الكونجرس اليهودي الأمريكي...


ترجمة وإعداد: سامر إسماعيل
الكونجرس اليَهوديُّ الأمريكيُّ أو المؤتمر اليَهوديُّ الأمريكيُّ اسمٌ يُطْلَق على مُنظَّمةٌ تتكوَّن من اليَهود الأمريكيِّين تمَّ تأسيسها وتشكيلها للدِّفاع عن المصالح اليهوديَّة داخل وخارج الولايات المتحدة وفق سياسةٍ عامَّةٍ تشمل الانخراط في المُؤسَّسات الدِّبلوماسيَّة والتَّشريعيَّة والقضائيَّة الأمريكيَّة.
تأسَّست المنظمة في العام 1918م، بعد صدور وعد بلفور الشَّهير في العام 1917م، والذي أعطى الحقَّ لليهود في إقامة وطنٍ قوميٍّ لهم في فلسطين، بعد عامَيْن من الإعداد على إثر اجتماعٍ عقده مندوبون عن مُنظَّماتٍ دينيَّةٍ يهوديَّةٍ، وعددٌ من الشَّخصيات اليَّهوديَّة في الولايات المتحدة.
حيث اختار أكثر من 350 ألفٍ من اليَهود في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مندوبين عنهم لحضور المؤتمر اليَهوديِّ الأمريكيِّ الأول عام 1916م، والذي انبثقت عنه منظمة الكونجرس اليَهوديِّ الأمريكيِّ، ومن بين هؤلاء الذين تم انتخابهم الحاخام ستيفن وايز، وهو الأبُّ الرَّوحيُّ للمُنظَّمة، والقاضي لويس برانديز، والقاضي فيليكس فرانكفورتر، وجولدا ماير ميرسون، والتي عُرِفَتْ بعد ذلك باسم جولدا مائير، أوَّل رئيسة وزراء لإسرائيل، والتقوا جميعًا في مدينة ميلواكي، أشهر وأكبر مدن ولاية ويسكينسون الأمريكية.
وترأَّس المؤتمر التأسيسي للكونجرس اليَهودي الأمريكي الحاخام وايز، الذي أشرف على سَيْر المُناقشات حول أهداف اليهود في الولايات المتحدة بشكلٍ خاصٍّ، وأهداف اليهود في جميع أنحاء العالم، في تحقيق حلم إقامة وطنٍ قوميٍّ لليهود بوجهٍ خاصٍّ.
 وقد وضع المُؤتَمِرون خطَّةً للتَّحرُّك في المرحلة الجديدة، وذلك على جميع الأصعدة السِّياسيَّة والتَّنظيميَّة والماليَّة والإعلامَّية.
و في ذلك المؤتمر أيضًا، قام الحاخام اليهودي الأمريكي ستيفن وايز بوضع المبادئ والأُسُسِ والأهداف التي تسير عليها المُنظَّمة، وأهمها أنَّ اليهود لهم الحقُّ ليس فقط في الأعمال الخيريَّة، ولكن في التَّمتُّع بالعدالة والحقوق الأساسيَّة، مثلهم مثل أيِّ رجلٍ أو امرأةٍ من أيِّ ديانةٍ أخرى، واعتبر وايز أنَّ عمل المنظمة داخل الولايات المتحدة يُعدُّ واجبًا، كما أنَّ عملها خارج الولايات المتحدة يُعدُّ طموحًا.
وبدأت نشاطات المُنظَّمة تبرز بعد ذلك، من خلال العمل على تجميع قوى اليهود في القارة الأمريكيَّة الشَّماليَّة الجديدة، والسَّعي إلى تشكيل لوبي صهيونيٍّ قويٍّ، وهكذا ما لبث أنْ تحوَّل هذا المُؤتمر في فترة الثَّلاثينيَّات إلى القوَّة اليَهوديَّة الأساسيَّة في العمل ضد النَّازية الهِتْلريَّة، ومساعدة الضَّحايا اليهود في أوروبا، ونجح المؤتمر داخل أمريكا في إثارة الرَّأي العام الأمريكيِّ لمصلحة اليهود.
ومن أبرز المشروعات التي تبنَّتها مُنظَّمة الكونجرس اليهوديُّ الأمريكيُّ كما جاء في موقع المُنظَّمة على شبكة الإنترنت ما يلي:
1.    العمل من أجل سلامة وأمن اسرائيل، بما في ذلك تطوير دَور إسرائيل في حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو).
2.    قيادة المعركة ضد الإرهابيِّين الذين يستخدمون البشر كدروعٍ بشريَّةٍ لتحقيق أهدافهم [في إشارةٍ إلى فصائل المقاومة الفلسطينيَّة]، وتقديم تفسيراتٍ لقانون الحرب بالشَّكل الذي يسمح للدِّول حماية أنفسها ضد أيِّ هجومٍ إرهابيٍّ.
3.    العمل من أجل الحُرِّيَّة الدِّينيَّة في الولايات المتحدة، ويشمل ذلك الدَّعوة إلى الفصل بين الكنيسة والدَّولة، وكذلك مُعارضة الجهود التي تبذلها منظمة المُؤتمر الإسلاميِّ لتقييد ما يُسمَّى لدى المسلمين بـ"الإساءة إلى الأديان السماويَّة، وخاصَّة الإسلام"، عن طريق الانضمام إلى "التَّحالف من أجل الدِّفاع عن حُرِّيَّة التَّعبير".
4.    العمل على استقلال الدِّول الحليفة لليهود عن الدِّول التي تتعارض سياساتها مع المصالح اليهوديَّة، في مجال الطَّاقة.
5.    تعزيز دور المرأة في المجتمع، ومن أهم مشروعات المُنظَّمة في هذا الشَّأن، المُؤتمر الدَّوليُّ للمرأة والعدالة، والذي عُقِدَ بالعاصمة الأمريكيَّة واشنطن في ربيع العام 2009م.
كما تُؤكِّد المُنظَّمة على أنَّ الهدف الرَّئيسيَّ من تشكيلها كان تقديم العَوْن والمُشاركة في مؤتمر السَّلام العالميِّ الذي عُقِدَ في فرساي بفرنسا في عام 1919م، عقب الحرب العالميَّة الأولى [1914- 1918م]، ولعبت المُنظَّمة حينها دورًا مُهمًّا في الحفاظ على حياة اليهود وممتلكاتهم في أوروبا، كما كان هذا المُؤتمر مفتاح اليهود لإقامة وطنٍ قوميٍّ لهم في فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور.
ووصفت منظمة الكونجرس اليَهوديِّ الأمريكيِّ نفسها بأنَّها كانت أوَّل من:
1.    أيَّد ودعَّم إنشاء دولةٍ يهوديَّةٍ.
2.    قاطع البضائع النَّازيَّة في العام 1930م، على الرغم من اعتراضات مُعظم الوكالات اليهوديَّة الأخرى.
3.    استخدم المحاكم في العام 1940م للدِّفاع عن حقوق اليهود، في الوقت الذي حذَّر فيه آخرون  من أنَّ أنشطة اليَهود لا ينبغي أنْ تكون صُريحةٌ، ومن أشهر قادة المنظمة الذين نشطوا للدِّفاع عن حقوق اليَهود القاضيان المُؤسِّسان للمُنظَّمة برانديز وفرانكفورتر، وأُطْلِقَ عليهما لقب "المدعي العام للشَّعب اليهودي".
وتقول إنَّ أهدافها أكثر من ذلك بكثيرٍ، وتشمل الدِّفاع عن حقوق ومصالح اليهود في الدَّاخل والخارج، عبر المحاكم والكونجرس الأمريكي والسُّلطة التَّنفيذيَّة وعبر مُؤسَّسات الدَّولة، وكذلك في العواصم الأجنبيَّة؛ حيث إنَّ المُنظَّمة لها مكاتبٌ في جميع أنحاء الولايات المتحدة وخارجها..

أقرأ المزيد...

"جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...


إعداد: سامر إسماعيل
رُبَّما يَعْجَبُ البعض من مصطلح "جمهوريَّات الموز" الذي يتردَّد منذ سنواتٍ على مسامعنا كثيرًا في الإعلام العربيِّ والإسلاميِّ، ولكن القليل هم الَّذين يعرفون حقيقة هذا المصطلح، فما حقيقة هذا المصطلح، وما أسباب ظهوره وسماعه كثيرا في منطقتنا العربية والإسلامية، خصوصًا في السَّنوات القليلة الماضية؟!.
بدايةً، فإنَّ المقصود بـ"جمهوريَّات الموز"، هي مجموعة دول أمريكا الوسطى التي تطل على المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، وتقع بين أمريكا الشَّماليَّة وأمريكا الجنوبيَّة، والتي تشتهر بانتاج الموز وتصديره.
وقد أصبحت تلك الجمهوريَّات تُوصَفُ بهذا الوصف، "جمهوريَّات الموز"، على سبيل الاستهزاء والسُّخرية منها، بسبب خضوعها لأشكالٍ مُتعدِّدةٍ من الاستعمارابتداء بالإسبانيِّ، ثُمَّ البريطانيِّ والفرنسي، وانتهاء بالاستعمار الأمريكيِّ لها.
ولكن الاستعمار الأمريكي لهذه المناطق فريدٌ من نوعه، حيث كانت الولايات المتحدة تحكم أو تتحكم في هذه البلدان خلال عقود الحرب الباردة من خلال شركة "يونايتد فروت" العملاقة، التي لم تكن فقط تدعم اقتصاد تلك الجمهوريَّات من خلال شراء محصولها الرَّئيسيِّ، الموز، منها، بل كانت تتدخَّل في سياسات تلك الدِّول.
حيث كانت هذه الشَّركة تمد الجيوش النِّظاميَّة والمُعارضة بما تحتاجه هذه الجمهوريَّات لإسقاط نظام أي رئيسٍ يقف في وجه السِّياسة الأمريكيَّة، وكان النَّموذج الأبرز لها نيكاراجوا إبان حكم نظام السَّاندنيستا في السَّبعينيَّات الماضية.
وظلَّت هذه الأوضاع قائمةٌ طيلة سني الحرب الباردة، إلى أنْ تخلَّصت هذه الجمهوريَّات الضَّعيفة من التَّسلُّط الأمريكيِّ والغربيِّ، وأصبح لها برلماناتٌ وحكوماتٌ مُنتَخَبَةٌ، يُضرَبُ بها المثل في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ!!
مصطلح "جمهوريَّات الموز" تطوَّر بعد ذلك ليشمل الدِّول التي تتحكَّم في سياستها أهواء الحُكَّام، والتي لا تخضع لدستورٍ حقيقيٍّ يردع رئيس الجمهوريَّة إذا ما حاول الخروج عنه أو السَّير خلف أهوائه ونزواته.
وظهر هذا المصطلح في منطقتنا العربيَّة والإسلاميَّة منذ فترةٍ قصيرةٍ؛ حيث شَهِدَتْ منطقتنا العربيَّة والإسلاميَّة العديد من "التَّطوُّرات" التي وضعتها على قِمَّة "جمهوريَّات الموز"؛ فالمنطقة العربيَّة بيئةٌ خصبةٌ لهذا المصطلح الذي يتنافس عليه حكام المنطقة، وأصبح من الواجب تغيير مصطلح "جمهوريات الموز" ليشمل "ممالك الموز" و"إمارات الموز" و"دول الموز" و"مشيخات الموز"!!
فابتداءً من باكستان شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن سوريا شمالاً إلى السُّودان جنوبًا يمكن أنْ ينطبق عليها مصطلح "جمهوريَّات الموز".
فبغضِّ النَّظر عن ولاء تلك الأنظمة للولايات المتحدة أو الغرب من عدمه، إلا أنَّ تلك الأنظمة سواءً الحالية أو السَّابقة فرضت نفسها على شعوبها، سواء بالانقلابات أو بتزوير الانتخابات أو بتعطيل الدُّستور أو بتغييب المُعارضة ونفيها، وغيرها من أساليب الاحتيال على الحكم، التي برعت فيها الأنظمة العربيَّة.
فمعظم حُكَّام دولنا العربيَّة من "المُعمِّرين" في الحكم من الذين فصَّلوا الدُّستور على أهوائِهم، وأصبحوا يعملون وفق التَّوجُّه الغربي، من دون أنْ يطلب منهم أحدٌ ذلك (!!)، بل نجد أنَّ أغلب حُكَّام منطقة الشَّرق الأوسط يعملون على توريث أبنائهم للحكم!!
ولكن هل سيستمر الوضع كما رسم قادة "جمهوريَّات الموز" المعاصرين؟!.. بالطبع لا؛ فكما تخلَّصت "جمهوريَّات الموز" الأولى من الهيمنة الاستعماريَّة وتسلُّط الحُكَّام، فمن المؤكد أنَّ المنطقة العربيَّة ستتخلَّص من "أنظمة الموز" الحديثة!!..

أقرأ المزيد...

مفهوم الأمن القومي بين الثَّابت والمُتغيِّر!!..


إعداد: أحمد التَّلاوي
مُنْذُ ظهور الدولة القوميَّة على شكلها الحالي بعد اتفاقيَّة (ويست فاليا) الموقَّعة في العام 1648م والتي أنهت مئات الأعوام من الحروب الدينيَّة والمذهبيَّة في أوروبا وتُعتَبر قضيَّة "الأمن القومي" هي الأهم بالنسبة لأيَّة حكومة أو سلطة سياسيَّة حاكمة في أيِّ إقليمٍ مُستقلٍّ وله سيادة على شعبه وأرضه، مع كون الدَّولة القوميَّة ووجودها على قيد الحياة وتفعيل سيادتها على حدودها الجغرافيَّة المعتمدة والمعترف بها- بما فيها من امتدادات في الجو والبر والبحر إنْ وُجدت للدولة حدودٌ بحريَّة- نظرًا لأن ذلك هو الضَّمانة الوحيدة للحفاظ على الأمن والسِّلم الدوليَّيْن، مع اعتماد الدَّولة القوميَّة معيارًا أساسيًّا لحركة السِّياسة العالميَّة.
وعلى أهميَّة هذه المسألة في صدد تسيير حركة السِّياسة العالميَّة وفي حالة الاستعمار الغربي المباشر لعدد كبير من بلدان القارات التي كانت الأقل تطورًا في السلم الحضاري كما في أفريقيا وآسيا وطيلة خمسة قرون كاملة (من القرن الخامس عشر منذ بدء حركة الكشوف الجغرافيَّة في أواخره وحتى القرن العشرين بأكمله) حرص المستعمر الأوروبيِّ على معرفة الحدود الجغرافيَّة أو شبه الطبيعيَّة للكيانات التي كان يحتلها، والسَّعي، إما إلى الإبقاء عليها أو تعديلها على النَّحو الذي يدعم مصالحه.
ولعل الحالة الأبرز في الاتِّجاه الأوَّل هي النَّموذج الكويتيُّ؛ حيث إنَّ الحرص على حدود دولة الكويت ووجودها- أو الأمن القومي لها كما في التَّعريف الأوَّليِّ له- هي إحدى مُسلَّمات السِّياسة الغربيَّة في المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة لأسبابٍ معروفةٍ، ليس هذا مجال تناولها، أمَّا الحالة الثَّانية التي رَسَمَ فيها الاستعمار- وبوضوح- حدودًا مغايرةً للواقع السياسي والبشري على الأرض ومتطلباته هي اتفاقيَّة "سايكس- بيكو" التي وُقِّعت في العام 1920م ورُسِم بمقتضاها مصير شعوب الجناح الشَّرقيِّ كله للعالم العربي في العراق والهلال الخصيب.
تعريفاتٌ عدَّةٌ
بوجهٍ عام يُقصد بالأمن القومي كتعريف أَوًّليٍّ أو كلاسيكي تلك الأمور والقضايا المُتعلِّقة بحماية الدَّولة وبقائها وضمانة أمن حدودها المحيطة، وكذلك الفضاء التَّابع لها جوًّا وبحرًا لو كانت هذه الدَّولة تمتلك شواطئ على البحار المفتوحة، ويُدخل بعض علماء الإستراتيجيَّة الدَّوليَّة- مثل ليدل هارت- قضيَّة الحفاظ على المصالح الحيويَّة للدولة حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل منابع نهر النِّيل بالنسبة لمصر، وتأمين مصادر المياه للدَّولة.
وهذا التَّعريف تتفق معه دائرة المعارف البريطانيَّة التي قالت إنَّ الأمن القومي هو "حمايَّة الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبيَّة" أو كما قال وزير الخارجيَّة الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إن مفهوم "الأمن" يعني "أيّ تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء".
وهذا التَّعريف- كما يقول الدكتور‏ بهجت قرني (أستاذ العلاقات الدوليَّة والاقتصاد السياسي بجامعة مونتريال‏ الكنديَّة‏ والجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة)- يقصُر تهديدات الأمن القوميِّ على المناحي العسكريَّة البحتة والمصدر الخارجي‏ فقط، وبالتالي يقصر وسائل الدفاع عن الأمن القوميِّ على الأداة العسكريَّة فقط والتَّسليح.
إلا أنَّ هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وساهمت أحداث 11 سبتمبر في المزيد من التطوير لهذا المصطلح ومكوناته، مع تراجع التهديدات العسكريَّة للأمن القومي إلى مراتب أدنى لصالح تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصِّراعات العرقيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة التي أدَّت في الكثير من الأحوال إلى تفتُّت دولٍ بأسرها واختفائها وظهور دول أخرى محلها.
كما أنَّ التَّدخُّلات الدَّوليَّة أو الخارجيَّة في الشُّئون الداخليَّة للدَّول لم تعُد تقتصر على التَّهديد المُسلَّح، بل بات تهديد المصالح الاقتصاديَّة والسياسيَّة الإقليميَّة والدَّوليَّة على قدرِ درجة قُوَّة وانتشار نفوذ الدَّولة وبالتالي توسع مصالحها وممكنات تهديداتها؛ ولذلك فإن اللواء الدكتور زكريا حسين- أستاذ الدراسات الإستراتيجيَّة والمدير الأسبق لأكاديميَّة ناصر العسكريَّة المصريَّة- وضع تعريفًا للأمن القوميِّ للدَّولة يتضمَّن الآتي: "القُدْرَة التي تتمكَّن بها الدَّولة من تأمين انطلاق مصادر قوَّتها الدَّاخليَّة والخارجيَّة.. الاقتصاديَّة والعسكريَّة.. في شتَّى المجالات، في مواجهة المصادر التي تتهدَّدها في الدَّاخل والخارج، وفي السِّلم والحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطًا للأهداف المُخطَّطة".
وطبقًا لهذا التَّعريف فإنَّ هُناك مجموعةً من الاشتراطات المُهمَّة بالنسبة لقضيَّة الأمن القوميِّ تقوم على أساس مبدأَيْ الإدراك والتَّنمية؛ حيث الإدراك هو معرفة طبيعة مُمْكنات الخطر الدَّاخليِّ والخارجيِّ، ثُمَّ رسم سياسةٍ شاملةٍ أو إستراتيجيَّةٍ مُحدَّدةٍ لتنمية قوى الدَّولة لمواجهة هذه التَّهديدات الخارجيَّة والدَّاخليَّة وفق سيناريوهاتٍ مُحدَّدةٍ، مثل القوَّات المسلَّحة، والاقتصاد القوميِّ الشَّامل، وتأمين كافة مُرتكزات الشَّأن المعنويِّ لدى المواطنين.
وعلى ذلك فإنَّ قضيَّة الأمن القومي قضيَّة متنوعةٌ في أبعادها، فهناك المناحي الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وكذلك السياسيَّة والعسكريَّة.. وغيرها، وتهتم بهذه الأمور مجموعةٌ من الأجهزة الأمنيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة المختصة.
تنويعاتٌ على التَّعريف
من واقع مُستجدَّات الحال في السَّاحة السِّياسيَّة الدَّوليَّة والصُّعوبات التي وُضِعَت في طريق استخدام الأدوات العسكريَّة في العمل السِّياسيِّ الدَّوليِّ- باعتبار أنَّ الحرب هي السِّياسة بوسائلٍ أخرى- باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنَّ الصِّراعات الإقليميَّة والدَّوليَّة أصبحت تُثار وتُدار بطرقٍ ووسائلٍ أخرى، فهناك تهديدٌ المصالح التِّجاريَّة والمائيَّة، وهناك محاولات التَّخريب وإثارة النَّعرات الطَّائفيَّة أو التَّجسُّس.. إلخ.
كذلك هناك مجموعةٌ من مُهدِّدات الأمن القوميِّ التي باتت تحتلًّ أهميَّةً كُبرى في موازين ومُخطَّطات الدِّول الكُبرى ذات الإستراتيجيَّات بعيدة المدى، وهي تلك المُتعلِّقة بالكوارث الطَّبيعيَّة، والتي باتت في هذه الأيام ذات تأثيراتٍ ضخمةٍ للغاية على الأمن القومي للدِّول والكيانات السِّياسيَّة، بمعناه الواسع، فكارثة التسونامي- التي وقعت في أواخر ديسمبر من العام 2004م- أدَّت إلى اختفاء جزر مِن على الخارطة، وتغيير خُطَطَ التَّنمية لدى الدِّول المنكوبة، كما أنَّ إعصار كاترينا في الولايات المتحدة أدَّى إلى أزمةٍ سياسيَّةٍ لإدارة الرَّئيس الأمريكيِّ جورج بوش الابن.
بل إنَّ التَّخطيط الإستراتيجيِّ لمدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكيَّة يُعتبر نتاجًا لتنبُّؤات علماء الجيولوجيا الذين درسوا جيِّدًا صدع سان أندرياس الكبير في غرب الولايات المتحدة بعد سلسلةِ الزلازل الضخمة التي ضربت هذه المنطقة طوال عقود القرن العشرين؛ حيث توقَّعوا زلزالاً قوتُه تزيد على ثمانية درجات ونصف الدَّرجة بمقياس ريختر في السَّنوات القادمة، فتمَّ تعديل تصميم المدينة، ووضع أكواد البناء فيها طبقًا لمعايير السَّلامة في مثل هذه الحالات.
وفيما يتعلق بالشأن المصري فإننا نجد أن أجندة الأمن القومي قد شهدت الكثير من التنويعات على هذا المستوى، فمِنَ التَّحدي العسكريِّ الإسرائيليِّ الذي انتهى بورقة كامب ديفيد، فإنَّ هُناك الآن مجموعةً من الأُطُر المُتعلِّقة بالأمن القوميِّ وفق عدد من المؤشرات تُعتبر غائبةً- رُبَّما- عن وعي وتخطيط الحكومة المصريَّة في كثيرٍ من الأحوال.
فهناك مشكلة جفاف منابع النيل في إثيوبيا وبناء سد مروي في منطقة الحماداب بشمال السُّودان، والذي انتهى البناء في في العام 2008م، وهو واحدٌ من أضخم مشاريع المياه في القارة الأفريقيَّة وتبلغ تكلفته الماليَّة نحو مليارَي دولار وطوله تسعة كيلو مترات وارتفاعه 67 مترًا، وسيُقام عند الشلال الرَّابع في نهر النيل الرئيسي على بُعد 350 كيلو مترًا شمال العاصمة السُّودانيَّة الخرطوم.
وهناك كارثة زحف مياه البحر المتوسط على سواحل الدِّلتا الشماليَّة، والتي تُهدد بفعل ضعف ضخِّ مياه النيل باستيلاء مياه البحر على ثلث أراضي الدلتا، أي ثلث احتياطي مصر الإستراتيجي من أجود الأراضي الزِّراعيَّة.

أقرأ المزيد...

الدِّبلوماسيَّة


إعداد: سامر إسماعيل
الدِّبلوماسيَّة هي فنُّ تمثيل الحكومة ومصالح البلاد لدى الحكومات والبلدان الأجنبيَّة، كما تعني الدِّبلوماسيَّة العمل على ألا تُنْتَهك حقوق ومصالح وهيبة الوطن في الخارج، ويقصد بالدِّبلوماسيَّة كذلك إدارة الشُّئون الدَّوليَّة وتولِّي ومُتابعة المُفاوضات السِّياسيَّة.
ويقول العالم الفرنسي براديه فوديريه إنَّ الدِّبلوماسيَّة علمٌ يجب تعلُّمُ قواعده، وهي- أيضًا- فنٌّ يتعيَّن الوقوف على أسراره.
ولفظة الدِّبلوماسيَّة مشتقة من الكلمة اليونانيَّة "دبلوما"، وتعني الوثيقة أو الشَّهادة الرَّسميَّة المطويَّة التي تصدر عن الشَّخص الذي بيده السُّلطة العليا بالبلاد، وتُعطي حاملها امتيازاتٍ خاصَّةً، وتتضمَّن هذه "الدِّبلوما" صفة المبعوث، وكذلك المُهمَّة المُكلَّف بها.
وكان يقصد بكلمة "دبلوما" في ظل الامبراطوريَّة الرُّومانيَّة- أيضًا- الوثائق الرَّسميَّة الخاصَّة بالاتفاقيَّات التي أبرمتها الامبراطوريَّة الرُّومانيَّة مع المجتمعات والدِّول الأجنبيَّة الأخرى.
ولكن كلمة "دبلوما" تعني بالُّلغة الَّلاتينيَّة الرَّجل المنافق ذو الوجهَيْن، وهو ما جعل من مهنة الدِّبلوماسيَّة في البداية غير مرغوب فيها؛ حيث كان السَّفير أو القنصل يمارس مهام غير أخلاقيَّةٍ مثل السَّرقة والجاسوسيَّة وغير ذلك، لتسهيل عمله، وكان المبعوثين في البداية من أسافل القوم، لكي يتمكنوا من أداء مهامهم.
ولكن نستطيع القول بأنَّ الدِّبلوماسيَّة نشأت منذ أقدم العصور كوسيلةٍ للاتِّصال والتَّفاهُم بين الجماعات البشريَّة المتجاورة، فمنذ أنْ قامت المُجتمعات الإنسانيَّة الأولى، وتداخلت مصالحها، شعرت كلٌّ منها بحاجتها إلى نمطٍ من الأساليب الدِّبلوماسيَّة كسلوكٍ اجتماعيٍّ تفرضه الحاجة إلى التَّفاهُم وتبادُل المنافع وتحقيق السَّلام.
وقد ظهرت عبر العصور نوعياتٌ مختلفةٌ من العلاقات دبلوماسيَّةٌ اختلفت في أشكالها، إلا أنَّها تشابهت من حيث أغراضها ووسائلها والنَّتائج التي ترتَّبت عليها.
وفيما يخص الدِّبلوماسيَّة العربيَّة فقد أكدت الحفريَّات الأثريَّة القديمة، والتي أُجريت في الشَّرق الأوسط والجزيرة العربيَّة، أنَّ المنطقة عرفت تطوُّرًا حقيقيًّا للدِّبلوماسيَّة، فقد اكتشف الأثريُّون نظامًا مُتقدِّمًا للعلاقات الدِّبلوماسيَّة منذ الألف الثَّالثة قبل الميلاد.
وكان عمر بن الخطَّاب- رضي الله عنه- هو أبرز سفراء العرب قبل الإسلام، ومع مجيء الإسلام ازداد اعتماد الدَّولة الإسلاميَّة على الدِّبلوماسيَّة في نشر الدِّين الإسلاميِّ، ونسج علاقاتٍ تجاريَّةٍ وسياسيَّةٍ مع الدِّول الأخرى، ولذلك فإنَّ الدَّولة الإسلاميَّة امتازت بتفوُّقها الدِّبلوماسيِّ وحمايتها للرُّسل والمُبتعثين، ومنحهم الامتيازات الدِّبلوماسيَّة كالحصانة مثلاً.
وكان مصعب بن عمير- رضي الله عنه- أحد أبرز المبعوثين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يذهب إلى اليمن وأطراف شبه الجزيرة العربيَّة الأخرى للدَّعوة إلى رسالة الإسلام، وتعليم النَّاس عقيدتهم.
والمُلاحَظ في التَّعريف بالدِّبلوماسيَّة عمومًا أنَّها علاقاتٌ سلميَّةٌ رسميَّةٌ بين الدِّول تتضمَّن عناصرًا ومقوماتٍ ومهامًّا أساسيَّةً، منها المُراسلات والمُفاوضات وعقد الاتِّفاقيَّات والمعاهدات، ومن وسائل الدِّبلوماسيَّة الضَّغط والتَّهديد وتكوين الأحلاف والمحاورة السِّياسيَّة، والاستعانة بوسائل التَّخابُر السِّرِّيَّة.
وهناك تعريف للدِّبلوماسيَّة أطلقه معاويَّة بن أبي سُفيان رضي الله عنه بقوله لو أنَّ بيني وبين النَّاس شعرةٌ ما انقطعت.. إذا أرخوها شَدَدتُها، وإذا شدُّوها أرخيتها.
أما الدِّبلوماسي، وهو الشَّخص المُدْرَج اسمه في القائمة الدِّبلوماسيَّة الصَّادرة عن الوزارات والجهات المعنيَّة بالشُّئون الخارجيَّة في الدَّولة التي أرسلته، فقد نصَّت اتفاقيَّة فيِّينا للعام 1961م، في مادتها الأولى على ما يلي بالنِّسبة لهم:
-    أولاً الأعضاء الدِّبلوماسيِّين هم أعضاء البعثة الَّذين لهم الصِّفة الدِّبلوماسيَّة، ويمكن إطلاق صفة المبعوث الدِّبلوماسيِّ على رئيس البعثة وأعضائها الدِّبلوماسيِّين.
-    تضم القائمة الدِّبلوماسيَّة التي تصدر عن الدَّولة المعتمد لديها الأشخاص الذين يقومون بالمهام التَّالية: رئيس البعثة (السَّفير أو الوزير أو القائم بالأعمال)، المُستشارون، وأعضاء السِّكرتارية، والملحقون الدِّبلوماسيُّون العاديُّون، بالإضافة لأشخاصٍ ليسو بدبلوماسيِّين أصلاً، ولكن تُمْنَح لهم هذه الصِّفة لحمايتهم وتسهيل مهمتهم، وهم من يُطْلَقُ عليهم المُلحقون الفنِّيُّون، مثل: الملحق العسكري، الملحق الثَّقافي، الملحق العُمَّالي، الملحق التِّجاري، الملحق الزِّراعي، الملحق الإعلاميِّ.

أقرأ المزيد...

البراجماتيَّة


إعداد: سامر إسماعيل
نشأ مصطلح "البراجماتيَّة" في الولايات المتحدة الأمريكيَّة في أواخر القرن التَّاسع عشر؛ حيث ظهرت هذه الَّلفظة للمرَّة الأولى في مقالٍ لتشارلز بيرس عام 1878م، وهي عبارة عن مذهبٍ أو مُعتَقَدٍ  فلسفيٍّ يتميَّز بالتَّركيز على مبادئ النَّفعية والعمليَّة، ويعتبرها المُكوِّنات الحيويَّة للحقيقة في فكر الفلاسفة.
اشتقت كلمة "البراجماتيَّة" من الَّلفظ اليوناني "براجما"، وتعني "العمل"، ويُعرّفها قاموس "ويبستر" الشامل على أنَّها تيَّارٌ فلسفيٌّ أنشأه تشارلز بيرس ووليام جيمس، يدعو إلى "حقيقة" أنَّ كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتَّجرُبة العمليَّة.
ويمكن اختصار تعريف البراجماتيَّة فيما يلي: "البراجماتيَّة فكرٌ ينظر إلى الواقع على أنَّه المصدر الذي يُقرِّر ما هو حقٌّ، بمعنى أنَّ الفكر يتشكَّل بحسب معطيات الواقع، من دون محاولةٍ تغيير الواقع ليتلاءم مع أصل الفكر (أيًّا كان هذا الفكر سواءً أكان دينيًّا أو غير دينيٍّ)".
ولكن علينا أنْ نُميِّز بين عددٍ من مدارس البراجماتيَّة التي جعلت مفهومها القديم يختلف من مدرسةٍ لأخرى، فمثلاً المدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة تنظر للحقيقة على أنَّها مُتطوِّرةٌ مُتشكلةٌ بحسب الواقع، فما تراه اليوم صحيحًا قد يكون خطأً غدًا، وبهذا فالحقيقة ليست قيمةً مستقلَّةً، وإنَّما منهجٌ للتَّفكير.
أما مدرسة البراجماتيَّة الحديثة فتختلف كثيرًا عن المدرسة الأولى، وهي مدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة، فهي تنقض كثيرًا ممَّا جاء به الفلاسفة البراجماتيُّون الأوائل في محاولةٍ لعمل تزاوجٍ بين البراجماتيَّة النَّظريَّة والحياة العمليَّة بمحاولة مزج البراجماتيَّة بأصول الأديان، وبوجود قيمٍ مطلقةٍ ربَّانيَّةٍ، وذلك لأنَّ المدرسة البراجماتيَّة الحديثة ترى أنَّ الحقيقة قيمةٌ مُطلَقَةٌ لا تتغيَّر، وإنَّما تصوُّرنا العقليِّ للحقيقة هو القابل للتَّغيُّر.
فما يراه البعض صحيحًا من منظورٍ يراه الآخرون خطأً من منظورٍ آخرٍ، ولذلك علينا إعادة صياغة للمفاهيم بحسب تصوُّراتنا وفق ما يقول به الفلاسفة البراجماتيُّون المُحدَثون.
وبوجهٍ عامٍ، فالمدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة والبراجماتيَّة الحديثة، تنظر للدِّين على أنَّه إحدى الطُّرق المؤدية لنفع البشر، فالدين إذًا عندهم أيديولوجيَّةٌ غير معصومةٍ يجري عليها الخطأ، كأيِّ أيديولوجيَّةٍ وضعيَّةٍ، وإنْ كانت المدرسة الحديثة أقرب للدِّيانات، وأقرب للفطرة السَّويَّة بالتَّالي، من المدرسة الكلاسكيَّة.
البراجماتيَّة التَّطبيقيَّة
وهناك نوعٌ ثالثٌ من البراجماتيَّة، وهي البراجماتيَّة التَّطبيقيَّة، التي تضع قيودًا كُلِّيَّةً ثابتةً لا تتغيَّر على الفكر، وهذه القيود الكُلِّيَّة تختلف بين كلِّ فئةٍ من النَّاس، وهذه القيم هي- من وجهة نظرِ كلِّ فريقٍ- قيودٌ لابد من تحقيقها لمنفعة النَّاس، بينما التَّخلِّي عنها قد يَنْتُج عنه نفعٌ قريبٌ، إلا أنَّه سيؤدي حتمًا إلى ضررٍ على المدى البعيد، وبالتَّالي، فالتَّخلي عن هذه القيم يُضاد حتى البراجماتيَّة النَّظريَّة.
وتضع البراجماتية التَّطبيقيَّة القيم والاعتقادات المسبقة على مائدة البحث، فما فشل منها في تحقيق المنفعة، فهي قيمٌ فاسدةٌ، وما حقَّق منفعةً لأشخاصٍ في واقعٍ مُعيَّنٍ دون آخرٍ، فهي قيمٌ نسبيَّةٌ، وما حقَّق المنفعة للأشخاص في كلِّ العصور، فهي قيمٌ مُطلَقةٌ وحقائقٌ ثابتةٌ.
ومن هنا يتضح أنَّ الفلسفة البراجماتيَّة الكلاسكيَّة، هي منهجيَّةٌ تسعى لتحقيق منفعةً بعيدة المدى، لأكثر عددٍ من البشر، مع عدم اعترافها بحقائقٍ أو قيمٍ مطلقةٍ.
أمَّا البراجماتية الحديثة فهي تحاول تحقيق منفعةٍ بعيدة المدى، لأكثر عدد من البشر، مع اعترافها بحقائقٍ وقيمٍ مطلقةٍ.
والبراجماتيَّة التَّطبيقيَّة تتردَّد بين هذا وذاك، فهي تتَّفق على وجوب التَّجرُبة العمليَّة لتقييم الفكر، لكنَّها تارةً تضع قيودًا، وتارةً لا تضع، وتارةً تقصُر النَّفع على أشخاصٍ بعينهم، أو حتى على شخصٍ واحدٍ، وتارةً على البشريَّة، وهكذا.
من هنا نستنتج أنَّ البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة الأولى، التي ظهرت في الولايات المتحدة تتناقض مع الإسلام بشكلٍ عامٍ، لأنَّها تقوم على مبدأ "الغاية تُبرِّر الوسيلة"، بينما يحترم الإسلام الحدود والقواعد الموضوعة لتنظيم حياة البشر فيما بينهم، مع وضع حدودٍ ضيِّقةٍ لتجاوز هذه القواعد، وفق مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات" الذي يختلف كليَّةً عن "الغاية تُبرِّر الوسيلة".

أقرأ المزيد...

الحضارة: كنتم خير أمة...


إعداد: وحدة الدِّراسات والبحوث

في ظل عظيم التطورات التي يشهدها عالمنا المعاصر في مختلف المجالات، وفي ظل عميق التحولات الراهنة في مجالات المعرفة المختلفة فيما اصطُلح على تسميته بـ"عصر ثورة المعلومات والاتصالات" باتت المعرفة قوةً لا يستهان بها، مع تحولها إلى شعار المرحلة الراهنة التي نعيشها، ورمزًا للثورة الصناعيَّة الثالثة، وبعد الاستخدام المكثَّف للعمل ثم الآلة أصبح الآن الاستخدام المكثف للمعلومات هو الشعار السائد بين وداخل الأمم المتقدمة والمتحضرة


وعندما نتحدث عن "الحضارة" ذاتها كمصطلح وكفكرة تتداعى إلى الذهن الكثير من المعاني والدلالات التي تتداخل مع بعضها البعض وتؤدي أيضًا إلى أن تتداخل "الحضارة"، على الأقل على مستوى المصطلح مع الكثير من المصطلحات والمعاني الأخرى المرتبطة بالنشاط البشري عبر التاريخ، مثل الثقافة والمجتمع والمعرفة لعدد من الأسباب، على رأسها أن مصطلح الحضارة ذاته هو مصطلح مرتبط بالبشر وحركتهم عبر الوقت والمكان، وأيًّا ما كان المصطلح أو المفهوم المرتبط بالإنسان كفرد أو كإنسانيَّة أشمل وأعم منه فإن النسبيَّة والتباين يلعبان دورَهما في هذا الشأن.
كذلك تتداخل مكونات مفهوم الحضارة مع بعض مكونات مفاهيم أخرى، فالتراكميَّة والتاريخ كمكونَين مهمَّين من مكونات الحضارة الإنسانيَّة يتداخلان بشدة مع مصطلح الثقافة الذي يعتبر الأكثر ارتباطًا بقضيَّة المعرفة والحضارة عبر التاريخ الإنساني.
الحضارة والمصطلح:
يعرِّف الدكتور حسين مؤنس الحضارة على أنها: "هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواءٌ أكان المجهود المبذول للوصول إلى هذه الثمرة مقصودًا أم غير مقصود، وسواءٌ أكانت هذه الثمرة ماديَّة أم معنويَّة".
أما الأستاذ سلطان عثمان فيعرِّف الحضارة على أنها: "مجموع الأفكار والرؤى التي توجِّه الإنسان، تضاف إليها القيم السائدة، وأساليب وطرق التفكير لدى الإنسان، وهي سمةُ المجتمع، بما يحتويه من أفكار ومبادئ وعادات وتراثيات وطبيعة الحياة من الجهة النظريَّة والفكريَّة والعمليَّة للدولة والمجتمع".
أما المؤرخ والباحث الإنجليزي الأشهر أرنولد توينبي فقد رأى مبدئيًّا أن مفهوم الحضارة بمعناها المتخصص مقتصرٌ على "وجهة نظر الإنسان عن الحياة"، أما بوجه عام فالحضارة "هي مجموع الأفكار والرؤى والقيم السائدة التي توجِّه الإنسان، والتي تترك بصماتها وتلقي بظلالها على المنظومة الذهنيَّة وأساليب وطرق التفكير لدى الإنسان وعلى الدولة والمجتمع، وهي سمة المجتمع بما يحتويه من أفكار ومبادئ وعادات وتراثيات وطبيعة الحياة من الجهة النظريَّة والفكريَّة والعمليَّة.. إلخ، فالحضارة هي عنوان كل أمة، ومقياس كل فرد وكل دولة.
فالحضارة هي ما يحتويه الإنسان من ثقافة"، وترتبط الحضارة على هذا النحو- ولا سيما من جهة التعريف الذي وضعه الدكتور مؤنس- بعدد من المحددات، وهي:
1- التراكميَّة؛ حيث إن الحضارة هي ثمرة أي نتاج أكبر لجهود متعددة يتوصل عن طريقها الإنسان إلى عدد من المنجزات.
2- وعلى ذلك فالحضارة ترتبط بالزمن؛ لأن تحقيق هذه المنجزات- وبالتالي الوصول إلى المنتج الحضاري المميز- بحاجة إلى أزمنة طويلة لكي يتحقق ويكون فارقًا في تأثيره على المجتمع المحلي الذي أنجز هذه الثمرة أو على المجتمعات المجاورة والإنسانيَّة بأسرها.
3- السمة الثالثة المرتبطة بالحضارة هي التمايز، أي أن الحضارات الإنسانيَّة تتمايز فيما بينها في نوعيَّة المنجز الذي تُحققه بحسب عدد من العوامل، من بينها طبيعة البيئة الجغرافيَّة والمناخيَّة والجنس البشري الذي طوَّر هذا المنجز الحضاري، ونوعيَّة الانتماء الديني أو العقيدي القائم في المجتمع، كذلك تتمايز بحسب الحقبة التاريخيَّة التي ظهرت فيها هذه الحضارة وموضعها في سلَّم التطور الإنساني، وعلى ذلك تختلف الحضارات الإنسانيَّة التي ظهرت في كنف الأنهار في مصر والعراق عن تلك التي ظهرت في أصقاع أوروبا، كذلك تتمايز الحضارات الإنسانيَّة التي ظهرت على أيدي العرب عن تلك التي أقامها الساكسون والأنجلو- ساكسون أو الأجناس الصفراء في آسيا.
4- أيضًا تتمايز الحضارات التي ظهرت في التاريخ الإنساني السحيق عن تلك التي ظهرت في عصر ما بعد الثورة الصناعيَّة؛ حيث تمايزت الأولى- على سبيل المثال- بالمنتج الفكري والتشريعي والفني والمعماري، أما الثانيَّة فكان منتجها الحضاري ممثلاً بالأساس في أدوات التقنيَّة والمخترعات العلميَّة الحديثة.
الحضارة والمكوِّن الحضاري:
بخلاف المحددات سالفة الذكر فإن هناك عددًا من الأُطُر التي يرتبط بها المكوِّن الحضاري لأيَّة أمة، التي عبَّرنا عنها في المحددات سالفة الذكر باسم "الجنس البشري"، وهذه الأُطُر التي تشكل السمت المميز لأيَّة حضارة إنسانيَّة عن غيرها، ومن أهم هذه الأطر:
1- الثقافة:
تُعرف الثقافة اصطلاحًا على أنها المعرفة التي تؤخذ عن طريق الإخبار والتلقي والاستنباط، كالتاريخ واللغة والأدب والفلسفة والفنون من وجهة نظر خاصة عن الحياة؛ وطبقًا للباحث العربي الأستاذ سلطان عثمان فالثقافة لغةً هي الحذق والفهم.. أما بمعناها العام فهي مجرد المعرفة النظريَّة، فالثقافة هي الكل المركَّب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات، وعلى ذلك فهي شديدة الارتباط والتداخل مع مصطلح الحضارة ذاته وأحد أهم مكوناته؛ حيث إنها طبقًا لهذا الكلام فعلٌ تراكميٌّ يرتبط بالتاريخ وله جانبٌ معرفيٌّ، وإن كانت قضيَّة المعرفة هنا أكثر التصاقًا بالثقافة عن قضيَّة الحضارة.. كلاهما- أي الثقافة والمعرفة- مكونان أصيلان من مكونات الحضارة الإنسانيَّة أيًّا كان مصدرها.
2- العقل:
يُعتبر العقل أحد أهم مكونات الفعل الحضاري للإنسان، ويَعتبر الدكتور حسين مؤنس أن الخطوة الأولى للبشريَّة على طريق الحضارة الإنسانيَّة هي نجاح المخ البشري في خلق العقل الذي كان الطريق الملكي للإنسان لكي يبتكر ويبدع ويراكم خبراته وتجاربه لتنشأ الثقافيات والحضارات، والعقل مرتبط بقدرة الإنسان على إدراك الأشياء وفهمها والربط بين الظواهر وبعضها البعض، سواءٌ أكانت ظواهرَ طبيعيَّة أم إنسانيَّة، وهو تعريف إجرائيٌّ مبسَّط ينطلق من التعريف اللغوي لكلمة (العقل) ذاتها وهو "القبض والسيطرة على الأشياء" وكذلك "عقل الشيء عقلاً: أي فهمه وأدركه" طبقًا لتعريفات معاجم عربيَّة موثوقة مثل القاموس المحيط ولسان العرب وغيرها.
3- التقدم:
نتيجة للطابع التراكمي للفعل الحضاري، فإنه مرتبط بالتقدم أو التطور، بمعنى أن السياق الطبيعي لأيَّة حضارة إنسانيَّة يعتمد على درجة تقدمها في المجالات الحضاريَّة المختلفة، مثل التشريع والعلم والفن والعمارة.. إلخ.

4- الدين:
لا يمكن وصف الإنسان بأنه متحضِّر إلا لو كان عاقلاً ويحمل في ذهنيته ميراثًا معرفيًّا وثقافيًّا طوَّره عمن سبقوه، فأخذ عنهم وأضاف إلى حضارته إبداعًا جديدًا، وفي هذا الصدد لا يمكن لعقل على قدر- أي قدر- من التطور ألا يصل إلى فكرة الإله الأوحد الذي خلق الأشياء ومن بينها الإنسان والأرض والكون.. إلخ؛ ولذلك ولدت فكرة الإله ثم التوحيد- أيًّا كان شكله- في كافة الحضارات الإنسانيَّة؛ ولذلك كان من السهل جدًّا على الديانات السماويَّة الانتشار لتطابقها مع أولاً الفطرة الإنسانيَّة وثانيًا مع تراث البشريَّة العقلي والحضاري القديم.
حضارة خير أمة:
ولما كان للحضارة مجموعةٌ من السمات الرئيسة التي تتبدل بتبدل بعض العوامل التي أشرنا إليها ولمَّا كان لكل حضارة إنسانيَّة مجموعةٌ من المقومات والمكونات، وعلى رأسها المكون الثقافي والمعرفي فإننا عندما نتحدث عن حضارة إسلاميَّة وثقافة إسلاميَّة فإننا هنا نقصد الحضارة والثقافة التي بُنيت على "العقيدة الإسلاميَّة أو كانت أثرًا من آثارها أو اكتسبت طبيعتها وسماتها بموجبها".
والحضارة الإسلاميَّة حضارةٌ نموذجيَّةٌ شاملةٌ، استطاعت التلاقح مع الحضارات السابقة وإفادة الحضارات التي ظهرت بعدها عن طريق التواصل بالترجمة والتدارس وتبادل الأفكار والإبداعات والاختراعات.. إلخ، وكان الفضل يعود في ذلك أولاً للعلم الشرعي الذي ساعد الإنسان العربي على إعمال عقله ووضع أسس وقواعد دراسة الفقه والشريعة الإسلاميَّة.
فكانت نقطة الانطلاق المهمة أولاً للتفاعل مع الشعوب الحضاريَّة التي دخلت الإسلام عن طريق الفتح، مثل مصر وبلاد فارس وشرق وجنوب أوروبا، أو عن طريق الدعوة، كما جرى في جنوب آسيا وشرقها في بلاد المغول والصين وغيرها، ثم بعد ذلك ثانيًا خلق المنجز الحضاري الإسلامي الخاص.
حيث بدأت حركةٌ واسعةٌ من الترجمة لعيون الإبداعات الغربيَّة من الآداب والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعيَّة، كالرياضيات والفيزياء والفلك؛ حيث تُرجمت مؤلفات أفلاطون وأرسطو وإقليدس وفيثاغورث وغيرهم الكثير، ثم ظهر العلماء العرب والمسلمون العظام الذين بزوا علماء أوروبا القديمة وأضافوا خطواتٍ واسعةً في مختلف مجالات المعرفة، وكانت شخصيات مثل عمر الخيام بمثابة "جامعات" على غزارة علومهم في مختلف المجالات الفلك والرياضيات والأدب والفلسفة.
وأجاد العرب والمسلمون في مجالات العلوم الطبيعيَّة؛ حيث لا تزال خرائط ابن النفيس للجسم البشري محلَّ اهتمام من جانب علماء الطب والأحياء الغربيين، ولا تزال القواعد التي وضعها الخوارزمي في الرياضيات هي أساس علوم الحساب والجبر في العالم كله، فهو الذي ابتكر الرقم "صفر"، ووضع أسس وقواعد اللوغاريتمات التي هي النطق الغربي المتعثر لكلمة "الخوارزمي"، وفي علوم البصريات ظلت حسابات الحسن بن الهيثم هي أساس عمل مدارس فيزياء الضوء والهندسة الفراغيَّة في أوروبا.
على مستوى آخر ظهرت الأمريكتان في خرائط وضعها الإدريسي صاحب "المسالك والممالك" قبل أن يكتشفها كريستوفر كولومبس وأمريجو فسبوتشي بمئات الأعوام، ولكننا في الفترة الحاليَّة لا يمكننا الادعاء بأن العرب والمسلمين هم أصحاب حضارة؛ لأن الفعل التراكمي قد اختفى لدى الأمة في مختلف المجالات، وأصبح العرب والمسلمون غالبًا يعتمدون على النقل من الحضارات الأخرى الحاليَّة بعيدًا عن الإبداع؛ مما يخالف الكثير من اشتراطات وسنن الحضارة الإنسانيَّة كما وضعتها نواميس الخالق عزل وجل وقوانينه في الكون.
وفي هذا الصدد فإن العرب والمسلمين الآن بحاجة إلى حالة من النهضة الشاملة والإصلاح التي تخلق نظريَّة عربيَّة وإسلاميَّة شاملةً حول سبل إخراج الأمة من أزمتها الحضاريَّة الراهنة إلى إصلاح يأتي بحكم المستبد العادل الذي يجدد لهذه الأمة شبابَها، مع مراعاة إعادة خلقٍ لخطاب الإسلام الديني والثقافي بما يتواءم مع العصر الحالي وتحدياته ومتطلباته، وهو ما يطرح خطاب التحديث الذي هو في الأساس عبارةٌ عن تنامٍ مقصود ومبرمج للمعرفة التي تعيد تشكيل مفاهيم الإنسان وتحدياته في الطبيعة والمجتمع وغير ذلك باستمرار...


أقرأ المزيد...

البرجوازيَّة من عصر النَّهضة إلى الإمبرياليَّة


إعداد: عبد العظيم الأنصاري

البرجوازيَّة هي طبقةٍ اجتماعيَّة ظهرت في القرنين الخامس عشر والسَّادس عشر، امتلكت رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج، وطبقًا لرؤيَّة كارل ماركس فإنَّ البرجوازيَّة هي الطبقة المُسيْطِرَة والحاكمة في المجتمع الرَّأسمالي، وتعيش من فائض قيمة عمل العمال.



وبالرَّغم من أنَّ نشأة البرجوازيَّة تزامنت مع عصر النَّهضة الأوروبيَّة، والانفلات من هيمنة الكنيسة واحتكارها للدين والكتاب المقدس، خاصة بعد ظهور مارتن لوثر والبروتستانتيَّة واختراع الطَّابعة، بالإضافة إلى ما قدمته البرجوازيَّة من مساعدة للثَّورة الفرنسيَّة، إلا أنَّ ما كانت تحمله من سلبيَّاتٍ داخل بُنيتها الأساسيَّة خرَّب ما صاحب نشأتها وتطورها من إيجابيَّاتٍ؛ حيث كانت البرجوازيَّة طبقةٌ استغلاليَّةٌ لا تسعى إلا لمصلحة رأس المال فقط، وذلك بغض النَّظرِ عن أيِّ اعتبارات أخلاقيَّةٍ أو إنسانيَّةٍ أو دينيَّةٍ.
وقامت على أساس استغلال الطَّبقة الكادحة من البروليتاريا العماليَّة أولاً، ثم بعد تضخُّم الإنتاج، تحوَّلت إلى وقود يدفع عجلة الاستعمار إلى الاندفاع من دون توقُّفٍ لاستغلال الشُّعوب الأخرى للحفاظ على حركة سير الإنتاج وتدفق رأس المال.

كانت أوروبا العصور الوسطى على أدنى درجات التَّخلُّف والجهل والفقر، وكان النِّظام السِّياسي السَّائد هو النظام الملكيِّ الذي سيطرت فيه الكنيسة ورجالها على مُقدَّرات الدِّول والشُّعوب، بل ومستقبل كلِّ فردٍ في الحياة الآخرة؛ حيث كانت تباع الأراضي في الجنة والجحيم، و"بصكوك الغفران" يمنح رجال الكنيسة المغفرة والرَّحمة مقابل قدرٍ مُعيَّنٍ من الأموال، فكان الأغنياء وهم النُّبلاء والإقطاعيون لا يحملون همًّا في الدنيا ولا في الآخرة.

أما الفقراء وهم الغالبيَّة الكاسحة من الشَّعب فعليهم طاعة الأوامر والاستجابة لرغبات الكنيسة، حتى ولو وصلت إلى شنِّ حربٍ عشوائيَّةٍ همجيَّةٍ في بلادٍ بعيدةٍ، مثل الحروب الصَّليبيَّة على بلاد المشرق الإسلامي، وكانت الكنيسة تحتفظ لنفسها بنسخ "الكتاب المقدس"، وكان جهل العامة التَّام به يُضفي هالةً من العظمة والسِّحر على الكنيسة "التي تحتفظ بالأسرار المقدسة دون غيرها".

أمَّا النِّظامُ الاقتصاديُّ الذي كان سائدًا في ذلك الحين فهو الإقطاع؛ حيث تعتمد الدولة أساسًا على الزراعة وبعض الصناعات البسيطة؛ حيث امتلك الإقطاعيون، وكانوا قلة عديدة في كل شيء، باستثناء بينما يرزح الشعب تحت نير الاستعباد.

في تلك العصور كانت تعاني أوروبا من الهاجس الأمني والذي مثل صداعًا أرَّق أوروبا لقرون، وهو ما اصطلح عليه بـ"المسألة الشرقيَّة"، والمقصود كان إرث الدَّولة العثمانيَّة، بما كانت تشكله من خطرٍ على أوروبا كقوةٍ عظمى صاعدة، تسعى لاستكمال الفتوحات الإسلاميَّة في الغرب، إلى أنْ وصلت تحت قيادة السُّلطان سليمان القانوني إلى أبواب فيينا في العام 152م، وكان النظام الإقطاعيِّ في الدَّولة العثمانيَّة أكثر مرونةٍ منه في أوروبا، ممَّا كان يُرجِّح كَفَّتها على أوروبا.

لكن الأوضاع لم تستمر على نفس المنوال؛ حيث أدى الفساد داخل الكنيسة الكاثوليكيَّة في القرن السادس عشر الميلادي إلى تهيئة الأوضاع المناسبة لقيام حركة إصلاحيَّة دينيَّة أطلقها القسيس الألماني مارتن لوثر في العام 1517م.

ومع اختراع الطَّابعة واكتشاف الفحم كطاقةٍ، والنَّشاط المُتزايد في رحلات الكشوف الجغرافيَّة، وما صاحب كل هذا من نشاطٍ تجاريٍّ طهَّرت الطبقة البرجوازيَّة من التجار الذين تزايدت ثرواتهم على حساب الطبقة الإقطاعيَّة بل وعلى حساب النُّبلاء؛ حيث ساعدت الطَّبقة البرجوازيَّة على قيام العديد من الثَّورات ضد النِّظام الملكيِّ، أبرزها الثَّورة الفرنسيَّة كما لعبت الدَّور الرَّئيس في تحطيم سلطة الكنيسة الكاثوليكيَّة؛ وما تميزت به فترة صعود الطَّبقة البرجوازيَّة عمليَّة إحياء العلوم، الطَّبيعيَّة منها والاجتماعيَّة، فأرست بذلك أسس النَّهضة الأوروبيَّة التي تُرى معالم عظمتها وقوَّتها في نموذج الغرب الحضاريِّ حتى الآن.

وهكذا نشأت البرجوازيَّة في قلب المجتمع الإقطاعي، فحملت أسلوب الإنتاج الرَّأسماليِّ الأرقى، وارتبطت بالتَّراكُم الأوَّليِّ لرأس المال الذي قام على انتزاع الأراضي وأدوات الإنتاج والعمل من جماهير الشَّعب الغفيرة، وككرة الثلج تمامًا بدأت صغيرة، وأخذت تتضخَّم بسرعةٍ مُبهرةٍ، خاصةً بعد أنْ تخطَّت مرحلة الثَّورة الصناعيَّة؛ حيث تضاعف الإنتاج وأصبح فوق استيعاب استهلاك السُّوق المحليِّ، وكان يجب توفير أسواقٍ جديدةٍ لتصريف بضاعة الثَّورة الصِّناعيَّة، بضاعة البرجوازيَّة.

ومن ثمَّ تسارعت عجلة الاستعمار في العالمَيْن الجديد والقديم على حدٍ سواءٍ، فخضع العالم الجديد بأسره للغرب الأوروبيِّ، بينما ظلَّت الدَّولة العثمانيَّة دُميةً بين أيدي الدِّول الأوروبيَّة، ولم يبق من المسألة الشرقيَّة إلا الاختلاف بين الأوروبيين على سيناريو النَّهاية التي حسمت بعد الحرب العالميَّة الأولى، واستسلم جل العالم القديم للقيادة الغربيَّة التي خضعت واستسلمت للبرجوازيَّة التي نهبت ثروات العالمَيْن الجديد والقديم سواءً أكانت هذه الثَّروات مواردًا طبيعيَّةً أم بشريَّةً.

وفي العقود المتأخرة من القرن الماضي، وفي مطلع القرن الحالي، ومع توسُّع مجالات عمل الشَّركات العالميَّة، ظهرت فئة البرجوازيَّة المتعددة الجنسيَّات، إذ أسهمت عالميَّة الإنتاج والرأسماليَّة البرجوازيَّة ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات وانتشار طرق الإدارة العلميَّة للانتاج، في توحيد ذهنيَّة البرجوازيَّة المعاصرة، وتلاشي الاختلافات الوطنيَّة، فيما بينها فيما يطلق عليه "العولمة الاقتصاديَّة"، وتصدَّرت البرجوازيَّة بما بلغت من قوةٍ اقتصاديَّةٍ هائلةٍ مكان السِّيادة داخل البرجوازيَّة الحكوميَّة ووضعت يدها على المواقع الأساسيَّة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة في البلدان الرَّأسماليَّة.

وفي واقع الأمر أصبحت البرجوازيَّة هي التي تُحدِّد السِّياسة الداخليَّة والخارجيَّة لهذه الدول وفق مصلحتها الخاصَّة، وهي المسئولة عن المشكلات الاجتماعيَّة في هذه البلدان.

إلى جانب ذلك تنامى في عددٍ من البلدان المُتقدمة ما يُسمَّى بـ"المجتمعات الصِّناعيَّة- الحربيَّة"، أي تحالُف أصحاب الاحتكارات الصِّناعيَّة والعاملين في المجال العسكريِّ، مع الأوساط الرَّجعيَّة العسكريَّة والبيروقراطيَّة.

وتستغل البرجوازيَّة المعاصرة الدَّولة على نحوٍ متزايدٍ، وتلجأ إلى أسلوب برمجة الإنتاج والتنبؤ بتطوره، وإلى طريقة تمويل التَّقدُّم العلميِّ والتِّقنيِّ والإنتاج الحربيِّ من قِبَلِ الدَّولة، وإلى أسلوب التَّكامُل الإمبرياليِّ.

وما سبق لا ينفي ظهور البرجوازيَّة في الدِّول المتخلفة التي استقلَّت حديثًا عن الاستعمار القديم لتواجه الاستعمار الحديث، الذي تطوَّر بتطوُّرِ البرجوازيَّة في المجتمعات الغربيَّة الإمبرياليَّة.

والبرجوازيَّة في الدِّول المتخلِّفة كمثل كلِّ شيءٍ هناك، تابعةٌ للغرب؛ حيث لا وجود لبرجوازيَّةٍ صناعيَّةٍ قويَّةٍ، فإنَّ البرجوازيَّة التِّجاريَّة المُؤلَّفة من المُضاربين والوسطاء الطُّفيليِّين ومقاولي أعمال البناء الذين يستثمرون أموالهم في مجالاتٍ غير منتجةٍ، مثل خدمات الاتِّصالات وتصدير المواد الأوليَّة... إلخ، هم الذين يُحدِّدون وجه الطَّبقة الرَّأسماليَّة المواليَّة للإمبرياليَّة التي تقوم بدور الوسيط في خدمة رأس المال الأجنبيِّ، وتُؤدِّي وظيفة السَّند الاجتماعيِّ للاستعمار الجديد بحكم مصالحها المرتبطة بالخارج.

ولكن هذا لبا يمنع من وجود برجوازيَّةٍ وطنيَّةٍ في هذه البلدان تتَّسم بالضَّعف العام بسبب تحكُّم رأس المال الأجنبيِّ والبرجوازيَّة الوسيطة أو التَّابعة والعلاقات الاقتصاديَّة السَّابقة التي يحتفظ بها المستعمر، وهكذا بدأت البرجوازيَّة في عصر النَّهضة وكانت وقودًا للاستعمار، وظلَّت قوة دافعة للإمبرياليَّة..


أقرأ المزيد...

الذَّات السِّياسيَّة لدى المسلم...؛؛؛

إعداد وحدة الدراسات

عند الحديث عن مفهوم الذَّات السِّياسيَّة يتبادر إلى الذِّهن أوَّل ما يتبادر مجموعة من الأبعاد المتعددة، التي تُشكِّل فيما بينها الشخصيَّة السِّياسيَّة التي تميِّز فردًا ما أو جماعةً بشريَّة ما، مثل أجندة الغايات والأهداف لدى الفرد والجماعة، وكذلك المنظومة القيميَّة التي تحكم الإنسان وجماعته التي ينتمي إليها، وغير ذلك.

وعند الحديث عن الذَّات التي لدى الفرد المسلم في جماعة "الإخوان المسلمون"، يكون الحديث عن هذه الأبعاد المتعددة يأخذ شكلاً مُتفرِّدًا على فرادةِ الأجندة واتساعها، ونُبْل الأهداف والغايات.



ومن خلال العقود الطويلة التي عملت فيها الجماعة، ومن خلال البيئة التي تشكَّلت فيها شخصيَّة الفرد المسلم داخل الإخوان المسلمين، وطبيعة روافد هذه الشَّخصيَّة، يمكن إجراء "التَّشريح" المبسَّط التَّالي للذَّات السِّياسيَّة للإخوان المسلمين على مستوى الفرد أو الجماعة:

أولاً: الرَّوافد الفكريَّة:
يُقصَدُ بها المكوِّنات التي رسمت تفكير الإخوان المسلمين وقيمهم، والأصول التي حدَّدت مساراتهم، وكوَّنت نهجهم الذي ساروا عليه، وهي:

1-القرآن الكريم.
2-صحيح السُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة.
3-منهج السَّلف الصَّالح منذ الخُلفاء الرَّاشدين المهديِّين، وجميع الأئمة المُجدِّدين من بعدهم.
4-منهج الإمام الشَّهيد المُؤسِّس حسن البنا، كما ورد في مقالاته ورسائله ودراساته، وفي خطبه وكلماته.
5-التُّراث السِّياسي والفكري الإسلامي الصحيح الذي يعكس الفكر والروح الإسلاميَّة السَّمحاء القائمة على العدل.

ثانيًا: الرَّوافد القيميَّة:

يقصد بها القيم التي طبعت سلوك الإخوان وسياساتهم خلال العقود الطَّويلة التي عملوا فيها لنصرة الدِّين الإسلامي، وإحياء خيريَّة الأُمَّة، وهي تنقسم بدورها إلى فئاتٍ فرعيَّةٍ:

العقائد:
الإيمان بروافده السِّتَّة: الله الإله الواحد الأحد.. الملائكة.. الكتب السَّماويَّة، وأعظمها القرآن الكريم.. الأنبياء والرُّسُلِ، وخاتمهم محمد- صلى الله عليه وسلَّم-.. يوم القيامة.. القضاء والقدر خيره وشرِّه.

الأخلاق والقِيَمِ العامَّة:
1-مكارم الأخلاق.
2-الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
3-التَّضحية.
4-الطَّاعة.

ثالثًا: الأهداف والغايات:

يقصد بها الأجندة التي يتحرك الإخوان المسلمون لتحقيقها، على مستوى الفرد والجماعة، وبالرَّغم منا أنَّها تختلف باختلاف الزمان والمكان، إلا أنَّ هناك أطرٍ عامَّةٍ تحكمها، وعناوين كبرى تضمها جميعًا:

الجانب السِّياسيِّ والاجتماعيِّ الداخلي:
1-الإصلاح بمجالاته المختلفة.
2-إقامة شريعة الله في الأرض.
3-محاربة الفساد.
4-الوصول إلى الحكم الإسلامي.

الجانب السِّياسيِّ الخارجي:
1-نشر الدين الإسلامي خارج أرضه.
2-تحسين العلاقة بين البلدان المسلمة.
3-تحسين أحوال الأقليَّات الإسلاميَّة.
4-الوصول إلى مرحلة إعادة الخلافة الإسلاميَّة.
5-دعم دعوة الإخوان المسلمين في الخارج.
6-مرحلة أستاذيَّة العالم كما تحدث عنها الإمام البنَّا رحمه الله تعالى.

الجانب الدَّعوي والتربوي الأخلاقي:
1-بناء الفرد المسلم.
2-بناء الأسرة المسلمة.
3-تأسيس المجتمع المسلم.
4-تحسين الصُّورة الذِّهنيَّة عن الإسلام والإخوان المسلمين.

رابعًا: البيئة:

يقصد بها الوسط المحيط بالفرد والجماعة، والتي لعبت دورها في تشكيل الذَّات السِّياسيَّة لدى الإخوان المسلمين:

1-بيئة اجتماعيَّة مُسلمة.
2-بيئة اجتماعيَّة مُحافظة.
3-بيئة رسميَّة مُعاديَّة للإخوان المسلمين يجب إصلاحها.
4-مفاسد أخلاقيَّة مُحيطة يجب تحصين النَّفس ضدها، ومحاربتها بالتَّالي.
5-التَّربيَّة الإخوانيَّة الفكريَّة والأخلاقيَّة والرَّياضيَّة السَّليمة.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح