَّهم- وببساطةٍ- هم القوى الأكبر والأقوى في مصر الآن على السَّاحة.
ومن هذا المنطلق كان يجب على الإخوان المسلمين، إنْ أرادوا بالفعل تشكيل ذلك التَّحالٌف، هو دعوة القيادات العُمَّاليَّة وقيادات الحركات الاجتماعيَّة إلى مائدة إفطارهم، للحديث حول ذلك التَّحالُف جنبًا إلى جنبٍ مع القيادات السِّياسيَّة القديمة، فتحالف هذَيْن العنصرَيْن إلى جانب الإخوان، الفصيل السِّياسيُّ الأكبر في مصر، هو الأمل الأخير لإنقاذ مصر..

أقرأ المزيد...

مقابر الأرقام.. مأساةٌ فلسطينيَّةٌٌ صامتةٌٌ!!...


غزَّة- كارم الغرابلي
مأساةٌ فلسطينيَّةٌ جديدة تجري فصولها في صمتٍ كما هي العادة في القضيَّة الفلسطينيَّة؛ حيث كشف الأسير السَّابق والباحث المختص بشئون الأسرى عبد النَّاصر فروانة، بأنَّ سُلُطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجز جثامين 25 شهيدًا من سُكَّان قطاع غزَّة منذ مرحلة ما بعد التَّوقيع على اتِّفاقيَّات أوسلو بين مُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة والكيان الإسرائيلي، وقيام السُّلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة في مايو من العام 1994م، فيما يُعرف بمقابر الأرقام.
وتُقرُّ السُّلطات الإسرائيليَّة باحتجازها لها، وترفض تسليمها للسُّلطة الوطنية أو إعادتها لعائلاتهم لدفنها وفقًا للشَّريعة الإسلاميَّة، وفي أماكنٍ مُؤهَّلةٍ لذلك، ومقابرٍ إسلاميَّةٍ خُصِّصت لهذا الغرض.
واضاف فروانة بأنَّ هذه الجثامين هي لشهداءٍ من سُكَّان قطاع غزة، استشهدوا خلال مواجهاتٍ مع قوات الاحتلال الإسرائيليَّة، أو بعد تنفيذهم لعمليَّاتٍ فدائيَّةٍ ضد قوات الاحتلال، بينها جثامين لـ16 شهيدًا، احتُجِزَت جثامينهم منذ بدء انتفاضة الأقصى الثانية في سبتمبر 2000م، وحتى اندلاع الحرب على غزة في ديسمبر 2008م، ويُعتَبر هؤلاء جزءٌ من مشكلة أكبر؛ حيث يُوجد مئات الجثامين لشهداء ولشهيداتٍ محتجزة لدى سلطات الاحتلال منذ عشرات السنين، ومن كافة المناطق الفلسطينيَّة.
وبيَّن فروانة في تصريحاتٍ خاصَّة لمندوبنا في قطاع غزَّة، بأنَّ احتجاز جثامين الشُّهداء ومعاقبتهم والانتقام منهم بعد موتهم وحرمان ذويهم من دفنهم، شكَّلت ومنذ بدايات السَّبعينيَّات الماضية، جزءًا من سياسة الاحتلال في تعامله مع الفلسطينيِّين، وانتهجها لإخفاء آثار القتل والتَّنكيل بهم، وربما أيضاً لإخفاء سرقة الأعضاء الدَّاخليَّة من بعضهم، والانتفاع بها بشكلٍ غير شرعيٍّ كما أُثير مُؤخَّرًا، وفي بعض الأحيان استخدامها كورقةٍ للضَّغط والمساومة ومحاولةٍ للابتزاز.
وأضاف بأنَّه تمكَّن من توثيق مٌجمل أسماء الشُّهداء من قطاع غزَّة الذين لا تزال سلطات الاحتلال تقرُّ باحتجاز جثامينهم منذ العام 1994م، وظروف استشهادهم والبيانات الأساسيَّة الخاصَّة بهم، بدءًا باحتجاز جثمان الشَّهيد هشام حمد بعد العمليَّة الاستشهاديَّة التي نفذها بتاريخ 11 نوفمبر من العام 1994م، في مفترق مستوطنة نيتساريم جنوب مدينة غزة.
ومرورًا بالشَّهيد إبراهيم حسونة مُنفِّذ العمليَّة الفدائيَّة في تل أبيب في مارس 2002م، والذي يُعتَبَر أول شهيدٍ من قطاع غزة يُحتَجز جثمانه منذ بدء انتفاضة الأقصى، وليس انتهاءً باحتجاز جثمان الشَّهيد محمد عزمي فروانة، الذي استُشْهِد خلال مشاركته في تنفيذ عمليَّة "الوهم المُتبدِّد" التي أُسِرَ خلالها الجنديِّ الإسرائيلي جلعاد شاليت في يونيو من العام 2006م، والتي وصلت بمجملها وفق ما هو موثَّقٌ لديه إلى 25 جثمانًا لشهداء من سكان قطاع غزة منذ العام 1994م، وحتى بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
وفي السِّياق ذاته أشار فروانة إلى التَّعاطيَ السَّلبيَّ من قِبَلِ قوَّات الاحتلال أثناء حربها على قطاع غزَّة، ورفضها التَّعاوُن مع السُّلطة الفلسطينيَّة أو منظمة الصَّليب الأحمر الدَّوليِّ في شأن أسماء وأعداد من اعتقلتهم، وإصرارها على التعامل معهم وفق مبدأ "مقاتل غير شرعي" الذي "اخترعته" الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة في حربها على ما يعرف بـ"الإرهاب"، وعدم سماح قوات الاحتلال بوصول طواقمٍ طبيَّةٍ للجرحى والمصابين أثناء الحرب.
وقال إنَّ كلَّ ذلك فتح الباب على مصراعيه أمام العديد من الاحتمالات حول مصير الذين لا زالوا في عداد المفقودين، والذين لا يُستبعد أن يكونوا قد استُشهِدوا ولا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، أو استشهدوا واختُطِفَت جثامينهم، أو اعتقلوا ومن ثمَّ قُتِلُوا ونُقِلُوا إلى ما يُعرف بمقابر الأرقام، في ظلِّ أوضاعٍ غير لائقةٍ ومُهينةٍ لأبسط القيم الإنسانيَّة.
مساومة بجثث الشهداء
وكشف فروانة أنَّ سُلطات الاحتلال، ي حالاتٍ كثيرةٍ استخدمت احتجاز الجثامين كورقةٍ للضَّغط والمساومة، وبغطاءٍ قانونيٍّ وحصانةٍ قضائيَّةٍ، مستحضرًا نموذج احتجازها لجثة الشَّهيد حسن عيسى عباس، من قطاع غزة، والذي استُشْهِدَ خلال مشاركته في عمليَّةٍ فدائيَّةٍ بالقدس الغربيَّة بتاريخ التاسع من أكتوبر من العام 1994م، وكذلك احتجازها لجثَّة الشَّهيد صلاح جاد الله من غزَّة، الذي استُشْهِد بتاريخ 14 أكتوبر من ذات العام، إثر مشاركته في عمليَّة اختطاف الجندي ناخشون فاكسمان.
وقال الفراونة إنَّ السُّلطات الإسرائيليَّة رفضت تسليم جثمانَيْ الشَّهيدَيْن عباس وجاد الله، وربطت قرار تسليمها بالكشف عن مكان دفن جنديٍّ إسرائيليٍّ يُدعى إيلان سعدون، وأضاف أنَّ المحكمة العليا الإسرائيليَّة في ردها على المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أصدرت بتاريخ 12 فبراير 1995م، قرارًا واضحًا وصريحًا يقضي برفض إعادة جثتَيْ الشَّهيدَيْن إلى حين الكشف عن مكان دفن الجندي إيلان سعدون.
وفي أواخر يوليو من العام 1996م، كُشِفَ النَّقاب عن مكان دفن الجندي سعدون، إلا أنَّ سلطات الاحتلال لم تعد جثمانَيْ الشَّهيدَيْن لذويهم، إلا بعد أنْ انقضت ثلاثة أعوام من الاحتجاز.
300 شهيد!!
وكاشفًا عن المزيد من المعلومات، قال فروانة: "في الوقت الذي تُعتبر فيه سياسة احتجاز الجثامين جريمةً أخلاقيَّةً وإنسانيَّةً ودينيَّةً وانتهاكًا فظًّا للمادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى التي تكفل للموتى إكرامهم ودفنهم حسب تقاليدهم الدِّينيَّة وأنْ تُحتَرَم قبورهم، فإنَّ سلطات الاحتلال لا تزال تحتجز قرابة 300 جثة في مقابر الأرقام، شهداءٌ وشهيداتٌ من جنسيَّاتٍ مختلفةٍ، وتصر على الاستمرار في احتجازهم".
وقال إنَّ إسرائيل بذلك تُعْتَبَر الدَّولة الوحيدة في العالم التي تنتهج هذه السِّياسة صراحةً وعلنيةً، وتُصدِر أحكامًا باعتقال واحتجاز جثامين الموتى لسنواتٍ طوالٍ!
يُشار إلى أنَّ احتجاز جثامين الشُّهداء والشَّهيدات بشكلٍ عامٍ لا يقتصر على مُنفِّذي العمليَّات الاستشهاديَّة، أو ممَّن استُشْهِدوا خلال اشتباكاتٍ مسلَّحةٍ، بل احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضًا جثامين عددٍ من الشُّهداء الذين اغتالتهم وحداتها الخاصَّة، أو ممَّن تُوفُّوا في السُّجون الإسرائيليَّة.
وأكد فروانة بأنَّ المئات من الجثامين التي أُعيدَت خلال صفقاتِ التَّبادُل في السَّنوات الأخيرة كانت مُتحلِّلةٌ، وتلك التي لا تزال في مقابر الأرقام هي الأخرى تحلَّلت، فيما بعض الجثامين التي أُعيدَت بعد أيامٍ أو فتراتٍ قصيرةٍ، كانت عليها آثار تشريحٍ، مثل ندبةٍ من أعلى الرَّقبة وحتى أسفل البطن، ممَّا يؤكد على أنَّ هناك أهدافٌ عدَّةٌ من وراء الاستمرار في سياسة احتجاز الجثامين، مثل سرقة أعضاء هؤلاء الشهداء.
مقابر الأرقام
وذكر فروانة بأنَّه كشف في السَّنوات الأخيرة عن أربع مقابرٍ للشُّهداء، معظمها داخل أراضي عام 1948م، وتحتوي على قبورٍ لا فواصل بينها، ومُثبَّتٌ على كلِّ قبرٍ لوحةٍ معدنيَّةٍ أكلها الصَّدأ، وتحمل رقمًا لكلِّ قبرٍ، وليس فيها ما يدلُّ على هويَّات ساكنيها، ولا يعرف إنْ كانت هذه الأرقام تسلسليَّةٍ وحقيقيَّةٍ أم أنَّها مجرَّد إشاراتٍ ورموزٍ إداريَّةٍ لملفَّاتٍ خاصَّة بساكني تلك القبور، ولهذا أُطْلِقَ عليها "مقابر الأرقام".
وثمَّن الباحث فروانة، كل الجهود الوطنيَّة المُخلِصَة التي تُبذَل بهدف تسليط الضَّوء على هذه القضيَّة، ومن أجل استعادة كافَّة جثامين الشُّهداء والشَّهيدات المحتجزة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، معربًا عن أمله في أنْ تشهد الفترة المقبلة استعادة بعض الجثامين من خلال المفاوضات في حال استئنافها، على غرار ما حصل منتصف فبراير 2005م، حينما تمكَّنت السُّلطة الوطنيَّة الفلسطينيَّة من استعادة جثامين خمسة عشر شهيدًا فلسطينيًّا كانت محتجزةً لدى سطات الاحتلال عبر معبر بيت حانون "إيرز" شمال قطاع غزة.
كما يعقد الفراونة أملاً على صفقة شاليت، على غرار ما حصل في يوليو من العام 2008م الماضي في إطار صفقة التبادل مع حزب الله، مع التشديد على ألا يكون ذلك على حساب الأسرى الأحياء.
ويبقى أنَّه من حقِّ مئات العائلات الفلسطينيَّة أنْ تحيا على الأمل في انتظار ما لم تنتظره عائلاتٌ أخرى في العالم أجمع، عائلاتٌ تنتظر أنْ تستقبل جثامين شهدائها وشهيداتها المحتجزة لدى سلطات الاحتلال منذ سنواتٍ عديدةٍ، لإكرامها ودفنها وفقًا للشَّريعة الإسلاميَّة، وفي مقابرٍ إسلاميَّةٍ مُعدَّةٍ ومُؤهَّلةٍ لذلك...

أقرأ المزيد...

حقيقة أحداث العنف الأخيرة في نيجيريا...


أبوجا- خاص بـ(اتِّجاهات)
مئات القتلى والجرحى سقطوا في هذه الاشتباكات الدامية الغامضة التي شهدتها المناطق الشَّماليَّة من نيجيريا على مدى الأيام الخمسة الأخيرة من شهر يوليو الماضي، وبالإضافة إلى الخسائر البشريَّة، أسفرت هذه الاشتباكات عن خسائر مادية كبيرة نجمت عن أعمال التَّدمير والحرائق التي شملت المتاجر والمباني الحكوميَّة ومراكز الشُّرطة والسُّجون والمنشآت النَّفطيَّة وأماكن العبادة.
وعلى الرغم من إعلان حالة التَّأهُّب الشَّامل من قِبَلِ الرَّئيس النَّيجيريِّ عمر يار أدوا الذي توعَّد باستئصال المسلحين بشكل نهائي، إلا أنَّ المعارك زادت حدَّتها وتوسَّعت رقعتُها؛ حتى حسمتها القوات الحكومية النيجيرية بقتل جميع أفراد تنظيم "بوكو حرام" الذي تورَّطت عناصره في هذه المواجهات مع الحكومة النَّيجيريَّة، وعلى رأسهم زعيمه المدعو محمد يوسف.
وعلى صعوبة انتقال المعلومات والأخبار من هذه البقاع في ظل هذه الظروف الأمنيَّة، وطبيعة المكان ذاته، كان علينا أنْ ننتظر طويلاً حتى نحصل على بعض التَّفاصيل الزَّائدة التي لم تتناقلها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الرَّسميَّة النَّيجيريَّة حول ما حدث.
في البداية قالت مصادرنا في نيجيريا إنَّ التَّقارير تضاربت حول أسباب بدء أعمال العنف، ففي حين يقول البعض إنَّ العنف اندلع عندما حاول مسلحون مهاجمة مركز للشُّرطة في ولاية بوشي شمالي البلاد، فيما ذهبت بعض التَّقارير إلى بأنَّ أعمال العنف اندلعت ردًّا على حملة اعتقالاتٍ واسعة النِّطاق نفَّذتها قوى الأمن في الولاية ضد عناصر "بوكو حرام" والتي تعني في اللهجة المحلِّيَّة هناك "التعليم حرام" في إشارةٍ إلى التَّعليم الغربي.
وبالإضافة إلى تضارُب التَّقارير، يُضاف الغموض المحيط بهويَّة هؤلاء المسلَّحين، فبوجهٍ عامٍ، تُشير التَّقارير إلى أنَّهم ينتمون إلى حركة طالبان نيجيريا أو إلى تنظيم القاعدة أو إلى تنظيم "بوكو حرام" الذي يعني بلغة الهاوسا المحلِّيَّة "التعليم حرام".
لكن التَّحرِّيات حول الموضوع تكشف أنَّ هذه التَّسميات هي من صنع الأهالي، وأنَّها غالبًا ما تُطْلَق على سبيل السُّخرية، وأنَّ المعنيِّين لا يطلقون على أنفسهم اسمًا مُحدَّدًا.
وفي هذا التَّقرير محاولة لتوضيح حقيقة الأحداث الأخيرة، والوضع الرَّاهن في نيجيريا، وتسليط الضَّوء على جذور الأزمة، وتطوراتها، وتداعياتها.
من هو محمد يوسف؟
كان محمد يوسف قائدًا للشِّيعة بولاية برنو النَّيجيريَّة في التِّسعينيَّات من القرن الماضي، ثم ادَّعى تحوُّلَه إلى المذهب السُّنِّيِّ، وبدأ في الوعظ في مساجد أهل السُّنَّة، واتَّسَمَت دعوته بالتَّشدُّد، وأفتى بتحريم العمل في إدارات الحكومة "الكافرة" بحسب وصفه لها، وكذلك أفتى بكفر جميع العاملين في حفظ الأمن، وكذلك البرلمانيِّين، وكبار المسئولين في الحكومة.
ثُمَّ شكَّل جماعةً أطلق عليها اسم "جماعة شباب السُّنَّة" عُرِفَت بالدَّعوة إلى رفض المدارس الأجنبيَّة، وقصدوا بها كل المدارس الحكوميَّة والأهليَّة التي تُدرَّس فيها المُقرَّرات غير الشَّرعيَّة، ومن هنا أُطْلِقَ عليهم اسم جماعة "بوكو حرام،" وبوكو مصطلحٌ معروفٌ كان يُشار به قديمًا إلى مدارس الاستعمار البريطاني في نيجيريا.
وتشبه هذه الجماعة "جماعة التَّكفير والهجرة" المصريَّة من وجوهٍ عديدةٍ، ولكن العجيب أنَّ أعضاءها يزعمون انتسابهم إلى المذهب السُّنِّيِّ، ويستشهدون بأقوال لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية وأئمة أهل السُّنَّة المعاصرين.
انتشار الفتنة
تزايد عدد أتباع محمد يوسف منذ العام 2002م، حتى صاروا يُعدُّون بعشرات الآلاف، يملئون الشَّوارع في أوقات دروسه، ولما قُبِضَ عليه ذات مرَّةٍ، أبدوا انزعاجهم، وأحدثوا اضطراباتٍ حتى أُفْرِجَ عنه بعد مدةٍ قليلةٍ.
وتركَّزت أماكن انتشار دعوته في ولايات الشَّمال الشَّرقيَّة الخمس، وهي: برنو ويوبي وبوثي وجمبي وأدماوا، ولم تُعرَف هذه الدَّعوة في ولاياتٍ أخرى حتى بداية العام الجاري 2009م؛ حيث انتشرت أفكاره في ولايات الشَّمال الغربيِّ، وهي: كانو وجيجاوا وكتسينا وسوكوتو وكبي، واتَّبعه من سُكَّان هذه الولايات عددٌ قليلٌ.
وترك المئات ثم الآلاف من الطُّلاب دراسة الطِّب والهندسة والعلوم، وحتى الدِّراسات الإسلاميَّة، وعادوا يبيعون الحطب ويعملون في غسيل الملابس، بينما عاد بعضهم ليبيع التمور والسِّواك على صينيَّةٍ يحملها فوق رأسه، كما ترك بعض الموظَّفين وظائفهم ومناصبهم، ومنهم مديرون ووزراء، ومن بينهم وزير الشئون الإسلاميَّة في ولاية برنو بعد اقتناعهم بدعوته.
وما كادت دعوة يوسف تنتشر في هذه الولايات، حتى بدأ أتباعه في جمع السِّلاح، وممَّا يُثير الدَّهشة أنواع الأسلحة التي كانوا يحوزونها وكمِّيَّاتها.
وللغرابة أيضًا أنَّه كانت له علاقاتٌ سرِّيَّةٌ مع جمعيَّة المسيحيِّين النَّيجيريِّين (CAN)، عن طريق رجلَيْن سعيا في الإفراج عنه في وقت إلقاء القبض عليه في العام 2002م، وهما: واي دان جوما، وجيري جنا ويتي، ثم اكتشف أنَّ له علاقةٌ مع السَّلفيَّة الجهاديَّة في الجزائر، والمتمردين في تشاد، علمًا بأن ولاية برنو تقع على الحدود مع تشاد.
جهود العلماء
وقد تقدم عددٌ من رموز والعلماء السُّنَّة في نيجيريا لمناظرة محمد يوسف في أفكاره، ومنهم الشَّيْخ عيسى على فنتاني، والشَّيْخ إدريس عبد العزيز، الدُّكتور أبو بكر برنن كدو، وعددٍ من طلاب الجامعة الإسلامية في نيجيريان وقد عُقِدَت معه جلساتٌ كثيرةٌ بإشراف الشَّيْخ جعفر محمود آدم- رحمه الله- والشَّيْخ أول آدم آلباني وغيرهما، وخلال هذه المناظرات أقيمت عليه الحُجَّة وعلى أفكاره.
وقد صدرت مطبوعاتٌ ومحاضراتٌ صوتيَّةٌ كثيرةٌ في الرَّدِّ على مزاعمه، وكتب في الرَّد عليه أحد الشَّباب في منطقة ميدجوري اسمه "أبو مريم"، مقالاتٌ عدَّةٌ في الصُّحف النَّيجيريَّة.
وجملةً، فقد تصدَّى للرَّد عليه كل علماء السُّنَّة تقريبًا، وشملت جهودهم محطَّات الإذاعة والقنوات التِّليفزيونيَّة، وكذلك المساجد وأماكن الدُّروس والمنتديات، حتى عُقِدَت حلقةٌ خاصَّةٌ في الأسابيع الأخيرة بثتها خمس محطَّاتٍ إذاعيَّةٍ في بوثي، وتمَّ فيها الاتِّصال بعلماء أهل السُّنَّة لتوضيح رأيهم حول عقائد هذه الطَّائفة.
وقد تاب عددٌ غير قليلٍ من أتباعه في الأشهر الأخيرة، إلا أنَّ أعداد الذين كانوا يدخلون إلى جماعته كانت تزيد بوتيرةٍ أكبر، بعدما زادت شهرة محمد يوسف، وكان أكثرهم من الغوغاء ومن الذين لم يستطيعوا مواصلة الدِّراسة لظروفٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ.
التَّطوُّرات الأخيرة
وقد استعد أتباع هذه الطَّائفة للقتال منذ أشهرٍ، واكتمل استعدادهم في شهر رجب الماضي [يونيو 2009م]، ثم أصدروا بيانًا صوتيًّا بأنَّهم ينتظرون انقضاء الشَّهر الحرام، ثم خوض مواجهاتٍ مسلحةٍ مع الحكومة النَّيجيريَّة، وذكروا في البيان أنَّهم سيقتلون 30 من علماء أهل السُّنَّة والجماعة، وسيُفجِّرون قنابلَ في مساجدهم وأماكن دروسهم.
ومع بداية شهر شعبان تواترت الأنباء أنَّ أتباع هذه الجماعة يهاجرون من كل الولايات إلى ولاية برنو، وقد فُقِدَ عددٌ من النِّساء والأطفال الذين راحوا في رفقة مُدرِّسيهم إلى مركز "بوكو حرام" في برنو.
وفي يوم السَّبت السادس والعشرين من يوليو الماضي انفجرت قنبلة في يد أحد أتباع هذه الفرقة، فعرف أنَّهم في طور الاستعداد لإعلان القتال، ووقتها نشرت هيئة الإذاعة البريطانيَّة (BBC) وعددٌ من وسائل الإعلام الأخرى تقديرات تشير إلى قرب وقوع المواجهات.
وفي اليوم التَّالي، الأحد السَّابع والعشرين من يوليو، داهمت عناصرٌ منهم بيت "أحد المرتدين"، وهو الاصطلاح الذي يطلقونه على التَّائبين منهم، في بوثي وتدخَّل أفراد الشُّرطة، فقاوموهم مقاومةً عنيفةً، وقاتلوا حتى قُتِلَ منهم ما يزيد على 120 شخصًا، بينما لم يسقط سوى ضابطٍ واحدٍ من الشُّرطة.
وفي اليوم الذي تلا هذه الأحداث، الإثنين 28 يوليو، قاموا بإحراق عددٍ من محطَّات الشُّرطة في ولايات برنو وبوثي ويوبي، وأحرقوا بيوت بعض الضُّبَّاط الكبار، وقُتِلَ منهم ما يزيد على المائة في أماكنٍ مختلفةٍ، وأعلنت الحكومة حظر التَّجوال الَّليليِّ في بوثي.
وفي يوم الثلاثاء 29 يوليو، قطعوا الطريق على سياراتٍ تابعةٍ لجماعةٍ تُعْرَف بجماعة "إزالة البدعة وإقامة السُّنة"، في ولاية كانو، وذلك أثناء عودة بعض أعضائها من إحدى حلقات الوعظ، فأوقفوهم ولم يُعرَف مصيرهم حتى الآن.
وفي اليوم نفسه تمَّ إرسال مئاتٍ من الجنود والضُّبَّاط من الجيش النَّيجيريِّ من الولايات المجاورة إلى برنو، مركز هذه الطَّائفة، مُزوَّدين بالأسلحة الثَّقيلة، وأُعْلِنَ حظر التِّجوال في عاصمة الولاية.
وفي يوم الأربعاء 30 يوليو، قامت قوَّات الأمن النَّيجيريَّة بالتِّجوال في ولاية برنو، وقتل كل رجلٍ ملتحٍ، أو امرأةٍ مُنتَقَبةٍ، ولكنهم لم يتمكنوا من اقتحام مركز هذه الطَّائفة في بداية الأمر؛ بسبب المقاومة الشَّديدة التي أبداها الآلاف من أتباع محمد يوسف الموجودين بداخل المركز.
مقتل الزَّعيم
وفي يوم الخميس 31 يوليو، أعلنت السلطات النيجيرية مقتل زعيم الجماعة محمد يوسف، البالغ من العمر 39 عامًا، بعد ساعاتٍ من إلقاء القبض عليه واحتجازه لدى الشُّرطة، وعرض التِّليفزيون الرَّسميِّ صورًا له، وهو مُسجَّىً، وقد اخترق الرَّصاص جثته، فيما استمرت المواجهات لليوم الخامس على التوالي بين القوَّات الحكوميَّة وأتباعه؛ حيث أسفرت عن مقتل أكثر من 700 شخصٍ منذ بدء القتال.
وقالت وزيرة الإعلام النيجيريَّة دورا أكونيلي، إنَّ مقتل يوسف الذي تسبب في مقتل المئات في حركة التمرد التي قادها "هو مصدر راحة لنا؛ نظرًا للتَّهديد الأمني الذي أثاره"، وأضافت أنَّ التَّخلُّص منه "هو أفضل شيءٍ لنيجيريا".
لماذا تجاهلت الحكومة هذه الجماعة؟
وكانت مصادر في الحكومة قد صرحت قائلة بأنَّ لديها معلوماتٌ قديمةٌ تفيد بأنَّ محمد يوسف يجمع كمياتٍ ضخمةٍ من الأسلحة، وهذه المعلومات تأتي عن طريق مرشدين للحكومة في أوساط أتباعه، وتمَّ اكتشاف ورشةٍ لتصنيع القنابل تابعةٌ لهم في برنو، ومنذ أشهرٍ باع الكثير منهم منازلهم بأثمانٍ زهيدةٍ مشترطين الإقامة فيها بضعة أشهرٍ، ونقلوا هذه الأموال إلى محمد يوسف.
كذلك سبق هذه المواجهات بعامَيْن مواجهاتٌ أخرى بعد مقتل الشَّيْخ جعفر محمود عام 2007م؛ حيث قتلوا الكثيرون من الأبرياء، ولكن الحكومة النَّيجيريَّة لم تتحرَّك أيضًا، فلماذا؟.
تشير تقديراتٌ إلى أنَّ الحكومة النَّيجيريَّة يبدو أنَّها كانت تتوقَّع أنَّ أفراد هذه الطَّائفة سيقومون بالاعتداء على الدُّعاة السَّلفيين، عدوَّ الطرفَيْن الأوَّل، فأرادت الحكومة أنْ تُتابع هذا المشهد، ثُمَّ تتدخَّل بعد قتل عددٍ من كبار علماء السُّنَّة، وربما استغلوا الفرصة بأوقعوا بالبعض، واتهموا محمد يوسف بذلك.
الأمر الثاني هو وقوف دان جوما وجيري جنا مع جماعة "بوكو حرام"، وهما من كبار أعضاء جمعيَّة المسيحيين، ومن المؤثِّرين على قرارات الشُّرطة والحكومة في نيجيريا، ويرى أعضاء هذه الجمعيَّة في أنشطة مثل هذه المجموعات الإرهابيَّة، ما يُثبِّط من عزيمة المسلمين لكي يتخلَّفوا عن الرَّكب، ولا يكون لهم تمثيلٌ في شيءٍ من أماكن صنع القرار أو تنفيذه في البلاد.
وفي النَّهاية، يرى عددٌ من المراقبين أنَّه حتى بعد مقتل محمد يوسف، يظل خطر هذه الجماعة قائمًا؛ إذ أنَّ دموية الاشتباكات، التي أدت إلى مقتل نحو 700 شخصٍ، معظمهم من عناصر الجماعة والمدنيِّين، تُنذر باحتمال اندلاع أعمالٍ ثأريَّةٍ يقودها من بقي من أعضائها، ولو بعد حينٍ!!...

أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح