العدد الثامن بصيغة PDF

اتِّجاهات - السَّنة الأولى- العدد التَّجريبيُّ الثَّامن- الإصدار الثَّاني                                                                                                                                                

أقرأ المزيد...

تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...



كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة.. هو ليس بلاعبٍ جديدٍ لهذه الدَّرجة، فهو أحد قوى المنطقة التَّقليديَّة منذ زمنٍ طويلٍ، ولكن الجديد بالفعل هو في السِّياسات والتَّوجُّهات.
ونقصد بطبيعة الحال في هذا الإطار تركيا.. تركيا حزب العدالة والتنمية أو تركيا أردوغان أو تركيا الجديدة.. ولكن أيًّا ما كانت المُسمَّيات، فإنَّ المشهدَ العربيَّ والإسلاميَّ يرى في الوقت الرَّاهن مخاضًا غير عسيرٍ في الواقع، لقوَّةٍ جديدةٍ قد تقلب موازين القوى في الشرق الأوسط، في ظلِّ السِّياسة "الذَّكيَّة" التي تحاول أنقرة أنْ تلعبها.
ففي الفترة الأخيرة، شَهِدَتْ السِّياسة التُّركيَّة العديدَ من "الانقلابات" التي تصل إلى حدِّ التَّناقُضات؛ فبينما أقرت أنقرة حزمةً من الاتِّفاقيَّات مع سوريا، تمَّ بمقتضاها فتح المجال أمام مواطني الطرفَيْن في العبور الحر لحدود البلدَيْن، وإجراء مناوراتٍ بريَّةٍ مشتركةٍ، في المقابل زار الرئيس التركي عبد الله جول العراق ووقع سلسلةٍ من الاتِّفاقيَّاتٍ المُماثلة.
وبينما تلغي تركيا مناورات "نسر الأناضول" مع إسرائيل، يتحدَّث الرَّئيس السُّوري بشَّار الأسد عن استعداد تركيا لاستئناف الوساطة غير المُباشِرة بين دمشق وتل أبيب!!، ومن قبل تُوقِّع تركيا اتفاقيَّاتٍ لاستئناف العلاقات مع عدوها التَّاريخيِّ، أرمينيا(!!)
ما الحقيقة؟!.. وما الأهداف التي تقف وراء هذه السِّياسات؟!.. ولماذا تصمت الولايات المتحدة وإسرائيل على هذه التَّحوُّلات في السِّياسة التُّركيَّة؟!.. أسئلة وأسئلة وأسئلة.. نحاول الإجابة عليها في هذا العدد من المجلَّة، وإنْ كان العنوان العام لكلِّ ما يجري أنَّ تركيا تحاول جمع المجد من جميع أطرافِه.. فتركيا "العثمانيَّة" التي تحنُّ لأصلها "القوميِّ" وهويتها "الإسلاميَّة"، لا تزال تتطلَّع "غربًا"!!..

......
اتِّجاهات

أقرأ المزيد...

تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...



-    سوء التَّخطيط في حفل تدشين التَّحالُف الجديد يؤشِّر لسوء تخطيط أكبر
-    هذه التَّحالفات مصيرها الفشل بسبب عدم اعتمادها على الجماهير في حركتها

كتب: أحمد عبد الفتَّاح
ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر، وما يرتبط بها من قضايا، وخصوصًا فيما يتعلَّق بالضرورات التي تفرض إنشائَها، وأهدافها التي يجب أنْ تتبناها لإنقاذ مستقبل مصر، والكيانات التي يجب أنْ تحتويها هذه الحركات، حتى لا يكون مصيرها مصير العديد من التَّحالُفات التي نشأت في مصر في الأعوام الماضية، وكان مصيرها كلها الفشل الذريع.
ولعل تعاقُب الأحداث على الأرض يرغمنا على استمرار فتح هذا الملف، فقبل أيامٍ أعلن الدُّكتور أيمن نور مُؤسِّس حزب الغد، عن تشكيل تحالفٍ وطنيٍّ جديد ضد التَّوريث يحمل اسم " مايحكومشِ"، وتمَّ تدشين هذا التَّحالُف الجديد في مؤتمرٍ حاشدٍ أُقيم الخميس 15 أكتوبر الماضي، بمقرِّ حزب الغد بوسط القاهرة، وبحضور العديد من الشَّخصيَّات السِّياسيَّة المصريَّة، التي مثَّلت أحزابًا وقوىً سياسيَّةً مصريَّةً، بما في ذلك مشاركةٌ منخفضة الشِّدَّة من جانب جماعة الإخوان المسلمين، ممثلةً في عددٍ من نواب  كتلها في مجلس الشعب المصريِّ.
ولكن كان اللافت غياب أحزاب المُعارضة الرَّسميَّة الرَّئيسيَّة، وهي الوفد والناصري والتَّجمُّع والجبهة، وما أثار تساؤلاتٍ عديدةً حول فرص ومستقبل نجاح هذا التَّحالُف الجديد، مع عدم مشاركة الإخوان فيه بقوَّة، واعتزال أحزاب المعارضة الرَّئيسيَّة له.
وفي هذا الإطار نحاول هذه المرَّة أنْ نرصدَ المشهد السِّياسيَّ المصريَّ في ظلِّ التَّحالُف الجديد، ودراسة فرص نجاحه من عدمها.
الحَدَث
يوم الخميس 15 أكتوبر، وبمقر حزب الغد بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، أعلن الدُّكتور أيمن نور رسميًّا عن تدشين الحملة الوطنيَّة ضد التَّوريث.. "مايحكومشِ"، وفي وجود 35 شخصيَّةٍ سياسيَّةٍ وعامَّةٍ، استقرَّ الجمع على اختيار الدُّكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة، مُنسِّقًا للَّجنة التَّحضيريَّة للحملة حتى انتهاء أعمال الَّلجنة التَّحضيريَّة.
نور قال إنَّ الحملة تستهدف رفض التَّوريث في كلِّ مُؤسَّسات الدَّولة، وليس شخص جمال مبارك، وأكَّد على جدِّيَّة الحملة بالقول "إنَّ الحملة ليست إنشائيَّةً"، كما حاول إعطاء الأمر بُعدًا شعبيًّا عندما قال إنَّخ سيتم ملاحقة أي شكلٍ من أشكال التَّوريث قضائيًّا وشعبيًّا.
وبإلقاء نظرةٍ سريعةٍ على قائمة الحضور، نُلاحظ أنَّها ضمَّت مجموعةٌ قليلة فقط من ألوان طَيْف المعارضة المصريَّة؛ حيث لم يتواجد سوى حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة "تحت التَّأسيس"، والدُّكتور عبد الحليم قنديل المُنسِّق العام للحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، ومحمد أنور السادات وكيل مُؤسِّسي حزب الإصلاح والتَّنمية، وهو بدوَرْه حزبٌ لا يزال تحت التَّأسيس.
أما الإخوان المسلمون فقد حضر عنهم الدكتور فريد إسماعيل، عضو الكُتلة البرلمانيَّة للإخوان بمجلس الشعب ممثلاً للجماعة
كما كان من الطَّريف أنَّ الدُّكتور حسن نافعة أمين عام ملتقى الفكر العربيـ والذي انتخبه الحاضرون مُنسِّقًا عامًّا للَّجنة التَّحضيريَّة للتحالف الجديد، قد انتقد سوء التَّنظيم الذي اعترى يوم تدشين التَّحالُف  أو المؤتمر التَّأسيسيَّ الأوَّل، وقال إنَّ "الفوضى" اعترته، مُشدِّدًا أنَّه سوف يُركِّز خلال الاجتماعات القادمة على تنظيم الأمور "بشكلٍ أدقٍّ وفعَّالٍ".
سوء تخطيط
وبالفعل كانت فوضى؛ حيث لم تَكَدْ تمرُّ أيامٌ قليلةٌ، إلا وأعلن أعضاء التَّحالُف، وبعد جلستهم التحضيريَّة الأولى، عن تغيير اسم التَّحالف من "مايحكومشِ" إلى اسمٍ آخر، لم يعلنوا عنه بعد- (!!)- ويعملون على اختيارهن مُؤكِّدين أنَّ الاسم الأوَّل كان من اختيار نور، وأنَّهم رأوا عدم ملائمته.
كما كانت الشَّائعات العدو الثَّاني للتَّحالُف الوليد، فبعد ساعاتٍ من تدشين التَّحالُف الجديد خرج الدُّكتور يحيى القزَّاز عضو حركة "كفاية"، في تصريحاتٍ صحفيَّةٍ له أرجع فيها سبب عدم تلبيته دعوة أيمن نور لحضور المُؤتمر التَّأسيسيِّ لحملة "ضد التَّوريث"، إلي أنَّ منظمة "فريدم هاوس" الأمريكيَّة، كانت وراء تنظيم حملة "مايحوكمشِ"، لتغيير تركيبة المجتمع السياسيِّ المصريِّ، وفي محاولةٍ منها لاستكشاف نبض الشَّارع المصريِّ تجاه زعامة نور، لتقوم بتغيير إستراتجيَّتِها من دعم جمال مبارك إلى أيمن نور!!
وفتح القزَّاز النَّار على الكلِّ؛ فعلى الرَّغم من الحذر الذي استقبلتْ به التَّحالُف الجديد وانخفاض مستوى مشاركتها فيه، فإنَّ القزَّاز اتَّهم جماعة الإخوان المسلمين بوجود مصالحٍ بينها وبين السَّفارة الأمريكيَّة، خاصَّة بعد تلبيتها لدعوة نور، في أولى الأعمال الجبهويَّة- كما قال- التى يشاركون فيها بعد رفض المشاركة في الجبهات الأخرى مثل "كفاية".
كما قال إنَّ اليوم الأوَّل للحملة ضمَّ شخصيَّاتٍ أخرى لا تهدف سوى الظُّهور الإعلاميِّ، وتتردَّد على السَّفارة الأمريكيَّة، وأرجع سبب مُشاركة بعض الشَّخصيَّات في الفعاليَّات التي تُنظَّم على السَّاحة إلى "حُبِّ الظُّهور في كادرات الفضائيَّات"، كما خشي البعض من أنْ يسرق أيمن نور الأضواء منهم!!.
الغريب أنَّ القزَّاز قال إنَّ مساعي هؤلاء قد خابت بسبب "الحشد الهائل، واصطفاف المعارضة خلفه (نور) في مشهد المؤتمر؛ حيث بدا وكأنَّه زعيمًا لهم" في تناقضٍ واضحٍ مع كلامه الأوَّل!!
وثير تصريحات القزَّاز واحدةً من أهم الآفات التي تُعاني منها النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة، والتي أدَّت إلى انهيار أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت بين قوى المعارضة المصريَّة، وهي "حبُّ الظُّهور"، وما يمكن وصفه بالأنانية السِّياسيَّة بين النُّخَبِ، وهو العامل الأوَّل في انهيار أغلب التَّحالُفات السَّابقة.
تُوقُّعات بالسُّقوط المُبكِّر
ولعل كل تلك الأجواء وغيرها، هي ما دفعت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) في تحليلٍ مُطوَّلٍ لها عن هذا التَّحالف الجديد، إلى أنْ تتوقَّع فشله؛ حيث شكَّكت الصَّحيفة في إمكانيَّة نجاح الحملة التي تشنُّها المعارضة المصريَّة ضد توريث الحكم، متساءلةً عن كيفيَّة نجاح هذه المجموعة المُتنافرة من أحزاب المعارضة والشَّخصيَّات المتناقضة أنْ تتجمَّع بنجاحٍ لتحدِّي الدَّولة البوليسيَّة التي تضغط عليهم منذ سنواتٍ طويلةٍ بالتَّخويف والاعتقالات؟!
وأشارت الصحيفة إلى أنَّ التَّحالُف المُناهض للخلافة، الذي يقوده مُرشَّح الرَّئاسة السَّابق ومُؤسَّس حزب الغد أيمن نور، اكتسب زخمًا خلال المؤتمر الأوَّل له بوجود مُمثِّلين عن جماعة الإخوان المسلمين، والحركة المصرية من أجل التَّغيير "كفاية"، والجبهة الدِّيمقراطيَّة، والحزب الشُّيوعيِّ المصريِّ، وحزب العدالة والتَّنمية "تحت التَّأسيس".
ووصفت الصَّحيفة جمال مبارك نجل رئيس الجمهوريَّة، وأمين السِّياسات في الحزب الحاكم، بأنَّه لم يُختَبَر سياسيًّا، وصاحب خبرةٍ مُحدودةٍ محليًّا وعالميًّا، إلا أنَّ الصَّحيفة استدركت قائلةً إنَّه "صوتٌ مؤثِّرٌ" في الحزب الوطني الدِّيمقراطي الحاكم.
السَّببُ الحقيقيُّ للفشل
من الجائز أنْ يكون الحكم بفشل التَّحالُف الجديد مبكِّرًا أمرًا مُجحِفًا، إلا أنَّ كل الدَّلائل والمُؤشِّرات تؤكِّد على ذلك، لأنَّ التَّحالُف الجديد، وببساطةٍ، اختار طريق الفشل المُحتَّم الذي اختارته أغلب التَّحالُفات القديمة.
فالقاعدة العلميَّة الشَّهيرة تقول "البدايات المتشابهة تؤدِّي إلى نهاياتٍ متشابهةٍ"، أو مثلما قال المَثَلُ القديم "الَّذين يسلكون نفس الطُّرق يصلون إلى نفس النَّتائج"، والتَّحالُفات في مصر جميعها تقريبًا اختارت طريقًا واحدًا، لا تحاول التَّفكير خارجه، والاختلاف الوحيد يكون في المُكوِّنين للتَّحالُف، فمثلاً لو ضمَّ التَّحالُف مُمثِّلين للإخوان و"كفاية"، فنجد أنَّ أحزاب المُعارضة الأربعة الرَّئيسيَّة تُقاطعه، وإنْ ضمَّ الأحزاب الأربعة، يُقاطعه الإخوان و"كفاية"، وإنْ ضمَّ التَّحالُف بعض الشَّخصيَّات تُقاطعه شخصيَّاتٌ أُخرى لأنَّها علي خلافٍ مع المُشاركين، وهكذا.
كما أنَّ هناك ضرورةٌ لأنْ تُفكِّر النُّخَبُ السِّياسيَّة المصريَّة "خارج الصندوق"، أي أنْ تبحث عن القوى الحقيقيَّة المؤثِّرة في الشَّارع، كحركات الاحتجاج الاجتماعيِّ وحركات العُمَّال التي استطاعت أنْ تهُزَّ عروش الحُكَّام.
وكل هذا لا ينفي وجوب تنحية كافَّة الخلافات التي بين القُوى والنُّخب السِّياسيَّة جانبًا، ولو لمرَّةٍ واحدةٍ، من أجل إنقاذ ما يُمكن إنقاذَه في مصر، وخاصَّة أنَّ البلد مُقبلٌ على مرحلةٍ هي الأخطر في تاريخها الحديث، في ظلِّ الظُّروف المحلِّيَّة والدَّوليَّة الحالية!!..

أقرأ المزيد...

صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...




الدَّواء هو السِّلعة الوحيدة التي لم تتأثَّر بالأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة
-    قيمة استهلاك الدَّواء في مصر مليار ونصف المليار دولار سنويًّا
-    اتِّفاقيَّة التِّريبس أدَّت إلى حرمان الدِّول النَّامية من التِّقنية المُتقدِّمة
-    إنتاج مصر من الأدوية يغطي 90% من الاستهلاك المحلِّي والباقي يتم استيراده من الخارج

كتبت: شيماء جلال وإيمان إسماعيل
تُعدُّ صناعة الدَّواء في العالم من أكثر القضايا الحيويَّة التي تهمُّ الملايين من مواطني العالم، كما أنَّها من أكبر الصناعات العالميَّة، بل تُعتبر في مساحة انتقالها، التِّجارة الأكبر حول العالم، أكثر من صناعة السَّلاح، والأقرب إلى قيمة تداول المُنتجات النَّفطيَّة والغاز.
وتشير الإحصائيَّات إلى أنَّ قيمة استهلاك الأدوية في مصر تصل إلى مليار ونصف المليار دولار سنويًّا، ومن ثمَّ، ومع الظُّروف التي تمر بها الحالة الصِّحِّيَّة العامَّة في مصر وعبر الوطن العربيِّ والعالم الخارجيِّ، فيما يخص الحالة الوبائيَّة لانتشار أمراض مثل أنفلونزا الخنازير ومن قبل أنفلونزا الطيور، فإنَّه يجب إعادة النظر في سياسة إنتاج الدواء في مصر والوطن العربي.
وتزداد إلحاحيَّة هذه المسألة مع وجود عددٍ كبيرٍ من التَّحدِّيات التي تحول دون ازدهار هذه النَّوعيَّة من الصناعات الإستراتيجيَّة أو تجارتها، مثل عدم إعطاء اهتمامٍ أكبر للبحث العلمي في المجال الدوائي، والعلوم الطِّبِّيَّة بشكلٍ عامٍ، وإغراق الأسواق العربيَّة بالأدوية مُنْتَهِيَة الصَّلاحية وعديمة الفاعلية، في المقابل جاءت اتفاقيَّات التِّجارة العالميَّة مثل "الجات" ثم اتفاقيَّة حقوق الملكيَّة الفكريَّة "التِّريبس"، لتعرقل أحلام وطموحات الملايين من أبناء المُجتمعات النَّامية، ومنها الدِّول العربيَّة في الحصول على الدَّواء الجيِّد بأسعارٍ معقولةٍ.
ويبرز أمامنا حجم المشكلة الحقيقي إذا ما علمنا أنَّ استهلاك المنطقة العربيَّة من المُنتجات الدَّوائيَّة يصل إلى 15% من الاستهلاك العالميِّ، في حين أن إنتاجها المحلي لا يتجاوز نسبة 4.5%.
الدَّواء والأزمة الاقتصاديَّة
لا يمكن القول إنَّ الأزمة الماليَّة العالميَّة الحالية سوف تؤثر بالسَّلب علي قطاع صناعة وتجارة الدَّواء، لأنَّ الدَّواء سلعةٌ إستراتيجيَّةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، ويرى خبراء هذه الصِّناعة سواءً في مصر أو خارجها، أنَّ شركات صناعة الأدوية في مختلف أنحاء العالم، حتى في البلدان النامية، سوف تستمر في تحقيق أرباحٍ.
وهو أمرٌ مُتحقِّقٌ بالفعل؛ حيث كشفت شركة "نوفارتس" السِّويسريَّة العملاقة العاملة في هذا المجال، عن ارتفاع صافي أرباحها خلال الرُّبع الثَّالث من العام الحالي 2009م، لتصل إلى 2.11 مليار دولار بزيادةٍ نسبتها 1% عن الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يُخالف الاتجاه العام لأداء قطاع الشركات عبر العالم؛ حيث تميل إمَّا إلى تحقيق خسائرٍ وتسريح عمالتها، أو الإفلاس، الذي طال حتى رموز الرَّأسماليَّة الأمريكيَّة العتيدة، مثل شركة جنرال موتورز.
وقد يظنُّ البعض أنَّ ذلك يعود إلى مشكلة انتشار وباء أنفلونزا الخنازير عبر العالم، وما استتبعه ذلك في صدد تطوير بحوث وصناعات الأمصال والأدوية المُضادَّة للمرض، إلا أنَّ الشَّركة ذكرت في بيانٍ لها أنَّ صافي مُبيعات المجموعة تُحقِّق حاليًا نموًّا بمعدَّلٍ يقترب من 10%، حتى مع استبعاد المبيعات المُتوقَّعة للمصل الواقي من مرض أنفلونزا الخنازير، في الرُّبع الأخير من العام 2009م.
كما يعود سبب حفاظ شركات الأدوية على موقفها المالي هذا، هو حفاظ هذه الشَّركات سواءً أكانت قطاعًا عامًّا أو استثمارًا خاصًّا على مستوى أسعارها التَّنافسيَّة، والسوق المصري دليلٌ قاطعٌ على ذلك؛ حيث إنَّ معظم الشَّركات استمرَّت في تنفيذ خُطَطها الانتاجيَّة عند نفس مستويات الانتاج وبنفس الأسعار، ذلك بخلاف الزِّيادات التي تقرَّرت.
والملاحظ خلال العام الماضي هو زيادة عدد الشَّركات العاملة في مجال صناعة الدَّواء في مصر؛ حيث ارتفع عددها ليصل إلى 384 شركةٍ، بعد أنْ كان هذا العدد لا يتجاوز العشر شركاتٍ خلال فترة السَّبعينيَّات، وظل السوق المحلي في العام 2008م يعمل بُمعدَّلاته الطَّبيعيَّة حتى انتهاء العام.
وبطبيعة الحال، فإنَّ معظم الانتاج يتم توجيهه للسُّوق المحلي الذي يمكنه استيعاب كل الانتاج، مع تصدير ما قيمته المليار جنيه مصري (حوالي 183 مليون دولار) في حين أنَّ الاستهلاك المحلِّي تجاوز حاجز الـ4.12 مليار جنيه (حوالي 750 مليون دولار).
الانتاج وشركاته في مصر
وبجانب الإحصائيَّات السَّابقة، فإنَّ إنتاج مصر من الأدوية يغطي 90% من الاستهلاك المحلِّي، والباقي يتم استيراده من الخارج، وعلى الرَّغم من بساطة النِّسبة، إلا أنَّها تخص الأدوية عالية التَّقنية، مثل أدوية أمراض القلب والسرطان وبعض الأمراض الخطيرة الأخرى، ويوجد في مصر 72 مصنعًا لتصنيع الأدوية، بينما يبلغ عدد الشركات العاملة في قطاع الأدوية في مصر والمرتبطة بهذا القطاع، حوالي 600 شركة تقريبًا، من بينها 7 شركات تتبع القطاع الخاص.
وتستحوذ الشَّركات الأجنبيَّة على حُصَّةٍ تبلغ 29% من إجمالي حجم سوق الأدوية في مصر، في مقابل 14% لشركات القطاع العام، في حين تستحوذ شركات القطاع الخاص على باقي السوق.
ولا يغطي إنتاج مصر من الأدوية معظم الأمراض الموجودة في مصر التي تنتج 26 مجموعةً دوائيَّةً، وكلٍّ منها لا يُغطِّي الأمراض الخاصَّة به بنسبة 100%، ويتم استيراد بعض الأصناف، ليس لأنَّها تحتاج إلى تقنيةٍ ليست موجودةً في مصر، ولكن لأسبابٍ أخرى اقتصاديَّةٍ تتعلَّق بتكلفة التَّشغيل والإنتاج، وكذلك لأسبابٍ تسويقيَّةٍ؛ حيث إنَّ الطَّلب على بعض هذه الأصناف ضعيفٌ، كما أنَّ هناك أصناف ترتفع تكلفة إنتاجها، ولهذا يكون الاتجاه لاستيرادها أسهل وأقل كلفةٍ من عمليَّة التَّصنيع.
ولا يمكن حساب حجم الاستثمارات في قطاع الأدوية في مصر بشكلٍ دقيقٍ، ولكن هناك إحصائيَّاتٌ غير رسميَّةٍ متداولةٍ، تشير إلى وجود حوالي 14 مليار جنيه مصري (حوالي 2.6 مليار دولار)، ولكن القيمة الحقيقيَّة أكثر من عشرة أضعاف هذا الرَّقْم بحسب مصادر في صناعة الدَّواء في مصر.
إسرائيل والتِّريبس
وفي ملفات صناعة الأدوية في مصر الكثير من القضايا المفتوحة، ومن بينها طبيعة التَّواجُد الإسرائيليِّ فيها.
وقد ثارت هذه المشكلة بعد توقيع وزير الاستثمار الدُّكتور محمود محيي الدِّين لاتفاقيَّةٍ مع مجموعة "راف" الكوريَّة الجنوبيَّة في يوليو من العام 2008م، لإنشاء 6 مصانعَ متخصصةً في مجال إنتاج المُضادات الحيويَّة والأمصال والأمبولات والعبوَّات الدوائيَّة والأدوية المُضادة للسَّرطان، تضخ بمقتضاها مجموعة "راف" حوالي 100 مليون دولار كاستثماراتٍ في سوق الأدوية في مصر، مع خلق حوالي ثلاثة آلاف فرصة عمل في المصانع السِّتَّة.
والمجموعة معروفٌ عنها صلاتها بشركاتٍ إسرائيليَّةٍ؛ حيث إنَّ هناك مصانع مشتركة بين المجموعة الكوريَّة الجنوبيَّة وشركاتٍ إسرائيليَّةٍ، وبعضها مقامٌ في داخل إسرائيل، وفي أحد المستوطنات بالقدس الشَّرقيَّة المُحتلَّة، بجانب أنَّ إسرائيل تملك نسبةً كبيرةً من أسهم مجموعة "راف" في الأساس، وهو ما جعل هناك تعاونًا علميًّا واسع النِّطاق وعلاماتٍ تجاريَّةً مشتركةً بين الشركة الكورية ونظيراتها الإسرائيليَّة.
بجانب هذه المُشكلة، فإنَّ هناك تحديًا آخر أمام صناعة الدواء في مصر، وهو اتفاقيَّة حماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة أو "التِّريبس"، والتي أقرَّتها مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة في أبريل من العام 1994م، وأصبحت سارية المفعول من العام 1995م، ولكن تم تطبيقها تدريجيًّا، حتى وصلت إلى التَّطبيق الشَّامل في يناير من العام 2005م.
ومن بين مساوئ الاتِّفاقيَّة، أنَّها قيَّدت من إمكانات تصنيع الأدوية، في بلدان الجنوب، ومن بينها مصر والدول العربيَّة العالم العربي من خلال اشتمالها على بنودٍ وُصِفَتْ بأنَّها غير عادلةٍ، من بينها حماية براءات اختراع الأدوية لمدة 20 عامًا، ممَّا يحرم صناعة الدَّواء في مصر من أجزاءٍ شديدة الأهمِّيَّة من مُكوَّنات التَّصنيع، بما سوف يؤدِّي إلى تقليص الإنتاج ورفع الأسعار، مع إتاجة الفرصة لشركات الدَّواء العالميَّة للتَّحكُّم في الأدوية الجديدة وعالية التِّقَنِيَة
وانطلاقًا ممَّا سبق فإنَّ الاتفاقيَّة تحرم الدِّوَل النَّامية من الحصول على الابتكارات الجديدة، مع رفع أسعار التِّقنيات الجديدة، بما سيؤدِّي إلى احتكاراتٍ واسعة قد تشمل في وقتٍ من الأوقات جميع جوانب العمليَّة التَّصنيعيَّة، وفي هذا يكفي أنْ نعرف أنَّه في عقد التِّسعينيَّات الماضية، وقبل تطبيق الاتِّفاقيَّة بشكلٍ كاملٍ، كان نصيب الدِّول النَّامية 6% فقط من بين 3.5 ملايين براءة اختراع، في مقابل حصول الشَّركات متعدِّدة الجنسيات على أكثر من 80% منها.
كما أنَّ الاتِّفاقية وضعت قيودًا على التَّصنيع بنظام الاتِّفاق؛ حيث إنَّ الشَّركات المالكة لبراءات الاختراع تمنح حقوق الإنتاج للشَّركات في مصر وغيرها من البلدان النَّامية لفتراتٍ ما بين ‏5‏ إلى‏10‏ سنواتٍ فقط, كما يجب على البلدان النَّامية الالتزام بمطابقة المُنتجات الدَّوائيَّة للمواصفات العالميَّة كشرطٍ لدخول إنتاجها الأسواق, كما تفرض عليها فتح أسواقها، وعدم حماية الإنتاج المحلي كما تمنع السِّياسات التَّفضيليَّة من هذه الحكومات لصناعاتها المحلِّيَّة‏.
وعلى الرَّغم من أنَّ الدِّول النَّامية قد فهمت ضرورة اجراء المزيد من الأبحاث والدِّراسة في هذا المجال، حتى لا تتعرض لهذا الغُبْنِ، إلا أنَّها لم تستطع تطوير بدائلٍ أخرى، حيث التَّخلُّف والفقر وضعف القدرات التَّنافُسيَّة، بما يعرِّضُها للاستغلال من جانب الشركات الكبرى والدِّول المُتقدِّمة.
وبحسب دراسةٍ حديثةٍ لاتحاد الصِّناعات المصري، فإنَّ "التِّريبس" رفعت كُلْفَة الحصول على حقوق التَّصنيع المحليِّ والأجنبي، وحذَّرت الدِّراسة من أنَّ استيراد الدَّواء والمواد الأساسيَّة لهذه الصِّناعة وفق ترتيبات "التِّريبس"، سيدمر صناعة الأدوية في مصر في غضون الخمسة عقودٍ القادمة.
وفي هذا يُشار إلى أنَّ مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة، عقدت منذ إنشائها- في صورة اتفاقيَّة الجات- منذ العام 1947م، ثماني جولاتٍ، كان أهمها دورة أوروجواي التي استمرَّت في الفترة من العام 1986م إلى العام 1993م، التي تمَّ التَّوصُّل إلى اتفاقيَّة "التِّريبس" في إطارها، وأثارت جدلاً واسعًا حول إقرارها نتيجة لتعارض المصالح بين الدِّول الغنيَّة والدِّول الفقيرة في هذا الإطار.
الدَّواء والبحث العلمي
لا يمكن فصل قطاع الأدوية في مصر، صناعةً وتجارةً عن واقع قطاع البحث العلمي، وهو أحد أسوأ القطاعات على الأقل في مستوى إنفاق الدولة عليه؛ حيث لم تزد ميزانيَّة البحث العلمي في مصر عمَّا نسبته 0.4% من حجم الموازنة العامة السَّنويَّة.
ولعلَّه لا يمكن المبالغة بالقول إنَّ أيَّة مشكلاتٍ قائمةٍ في مجال صناعة الأدوية في مصر والعالم العربيِّ تعود بالأساس إلى تراجُع مستوى البحث العلمي.
وتقول مصادر في صناعة الدواء المصريَّة إنَّ صناعة الدواء في مصر والوطن العربي تُعاني تدهورًا شديدًا نتيجة عدم امتلاك تكنولوجيا هذه الصِّناعة، وتراجع البحث العلمي القائمة عليه؛ حيث لا يملك الوطن العربي من براءات الاختراع العالمية سوى نسبة 5 في المائة، وبينما لديه كفاءاتٌ بشريَّةٌ علميَّةٌ على أعلى مستوىً، إلا أنَّه لا يوجد إنفاقٌ على هذا المجال، فضلاً عن عدم وجود سياسةٍ عامَّةٍ تُساعد على قيام البحث العلمي بتقديم المعرفة له.
ومصر- كجزءٍ من الوطن العربي- تٌعاني من عدم وجود منظومةٍ بحثيَّةٍ، أو هي موجودةٌ ولكنَّها ضعيفةٌ، وتعود أسباب ذلك بجوار ضعف الإرادة السِّياسيَّة لدى الحكومة في مصر، إلى وجود رغبةٍ سياسيَّةٍ لدى الدِّول المُتقدِّمة في إضعاف مجالات البحث العلمي المُختلفة في دول العالم النَّامي، وهو ما يؤدِّي بدوره إلى تأثيراتٍ على عمليَّة التَّنمية، ومن ذلك تتفرَّع نقطة الاستثمار في مجال الأدوية.
في المُقابل فإنَّ القطاع الخاص يتسم بالجُبن، أو ما يُعرَف في العلوم الاقتصاديَّة بعبارة "رأس المال جبان"، فلا يُقدِم على الاستثمار في مجالات البحث العلميِّ؛ حيث إنَّ المردود أو العائد الاستثماري في هذه المجالات طويل الأمد، بما يتنافى مع اعتبارات الرِّبحيَّة التي يسعى إليها القطاع الخاص.
كما يُعاني قطاع البحث العلمي في مصر في مجال الأدوية إلى انتشار السِّرقات العلميَّة في كثيرٍ من الهيئات الطِّبِّيَّة في مصر، وهو ما يعود إلى غياب الرَّقابة، مع الاستمرار غير المُبرَّر في الاستعانة بالخبراء الأجانب.
وكل هذه العوامل ذات الطَّبيعة "العلميَّة" تُساعد على إضعاف هذا القطاع المهم في مصر، وتمرير كمِّيَّاتٍ غير عاديةٍ من الأدوية الفاسدة إلى مصر.
وفي روشتة العلاج، حدَّد خبراء يعملون في القطاع الصِّحِّيِّ في مصر مجموعةً من الخطوات، من بينها:
-    المحافظة على كل المراكز البحثيَّة في مصر، وتطويرها.
-    ضخ رؤوس أموال جديدة فيها، مع الاستعانة برؤوس الأموال الخليجيَّة في هذا السِّياق.
-    إطلاق حُرَّيَّة الإبداع والتَّفكير والسَّعي إلى تكوين سياسيةٍ أكاديميَّةٍ سليمةٍ، وترشيد وتنظيم البحث العلمي.
-    تطوير حوافزٍ استثماريَّةٍ لتدعيم دور القطاع الخاص في هذا المجال.
-    تطوير الواقع القانوني الذي يحكم هذا المجال.
-    مكافحة كل أشكال الفساد.
التَّهريب.. وجهٌ آخر للفساد
كما أنَّ واقع قطاع الدواء في مصر يواجه إلى جانب ذلك مُشكلةً أخرى شديدة الأهمِّيَّة، وهي مشكلة الأدوية المهرَّبة.
فمُنظَّمة الصِّحَّة العالميَّة قالت إنَّ حجمَ هذه التِّجارة غير المشروعة قد يرتفع من 40 مليار دولار إلى 75 مليارًا سنويًّا بحلول عام 2010م، وهو حجمٌ يمثِّل ما نسبته 10% من مبيعات الدَّواء على مستوى العالم، وبطبيعة الحال فإنَّ نسبة الأدوية المغشوشة تكون أعلى ما يكون في مثل هذه التَّجارة السوداء، التي لا تقل خطورتها عن خطورة الاتِّجار في السِّلاح.
وفي مصر تشير بعض التَّقديرات إلى أنَّ هذه النَّوعيَّة من التِّجارة قد قفز حجمها إلى 10 مليارات جنيه (حوالي 1.83 مليار دولار)، ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ حيث إنَّ الرَّغبة في تلبية احتياجات السُّوق المحلِّيَّة المتزايدة للدَّواء، وتراجع المستوى الثَّقافيِّ والفكريِّ للمواطنين، وضعف الرَّقابة، فتحت شهية مصانع "بير السِّلِّم" التي بدأت تتوغَّل داخل سوق الدَّواء المصريَّة!!..
.

......

أقرأ المزيد...

افتتاحيَّة الملف.. يكتبها: حسن القباني(*)


اطلبوا العلم ولو في تركيا!!...
لَعِبَت تركيا دورًا بارزًا في المنطقة العربيَّة مُنذ وصول حزب العدالة والتَّنمية إلى سُدَّة الحُكم، وبات رمزها الأوَّل رجب طيب أردوغان رمزًا أسطوريًّا في أوطاننا، حقَّق بعض أحلامِنا في إيجاد قيادةٍ مُخلصةٍ تنافح عن قضايا في ظل المُستبدِّين والمُفسدين الذين يعتقدون أنَّهم ورثوها عن آبائهم!!
تظاهر ناشطون وحقوقيُّون أتراك في إسطنبول للتَّنديد بما أسموه مخططًا يهدف إلى الانقلاب على حكومة حزب العدالة والتَّنمية.
وهذا الدَّوْر تدفع حكومة أردوغان ثمنه غاليًا؛ حيث عاد الجدل بشأن مُخطَّط الانقلاب إلى واجهة الأحداث بعد أنْ تلقَّى النَّائب العام التُّركي ظرفًا من قِبَلِ "مجهولٍ" يحتوي على ما يُقال إنَّه النُّسخة الأصليَّة من الوثيقة المُتضمَّنة للمُخطَّط.
وكانت أصابع الاتِّهام وجَّهت إلى ضُبَّاطٍ كبارٍ في الجيش بالوقوف وراء هذا المُخطَّط، واستجوب الادِّعاء التُّركي عددًا من الضُّبَّاط على خلفيَّة هذا "المُخطَّط الانقلابيِّ".
هذا الدَّوْر دفع المراقبون يرجعون التَّوتُّر بين تركيا والغرب إلى اقترابها من الشَّرق، وبشكلٍ غير مسبوقٍ، منذ سنين مع الدِّول العربيَّة والإسلاميَّة، ويقول مُحلِّلون إنَّ العوامل الثَّقافيَّة والاقتصاديَّة تعمل أيضًا على دفع تركيا في ذلك الاتِّجاه نحو الشَّرق.
وفي هذا الشَّأن، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة سابانشي البروفيسور إرسين كالايشيو جلو، إنَّ أردوغان، ومعه قادة حزب العدالة والتَّنمية الحاكم، بجذورهم الإسلاميَّة المُحافِظة يشعرون بالارتياح العميق، وكأنَّهم في بيوتهم، في أثناء وجودهم في الرِّياض ودمشق وبغداد، وهو ما يفوق كثيرًا شعورهم في أثناء وجودهم في باريس ولندن وروما.
إنَّ هذا الجدل الدَّائر داخليًّا وخارجيًّا حول دور تركيا يضع الإسلاميِّين في العالم في محكٍّ جديدٍ لدراسة تجربة تركيا من باب "اطلبوا العلم ولو في الصين"، بما يصبُّ في صالح البلاد والعباد، وهو أحد الأهداف التي أمر بها الله- عزَّ وجلَّ- عباده.
إنَّ الاسلاميَّين في حاجةٍ إلى التَّفقُّه في تجربة تركيا لاكتساب فقهٍ سياسيٍّ رشيدٍ ومُتميِّزٍ من أبناءٍ نبتوا في صفوف الحركة الإسلاميَّة التي رعاها في تركيا الكبير أربكان، وليسوا في حاجة إلى الامتعاض غير المُبرَّر عند ذكر التَّجرُبة أو الرَّيبة خوفًا من كلِّ تجديدٍ!

-------------------
(*) صُحفي مصري

أقرأ المزيد...

"العدالة والتنمية" التُّركي بين السِّياسات والمكاسب.. قُراءةٌ مُغايرةٌ!!...



أردوغان وبيريز.. علاقاتٌ جداليَّةٌ بين بلدٍ مسلمٍ وإسرائيل!!
-    سياسات العدالة والتَّنمية أدَّت لمُتغيِّراتٍ "تكتيكيَّةٍ" لدى الأحزاب العلمانيَّة التُّركيَّة
-    لا يمكن اعتبار تجربة العدالة التُّركي قابلة للتَّعميم على الأحزاب الإسلاميَّة الأخرى في العالم العربيِّ والإسلاميِّ
-    العلاقات مع إسرائيل أكثر نقاط الإثارة للجدل لدى تركيا أردوغان

بقلم: أحمد التِّلاوي
اختباراتٌ عديدةٌ مرَّت بها حكومة حزب العدالة والتنمية التركي خلال الفترة الأخيرة، على مُختلف المُستويات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وفي مُختلف الاتِّجاهات؛ السِّياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة، وبعيدًا عن تقييم هذه الاختبارات ودرجة نجاح العدالة والتَّنمية بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في تجاوزها، فإنَّ الدَّلالات الأهم في هذا المقام هي تلك المتعلقة بما أبرزته هذه الاختبارات من قدرة الحزب على تجاوز مثل هذه الاختبارات.
وفي هذا الإطار فإنَّ الدلالات الأهم تكمُن في الكيفية التي استطاع بها العدالة والتَّنمية تطوير أدواته للتَّعامُل مع حزمةٍ من المُشكلات الآنيَّة، وهو ما يعكس درجةً كبيرةً من المرونة في السِّياسات والمُؤسَّسيَّة في التَّخطيط والقرار، بحيث يمكننا أنْ نقول بأنَّ حكومة العدالة والتنمية بأجنحتها الحزبية والسِّياسيَّة تميل إلى العمل بمبدأ "المهنيَّة خير عاصمٍ".
وفي هذا الإطار، فإنَّ أردوغان وحكومته استطاعا خلال الأسابيع الأخيرة الخروج من أكثر من عنق زجاجةٍ مهمٍّ، كان كلٌّ منها كفيلٌ بإسقاط حكومةٍ من حكومات العالم الثَّالث، أو على الأقل بزعزعة الاستقرار فيها.
وكانت الملاحظة الأهم التي توصل إليها المراقبون في هذا المقام، هي أنَّ تركيا- أردوغان استطاعت الموائمة ما بين مختلف اعتبارات الأمن القوميِّ والمصلحة العليا التُّركيَّة في مُقابل الحفاظ على أمرَيْن، الأوَّل هو محاولة الحزب الحفاظ قدر على ثوابت التَّوجُّهات الإسلاميَّة التي يتبناها، والثَّاني هو المُضي قُدُمًا في محاولة استرجاع هوية تركيا الإسلاميَّة.
نجاحٌ داخليٌّ
وبلغ من نجاح حزب العدالة والتنمية في هذا الأمر، أنْ حمل حزب الشعب الجمهوري العلماني العتيد، مُؤسِّس الجمهوريَّة التُّركيَّة العلمانيَّة، على تغيير اتِّجاهاته السِّياسيَّة بمقدار مائة وثمانين درجة، وبدا ذلك واضحًا في بضعة قراراتٍ تبنَّتها قيادة الحزب قُبَيْل أشهر من الانتخابات البلديَّة الأخيرة التي جرت في أواخر مارس الماضي.
في نوفمبر 2008م، ثارت في تركيا نقاشات حادةٌ على إثر الدَّعوة التي وجَّهها رئيس حزب الشَّعب في مدينة إسطنبول، جورسال تكين، للسَّماح بارتداء الحجاب في الجامعات التُّركيَّة، والتي جاءت بالتَّزامُن مع موافقة رئيس الحزب دينيز بايكال، على منح عضويَّة الحزب لعددٍ من النِّساء المُحجَّبات.
واعتبر كثيرٌ من المُعلِّقين هذه الخطوة "خروجًا عن نهج الحزب" الأتاتوركيِّ المعروف بتمسُّكِه الشَديد بمبادئ العلمانيَّة، ورفض أيَّة مظاهرٍ إسلاميَّةٍ في الجمهوريَّة التُّركيَّة.
وبعد ذلك، وفي فبراير الماضي، اتَّخذ حزب الشَّعب قرارًا "ثوريًّا" بفتح فصولٍ خاصة لتحفيظ وتعليم القرآن الكريم بدعوى تقديم التفسير الصحيح لكتاب الله.
المراقبون عندما قاموا بتفسير هذا العمل من جانب حزب الشعب التركي، رأوا أنَّه كان محاولةً من جانب الحزب لاستباق موعد الاستحقاق الانتخابي البلديِّ الذي جرى في التَّاسع والعشرين من مارس الماضي، سعيًا من الحزب لاكتساب أرضيَّةٍ وسط النَّاخبين ذوي التَّوجُّهات الإسلاميَّة، ممَّن ساعدوا على الصُّعود السِّياسيِّ لحزب العدالة والتَّنمية، وكانوا العمودُ الفقريُّ له منذ مطلع الألفيَّة الجديدة.
وفي حقيقة الأمر، فحتى لو كان حزب الشَّعب التُّركيُّ قد حقَّق مكاسبًا في هذه الانتخابات على حساب العدالة والتَّنمية، فإنَّ نتائج الانتخابات البلديَّة تصبُّ في مصلحة أردوغان وحكومته وحزبه؛ حيث إنَّ الانتخابات أثبتت صدقيَّة فهم العدالة والتَّنمية للشَّعب التركي
فحينما عمد حزب الشَّعب لتقليد التوجهات الخاصة بالعدالة والتَّنمية، استطاع الخروج من زنزانته السياسية التي دخلها بعد وفاة زعيمه السَّابق المُحنَّك بولنت أجاويد، الذي هُزِمَ سياسيًّا أمام أردوغان في انتخابات العام 2002م، وهو ما يحسب للعدالة والتنمية وليس لحزب الشَّعب بالأساس، فالشَّعب حقَّق تقدمًا عندما تبنَّى رؤى حزب العدالة.
الملف الثاني الذي كان لحكومة العدالة والتنمية دورًا كبيرًا في ترتيبه بالشكل الذي يحافظ على سلامة الأمن القومي للبلاد من دون التَّورُّط في مغامراتٍ عسكريَّةٍ كان ملف حزب العُمَّال الكردستانيِّ، والملف الكرديِّ عمومًا؛ حيث تبنَّت الحكومة التُّركيَّة الحالية سلسلةً من الإجراءات على الجانبَيْن، الأكراد في تركيا، وحزب العُمَّال الكردستاني المتمركز في شمال العراق.
وأدَّت هذه السِّياسات إلى تحسين الوضع الاقتصاديِّ والأمنيِّ في جنوب البلاد، وإلقاء عددٍ كبيرٍ من جنود الحزب للسِّلاح وتفضيلهم العودة إلى موطنهم الأصلي في جنوب تركيا.
حلف النَّاتو والشرق الأوسط
خلال القمة الأخيرة التي عقدها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في مدينة ستراسبورج الفرنسية، رفضت تركيا، إحدى أهم بلدان الحلف، تعيين رئيس الوزراء الدانماركي السابق أندرياس فوج راسموسن في منصب الأمين العام للحلف محل الهولندي ياب دي هوب شايفر.
وكان لأردوغان ثلاثة تحفظاتٍ رئيسيةٍ على راسموسن وسياساته، وهي:
-    موقف راسموسن من أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، التي فجرتها صحيفة الـ(يلاندز بوستن) الدانماركية في العام 2005م، وتبعتها صحفًا نرويجيةٍ وأوروبيةٍ أخرى في العام 2005م، حينما اعتبر راسموسن خلال رئاسته للوزراء أنَّ نشرها حرية تعبير.
-    احتضان الدانمارك لقناة تلفزيونية تؤيد حزب العمال الكردستاني المصنف أوروبيًّا كحركةٍ إرهابيةٍ.
-    معارضة راسموسن لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي صراحةً.
وكانت قمة الحلف في فرنسا، وهي تأتي في الذكرى الستين لتأسيسه قد تبنت مبدأ ضرورة خروج الحلف بمواقفٍ تعطي صورةً سياسيةً وإعلاميةً أمام العالم تقوم بأنَّ أعضاء الحزب أكثر تضامنًا ووحدةً في الرأي أكثر من أي وقتٍ مضى، ولم يكن من المسموح لأحد الخروج على هذا الإجماع، وخصوصًا في قضيتَيْ أفغانستان وخلافة شايفر والعلاقات مع روسيا، خصوصًا في أول قمةٍ للحلف يحضرها الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
ولذلك مارست الولايات المتحدة وإيطاليا ضغوطًا على تركيا للتراجع عن قرارها، فما كان من أردوغان إلا أنْ وافق على اختيار راسموسن أمينًا عامًّا، مع تحويل الموقف برمته كالعادة لمصلحة بلاده العليا؛ حيث انتزع منصب نائب الأمين العام للحلف لصالح أحمد المسئولين العسكريين الأتراك.
وذلك مع تطبيق لائحة الحلف التي تعطي المناصب العليا للدول الأعضاء بحسب مشاركتها في قوة الحلف وفي دعم قواعده حول العالم، وهو في صالح تركيا التي تعتبر إحدى أكبر البلدان الأعضاء في حلف الأطلنطي مشاركةً في هذا الإطار.
كانت مواقف أردوغان والحكومة التركية إزاء ملف العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة من القوة بحيث لم يتصور أحد ردًّا من جانب الصهاينة والأمريكيين سوى اغتيال أردوغان سياسيًّا، وتصفيته معنويًّا، وكان آخرها إلغاء مناورات "نسر الأناضول" الجويَّة السنويَّة مع حلف الناتو، بسبب مشاركة إسرائيل فيها.
وفي تبريره للطلب من تل أبيب عدم المشاركة في المناورات، أنَّ الطائرات الإسرائيليَّة التي كانت سوف تجيء إلى تركيا للمشاركة في المناورات، هي ذاتها التي قصفت غزَّة.
نظرةٌ تقيميةٌ
لم يستطع أردوغان وفريقه إنجاز الوضع الذي وصلوا إليه في الوقت الرَّاهن إلا بالعوامل الآتية:
-    الأوَّل امتلاك إرادة القرار، وما تتطلبه من استقرارٍ واستقلالٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ، وفي كافة عناصر القوة الشاملة للدولة.
-    الثَّاني حُسن استغلال عوامل القوَّة الشَّاملة هذه، التي تملكها الدَّولة التُّركيَّة بما في ذلك الموقع الجيوسياسيِّ، وتاريخها في قيادة دولة الخلافة الإسلامية عبر حوالي خمسة قرونٍ من الزمان.
-    حُسْن تقدير الموقف السِّياسيِّ الإقليميِّ والدَّوليِّ، ومدى حاجة مُختلف الأطراف لتركيا كلٌ فيما يخصُّه.
ولا يمكن بطبيعة الحال أيًّا كان الموقف أو التَّحليل الخاص بحزب العدالة والتَّنمية التُّركيِّ وسياسات رئيسه ورئيس الوزراء التُّركيِّ رجب طيب أردوغان، إلا أنْ نصف الحزب وتجربته السِّياسيَّة في تركيا بأنَّها أمرٌ إيجابيٌّ، فمهما كان الوضع، فوصول حزبٍ ذو خلفيَّةٍ إسلاميَّةٍ في هذا البلد يعني نكوصًا على العلمانيَّة التي أرسى دعائمها مصطفى كمال أتاتورك، وإسقاطه الخلافة الإسلاميَّة.
فوصول العدالة والتَّنمية للحكم مثَّل اتجاهًا عكسيًّا أوقف تأثيرات على الأقل حدَّ من انطلاقة قطار العلمانيَّة التي فصلت الدِّين عن الدَّولة، وعزلت الإسلام عن الحكم، وحاربته في مظاهِرِهِ، بما في ذلك مناهج التعليم، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكتابة اللغة التُّركيَّة بحروفٍ لاتينيَّةٍ بدلاً من العربيَّة، وصولاً إلى منع حجاب المرأة المسلمة، مع ربط تركيا ربطًا عضويًّا وفكريًّا بالمشروع الغربيِّ.
كما أنَّ حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة بدأت في إعادة الروح والهويَّة الإسلاميَّة للمجتمع التُّركيِّ تدريجيًّا، فخاضت معركة الحجاب، ومعركة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وبدأت في إعادة عبارة الخلافة العثمانيَّة" إلى الأدبيَّات الإعلاميَّة التُّركيَّة، ومن قبل وأثناء توليه منصب العمدة في محافظة إسطنبول، عمد أردوغان إلى القضاء على تجارة الرقيق الأبيض وإغلاق بيوت الهوى عبر توفير المهن الشَّريفة الَّلازمة للفتيات العاملات في هذا الحقل.
إلا أنَّه على الجانب الآخر، سواءً على المستوى الفكريِّ- التَّنظيري أو التَّطبيقي العملاني لا يمكن القول إنَّ تجربة الحزب في تركيا تعني انتصارًا كاملاً للمشروع السِّياسيِّ الإسلاميِّ في صورته النَّقيَّة، سواء في هذا البلدٍ الذي كان هو عاصمة الخلافة الإسلاميَّة، أو على مستوى تجربة المشروع السِّياسيِّ الإسلاميِّ في العالم، كنموذجٍ يحتذى به، لعددٍ من الأسباب التي من أهمُّها التزام أردوغان بقواعد العمليَّة السِّياسيَّة التُّركيَّة وبأحكام الدُّستور، حتى وصلت به المواءمة السِّياسيَّة إلى الإعلان علنًا أنَّه ملتزمٌ ليس فحسب بالطَّبيعة المدنيَّةِ في إطار مرجعيَّته السِّياسيَّة، بل قال إنَّه ملتزمٌ بهويَّةِ تركيا العلمانيَّة.
وفي البداية، قال أردوغان: "إننا لن نحيد عن العلمانيَّة، ولن نغيِّر فيها أيَّ شيء، بل ما جئنا إلا للمحافظة عليها"، وذلك لكي يحافظ على الشَّعرة القائمة بينه وبين المُؤسَّسة العسكريَّة التُّركيَّة التي هي الحارس الأول للنِّظام الجمهوريِّ العلمانيِّ في تركيا، بموجب الدُّستور الموضوع في العام 1983م بعد ثلاث سنواتٍ من الحكم العسكريِّ إثر انقلاب الجنرال كنعان إيفرين.
حيث اشترطت وقتها المُؤسَّسة العسكريَّة أنْ يتم منحها صلاحياتٍ دستوريَّةً لعزل أيَّةِ حكومةٍ ترى أنَّها تتجاوز في سياساتها الأسس العلمانيَّة للدَّولة التُّركيَّة، لكي تسمح بعودة الحكم المدنيِّ للبلاد، وهو ما جرى مع حكومة حزب الرَّفاه الإسلاميِّ بزعامة نجم الدِّين أربكان، الذي كان أوَّل رئيس وزراء إسلامي في تركيا، في أواخر التسعينيَّات، فضغط الجيش على الإسلاميِّين عن طريق الرَّئيس سليمان ديميريل، فاستقال الإسلاميون من الحكم، وتمَّ حظر حزب الرَّفاه في العام 1998م.
ويمكن القول إنَّ التبدلات التي طرأت على السِّياسة التُّركيَّة في عهد أردوغان أنْ نعزوها إلى أنَّ تركيا تشهد تحولاتٌ عديدةٌ منذ مطلع السَّبعينيَّات سواءً فيما يتعلَّق بالعودة للجذور الإسلاميَّة أو في زحزحة الأحزاب العلمانيَّة عن عرشها، ففي العام 1970م ظهر النِّظام الوطني، أوَّل تجارب أربكان في العمل الحزبي، ثمَّ حلَّ محلَّه حزب السَّلامة الوطنيِّ، وتراجعت حدَّة سياسات الاحتواء التي مورست ضد التَّيَّارات الإسلاميَّة في البلاد، وكان في ذلك نواةٌ لتحولاتٍ كبرى فيما بعد، وفي مطلع التسعينيَّات، بدأ الشُّعور الدِّينيِّ في التَّنامي رغم انفتاح البلاد الواسع على الغرب، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وذلك بسبب اتِّخاذ الدِّول الغربيَّة مواقفٍ سلبيَّةٍ تجاه تركيا بعد اجتياحها جزيرة قبرص.
ومن هنا نرى أنَّ التحولات في تركيا نحو الجذور الإسلاميَّة هي التي أتت بأردوغان للحكم أوَّل مرَّةٍ في العام 2002م، وليس العكس، أي ليس أردوغان هو الذي أوجد الصَّحوة الإسلاميَّة في تركيا، على حداثة عهد الحزب بالحياة السِّياسيَّة التُّركيَّة، فهو في الأساس خارجٌ من رحم حزب الرفاه الأربكاني في التِّسعينيَّات الماضية، عندما لم يرض أردوغان والرئيس الحالي للجمهوريَّة عبد الله جول عن سياسات أستاذهما أربكان، ورأيا ضرورة التَّوائم السِّياسيِّ مع الأمور القائمة في تركيا حتى يتسنَّى الوصول للحكم، وهو ما رفضه أربكان، فانشق جول وأردوغان وأعدادٌ أخرى عن الحزب، وأسسوا "العدالة والتنمية".
قراءةٌ مغايرةٌ
لا يجب قصر مثل المواقف التي تبنَّاها أردوغان إزاء المحرقة الإسرائيليَّة الأخيرة في قطاع غزَّة على حكومات العدالة والتَّنمية فحسب، بل إنَّ هناك سوابق حالةٍ كان لحكوماتٍ علمانيَّةٍ تبنَّت سياساتٍ غير مواتيةٍ للرِّياح الغربيَّة والصُّهيونيَّة، ففي العام 1985م، وفي حكم رئيس الوزراء التُّركيِّ تورجوت أوزال زعيم حزب الوطن الأم العلمانيِّ القوميِّ، ناشدت تركيا الولايات المتحدة مساعدتها لتأمين دفاعاتها العسكريَّة، ولكن الولايات المتحدة رفضت وقامت بخفض معوناتها العسكرية لتركيا، فردت الأخيرة بإيقاف العمل باتفاقيَّة القواعد العسكريَّة الأمريكيَّة في البلاد.
في المقابل، وتحت حكم أربكان في العام 1995م، أقامت تركيا اتحادًا جمركيًّا مع الاتحاد الأوروبي عقب مفاوضات استغرقت 20 عامًا، وشنَّت تركيا حملةً عسكريَّةً ضد الأكراد، وفي العام 1996م عقدت تركيا مع إسرائيل اتفاقيَّةً استراتيجيَّةً برعايةٍ أمريكيَّة، منحت بموجبها المقاتلات الإسرائيليَّة حقَّ الوصول إلى القواعد العسكريَّة شرقي تركيا، ولم يستطع أربكان منع هذا الاتفاق.
وأبرزت نتائج انتخابات العامَيْن 2005م، و2007م تراجعًا كبيرًا في الموقف السِّياسيِّ للأحزاب العلمانيَّة حتى في معاقلها الرئيسيَّة في أنقرة والأناضول والبحر الأسود، وغيرها من المدن الكبرى بما في ذلك مناطق جنوب وجنوب شرق تركيا، وهو نتائج كانت مؤشراتها قد بدت في انتخابات العام 2004م البلديَّة، التي خسر فيها حزب الشَّعب الجمهوريِّ الذي أسسه أتاتورك نحو نصف البلديات التي كان يسيطر عليها.
وفي الإطار، لا يمكن إغفال الطَّبيعته الشَّخصيَّة لأردوغان، فهناك عواملٌ عديدةٌ تؤثِّر في سياساته لا يمكن إغفالها أو القول إنَّ لأحدها الغلبة على الأخرى في تحديد سياسات أردوغان، فهو تركيٌّ بمعنى الكلمة، بما في ذلك اعتداده بنفسه، ورفعة نظرته لذاته مقارنة مع الآخرين، كما أنَّه مسلمٌ، وذو خلفيَّةٍ إخوانيَّةٍ، وهي تأثيراتٌ لا يمكن إغفالها حينما نتحدث عن سياسات أردوغان، فالرَّجُل لم ينسحب من دافوس احتجاجًا على كلام الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي برر العدوان الإسرائيليِّ الأخيرة على غزَّة، بل لأنَّ رئيس الجلسة، وهو صحفيٌّ أمريكيٌّ في (الواشنطن بوست) المحافظة، لم يحترمه وقاطعه ولم يمنحه الوقت المماثل الذي حصل عليه بيريز، وهنا تداخلت طبيعة أردوغان التُّركيَّة، فغضب وانسحب من الجلسة، وفي ذات الوقت كانت طبيعته كمسلم تملي عليه الرَّد على بيريز.
بالإضافة إلى أنَّ خلفيَّات ووضعيَّة تركيا، وفق النَّظرة الأمريكيَّة والإسرائيليَّة تسمح لأردوغان في اتِّخاذ أكثر السِّياسات حدَّةً دون خشية ردِّ فعلٍ أمريكيٍّ أو إسرائيليٍّ عنيفٍ، فتركيا بلدٌ مهمٌّ في التَّحالُف الغربيِّ، ولها علاقاتٌ مع الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو، ولذلك هو لم يخشَ شيئًا عندما منع الأمريكيون من استغلال القواعد الجويَّة التُّركيَّة في ضرب العراق خلال الغزو الأمريكي البريطانيِّ للعراق في العام 2003م، وهو نموذجٌ مهمٌّ في قياس ردَّة الفعل الأمريكيَّة إزاء تركيا في أيِّ موقفٍ مماثلٍ.
فأهميَّة تركيا لدى التَّحالُف الغربيِّ أكبر من مجرَّد مثل هذه السِّياسات والمواقف، فتركيا الإسلاميَّة السُّنِّيَّة مثلها في ذلك مثل باكستان، واجهةٌ قويَّةٌ للغاية لدخول الولايات المتحدة والكيان الصُّهيونيِّ لساحة العالم الإسلاميِّ، وتزداد أهمِّيَّة هذا الدَّور التركيِّ بوجود حكمٍ ذو مرجعيَّةٍ إسلاميَّةٍ مثل حكومة العدالة والتنمية الحالية.
ولذلك وبتأييده العلمانيَّة وتدعيمه العلاقات مع إسرائيل اكتسب الحزب تأييد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ فتمَّ أولاً الضَّغط على المُؤسَّسة العسكريَّة في تركيا للقبول بنتائج العمليَّة الديمقراطيَّة، ولولا هذا لما تمكَّن الحزب من تحقيق النجاح وتشكيل الحكومة، كما حقق أردوغان اختراقاتٍ كبيرةً في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي.
ولا ننسَ هنا أنَّ تركيا هي العنوان الأوَّل لمفاوضاتٍ غير مباشرةٍ بين الكيان الصهيونيِّ وسوريا طيلة العامَيْن الماضيَيْن.
كما أنَّ تركيا مواقفها محسوبةٌ بدقةٍ لا تثير أزمةً فعليَّةً في العلاقات بينها وبين الغرب وإسرائيل، فلم يتَّخذ أردوغان خلال عدوان إسرائيل على غزة السِّياسات الفعليَّة التي تهدد الأمن القوميِّ الإسرائيليِّ، فهو لم يسحب اعتراف تركيا بإسرائيل، ولم تقطع العلاقات بين البلدَيْنن ولم يسحب حتى السُّفراء، واكتفى بمواقفٍ دعائيَّةٍ وسياسيَّةٍ تُحقِّق أهدافه المزدوجة:
1-    تدعيم شعبيَّته في العالم العربي والإسلاميِّ.
2-    المزيد من الاختبار لمدى أهميَّة تركيا في العالم الغربي، وذلك انطلاقًا من إدراكه لطبيعة الدَّور التُّركيِّ الهام في هذا الإطار.
وبالفعل بينما أردوغان يعترض على بيريز وينسحب من دافوس، فإنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل سمحت لأردوغان بالاستمرار في دور الوساطة في الملف الفلسطيني- الصهيوني، بما في ذلك الدُّخول في دور وساطةٍ مع حركة حماس فيما يخص الجانب الخاص بصفقة تبادُل الأسرى بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينيَّة.
كما أنَّ رد الفعل الإسرائيليِّ والأمريكيِّ الرسميِّ إزاء ما فعله أردوغان خلال أزمة غزة، لم يتجاوز انتقاداتٍ دبلوماسيَّةً واهنةً.
وفي الختام نقول إنَّ السِّياسة الأمريكيَّة في الوقت الرَّاهن تجاوزت وحلفائها الصورة القديمة التي كانت سائدةً إبَّان الحرب الباردة والصِّراع مع الاتحاد السُّوفيتي السَّابق علنًا؛ حيث الحليف يجب أنْ يكون شديد العداء للعدو المشترك، أمَّا الآن فإنَّه من المصلحة أنْ يكون هناك حلفاءُ لنا من داخل معسكر الأعداء، بحيث يمكن حصار هذا المعسكر من الدَّاخل.

أقرأ المزيد...

تركيا.. أردوغان ودولة العثمانيِّين العائدة!!...

 
انتشار تركي إقليميٌّ ودوليٌّ.. إلى أين؟، وماذا يستهدف؟!
-    المواقف التُّركيَّة إزاء إيران مثار قلقٍ أمريكيٍّ وإسرائيليٍّ
-    الحلم الأوروبيُّ التُّركيُّ يحرِّك الكثير من السِّياسات "الأردوغانيَّة"
-    سياسات العثمانيِّين الجُدُد في تُركيا تعتمد على أصولها الإسلاميَّة

كتب: كارم الغرابلي
لَمْ يكن القرار التُّركيِّ بتأجيل المناورات العسكريَّة مع إسرائيل مفاجئًا للعديد من الأوساط السِّياسيَّة الإقليميَّة أو الدَّوليَّة، وخصوصًا إسرائيل نفسها، التي تراقب عن كثب "هبوطًا" في المستوى البيانيِّ للعلاقات، التي كانت يومًا حميمةً، مع تركيا، وهو الهبوط الذي بدأ في الظُّهور عمليًّا منذ وصول حزب العدالة والتَّنمية التُّركيِّ إلى الحكم قبل سنواتٍ قليلةٍ.
علمًا بأنَّ آخر تقدير موقف للخارجيَّة الإسرائيليَّة صَدَرَ قُبَيْل نشوب الأزمة الأخيرةن وَضَعَ تركيا كلاعبٍ إقليميٍّ يُرسِّخ مكانته في المنطقة في السَّنوات الأخيرة، كونها قوةً عظمى إقليميَّةً رائدةً، ذات قدراتٍ مركزيَّةٍ في الحلبة الإقليميَّة؛ حيث هي على ارتباطٍ بملفات العراق وإيران، وحتى سوريا.
ولذلك، وضعت تل أبيب في سياستها الخارجيَّة أنْ تكون أنقرة في المديَيْن القصير والمتوسط، هدفًا للصَّادرات وللتَّعاون الأمنيِّ، فيما ستصبح على المدى البعيد، مشروعًا لـ"ممرِّ البُنى التَّحتيَّة" ليُشِّكل ذلك قفزةً في العلاقات مع إسرائيل، وفقًا لما أكده عيران عتسيون، الرَّئيس السَّابق لشُعبة التَّخطيط السِّياسيِّ في وزارة الخارجيَّة الإسرائيليَّة.
ومع ذلك، فإنَّ توتُّر العلاقات بصورةٍ تدريجيَّةٍ، يدفع المُراقبون للإشارة إلى عددٍ من المواقف السِّياسيَّة التي اتَّخذها "العثمانيُّون الجُدُد"، كما يحبُّون أنْ يُسمُّوا أنفسهم، واعتبرتها تل أبيب مؤشراتٍ سلبيَّةً في هذه العلاقات، ومنها:
1. التَّرحيب التُّركيُّ الرَّسميُّ بفوز حركة حماس في الانتخابات التَّشريعيَّة، واستقبال قيادة الحركة على الأراضي التُّركيَّة، في "تحدٍّ صارخٍ للإرادة الدَّوليَّة"، ومن بينها الإرادة الإسرائيليَّة بطبيعة الحال، التي اشترطت للاعتراف بفوز حماس وتشكيلها للحكومة الفلسطينيَّة، الاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين مُنظمة التحرير الفلسطينيَّة وإسرائيل، ونبذ المقاومة.
2. الموقف التُّركيُّ الصُّلب الذي عبَّر عنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، من الحرب الأخيرة على غزَّة، واتهامه صراحة لإسرائيل بارتكاب جرائمِ حربٍ ضد الفلسطينيِّين.
3. التَّقارُب التُّركيُّ الإيرانيُّ، والذي تتوَّج بزيارة الرئيس التُّركيِّ عبد الله جول إلى طهران في الأيام الأخيرة، وهو أمرٌ، وإنْ كان هناك شكلٌ من أشكال التنافس بين البلدَيْن في بعض الأحيان في إدارة بعض ملفَّات المنطقة، فإنَّه يتنافى مع رغبة تل أبيب التي تريد تشديد العزلة السِّياسيَّة على طهران، بسبب الملف النَّوويِّ الإيرانيِّ.
4. كما أنَّ "الحميميَّة" التي طرأت بصورةٍ تدريجيَّةٍ على العلاقات السُّوريَّة التُّركيَّة، بَدْءًا بالتَّنسيق في المواقف السِّياسيَّة، وتوقيع اتِّفاقيَّاتٍ إستراتيجيَّةٍ في مختلف المجالات، وإلغاء اشتراط الحصول على التَّأشيرة للسُّوريين لدخول الأراضي التُّركيَّة والعكس، وصولاً إلى الاتِّفاق على إجراء مُناوراتٍ عسكريَّةٍ مُوسَّعةٍ مشتركةٍ.
5. تحوُّل المُدن التُّركيَّة إلى ساحةٍ حقيقيَّةٍ لتنفيذ العديد من النَّشاطات والفعاليَّات المُؤيِّدة للفلسطينيِّين، في حالةٍ احتفاليَّةٍ معاديةٍ لإسرائيل هي الأكبر من نوعها مُنذ عقودٍ عديدةٍ، ولم يكن ذلك ليتمَّ دون "غضِّ الطَّرف" الرَّسميِّ، فضلاً عن تشجيعها ودعمها.
ضيفٌ غير مرغوبٍ فيه
من المعروف أنَّ توتُّر العلاقات على خطِّ تل أبيب- أنقرة لم يبدأ بالموقف التُّركيِّ المُسانِد للجانب الفلسطينيِّ في حرب غزَّة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، وإنَّما هو توتُّرٌ يجد مُحفِّزاته الرَّئيسيَّة في توجُهات حزب العدالة والتَّنمية الإسلاميِّ الحاكم، وتحديدًا المتعلِّقة بالآتي:
-    السِّياسة الخارجيَّة التُّركيَّة:
أصرَّت حكومة حزب العدالة والتَّنمية على التَّأكيد على إتِّباع سياسةٍ خارجيَّةٍ مُستقلَّةٍ وخارج دائرة التَّنسيق التَّقليديِّ مع تل أبيب واشنطن، وقد بدأ الاداء السُّلوكيِّ للسِّياسة الخارجيَّة التُّركيَّة يعكس ذلك مُنذ بدايات صعود حزب العدالة والتَّنمية لسُدَّة الحكم في العام 2002م.
-    السِّياسة الدَّاخليَّة التُّركيَّة:
على المستوى الدَّاخليِّ تبلور في تركيا صراعٌ سياسيٌّ مثَّل طرفاه حزب العدالة والتَّنمية وحزب الشَّعب الجمهوريِّ، وقد اختار محور واشنطن- تل أبيب دعم حزب الشَّعب العلمانيِّ بطبيعة الحال.
وفي هذا الإطار مثل التَّقارُب التركي السوري وسياسة تركيا الجديدة إزاء سوريا، وما ترتب عليها من روابطٍ تركيةٍ- سوريةٍ مُتزايدةٍ، إضافة للمواقف السِّياسيَّة التُّركيَّة المُؤيِّدة لحقوق سوريا في صراعها مع إسرائيل، إضافةً لرفض تركيا المُتزايد لتقديم التَّسهيلات الأمنيَّة العسكريَّة التي تتيح لإسرائيل استهداف سوريا، إضافةً إلى موقف تركيا غير المتواطئ مع تل أبيب في جهود الوساطة السُّوريَّة- الإسرائيليَّة، التي ظلت تشرف أنقرة على رعايتها.
بجانب ذلك كانت المواقف التُّركيَّة في شأن إيران مثار قلقٍ أمريكيٍّ وإسرائيليٍّ؛ حيث ظلت تركيا طوال الأعوام الماضية ترفض الوقوف إلى جانب حليفتها واشنطن لجهة التَّورُّط في مسألة تشديد العقوبات ضد إيران، إضافة إلى رفض تركيا القاطع لأيِّ طرفٍ لاستغلال الأراضي والأجواء التُّركيَّة للقيام باستهداف إيران.
وتقول التَّسريبات إنَّ مناورات "نسر الأناضول" الجويَّة التي ألغتها تركيا، كان الإسرائيليُّون يُخطِّطون لاستخدامها بشكلٍ مزدوجٍ، الوجه الأوَّل لها هو المُشاركة في المناورات والتَّدريبات الجويَّة بحسب البرنامج المحدد، والوجه الثاني تنفيذ عمليَّةٍ مخابراتيَّةٍ- عسكريَّة سرِّيَّةٍ ضد إيران بالتَّعاوُن مع القوَّات الجويَّة الأمريكيَّة المُشارِكة.
وتشير التَّسريبات إلى أنَّ العمليَّة السِّرِّيَّة المُوازية كانت تهدف إلى القيام بعمليَّات رصدٍ واستطلاعٍ جويٍّ لبعض مناطق الحدود الإيرانيَّة، إضافةً إلى محاولة الرَّصد الإلكترونيِّ لطبيعة عمل الرَّادارات ووسائل الدِّفاع الجويِّ الإيرانيَّة من خلال التَّحليق في الأجواء التُّركيَّة.
وتمثَّلت التَّطوُّرات والوقائع الأخيرة المُتعلِّقة بالموقف التُّركيِّ إزاء أزمة الملف الإيرانيِّ في الآتي:
- إعلان تركيا رسميًّا أنَّها ستتصدَّى بالوسائل العسكريَّة لأيَّة طائرةٍ تخترق الأجواء التُّركيَّة للقيام باستهداف إيران.
- إعلان تركيا رسميًّا عن تعاونها مع إيران في مجالات النَّفط والغاز والتِّجارة.
- إعلان تركيا عن مُخطَّطٍ لزيادة مُعدَّلات التِّجارة الإيرانيَّة- التُّركيَّة من 6.5 مليار دولار إلى 20 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة القادمة.
إسرائيل "الغاضبة"!!
جاءت ردود فعل القيادة الأمنيَّة والسِّياسيَّة في تل أبيب على الفتور في العلاقات مع تركيا، التي وصلت ذروتها بإلغاء مُشاركة القوَّات الإسرائيليَّة في المُناورات العسكريَّة، غاضبةٌ أو مُنْتَقِدَةٌ.
وفي الإطار اتهمت أغلب الأوساط الصَّحفيَّة والإعلاميَّة في إسرائيل، رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، مباشرةً بالوقوف وراء تأزُّم العلاقات مع تلِّ أبيب، وذكرت أنَّه ليس معنيًّا بمواصلة العلاقات الإستراتيجيَّة الخاصَّة مع إسرائيل، لأنَّه بنظرها يميل إلى انتهاج خطٍّ سياسيٍّ مُعادٍ لإسرائيل، مُقابل التقارُّب مع إيران وسوريا.
وبحسب الباحث الإستراتيجيِّ الفلسطينيِّ عدنان أبو عامر، فقط علت أصواتٌ إسرائيليَّةٌ مُوجِّهةً تهديداتٍ لتركيا، وطالبت القيادة الإسرائيليَّة بعدم الانحناء أمام أنقرة، وأنَّه يجب إفهام أردوغان "أنَّه لا يمكنه إمساك العصا من طرفَيْها"، أي الحفاظ على مكانة تركيا لدى الغرب من جهة، ومن جهة أخرى إقامة علاقات مع دولٍ "متطرفةٍ" مثل إيران، من وجهة النَّظر الإسرائيليَّة.
وتقول التَّقارير إنَّ إسرائيل بدأت بالفعل في توجيه رسائلٍ إلى أنقرة عن طريق شركاءٍ أوروبيِّين وأمريكيِّين، تقول إنَّ إسرائيل عنصرٌ مهمٌّ في الشَّرق الأوسط، وأنَّ حلف شمال الأطلنطي (الناتو) لن يسمح بالالتفاف عليها.
بالمُقابل، أخذت العلاقات التُّركيَّة- العربيَّة تتطوَّر بصورةٍ سريعةٍ ومُتزايدةٍ في الآونة الأخيرة، في ظلِّ تحسُّنٍ أكبر في العلاقات التُّركيَّة الخارجيَّة.
فقد لعبت تركيا وما زالت تلعب دورًا مُهمًّا في محاولةٍ لرأب الصدع في العلاقة بين دمشق وبغداد، كذلك تطورت علاقات أنقرة مع دمشق بصورةٍ مُتسارعةٍ مؤخرًا، كما سبق القول.
رؤية الأتراك
وتُثير السِّياسة الخارجيَّة الجديدة لتركيا تساؤلاتٍ من جانب الكثيرين في الأوساط العربيَّة المُختلفة عن التَّوجُّهات الجديدة للسِّياسة التُّركيَّة على الصَّعيدَيْن الدَّاخليِّ والخارجيِّ.
وفي هذا الإطار يُفسِّر وزير الخارجيَّة التُّركيُّ أحمد داود أوغلو بأنَّ السِّياسة الخارجيَّة التُّركيَّة كانت تفتقر إلى التَّوازُن بسبب تركيزها الفائق على العلاقات مع أوروبا الغربيَّة والولايات المتحدة، إلى حدِّ إهمال مصالح تركيا مع الدِّول الأخرى، لاسيما دول الشَّرق الأوسط.
ويرى بعض المُهتمِّين بالشَّأن التُّركيِّ أنَّ قادة حزب العدالة والتَّنمية يحاولون التَّواصُل مع الشَّرق؛ لاستكمال علاقتهم مع الغرب وليس لاستبدالها، وأنَّ العثمانيَّة الجديدة تتسم بازدواجيَّة الوجه، هدفها الانفتاح على الغرب كما على العالم الإسلاميِّ، وبالمقدار نفسه؛ لأنَّ للإرث الأوروبيِّ أهميَّةٌ كبيرةٌ للعُثمانيِّين الجُدُدِ.
أما أهداف السِّياسة الخارجيَّة لتركيا وفقًا لرؤية أحمد أوغلو، بحسب نظريَّتِه (العُمق اللإستراتيجيِّ) فتتلخَّص في الآتي:
1. السَّعي لخلق دَوْرٍ إقليميٍّ أكبر لتركيا يُشارك في إرساء معالم النِّظام الإقليميِّ في منطقة الشَّرق الأوسط والبلقان، ويضمن أنْ تتحوَّل تركيا إلى قوَّةٍ عُظمى إقليميَّة.
2. تحقيق درجةٍ عاليةٍ من الاعتماد الاقتصاديِّ المتبادل مع دول الجوار.
3. ضمان أمن تركيا القوميِّ واستقرارها عبر تطوير دورٍ أكثر فاعليَّةٍ، لتوفير النِّظام والأمن والاستقرار في النُّظم المحيطة بها.
4. جَذْبُ انتباه شُركاء تُركيا في الشَّمال، وتحديدًا في بروكسل إلى أهميَّة الدَّور التُّركيِّ وإمكانيَّة استفادة الاتِّحاد الأوروبيِّ من إمكانيَّات أنقرة المُتعاظمة في تعزيز دور الاتِّحاد الأوروبيِّ عالميًّا، ومِنْ ثمَّ فلابد من تحوُّل تركيا لقوَّةٍ عُظمى إقليميَّةٍ، تُثير اهتمام الأوروبيِّين لضمَّها للاتِّحاد الأوروبيِّ.
أمَّا الوجه الآخر لهذه الرسالة فهو استفزاز أوروبا والولايات المتحدة، وابتزازهما في حال رفض المسعى التركي للانضمام للاتِّحاد الأوروبيِّ، فإنَّ ذلك سيُعيد تركيا إلى ماضيها الإسلاميِّ، بما ينطوي عليه ذلك من تغذيةٍ للأصوليَّة، والتَّيَّارات المتطرفة.
وبحسب وزير الخارجيَّة التُّركيِّ، فإنَّ تركيا تعتمد على مجموعةٍ من الوسائل لتحقيق أهدافها هذه:
1. اعتماد القوَّة النَّاعمة لا الصُّلْبَة في السِّياسة الخارجيَّة، وهي تعني علمانيَّةً أقلَّ تشدُّدٍ في الدَّاخل، ودبلوماسيَّةً نشطةً في الخارج، وخاصَّة في المجال الحيويِّ لتركيا.
2. ترى تركيا أهمِّيَّة التَّعاوُن الدَّوليِّ وضرورة التَّمسُّك بالعامل الاقتصاديِّ وإعطائه الأولويَّة في التَّصدِّي للخلافات والصِّراعات السِّياسيَّة، بمعنى تغليب المصالح الاقتصاديَّة على الخلافات السِّياسيَّة، وهذا يتطلَّب بالضَّرورة تغليب الحوار في حلِّ المشاكل.
3. تتبنَّى السِّياسة التُّركيَّة إقامة علاقاتٍ مُتعدِّدةِ الأبعاد، ومُتوازنةٍ وجيِّدةٍ مع جميع الأطراف، وفي أكثر من منطقةٍ جيوسياسيةٍ، وهو ما يقتضي- بحسب رأي أحمد داود أوغلو- عدم رفض أحد، وعدم الطَّلب من أحدٍ أنْ يتغيَّر، وألا نُملي على أحدٍ ما يجب فِعْلِه.
4. ضرورة تصفية الخلافات مع دول الجوار وتنمية التَّعاوُن معها.
5. أنْ تكون تركيا على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأطراف الإقليميَّة، وأنْ تُفكِّك عُزلتها والعداوة التَّاريخيَّة بينها وبين جيرانها، وصولاً إلى المُشاركة في السِّياسة الإقليميَّة من موقع الفاعل المؤثِّر، وهو ما تمَّ مع أرمينيا عن طريق دبلوماسيَّة كرة القدم، والتي تُوِّجَتْ باتفاقيات زيوريخ الأخيرة بين أنقرة ويرفان.
6. أنْ تتولَّى تركيا تسوية العديد من المشاكل في منطقة الشَّرق الأوسط وجنوب البحر المتوسط، وصولاً إلى البلقان ومنطقة بحر قزوين.
ولذا فإن الحركة السِّياسيَّة التُّركيَّة النَّشطة، تُعتَبَر في نظر بعض المراقبين رسالةً إلى الأوروبيِّين، أنْ تركيا ضروريَّةٌ لهم في الشَّرق الأوسط، وأنَّ أيَّ استقرارٍ تنشده أوروبا في المنطقة غير ممكنٍ من دون مساعدة تركيا القادرة على التَّواصُل مع جميع الأطراف في المنطقة وتسوية الكثير من الملفَّات الشَّائكة..

أقرأ المزيد...

شهادةٌ حول زيارة تركيا: تجربةٌ تستحقُّ الدِّراسة...


 
كولن (يمينًا) وأردوغان.. تطبيقان لتجربةٍ واحدةٍ تتوسَّع إقليميًّا ودوليًّا
-    يُعتبر الشَّيْخ عبد الله كولن الأب الرُّوحيُّ للتَّجرُبة الإسلاميَّة في تركيا
-    هناك تساؤلاتٌ حول مكان المرأة في التَّجرُبة الإسلاميَّة التُّركيَّة
-    التَّجرُبة التُّركيَّة دفعت الغرب لإعادة النَّظر في تقييم تجرُبة الإسلام السِّياسيِّ

شهادة كتبتها لـ(اتِّجاهات): الدُّكتورة ناهد عز الدِّين
لَمَسْتُ خلال زيارتي الأخيرة لتركيا حلولاً تبدو بسيطةً أقرب للفطرة، ولكنَّها شديدة العُمق وأقرب لأعلى تجلِّيات الفلسفة لكثيرٍ من الإشكاليَّات التي يُعاني العالم الإسلاميُّ منها تحت وطأة ما تُمثِّلُه من تحدِّياتٍ وضغوطٍ تعوق تقدُّمه وما ينجم عنها ويترتَّب عليها من تداعياتٍ تشلُّ إرادتهـ وتفُلُّ في عزمه وتصرفه عن الأصول إلى الفروع ومن المضامين إلى القشور.
ومن بين هذه الحلول:
1. الحركة التي أسَّسها فكريًّا، وحدَّد لها خطَّ السَّيْر والمنطلق والمنهج والمرجعيَّة الشَّيخ فتح الله كولن، تتميَّز بدرجةٍ رفيعةٍ من التَّوازُن؛ فهي تُراعي بدقَّةٍ وسلاسةٍ مُعادلة الدِّين والدُّنيا، وتمزُج بين الرَّوحانيَّات والسُّمو الخُلُقيِّ والمعنويِّ من جانبٍ، والعقلانيَّة والواقعيَّة والمنطقيَّة العلميّضة من جانبٍ آخرٍ، حتى يبدو كلٌّ من الجانبَيْن وكأنَّهُما جناحَيْن متكاملَيْن للحركة يجمعهما الانسجام والتَّآلف أكثر من التَّعارُض أو التَّناقُض.
وكأنَّ العلاقة بين الدِّين والعلم، على سبيل المثال لا الحصر، هي نفس علاقة وجهَيْ العملة الواحدة، والفضل في ذلك يعود إلى أسلوب الطَّرح ومنهجيَّة التَّفكير وإعمال العقل التي اختارها المُفكِّر المُؤسِّس وأسهم في صياغتها من بين بدائلٍ وخياراتٍ أخرى عديدةٍ، كان من الممكن أنْ تقود من يأخُذ بها لنتائجٍ عكسيَّةٍ تمامًا.
ثمَّة اجتهادٍ مُخلصٍ لوجه الله بادر به الشَّيخ الأستاذ، وأشرك معه تلامذته في ترجمة الفكر وتحويله إلى واقعٍ، ونقل الاجتهاد النَّظريَّ من حيِّز الأفكار والخُطَبِ المنطوقة أو المكتوبة على الورق، إلى حيِّز الحركة ذات المردود الملموس على الأرض.
2. على نفس المنوال، تُوازِن الحركة الإسلاميَّة في تركيا بعيار الذَّهب كما يقولون، بين الفرد والجماعة والمجتمع الأوسعن فكلٌّ يجد له مكانًا ودورًا، وكلٌّ يحمل أمانةُ، فلا فرديَّة تذهب لحدِّ الأنانية، ولا ترجيح لكفَّة الجماعة يقهر الفردن ويُلغي إبداعه ويصادر على تميُّزِه واستقلاليَّتِه وكرامته، ولا إغفال للمصالح العُليا للسِّياق المجتمعيِّ الأوسع الشَّامل والمحيط بكليهما.
وقد تجلَّى ذلك عبر تسليط الضَّوْء الكاشف عن الوجه الإنسانيِّ للإسلام، فهو إسلام الأُمَّة وإسلام الجامع وإسلام الرِّسالة العالميَّة المُوجهةُ خطابَها للبشريَّة بأسرها، وللجميع على السَّواء، ودون استثناءٍ، وقوامها الرَّحمة والعدل والتَّسامُح ورحابة الصَّدر وسِعَة الأفق والعطاء والبذل بلا شروطٍ ودون انتظار المقابل؛ حيث الإيمان الذي يصل لمرتبة اليقين، وفرط التَّواضُع والتَّذلُّل أمام الخالق، أملاً في "القبول"، "لعلَّ الله يرضى"، حتى الحصول على المكافأة الأخرويَّة والفوز بالجائزة الكبرى؛ رضوان اللهِ تعالى، وغفران الذُّنوب، ودخول الجنة، الذي هو من فضل الله وكرمه ورحمته.

3. قيادةٌ مُتكاملةٌ هي بحقٍّ مضرب المثل، وخير قدوةٍ تعكس اتِّساقًا نادرًا بين القَوْل والفعل، وتجسيرًا طال انتظاره وافتقاده للهُوَّة السَّحيقة، التي فصلت دومًا بين الفكر والسُّلوك، فالقيادة تحمل وتُجسِّد معاني الصِّدق والتَّواضُع والزُّهد والتَّقشُّف والإخلاص، وهي مبعث الثِّقة المُطْلَقَة (رأس مالٍ اجتماعيٍّ)، سواءً على المُستوى الشَّخصيِّ أو على مُستوى الحركة والمُؤسَّسة التي تُعبِّر عن شخص القيادة، بمصداقيَّة التَّابعين والتزام التَّلاميذ.
الظَّرفُ الزَّمنيُّ الذي نشهد فيه نُدرةً في هذا الصَّنْف من القيادات، والذي نشكو فيه جميعًا ممَّا جرَّته علينا الازدواجيَّة في المعايير وسياسات ومُمارسات الكَيْل بأكثر من مكيالٍ، والانفصام الحاد بين ما هو مُعلنٌ جهرًا، وما هو مُضمرٌ سرًّان والتَّيقُّن من أنَّ وراء كل خطابٍ أجندةِ نوايا خفيَّةٍ، ولعبة مصالحٍ انتهازيَّةٍ، وربما صفقة تحكمها حسابات البيزنس، والأرباح قصيرة النَّظر.
فلحظة وتوقيت الظُّهور هو عنصرٌ لا يقل أهميَّةً في مدلولاته عن أيِّ صفاتٍ شخصيَّةٍ حميدةٍ حملها الشَّيخ فتح الله كولن بين جنبَيْه وترجمتها وبلورتها مجمل حركة "الخدمة" بشقَّيْها كليهما معا؛  المُؤسَّسات والأبنية من جهةٍ، والمُمارسات والأنشطة من جهةٍ ثانيةٍ.
إجمالاً، جاءت الحركة في وقتها المُناسب والمثالي تمامًا لتملأ فراغًا شاسعًا، وتُلبِّي احتياجًا مُلحًّا، وتطرح "البديل"، والشَّاهد تجربةٌ حيَّةٌ ومُؤسَّساتٌ تتحرَّك، وتعمل كخليَّةِ النَّحل، وتُوسِّع من دوائر ومساحات ورقعة حركتها لتغطِّي بقاع الأرض، وهي بذلك تحلُّ عُقدة غياب البديل الملائم وافتقار البدائل المطروحة على السَّاحة للصَّلاحيَّة والمُواءمة والقابليَّة للتَّطبيق، والتي من شأنها أنْ تجعل تبنِّي أيٍّ منها مخاطرةً أو مغامرةً غير محسوبةِ النَّتائج، فهي جميعها لم تُغادر مرحلة كونها رهن الاختبار. 
4. تكاد لا تجد أثرًا يُذكَر لسِمَةِ التَّناقُض الذَّاتيِّ الموجودة داخل أغلب المنظومات والحركات الفكريَّة والمُؤسَّسيَّة، والتي لا تخلو منها نظريَّةٌ أو مدرسةٌ أو عقيدةٌ مذهبيَّةٌ، وتُعدُّ مأخذًا روتينيًّا لكلِّ حركةِ مراجعةٍ نقديَّةٍ تتناولها بالفحص والتقييم.
فالانسجام والتَّوافُق وعناصر الالتقاء ومحاور الالتفاف حول ثوابتٍ راسخةٍ وأعمدةٍ رصينةٍ لا تهتز فيها تعظيمٌ قصديٌّ للقاسَم المُشترك والكلمة السَّواء في أغلب الأمور، التي اعتاد الآخرون وبصورةٍ نمطيَّةٍ مُتكرِّرةٍ من آنٍ لآخرٍ، ولكن على فتراتٍ مُتقاربةٍ، وسواءً عن قصدٍ أو بدون قصدٍ، ولكن عن غفلةٍ فجَّةٍ، ودرجوا على التَّطرُّق إليها من مدخل الصِّدام وتناولها أو الدَّعوة لتجنُّبها من باب دَرْءِ التَّعارُض بعد تكييفها كملفَّاتٍ مُثيرةٍ للفتن والحروب، ومفجرةٌ للأزمات، ثم الانهماك بالبحث عن سبل إخمادها والحديث عن تحدِّياتٍ جمَّةٍ تعوق مُعالجتها.
باختصار، الإطلاع على التَّجرُبة يجعل المرء في حيرةٍ من أمره؛ هل هموم العالم الإسلاميِّ والمسلمين هي مشكلاتٌ حقيقيَّةٌ في حدِّ ذاتها وعصيَّةٌ على الحلِّ كما تبدو لنا، أم أنَّها مجرَّد قضايا وتقاطعات خلقتها الظُّروف، وأريد لها أنْ تُصبح مشكلةً، كما صُوِّرَت على هذا النَّحو، وفي مقدور المُفكِّر المُجدِّد أنْ يطرحها في صورةٍ أخرى مختلفةٍ تمامًا، وأنْ يُستخرَج من رحمها الحل، فلكلِّ داءٍ دواءٌ، والدَّاء هو نفسه، وفي داخله يحتوي ويفرز الدَّواء.
5. التَّواصُل عبر "الحوار" ركيزةٌ أساسيَّةٌ، ومنطلقٌ مُهمٌّ ومبدأٌ آخرٌ حاكمٌ للمنظومة، تكرر ترديد المُصطلح نفسه خلال الزِّيارة عشرات المرات في اليوم الواحد، ومن الواضح أنَّه على خلاف الدَّارِج والمعتاد أيضًا من كَوْنِ الدُّخول في حوارٍ مع الآخر، هو أقرب لحوار الطُّرشان أو الجدل العقيم، إذ يرادف الدَّوران في حلقةٍ مُفرغةٍ، والعودة عند انتهاء الحوار من حيث بدأ لنقطة الصِّفر؛ فثَمَّة زياراتٍ مُنظَّمةٍ ورحلاتٍ مُتبادلةٍ كفيلةٍ بتفعيل قاعدة التَّعارُف وبفتح قنواتٍ للحوار، وثمَّة سعيٍ جادٍّ للمأسسة، ولتشييد الآليَّات والتَّرويج لقصص النَّجاح ورموزه، في مدارسه المختلفة، وثمَّة تحضُّرٍ ونضجٍ وكرمٍ في الأسلوب كفيلٌ بكسر حواجز الاختلاف في الُّلغة مثلاً بخلق وإشاعة أجواء التَّفاؤُل والأريحيَّة وغرس مشاعر الصَّداقة والمودَّة.
6. لَفَتْ أنظارنا كذلك مستوى النُّضجِ المُؤسَّسيِّ كملمحٍ آخرٍ مُميَّزٍ للتَّجرُبة، وعلامةٌ على تفوُّقِها واجتيازها مرحلة التَّأسيس من أعلى، والمبادرة الشَّخصيَّة التي قام بها فردٌ أو مجموعة المُحيطين به، وبلوغها محطة المأسسة بما يُضفي عليها معالم الاستدامة والاستمراريَّة، فالمشروع الفكريُّ أنجز استقلاليَّةً يُعتدُّ بها عن شخص الأستاذ المنتِجِ له، وخرج عن نطاق الشَّخصانيَّة، التي هي مرضٌ من الأمراض شبه المُزمنة التي أصابت الحركة وعطَّلت المُؤسَّسات في كثيرٍ من مجتمعاتنا العربيَّة والإسلاميَّة عن النُّموِّ والتَّطوُّر، فاختفت باختفاء الأبِ المُؤسَّس.
فاكتسب وجوده وكيانه المستقل واستمدَّ قوَّتَه من قوَّة الفكرة ذاتها، وليس من ذات المُفكِّر، وعليه، لم يعد السُّؤال حول المآل مبعثًا لكثيرٍ من الَّلغَط، وليس ثَمَّة غموضٍ كبيرٍ يحيط باستمراريَّة التَّجرُبة الإسلاميَّة في تركيا، وقدرتها على البقاء تحت أيِّ ظروفٍ أو مُستجدَّاتٍ، فالمشروع ماضٍ في طريقه، ويزداد حضوره قوَّةً أيًّا كان مصير الأشخاص، وهم في نهاية المطاف بشرٌ زائلون.
7. في الوقت الذي يشهد رواجًا وذيوعًا لحزمٍ من المفاهيم والمُصطلحات والمفردات ذات الجذور الحضاريَّة الأجنبيَّة، وتتردَّدُ على مسامعنا كلماتٌ، مثل المجتمع المدنيِّ، والعمل التَّطوع، والعمل العام، تجد المشروع ينحت لنفسه مصطلحاته وعائلة مفاهيمه وجملة مفرداته الخاصَّة به، سواءً اشتقَّها من سياقه التَّاريخيِّ والحضاريِّ والمجتمعيِّ أو أبدعها بما يستقيم مع أصالة المشروع وعُمق التَّجرُبة.
ومن بين العناوين التي استوقفتنا مفهوم "الخدمة" ومفهوم "المُتولِّي" ومفهوم "الهمَّة"، علاوةٌ على إكساب مفرداتٍ أخرى معانٍ ودلالاتٍ ومضامينَ جديدةً تعكس في محتواها جوهر الرِّسالة المُستهدفة، فالمدرسة كمكان للتَّربية قبل التَّعليم، والمُدرِّس كرمزٍ وقدوةٍ ومحورٍ وعمادٍ لنجاح التَّجربة؛ حيث يُراهن المشروع على دوره بوصفه الفاعل الأساسيُّ والوحيد في تحقيق غاياته المرجوة، والتَّعليم المقترن بفلسفة بناء الشَّخصيَّة المُتكاملة والمُتوازنة، ومُواكبة أحدث المناهج والمقرَّرات وأساليب التَّدريس، ومراعاة الأبعاد الرَّوحانيَّة والجثمانيَّة من زاوية التَّرفيه والتَّرويح من خلال ربط النَّشاط في شتَّى ضروبه الرِّياضيَّة والفنِّيَّة والثَّقافيَّة.. الخ.
8. مِحوريَّة مفهوم الجودة وضرورة مُراعاة معاييرها المعتمدة عالميًّا، التي تُعدُّ حسبُما جاء على لسان من قابلناهم مُفتاحًا رئيسيًّا من مفاتيح نجاح التَّجرُبة وتثبيت أركانها، وخصوصًا عبر أنشطتها العاملة في ميادين التَّعليم والصِّحَّة والصَّحافة والإعلام والمنتديات الثَّقافيَّة والحواريَّة، مثل منتدى "أبان"، وغير ذلك.
هنا أيضًا تمزج التَّجرُبة في توازنٍ نادرٍ لا يعتريه الخلل المعروف بين الاعتزاز بالخصوصيَّة، فثمَّة تأكيدٍ على الهُويَّة وثَمَّة شعورٍ بالكرامة الوطنيَّة كرفرفة العلم التُّركيِّ المرفوع شامخًا في مواقع الأنشطة كبعثات الإغاثة والمُساعدات الإنسانيَّة، وفخرٌ بالتَّاريخ والتُّراث كإطلاق اسم "الفاتح" على الجامعة.
ولم تُشكِّل أيٌّ من تلك العناصر عائقًا أمام مُجاراة الزَّمن والتَّحدُّث بلغة العصر والنَّظرة المُنفتحة على العالم، وهو ما يتضح مثلا من خلال اعتماد التَّدريس بالُّلغة الإنجليزيَّة، أو الأخذ بالمناهج والبرامج الأمريكيَّة الدَّوليَّة وتطبيقها في المدارس والجامعات التُّركيَّة التي تمَّ إنشائها وافتتاحها في الخارج، تشجيعًا للأجانب على الالتحاق بها وتماشيًا مع طبيعة السُّوق المتعولِم، وما يتطلَّبه في الخرِّيجين من مُتطلَّباتٍ من حيث التَّدريب والتَّأهيل ونوعيَّة ومستوى المهارات المُكتسبَة،  وبما يضمن لهم الحصول على فرص عملٍ جيِّدةٍ ولائقةٍ.
وهكذا، ليس في الخصوصيَّة التي تُميِّز التَّجرُبة الإسلاميَّة في تركيا، أيُّ افتعالٍ أو تصنُّعٍ أو إدعاءٍ زائفٍ أو اكتفاءٍ بترديد شعارٍ أجوف، بل هي ثقةٌ في النَّفْس وإقرارٍ بحقائق الواقع.
9. من أهم العلامات المُضيئة للحركة كما لمسناها عن قربٍ اهتمامها بالشَّباب، فهم محورٌ للفكر وللعمل المُؤسَّسيِّ، وتكاد التَّجرُبة تستهدفهم هم في المقام الأوَّل والأخير.
فعمليَّة تفريخ الكوادر وتنشئة الأجيال الجديدة ورعايتها وبناء صفٍّ ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ تجري على قدمٍ وساقٍ، فنفس الوجوه التي تتبوَّأ مواقعًا قياديَّةً في مُختلف المُؤسَّسات التي زرناها تنتمي لفئاتٍ عُمْريَّةٍ وتُعبِّر عن أجيالٍ مُتعدِّدةٍ.
وتلك فجوةٌ أخرى أحسنت الحركة تجسيرها، بل وظَّفتها كمصدرِ ثَراءٍ ورصيدٍ حقيقيٍّ، وكان في ذلك دليلٌ على أنَّه عندما ينهض المشروع على سواعد الشَّباب ويجعلهم عمودَه الفقريَّ فهو مشروعٌ للمستقبل، ومُرشَّحٌ لأنْ يعيش عمرًا أطول.
10. البشر بؤرة الاهتمام، فثمَّة إدارةٍ وتنميةٍ للموارد البشريَّة تقوم بها الحركة بكفاءةٍ، عن طريق الاعتماد على أهل الخبرة والاختصاص، وليس أهل الثِّقة والولاء، فليست هناك روابطٌ عائليَّةٌ تربط بين هؤلاء الذين قابلناهم من أعمارٍ مُختلفةٍ.. الرَّابطة الوحيدة هي الإيمان بالقضيَّة، والالتفاف حولها، والإصرار على إتمام المُهمَّةِ على أكمل وجهٍ، والكبير يحتضن الصَّغير، وينقل إليه خُلاصة خبرته، وكأنَّه ابنه من صُلْبِه، ويعامله كرجلٍ، والصَّغير يحترم أستاذه ويُطيع توجيهاته، مع تحمُّلٍ واضحٍ للمسئوليَّة.
كما أنَّ الجدارة والاستحقاق هي معايير وأُسُس تولِّي المراكز العليا القيادية، وهنا وجدنا- للمفارقة- تواضعًا وبساطةً ومهنيَّةً رفيعةً لدى رئيس الجامعة ومدير المستشفى، وهي مناصبٌ مرموقةٌ حَرِيَّةٌ بأنْ تخلق نزوعًا للتَّعالي لدى كثيرٍ ممَّن يظنُّها تشريفًا لا تكليفًا)، أضف إلى ذلك، نمط التَّوزيع المُتكافئ والمُتعادل للمسئوليَّات والأدوار بين شتَّى مُستويات الحركة وفروعها المُمتدَّة فكلٌّ مهما صَغُرَ سنَّهُ وبغضِّ النَّظر عن حداثة خبرته، له فرصةٌ ودورٌ ومساهمةٌ ومسئوليَّةٌ.
11. دَوْر رجال الأعمال بالقطاع الخاص في دعم ومُساندة الحركة انطلاقًا من مبدأ التَّكافُل، فكرة المسئوليَّة الاجتماعيَّة التي راجت مُؤخَّرًا في مصر، وتطبيقًا لفلسفة ونهج الوقف الخيريِّ النَّابعة من السِّياق الحضاريِّ المُسلم.
والتَّعامُل مع هذا الدَّور يتَّسم بقدرٍ واضحٍ من التَّصالُح مع جماعة رجال الأعمال الذين يحملون صفةً غايةً في الأهمِّيَّة، وهي تعدُّد الشَّرائح وتدرُّج المستويات؛ حيثُ الكبار والصِّغار تسود بينهم في السوق روح التَّعاوُن والتَّعاضُد والتَّكاتُف، وليس شراسة التَّنافُس.
هذا علاوةٌ على وجود طبقةٍ وسطى عريضةٍ تنتمي إليها هذه الفئة، فهي لا تعتبر نفسها رافدًا نخبويًّا يعتلي قِمَّة السُّلَّم، كما لا زالت تحتفظ بروابطٍ متينةٍ مع خلفيَّاتها الطَّبقيَّة والاجتماعيَّة- سواء أكانت لها أصولٌ فقيرةٌ أو مُتوسِّطةٌ- التي خرجت منها قبل أنْ تُحرِز مشروعاتها الاقتصاديَّة النَّجاح، وتتمكَّن من توسيع تجارتها وفتح أسواقٍ جديدةٍ خارج الحدود التُّركيَّة.
والمعروف أنَّه كُلَّما زاد حجم هذه الطَّبقة ووزنها وأصبحت هي القطاع العريض داخل التَّركيبة الاجتماعيَّة، فهذا مُؤشِّرٌ على تقلُّص الفوارق الطَّبقيَّة وتكافؤٍ في الفُرص وعدالةٍ أو مساواةٍ توزيعيَّةٍ وتقاربٍ في مستويات المعيشة، وكل هذه سماتٌ تُوفِّر سياجَ الحماية وصمَّام الأمان لتماسُك المجتمع واحتفاظه بوحدته، والتَّأكيد على أنَّه ليس عرضةٌ للتَّفتُّت أو التَّفكيك بل قادرٌ على تخفيف أثر عوامل الانقسام الأخرى.
كما أنَّ دورَ رجال الأعمال في التَّبرُّع للحركة وكفالة أبنائها، وخصوصا في التَّعليم، لا يشوبه نفس الحَرَج أو تُحيط به الشُّكوك والتَّشكيك على نحوِ ما يحدث في حالاتٍ أخرى تخلط فيها الأوراق بين ما هو للمجتمع وما هو لأغراض الدَّعاية المظهريَّة والتَّفاخُر وتحسين الصُّورة أو حتى كسب السُّمعة.
12. سياسيًّا، أعطانا الإطلاع على التَّجرُبة فكرةً شاملةً عن مُستوى التَّطوُّر الدِّيمُقراطيِّ للنِّظام السِّياسيِّ التُّركيِّ في ظلِّ ظرفَيْن أحدهما داخلي، هو وصول حزبٍ ذي مرجعيَّةٍ إسلاميَّة للسُّلطة، والآخر خارجيٌّ هو تطوُّر مسار العلاقات التُّركيَّة الأوروبيَّة، وموقف الطَّرفَيْن من انضمام تركيا لعضويَّة الاتحاد الأوروبيِّ، وحول طبيعة العلاقة السَّائدة بين الدَّولة والمُجتمع، وكيف يستقيم الحال للحركة في سياقٍ تسوده العلمانيَّة كقاعدةٍ حاكمةٍ وركنٍ ثابتٍ في السِّياسات التُّركيَّة، وتحميه المُؤسَّسة العسكريَّة عند الُّلزوم، فرغم حرص الدَّولة على العلمانيَّة التي دفعتها أكثر من مرَّةٍ لمطاردة وتعقُّب وسجن أعضاء وقيادات التَّيَّار الإسلاميِّ، ومن بينهم الشيخ فتح الله كولن، ورغم وجود حركاتٍ مُتطرِّفةٍ، مثل حركة "أرجينيكون"، التي كانت تُدبِّر للتَّخلُّص من أنصار هذا النَّهج، فثمَّة حدودٍ دستوريَّةٍ هي موضع احترامٍ ولا يمكن تجاوزها، أو تبرير انتهاك حقوق الإنسان بحُجَّة الدِّفاع عن العلمانيَّة.
13. لا يسع المرء أنْ يفصل بين التَّجرُبة الثَّريَّة التي اطَّلعنا عليها، وبين الدَّور التُّركيِّ الإقليميِّ والدَّوليِّ المُتعاظم والآخذ في احتلال موقع الفاعل الدَّوليِّ الرَّئيسيِّ على الخريطة، وربما أيضًا المُرشَّح بقوَّةٍ لدورِ القائد الإقليميِّ في منطقته، الشَّرق الأوسط.
فميزان القوَّة الدَّوليَّة أحد عوامل هذا التَّرشيح والتَّحرُّك التُّركيِّ السَّريع والنَّشيط إزاء ملفَّاتٍ عديدةٍ، والحرص على إبداء المواقف في أوقات الأزمات الحَرِجَة على غرار ما شهدناه من جهودٍ وما تمَّ إطلاقه من تصريحاتٍ رسميَّةٍ إبَّان الحرب الإسرائيليَّة العدوانيَّة على غزَّة، وموقف رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، الشَّهير، والذي تناقلته مواقع الأخبار في الفضائيَّات وعلى الإنترنت، في منتدى دافوس، والدَّوْر التُّركيُّ في تناول ملف الصِّراع العربيِّ- الإسرائيليِّ، ومساعي استئناف المفاوضات والوساطة بين سوريا وإسرائيل.
ثمَّ هناك- أيضًا- دور تركيا في الدِّفاع عن مسلمي الأويجور، وهم من أصلٍ تركيٍّ، وما تعرَّضوا له من اعتداءاتٍ في إقليم شينجيانج الصيني.
وهي كلَّها أمثلةٌ ذات دلالةٍ على سياسةٍ خارجيَّةٍ نشطةٍ، وعلى دورٍ فاعلٍ لتركيا تسعى لممارسته في عالمها الإسلاميِّ ومحيطها الشَّرق أوسطيِّ، ولديها في الدَّاخل تجربةٌ حيَّةٌ وغنيَّةٌ تستطيع استثمارها لتعزيز هذا الدَّوْر وزيادة تفعيله؛ حيث يمكنها تقديم نفسها بأكثر من صفةٍ؛ حيث هي الملتقى والجسر الثَّقافيُّ والحضاريُّ الرَّابط بين حضارتَيْ الجنوب العربيِّ المسلمِ والشَّمال الأوروبيِّ الغربيِّ المسيحيِّ، وهي بهذا مهيأةٌ أكثر من غيرها لتوفير ساحةٍ لحوار الحضارات والأديان والثَّقافات بدلاً من تصادُمها وتصارُعها.
ملاحظاتٌ مستفادةٌ
أول هذه الملاحظات أنَّ تركيا تُعتَبَر بمثابة الرَّمز القائد للعالم الإسلاميِّ؛ حيث هي لديها ميراثٌ تاريخيٌّ منذ عهد الدَّولة العثمانيَّة يُكسبها زخمًا وروابطَ مشتركةٍ لعلَّ منها مثلاً وجود عائلاتٍ ذات أصولٍ تُركيَّةٍ في أغلب بلداننا العربيَّة، كما لها روابطٌ لغويَّةٌ وثقافيَّةٌ مع مُسلمي آسيا الوسطى ومجموعة الدِّول المُستقلَّة حديثًا بعد انهيار وتفكُّك الاتِّحاد السُّوفيتيِّ السَّابق، والخارجة من تحت عباءة الشُّيوعيَّة، ولديها تعطُّشٌ شديدٌ لتعلُّم الدِّين وممارسته.
كما أنَّ تركيا نموذجٌ لنجاح حزبٍ إسلاميِّ المرجعيَّة والجذور في التَّكيُّف مع نظامٍ سياسيٍّ علمانيٍّ والفوز في الانتخابات وتولِّي مقاليد السُّلطة عبر الآليَّة الدِّيمُقراطيَّة، ثُمَّ النَّجاح في إدارة الدَّولة والمجتمع حتى بات يُضرَبُ به المثل لإمكانيَّة القبول بخيار وصول الإسلاميِّين إلى تشكيل الحكومات، ولاسيما إذا كانوا من المُصنَّفين في التَّيَّار المعتدل.
وهذا من شأنه تحييد وتجنُّب خطورة واحتواء تهديد التَّيَّارات الأخرى الرَّاديكاليَّة والمُتشدِّدة ودون أنْ يترتَّب على ذلك الانقضاض على الدِّيمُقراطيَّة أو الانقلاب على الدُّستور أو إجهاض التَّجرُبة الِّليبراليَّة ومُصادرة الحُرِّيَّات، وإيقاف عمليَّة التَّطوُّر الدِّيمُقراطيِّ حسب السِّيناريو الشَّهير الذي أوردته الأدبيَّات السِّياسيَّة تحت عنوان المُعضلة، والتي تبدأ بوصول الإسلاميِّين إلى السُّلطة عبر القنوات الشَّرعيَّة والدِّيمُقراطيَّة ومن خلال الانتخابات الحُرَّة النَّزيهةـ والذي يعقبه حسب هذا السِّيناريو انقلاب هؤلاء على الدِّيمُقراطيَّة وإنهاء التَّجرُبة وتصفية المُعارضة الحزبيَّة بمجرد الاستيلاء على مقاليد الحكم.
حتى الأدبيَّات الغربيَّة بدأت في تغيير تلك النَّبْرة وإبداء قدرٍ من الاهتمام بدراسة التَّجرُبة التُّركيَّة، والبحث في إمكانيَّات تصديرها أو الخروج منها بدروسٍ مستفادةٍ لسائر البلدان الأخرى التي تعرف ظاهرة صعود التَّيَّار الإسلاميِّ على مسرح السِّياسة. 
أمَّا المُهتمُّون بالمجتمع المدنيِّ والعمل الجمعيِّ وأشكال التَّضامن البعيد عن الانتهازيَّة واتِّخاذ العمل العام محطةٍ انتقاليَّةٍ للتَّقرُّب من صُنَّاع القرار والتَّطلُّع لمناصب السُّلطة أو الحصول على مراكزٍ رسميَّةٍ أو حتى السعي وراء بريق الأضواء التي تُسلَّط على المُنخرطين في العمل العام، فلهم في هذه التَّجرُبة نموذجًا يُحتذى من ناحية التَّنظيم والاستقلاليَّة وتدبير التَّمويل وإدارة الحركة ووضع الأجندة وترتيب الأولويَّات وبناء القُدرات وتجديد الدِّماء وخلق الكوادر.
فكلُّ ما زُرناه من مُؤسَّساتٍ يتحدَّث لغةً واحدةً، ويكاد يُكرِّر بلسانٍ واحدٍ في حديثه عباراتٍ بأكملها تُعبر عن وعيٍ بالهدف المتمثِّل في مُحاربة التَّحديات الثَّلاثة الأساسيَّة أمام أي مجتمعٍ بشريٍّ، الفقر والجهل والتَّفرقة)، بشكلٍ يعكس إيمانًا حقيقيًّا بالرِّسالة، وتفانيًا في آدائها.
وأخيرًا، فالسِّياسة كما رأيناها في تلك التَّجرُبة أقرب لمفهوم القيام على الأمر بما يُصلِحُهـ وأبعد ما تكون عن مفهوم ساس ويسوس.
ومع كل ما سبق، فالكمال لله وحده؛ حيث هناك بعض الملاحظات نبديها لكي تكتمل الصُّورة بمختلف زواياها وأركانها التَّفصيليَّة، ونضع عندها علامات للاستفهام، ولكنَّها لا تُقلِّل من قيمة التَّجرُبة التي تُعطي بالفعل دروسًا عظيمةً مستفادةً:
- المُلاحظة الأولى: لمسنا أسلوبًا في الخطاب المُوجه أميل أحيانًا إلى عرض التَّجرُبة مع التَّركيز في العرض فقط على جوانب وأبعاد ومظاهر النَّجاح، مع انتهاج طريقةٍ أقرب إلى "التَّلقين" وترديد القضايا في صيغة حقائقٍ مُطلقةٍ لا مجال للتَّشكيك فيها، كما اتَّسمت ردود الأفعال أحيانًا عند تلقِّي أسئلةٍ أو انتقاداتٍ بحساسيَّةٍ مُفرطةٍ وحماسٍ بالغٍ في الدِّفاع عن كلِّ شيءٍ، بدلاً من "الإقناع" بالحُجَّة والبرهان.
وكذلك، قَبوُل النَّقد وعدم إنكار وجود بعض السَّلبيَّات أو الصُّعوبات أو القيود، فهي من طبائع الأمور، ولا تخلو منها تجربةٌ مهما تعاظمت فهي ليست مُنزَّهةً عن الخطأ بأيِّ حالٍ.
تلك الحساسية، النَّابعة من صدق النَّوايا وإخلاصها وصحَّتها، تدفع أحيانًا للانخراط في استعمال الُّلغة البروتوكوليَّة المُتداوَلَة والشَّائِعة بين الدِّبلوماسيِّين وعلى مستوى الرَّسميِّين، والزَّاخرة بألوان المجاملات، وتجنُّب المُكاشَفة أو المُصارحة، ولكنَّها ليست من وجهة نظري الأصلح لإقامة حوارٍ بنَّاءٍ بين أوساط الأكاديميين، وأيضًا لإدخال تيَّاراتٍ غير مُحبِّذةٍ للتَّوجُه الإسلاميِّ ولديها تخوُّف منه، من بين المُفكِّرين والمُثقَّفين الِّليبراليِّين واليساريِّين، وغيرهم إلى دوائر الحوار.
وأعتقد أنَّ كَسْبَ هؤلاء إلى صفِّ التَّجرُبة يستحق هامشًا أكبر من المرونة وقبول الاختلاف، ليس فقط بين الأديان المختلفة ولكن عبر خطوط انقسام المسلمين بين التَّوجُّهات السِّياسيَّة والفكريَّة المُتباينة، وخصوصا خط الانقسام الإسلاميِّ- العلمانيِّ.
- المُلاحظة الثَّانية: هي عدم توفُّر أغلب الأدبيَّات المُتضمِّنة لفكر الحركة ولإنتاج الأستاذ الشَّيخ عبد الله كولن بالًُّلغة العربَّية، والاكتفاء بترجمتها إلى الُّلغة الإنجليزيَّة، وهو يعكس توجُّهًا لا بأس به لمُخاطبة العالم، ولكنَّه يُلقي بظلالٍ من الشَّكِّ حول مدى الاهتمام بنفس القدر بالتَّوجُّه بالخطاب إلى العرب المسلمين.
- المُلاحظة الثَّالثة: وجود قطاعاتٍ عريضةٍ من الفُقراء والمُهمَّشين والأكثر احتياجًا في المُجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة لن تجذبها التَّجرُبة ما لم تنزل إليها، وتهتمُّ بتأسيس مشروعاتٍ للتَّنمية والتَّمكين وتحسين أحوال تلك الطَّبقات المُتدنية، وهي الأغلبيَّة، والتي قد تجد في المدارس التُّركيَّة مثلاً مشروعًا استثماريًّا أجنبيًّا لن تستفيد من خدماته سوى الشَّرائح النُّخبويَّة الأكثر ثراءً والقادرة على سداد مبالغٍ طائلةٍ كمصروفاتٍ سنويَّةٍ مُقابل الالتحاق بتلك المدارس.
- المُلاحظة الرَّابعة: تدور حول تساؤلٍ هامٍّ لم نحصل على إجابةٍ شافيةٍ له أثناء الرِّحلة، برغم ما قدَّمه القائمون على استضافتنا- بكلِّ الكرم والحفاوة وحُسن الضِّيافة- من إجاباتٍ لم تكن مُقنعةٌ بما فيه الكفاية من وجهة نظري، وهو أين دور المرأة وأين موقعها من تلك التَّجرُبة..

أقرأ المزيد...

الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...


   
انقسامات الإخوان المسلمين.. هل تمتد إلى التَّنظيم الأم؟!
-    أزمة شائعة استقالة فضيلة المُرشد العام أثارت تساؤلاتٍ عن مدى تماسك الجماعة الأُم
-    ما بين الأردن والجزائر تباين في أسباب الانقسام وشكله

كتب: أحمد التلاوي وعبد العظيم الأنصاري
جَرَتْ تحت الجسور في الآونة الأخيرة الكثير من المياه، فيما يخص الواقع التَّنظيميِّ لجماعة الإخوان المسلمين عبر العالم العربيِّ؛ حيث عبرت الجماعة في أكثر من قطرٍ عربيٍّ بعض الأزمات، التي تمَّ احتواؤها كما في الحالة المصريَّة، فيما يخص الأزمة التي ثارت بشأن ما قيل عن تقديم فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف استقالته على خلفيَّة مُشكلة تصعيد الدكتور عصام العريان إلى عضويَّة مكتب الإرشاد.
وفي حالاتٍ أخرى، لم تمر الأمور مرور الكرام؛ حيث وقع انشقاقٌ بالفعل في الحالة الجزائريَّة نتج عنه خروج جبهة الدَّعوة والتَّغيير من عباءة حركة مجتمع السِّلم (حمس)، وفي حالة إخوان الأردن، جاءت استقالة أربعة قيادات من المكتب التَّنفيذيِّ على خلفيَّة أزمة تسريب تقريرٍ للمكتب ينتقد الحكومة الأردنيَّة، لتقول إنَّ الأمور هناك ليست على ما يُرام.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هناك العديد من التَّساؤلات حول مثل هذه الأزمات، ومن بينها ما هي أسبابها، وما هو عمق تأثيرها في هذا الإطار على الحراك الإصلاحيِّ والسِّياسيِّ العام للجماعة، سواءً بشكلٍ عامٍ أو فيما يخص أوضاع التَّنظيمات القُطْريَّة.
وقبل الإشارة إلى ما جرى في الجزائر والأردن، يجب أولاً الاتفاق على أنَّ جماعة الإخوان المسلمين تعاني في جميع أنحاء العالم العربي من حصار ومحاربة الأنظمة السِّياسيَّة الحاكمة، لها، وهو ما يُؤثِّر سلبًا على قُدرة الجماعة على التَّحرُّك بحُرِّيَّةٍ أكبر تُمكِّنُها من تلافي بعض الخلافات التَّنظيميَّة أو الفكريَّة أو غيرها؛ حيث تتسبَّب الضُّغوط الهائلة التي تقوم بها الأنظمة الحاكمة على الجماعة في العالم العربي في إحداث بعض الانشقاقات نتيجة الخلافات المتعلقة بشأن كيفيَّة مواجهة هذه الضُّغوط.
مشكلةٌ مُزمنةٌ.. ولكن!!
في المقابل تُعاني الجماعة كذلك من عدد من المشكلات المزمنة، وعلى رأسها ترحيل الأزمات الداخلية، مثلما يتم ترحيل المواجهة مع النِّظام السِّياسيِّ، بالرَّغم من أنَّ هناك فارقًا بين الحالتَيْن، ففي حالة ترحيل المُواجهة مع النِّظام، فإنَّ الجماعة تحتفظ لنفسها ببعض المكاسب التي ربما ترى أنَّها أفضل من المواجهة الغير محسوبة.
ولكن في حالة ترحيل الأزمات الدَّاخليَّة- داخل الجماعة- فإنَّ التَّرحيل لا يقضي على المُشكلة من جذورها، إلى أنْ يأتي أجلها فتنفجر، وتُسْفِر غالبًا عن انشقاق أو اعتزال المُخالفين للجناح المُسَيْطِر على رأس الجماعة، وكأنَّها هنا تقوم بدور الأم التي تتمخَّض عثراتها عن أبناءٍ آخرين ينتهجون نهجهم الخاص، ولكنَّه- في الواقع- يبتعد كثيرًا عن تحقيق نفس الأهداف التي تتبنَّاها الجماعات الأم، ولكن في النَّهاية، فمن دون أيِّ خلافٍ، فقد مثَّلت الجماعة وحيًا لمعظم الجماعات الإسلاميَّة في العالم على اختلافها وتفاوت إستراتيجيَّاتها تجاه القضايا المُختلفة.
وفي دراسةٍ عرضها موقع (تقرير واشنطن) التابع لمعهد الأمن العالمي الأمريكيِّ، للباحث خليل العناني بعنوان "شباب الإخوان المسلمين: البحث عن طريقٍ جديدٍ"، يُؤكِّد الباحث أنَّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر تشهد انقسامًا بين الأجيال المُختلفة داخلها، بما يمكن أنْ يُعزىَ إلى وجود خلافاتٍ هيكليَّةٍ بين جيل الشَّباب من جانبٍ، والقيادات والكوادر القديمة من جانبٍ آخر، حول مواقف الجماعة المُعلنة من حزمةٍ من القضايا، مثل الدِّيمُقراطيَّة والمُواطنة والمُشاركة السِّياسيَّة وفاعليَّة العمل السياسي للجماعة، بالاضافة إلى خلافاتٍ حول الدُّيمُقراطيَّة الدَّاخلية وآليَّات تصعيد القيادات وغيرها من القضايا التَّنظيميَّة.
ولقد دَفَعَتْ هذه الخلافات عددًا كبيرًا من شباب الجماعة من ذوي الفكر الإصلاحيِّ الدَّاعم للِّيبراليَّة السِّياسيَّة للبحث عن نهجٍ جديدٍ لتغيير نمط العمل بالجماعة، والضَّغط على قياداتهم لأخذ آرائهم في الاعتبار.
وفي فإنَّ تاريخ جماعة الإخوان المسلمين يحفل بحالاتٍ صريحةٍ من الخلافات والصِّراعات التي أثَّرت سلبًا على صورة الجماعة وقدراتها على مواجهة خصومها السِّياسيِّين؛ وقد برزت مؤخرا بوضوح ظاهرة الانشقاقات داخل فروع الجماعة التي قارب عمرها على قرنٍ من الزَّمن.
وهو ما يطرح تساؤلاتٍ أخرى كثيرةً حول كفاءة الأداء التَّنظيميِّ والسِّياسيِّ للجماعة، والتي طالما ضُرِبَ بهما المثل في القُدْرَة على التَّماسُك والصُّمود؛ خاصة في الجزائر والأردن، وما جرى مؤخرًا في مصر داخل الجماعة الأم من خلافٍ وقع بين فضيلة المُرشد العام محمد مهدي عاكف مع أعضاء مكتب الإرشاد على تصعيد القيادي الذي يُوصَف بالإصلاحيِّ الدُّكتور عصام العريان إلى المكتب ليحل محل الأستاذ محمد هلال الذي تُوفِّي مُؤخرًا.
وبعيدًا عن الخلاف اللائحيِّ في هذا المجال، فإنَّ ما يعنينا في هذا المُقام قُدرة الجماعة على احتواء خلافاتها في ظلِّ تربُّص النِّظام واتباعه على كافَّة انتماءاتهم في فترةٍ حرجةٍ من تاريخ البلاد، مع الاعتراف بنجاح الجماعة في هذا الصَّدد مقارنة بجميع الحركات والأحزاب السِّياسيَّة في مصر، وحتى مع بعض التَّنظيمات القُطريَّة للإخوان أنفسهم.
أزمة إخوان الجزائر
مثَّلت حركة مجتمع السِّلم (حمس) مُمثِّل الإخوان بالجزائر، حالةً قصوى من الانشقاق داخل صف الجماعة.
فبعد الخلافات الحادَّة التي شهدها المؤتمر الرَّابع للحركة في مايو من العام 2008م، بين بوجرة سلطاني ومنافسه على رئاسة الحركة التي تحظى بوضعٍ سياسيِّ قويٍّ في الدَّاخل، عبد المجيد مناصرة، وبالرَّغم من تَدَخُّل فضيلة المُرشد العام لجماعة الإخوان محمد مهدي عاكف، والدُّكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، للتَّوسُّط بين طرفَيْ الخلاف وحل الأزمة، إلا أنَّ عبد المجيد مناصرة فضل الانسحاب وتفجير الخلاف إلى العلن، بعد أنْ ظلَّ الخلاف مكتومًا؛ حيث أعلن مناصرة ومجموعةٌ مواليةٌ له من قيادات (حمس) تأسيس حركةٍ جديدةٍ تحت اسم "حركة الدَّعوة والتَّغيير".
وبالتَّأكيد فإنَّ تأسيس حركةٍ جديدةٍ مُنشقَّةٍ عن الحركة الأم، سوف يؤثر سلبًا على وحدة صف الجماعة بالجزائر، بعد أنْ ظلَّت سنواتٍ طويلةٍ حركةً ناجحةً ومتماسكةً، تحت قيادة مؤسسها الرَّاحل الشَّيْخ محفوظ نحناح.
المشكلة الآن ليست في الانشقاق في حدِّ ذاته، بل هي مشكلة تتعلَّق بشرعيَّة تمثيل الإخوان في الجزائر؛ حيث إنَّ مناصرة لا يقول بأنَّه انشق عن إخوان الجزائر، بل قال إنَّه يعود بالحركة إلى الطَّريق الصَّحيح بعد أنْ انحرفت عن مسارها، ولم يفعل شيئًا مُغايرًا لسياسة (حمس) تجاه القضايا الهامَّة في البلاد؛ حيث صوَّت بـ"نعم" على التَّعديل الدُّستوريِّ الذي طرحه الرَّئيس عبد العزيز بوتفليقة لفتح مُدَدِ تولِّي الرَّئاسة في الجزائر، وساعد وساند الرَّئيس كمرشَّحٍ لفترةٍ رئاسيَّةٍ ثالثةٍ، وهو ذات موقف حركة (حمس) الأساسيَّة بزعامة سلطاني؛ حيث هي أصلاً عضوٌ في المجلس الرئاسي الحاكم.
وبهذا الشَّكل لم تحدُث إضافةٌ حقيقيَّةٌ بانشقاق "حركة الدَّعوة والتَّغيير" عن حركة مجتمع السِّلم (حمس)، بل أحدث هذا الانشقاق ضعفًا في جسد التَّيَّار الإسلاميِّ في الجزائر بوجهٍ عامٍ، ويبدو أنَّ انفتاح البلاد تجاه الدِّيمُقراطيَّة ووجود أحزابٍ سياسيَّةٍ تُنافس في الانتخابات المُتعدِّدة وغياب الشَّخصيَّة الكاريزميَّة على غرار محفوظ نحناح عن الحركة، سهَّل على البعض تصوُّر امتلاك سلطةٍ بالإضافة إلى أنَّ الخلاف لم يكن بسيطًا، وإلا تمَّ احتواؤه أو الاستجابة للوساطات الثقيلة والمُتعدِّدة التي تمَّت.
أزمة إخوان الأردن
أمَّا الأردن، فهي حالةٌ خاصَّةٌ لارتباطها الوثيق بالقضيَّة الفلسطينيَّة؛ حيث إنَّ الأردن وفلسطين، خاصَّة فيما يخصُّ الضِّفة الغربيَّة، ترتبطان ارتباطًا اجتماعيًّا شديدًا، فالمفترض أنَّهما كيانٌ واحدٌ، أو كانا هكذا يومًا ما؛ حيث يحمل الكثير من سُكَّان الأردن الجنسيَّة الفلسطينيَّة، وتوجد روابطٌ وثيقةٌ بين جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وحركة المقاومة الاسلاميَّة (حماس)، التي باتت هي تنظيم الإخوان في فلسطين قبل سنواتٍ قليلةٍ.
ويتمحور الخلاف داخل الجماعة في الأردن، فيما بين جناحَيْ الجماعة، أو ما يُعْرف بالحمائم والصقور، حول علاقة الجماعة بحماس، وبالتالي كيفيَّة إدارة ملف القضيَّة الفلسطينيَّة كمحورٍ رئيسيٍّ لحركتها، ومُتفرِّعٌ من ذلك قضيَّة أخرى تتعلَّق بعلاقة إخوان الأردن مع النِّظام الأردنيِّ.
وفي هذا الإطار جرت مناقشاتٌ مُطوَّلةٌ حول الهويَّة التَّنظيميَّة للجماعة، وتبعيَّة المكاتب الإداريَّة الأربعة في الخليج العربي الخاصَّة باللإخوان الأردنيِّين والفلسطينيِّين، لأحد التَّنظيمَيْن، تنظيم الأردن أو تنظيم فلسطين.
وقد بدأت هذه المشكلة عندما طلب المكتب السياسي لحركة حماس فصل العلاقة التَّنظيميَّة بين التَّنظيمَيْن ضمن رؤية يسعى من خلالها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس إلى بناء تنظيمٍ خاصٍّ لحركة حماس في فلسطين، إلا أنَّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين اشترطت في عهد ولاية سالم الفلاحات كمراقبٍ عامٍ أنْ يُستثْنَى من قرار الفصل تنظيمات الجماعة في الدِّول الخليجيَّة، أي أنْ تظل المكاتب الإداريَّة في هذه الدِّول تتبع تنظيم الجماعة في الأردن.
وكانت وجهة نظر الفلاحات في ذلك أنَّ أعضاء هذه التَّنظيمات أردنيُّون يحملون الجنسيَّة الأردنيَّة، وهم يقضون إجازاتهم في الأردن؛ حيث عائلاتهم كما أنهم في حالة انتهاء عملهم في الخليج يعودون إلى الأردن، كما أنَّ هذه التَّنظيمات الفرعيَّة للجماعة في الخليج تمثِّل مصدرًا رئيسًا لتمويل الجماعة ومدَّها بالتَّبرُّعات.
كذلك يسعى جناح الصُّقور المُؤيِّد لحماس داخل الإخوان في الأردن، ويقوده المراقب العام ذاته الدكتور همَّام سعيد إلى زيادة تمثيل مكاتب الخليج في المكتب التَّنفيذيِّ لإخوان الأردن أربعة مقاعد إلى اثنَيْ عشر مقعدًا، وهو ما يعترض عليه جناح الحمائم.
ثُمَّ تفجرَّت الأوضاع في الثَّالث من شهر سبتمبر الجاري، قدَّم ثلاثةٌ من أعضاء المكتب التَّنفيذيِّ لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وهم الدُّكتور رحيل غرايبة وأحمد الكفاوين وممدوح المحيسن استقالاتهم من عضويَّة المكتب لأمانة السِّر في الجماعة، على خلفيَّة تطورات الملف الخاص بالعلاقات بين إخوان الأردن وحركة حماس؛ حيث تطالب أجنحة داخل الجماعة بفك الاشتباك أو الارتباط التَّنظيميِّ مع حركة حماس، بينما تُطالب البعض من الأجنحة في إخوان الأردن بالاستمرار على النَّسق التَّنظيميِّ الحالي في العلاقات مع حماس.
وسبق ذلك الحدث قرار للمكتب التَّنفيذيِّ للجماعة في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي، بحلِّ القسم السِّياسيِّ والإعلاميِّ في الجماعة، بعد تسريب تقريرٍ صادرٍ عن القسم اعتمده المكتب التَّنفيذيِّ ورفضه مجلس شورى الجماعة، كان قد أثار إزعاجًا في أوساط السُّلطات الرَّسميَّة الأردنيَّة، بسبب ما جاء فيه من اتِّهاماتٍ للمملكة الأردنيَّة رانيا العبد الله بالتَّواطُؤ مع مشروع توطين الفلسطينيِّين في الأردن، والانخراط "في المشروع الصُّهيونيِّ الأمريكيِّ" بحسب التَّقرير.
التَّقرير الذي تمَّ تقديمه خلال جلسةٍ سابقةٍ لمجلس شورى الجماعة، عُقِدَت في 13 أغسطس 2009م، جاء فيه أيضًا أنَّ "الأردن ما يزال منخرطًا على الصَّعيد السِّياسيِّ في المشروع الأمريكيِّ الصُّهيونيِّ الذي يقضي بتصفية القضيَّة الفلسطينيَّة وفقًا للرُّؤية الصُّهيونيَّة المفروضة على المنطقة"، الأمر الذي اعتبره مُحلِّلون لهجةً غير مسبوقةٍ في خطاب الجماعة السِّياسيِّ.

وقد أكَّد الغرايبة أنَّ الاستقالةَ سببُها الرَّئيسيُّ هو قرار حلِّ القسم، الذي كان يرأسه الغرايبة، بالإضافة إلى 15 بندًا وردت في طلب الاستقالة، وفي تصريحاتٍ خاصَّةٍ لموقع (الجزيرة. نت)، قال الغرايبة: "جرى حل القسم بطريقةٍ غير معتادةٍ ودون إبلاغي أو حتى الاتِّصال بي هاتفيًّا".
ونفى أنْ تكون استقالته واستقالة العضوَيْن الآخرَيْن مقدمةٌ لانشقاقٍ في الجماعة، وقال: "نحن لنٍ نعمل على التَّصدُّع والانشقاق، وسنبقى جنودًا أوفياءَ في صفوف هذه الجماعة (..) استقالتنا تعني فقط الرُّجوع للصُّفوف الخلفيَّة لتقديم النُّصح والمشورة".
وهو ذات ما قاله أمين سر الجماعة وعضو مكتبها التَّنفيذيِّ جميل أبو بكر؛ حيث قال: "إنَّ الحركة الإسلاميَّة عصيَّةٌ على الانشقاق والانقسام، وإنَّ مبادرات التَّوفيق والإصلاح ستُنهي الخلافات داخلها إنْ شاء الله".
وقد سبق قرار المكتب التنفيذي بحل المكتب السياسي يوم الأحد 23 أغسطس 2009م، ظهور نتائج لجنة التَّحقيق التي شكَّلها المكتب، والتي تتهم أحد قادة ما يُعرَف بـ"تيَّار الصُّقور" بتسريب التَّقرير، الذي تضمَّن أيضًا استعراضًا للأوضاع السِّياسيَّة المحلِّيَّة والتَّطوُّرات الإقليميَّة، مع وضع توصيةٍ في كلِّ بابٍ من التَّقرير بتوجُّه الجماعة وموقفها وسياستها في المرحلةِ المقبلةِ، واتُّخِذَ قرار الحل بغياب الأربعة المستقيلين من أعضاء المكتب التَّنفيذي، وهم، نائب المراقب العام الدُّكتور القُضاة، والدُّكتور الغرايبة وأحمد الكفاوين وممدوح المحيسن.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الصُّحف الأردنيَّة روَّجت لأنَّ من أسباب الاستقالة "الإساءة" التي قام بها أحد قادة الصُّقور في الجماعة لتيَّار الحمائم، واتهامه لهم بـ"محاولة زعزعة التَّنظيم"، وفق مصادرٍ داخل جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في إشارةٍ إلى تصريحاتٍ أدلى بها الأمين العام السَّابق لحزب جبهة العمل الاسلامي زكي بني أرشيد، لأحد المواقع الإلكترونيَّة.
وفي تصريحه قال بني إرشيد: "هناك داخل التَّنظيم الإخوانيِّ اليوم من يحاول الاستقواء لتمرير مشروع إنتاج ما يُسمَّى التَّنظيم الأردنيِّ للإخوان المسلمين، والذي ينسجم مع الموقف الرَّسميِّ لقرار فك الارتباط" مع حركة حماس وتنظيم فلسطين [تفاصيل في فقراتٍ تاليةٍ].
ووفق التَّصنيفات المُتَّبعة في تحديد اتجاهات قيادات الإخوان في الأردن، فإنَّ الأعضاء الثَّلاثة المُستقيلين ينتمون لما يُعْرَف بـ"تيَّار الحمائم"، ومن المقرَّر أنْ تُعرَض الاستقالات على أوَّلِ اجتماعٍ لمجلس شورى الجماعة، الذي يمثل أعلى هيئةٍ قياديَّةٍ لدى إخوان الأردن (مُكوَّن من 50 عضوًا)، وكان من المفترض عقد اجتماعٍ لمجلس الشُّورى في شهر رمضان، إلا أنَّه قد تمَّ تأجيله لما بعد عيد الفطر.
وباستقالة الدكتور الغرايبة والمحيسن والكفاوين يصبح عدد المستقيلين من المكتب التَّنفيذيِّ الذي يضم 9 أعضاء، أربعة لوجود استقالةٍ سابقةٍ قدَّمها نائب المُراقب العام للجماعة الدُّكتور عبد الحميد القضاة، ولم يتم البتَّ فيها أيضًا، وقد غابت معظم قيادات الحمائم عن حفل الإفطار السَّنويِّ الذي أقامته الجماعة في الخامس من سبتمبر الجاري.
وفي ظلِّ هذه الأوضاع؛ حيث لا تُعتَبَر هذه الاستقالات الأولى من نوعها في السنوات الأخيرة؛ حيث سبقتها استقالات أخرى في العام 2006م، تقدمها عضو المكتب التَّنفيذيِّ سعود أبو محفوظ، تقدَّم القُضاة وقياداتٌ أخرى في الجماعة، بمبادرةٍ غير واضحةِ المعالم لتحقيق التَّوافُق بين التَّيَّارات المختلفة لإخوان الأردن.
واعتبر مُتخصصون في شئون الجماعات الإسلاميَّة بالأردن، أنَّ تقديم الاستقالات، وفشل مبادرات ووساطات العقلاء في الجماعة، قد يؤدِّي إلى استقالة الحمائم من جميع هيئات الجماعة وذراعها السِّياسيَّة، حزب جبهة العمل الإسلاميِّ، ممَّا يعني انقسامًا عميقًا في الجماعة، فيما تؤكِّد مصادر سياسية أن الحكومة الأردنية تراقبها وأنها ستتخذ قرارا في كيفية التعامل مع الجماعة بناء على مخرجاتها.
ولعلَّ فيما ورد في الكلمة المتلفزة التي نُشِرَت على موقع الجماعة بمناسبة حلول شهر رمضان، والتي دعا فيها المراقب العام لإخوان الأردن الدُّكتور همام سعيد إلى "الاعتصام بحبل الله، والاستمساك بكتاب الله، ونبذ جوائح الفرقة"، دلالةٌ مهمَّةٌ في رصد طبيعة الوضع في الأردن.
إلا أنَّه يبقى أنْ نُؤكِّد أخيرًا على أنَّ مثل هذه الخلافات والانشقاقات يحدث مثلها في أيٍّ من الحركات أو الأحزاب السِّياسيَّة عبر العالم، فما البال والوضع يتعلَّق هنا بحركةٍ كبيرة الحجم واسعة الانتشار ثقيلة الوزن عتيقة التَّاريخ، مثل جماعة الإخوان المسلمين.
وهنا يجب التأكيد أنَّه بالرَّغم من كلِّ ما يحدث من انشقاقاتٍ داخل صفوف الجماعة إلا أنَّ مثل هذه الأزمات لا تُهدِّد الجماعة في وجودها أو استمرارها؛ حيث إنَّ الجماعة وصلت إلى قدرٍ من المُؤسَّسيَّة لم تصل إليه الكثير من الأجهزة الحكوميَّة والأحزاب والهيئات السِّياسيَّة عبر العالم العربيِّ..

......


أقرأ المزيد...

أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان...



ظِلُّ الموساد الآن يسيطر على منطقة حوض النيل وشرق أفريقيا!!
-    تعمل أجهزة المخابرات الثَّلاث على تقسيم السُّودان لثلاث ولايات وإسقاط نظام البشير
-    اهتمامات الموساد والمخابرات الأمريكيَّة لا تقتصر على السودان ودارفور بل تمتد إلى مصر
-    ضرب شمال السُّودان في يناير الماضي جزءٌ من هذا النَّشاط ونتيجة له

القاهرة: سامر إسماعيل
يَعْرِضُ التَّقرير هذا التَّقرير مجموعةٌ من المعلومات عن أنشطة وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة (سي. آي. إيه) والموساد الإسرائيليِّ وجهاز المخابرات الفرنسيَّة الخارجيَّة (دي. جي. إس. إي)، في تشاد والسُّودان، وتقاسم هذه الأجهزة وحكومات البلدان الثَّلاثة، العمل بينهم لوقف تدخُّل الحرس الثَّوريِّ الإيرانيِّ وأنشطة البحريَّة والاستخبارات الإيرانيَّة في السُّودان، ومياه البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار أكَّدت مصادرٌ استخباراتيَّةٌ غربيَّةٌ في أفريقيا، ومصادرُ موقع (ديبكا فايل) الإسرائيليِّ المُقرَّب من أجهزة المخابرات الإسرائيليَّة، أنَّ أجهزة المخابرات الأمريكيَّة والفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ يعملون في السُّودان بهدف تقسيمه إلى ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ.
والهدف الرَّئيسيُّ هو التَّدمير المُتعمَّد للبنية التَّحتيَّة وبرامج النَّقل وعمليَّات تهريب الأسلحة الإيرانيَّة إلى الشَّرق الأوسط عبر الموانئ السُّودانيَّة المنتشرة على طول ساحل البحر الأحمر؛ حيث يتم نقل الأسلحة عبرالحدود  المصريةَّ، ومنها إلى أماكنٍ عديدةٍ بالشَّرق الأوسط، بما فيها شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة ولبنان.
هذه البُنى التَّحتيَّة أصبحت بالنِّسبة للاستخبارات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة، واحدةٌ من أهم الأسباب الرَّئيسيَّة لعدم الاستقرار بالشَّرق الأوسط.
المصادر تُشير إلى أنَّ وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد الإسرائيلي يعملون سويًّا من أجل إسقاط النِّظام الإسلاميِّ المُتطرِّف للجنرال عمر البشير في الخرطوم وإنشاء ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ في السُّودان، ولكن بينهم اتِّصال عبر نظامٍ فيدراليٍّ بحسب (ديبكا فايل).
والولايات الثَّلاث المُقترحة هي: ولايةٌ إسلاميَّةٌ سودانيَّةٌ مركزيَّةٌ في شمال السُّودان، وولاية دارفور محل ولاية غرب دارفور الحالية، وولايةٌ مسيحيَّةٌ جنوب السودان في المناطق الغنيَّة بالنفط جنوبًا، وتسيطر أيضًا على الخانق المائي للنِّيل الأبيض.
ولتنفيذ مثل هذه العمليَّة المُعقَّدة التي أُنشِئَت وفقًا لمصادرٍ استخباراتيَّةٍ، فإنَّ فريق عمل وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة، والمُكوَّن أساسًا من الأفارقة، وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ سيعملون بفريقَيْ عمل في دولتَيْن.
أحد فريقَيْ العمل مقره تشاد، أمَّا فريق العمل العام الرَّئيسيِّ الذي يضم وكالات الاستخبارات الثَّلاث سيكون في جيبوتي.
ومن المفترض أنَّ فريق العمل الموجود في تشاد يتلقَّى تعليماته من قِبَلِ الاستخبارات الفرنسيَّة والموساد الإسرائيليِّ، ويعود ذلك إلى الروابط الوثيقة التي تجمع ما بين فرنسا ونظام الرَّئيس التِّشادي إدريس ديبي، ومهمته التَّوغُّل في دارفور وجنوب السُّودان.
وفي دارفور ستكون مُهمَّته الإقامة في الإقليم، وعمل اتِّصالاتٍ بالسُّكَّان هناك، وخاصَّة عبد الواحد محمد نور رئيس جناح الزغاوة بجبهة تحرير السُّودان، والذي سبق له وأنْ زار إسرائيل.
فقبل أشهرٍ ادَّعت مصادرٌ سودانيَّةٌ بالخرطوم أنَّ نور زار، وبطريقةٍ سرِّيَّةٍ، إسرائيل بصفته ضيفًا للموساد الإسرائيليِّ، كما صاحبه أيضًا عددٌ من كِبار الضُّبَّاط، وتمَّ توقيع سلسلةٍ من الاتِّفاقيَّات، منها توريد الأسلحة لدارفور ومُساعدة الاستخبارات الإسرائيليَّة لدارفور.
وفي جنوب السُّودان قالت مصادر (ديبكا) إن فريق العمل الإسرائيليَّ سيعمل مع النَّائب الأوَّل للرَّئيس السُّودانيِّ سيلفا كير ميارديت زعيم الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان.
ولدى هذه المصادر معلوماتٌ تقول إنَّ إسرائيل بدأت مُؤخَّرًا في توفير كمِّيَّاتٍ كبيرةٍ من الأسلحة بما فيها دباباتٍ ومروحيَّاتٍ ومدفعيَّةٍ وصواريخ، لصالح قوَّات جنوب السُّودان؛ لاستخدامها في أيَّة احتمالاتٍ لتجدُّد المعارك بينها وبين القوَّات النِّظاميَّة لحكومة الخرطوم.
وفقا لمصادر الاستخبارات الأفريقيَّة فإنَّ الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل يدفعون نحو الاستفتاء العام المُقرَّر إجراؤه في يناير 2011م، لتقرير مصير جنوب السُّودان، ويُؤكِّدون أنَّ نتائج الاستفتاء ستكون في صالح سيلفا كير، وحتى ذلك الحين سيكون باستطاعة أجهزة الاستخبارات الثَّلاثة مدِّ جنوب السُّودان بالسِّلاح الكافي ليقف في وجه جيش الخرطوم، ويقوم بتفكيك العلاقة بين الشَّمال والجنوب، وإعلان جنوب السُّودان دولةٌ مُستقلَّةٌ.
ولا يُعتبر الإطار السَّابق ترتيبًا جديدًا، فهناك وجودٌ استخباريٌّ كبير للولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل منذ زمنٍ في هذه المناطق، ويهدف أساسًا إلى مُحاصرة انتشار الأجنحة المُسلَّحة لتنظيم القاعدة، وكذلك حصار النُّفوذ الإيرانيِّ والصينيِّ الآخذ في التنامي في السودان والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا السَّوداء، سواءٌ عن طريق الأدوات العسكريَّة أو الاقتصاديَّة.
فبالإضافة إلى التَّواجُد والتَّأثير السِّياسيَّيْن للحكومات الغربيَّة وإسرائيل في هذه المناطق، يوجد في الوقت الرَّاهن اتفاقيَّاتٌ وأطرٌ للتَّنسيق ما بين مخابرات الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل والصِّين وإيران، بالإضافة إلى مخابرات وقيادة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، وما بين حكومات دول شمال ووسط أفريقيا، لمحاصرة انتشار عناصر القاعدة والتَّنظيمات المرتبطة به أساسًا.
وفي يناير الماضي، نقلت صحيفة (التَّايم) الأمريكيَّة عن مصادرٍ أمنيَّةٍ إسرائيليَّةٍ، أنَّ العشرات من الطَّائرات المُقاتلة والطَّائرات من دون طيَّارٍ، شاركت في عملية قصف عددٍ من الشَّاحنات في مناطق صحراويَّة شمال السُّودان بالقرب من الحدود الجنوبيَّة لمصر.
وقالت هذه المصادر إنَّ العمليَّة التي جرى التَّخطيط لها خلال أيَّامٍ معدودةٍ فقط، تمَّت بعد وصول معلوماتٍ استخباريَّةٍ إلى الموساد عن قافلة الشَّاحنات التي كانت تتألَّف من 23 شاحنةً، وأنَّها كانت تحمل أسلحة ومُكوِّنات صواريخٍ إيرانيَّةٍ كانت مُهرَّبةً إلى قطاع غزة؛ حيث قامت طائرات سلاح الجو الصُّهيوني "إف- 16" أمريكيَّة الصُّنع بقصف القافلة، في حين قامت مقاتلات أخرى من طراز "إف- 15" بتوفير الغطاء لها، في حال قيام طائراتٍ سودانيَّةٍ أو من دولٍ أُخرى بمهاجمتة فريق القصف الرَّئيسيِّ.
وبعد شن الهجوم، قامت طائرات من دون طيَّارٍ بالتَّحليق فوق مكان الهجوم وتصوير الشَّاحنات المحترقة، وعندما تبيَّن أنَّ الإصابات كانت جُزئيَّةً، قامت طائرات "إف- 16" بقصفها مرَّةً أخرى.
كما أنَّ للولايات المتحدة حوالي ألفَيْ جنديٍّ من القوَّات الخاصَّة والبحريَّة والسِّلاح الجوى في جيبوتي، ويعسكرون في قاعدة ليمونيهر، ومهامهم الأساسيَّة رصد حركة العناصر الأصوليَّة المُسلَّحة في اليمن والصومال، والقيام بمهامٍ نوعيَّةٍ في اعتقال أو قتل هؤلاء، وتقوم سفينة القيادة "ماونت ويتنير" التَّابعة للأسطول الثَّانيِّ الأمريكيِّ بتنسيق هذه المهام.
إلا أنَّ هذه هي المرَّة الأولى التي يتم فيها التَّنسيق على هذا النَّحو ما بين أجهزة مخابرات البلدان الثَّلاث، ولكن يبدو أنَّ التَّنافُس ما بين فرنسا والولايات المُتَّحدة في أفريقيا، والذي وصل إلى حدِّ تبادُل الدَّولتَيْن لإسقاط الأنظمة المُوالية لكلٍّ منهما في أفريقيا في التِّسعينيَّات، كما تمَّ في ليبيريا والكونغو الدِّيمقراطيَّة، مَنَعَ عمل مخابراتيهما معًا، فتمَّ التَّنسيق بواسطة الإسرائيليُّون.
إلا أنَّ الملف هذه المرَّة يبدو أنَّه يتجاوز كثيرًا الاعتبارات التي فرضت التَّنافسيَّة بين البلدَيْن، ولكن ثَمَّة تساؤل حول أسباب كشف موقع مُقرَّب من المخابرات الإسرائيليَّة عن هذه المعلومات في الوقت الرَّاهن، والإجابة غير واضحة، ولكنَّها في الأغلب رسالةٌ سياسيَّةٌ إلى كلٍّ من مصر والسُّودان، ومحاولةٌ للوقيعة ما بين فرقاء الحكم والأزمة في السُّودان، في الخرطوم والجنوب وفي دارفور عبر تسريب معلومات عن تعاون سيلفا كير وعبد الواحد نور مع الإسرائيليِّين، وتلقِّي كليهما دعمًا ماليًّا وعسكريًّا من الغرب..

أقرأ المزيد...

رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصريِّ!!...

 
أزمة هالة مصطفى وشالوم كوهين فتحت المجال لمناقشة مدى قوَّة جبهة مُعارضة التَّطبيع في مصر
العنوان: سلامٌ عاديٌّ؟
المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
التاريخ: 8 أكتوبر 2009م
المُؤلِّف: ديفيد شينكر(*)
إعداد: سامر إسماعيل
*.*.*
يَقْتَرِبُ الحزب الوطنيُّ الدِّيمقراطيُّ المصريُّ [الحاكم] بسرعةٍ من موعد عقد مؤتمره السَّنويِّ، ولكن هذا الاجتماع، الذي سيُمهد الطَّريق بصورةٍ رسميَّةٍ للخلافة السِّياسيَّة في البلاد "لا يصنع العناوين في هذه الأيام"؛ حيث إنَّ هناك مواضيعَ أخرى تحظى باهتمامٍ أكبر.
فعلى سبيل المثال، نقلت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكيَّة في عددها الصادر في السادس من أكتوبر رد فعل جماعة الإخوان المسلمين المصريَّة على مبيعات "طقم غشاء البكارة الاصطناعيِّ" الصِّينيِّ الصُّنع، كما ركَّزت مصادرٌ إخباريَّةٌ أخرى على قرارٍ هامٍّ اتَّخذته جامعة الأزهر بمنع ارتداء النِّقاب في الحصص الدِّراسيَّة [غير المُختلَطَة].
بيد، أنَّ الموضوع الذي تمَّ تغطيته بصورةٍ أقل في وسائل الإعلام الغربيَّة، هو الجدل الدَّائر المُحيط بالصحفيَّة والباحثة المصريَّة الدُّكتورة هالة مصطفى رئيسة تحرير مجلة (الدِّيمقراطيَّة) [المقصود تحقيقات "نقابة الصَّحفيِّين" معها بسبب استقبالها للسفير الإسرائيليِّ بالقاهرة شالوم كوهين]، بالرَّغم من كونه موضوعًا لا يقلَّ أهمِّيَّةً عن موضوعاتٍ أخرى؛ حيث وقفت هالة مصطفى أمام الَّلجنة التَّأديبية بـ"نقابة الصَّحفيِّين"، ومن المُنْتَظَر أنْ تُواجه عقوباتٍ بسبب لقائها مع كوهين في مطلع سبتمبر المنصرم.
والدكتورة هالة مصطفى هي عضوٌ في لجنة النُّخبة في الحزب الوطني الدِّيمقراطيِّ المُختصة بالسِّياسات، وباحثةٌ في "مركز الأهرام للدِّراسات السِّياسيَّة والإستراتيجيَّة" الذي ترعاه الحكومة.
وقد وجدت نفسها الشَّهر الماضي هدفاً لتحقيقات "نقابة الصَّحفيِّين" بسبب لقائها مع السَّفير الإسرائيلي في مصر. وبلقائها مع كوهين، انتهكت الدكتورة هالة مصطفى نظام النَّقابة الدَّاخليِّ المُتشدِّد، الذي يفرض سياسةً صارمةً تمنع أيِّ اتِّصالٍ مع إسرائيليِّين، والتي تقوم عليها حملة "مُناهضة التَّطبيع".
في العقود الأخيرة، كانت المقاطعة المهنيَّة المصريَّة لإسرائيل- التي تقودها النَّقابات التي تُسَيْطر عليها الجماعات الإسلاميَّة- أداةٌ فعَّالةٌ لمنع تطبيع العلاقات الثُّنائيَّة بين الدَّولتَيْن. وفي حين لم تبذل الحكومة المصريَّة جهودًا كبيرةً لكي تعكس هذا الاتِّجاه، لا يبدو بأنَّها كانت قد أيَّدت المُقاطعة، حتى وقتٍ قريبٍ.
ويبدو أنَّ "نقابة الصَّحفيِّين" تتطلع إلى جعل الدكتورة مصطفى مثالاً لردع الآخرين من اتباع مسار مماثل. ولا تحصل الباحثة مصطفى على أي مساعدة من "مركز الأهرام" الحكومي. وفي الواقع، لم يقم "المركز" بإنشاء مجلس تحقيقٍ من قبله لاستجوابها فحسب، بل أعلن قبل أسابيع بأنَّه سيقوم أيضًا "بمقاطعة الإسرائيليِّين على جميع المستويات".
لقد تأسس "مركز الأهرام" في عام 1968كم كـ"مركز الدِّراسات الصُّهيونيَّة والفلسطينيَّة"، لذلك ربَّما لا ينبغي أنْ يكون هذا التَّحوُّل في الأحداث مثيرًا للدَّهشة. ومع ذلك، فيبدو غريبًا بأنَّ المعهد المصريَّ الرَّائد في مجال البحوث- المُموَّل من قِبَلِ الدَّولة والمُرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنِّظام- سيلتزم ببنودٍ قانونيَّةٍ صارمةٍ مُناهضةٍ للتَّطبيع، والتي تُنادي بها النَّقابات التي يقودها الإسلاميُّون. وفي الواقع، تنص اتفاقات كامب ديفيد (للسَّلام) من عام 1978م بأنَّه بعد انسحاب الإسرائيليِّين من سيناء، ستقيم الدَّولتان "علاقاتٍ طبيعيَّةً" بما في ذلك "علاقاتٌ ثقافيَّةٌ".
وفي حين أنه ليس هناك شكٌّ في التزام الحكومة المصريَّة بعدم قيام حالة حربٍ مع جارتها الإسرائيليَّة، إلا أنَّه لا تزال هناك قوىً مُعارضةٌ للتَّحرُّك نحو السَّلام بين الشَّعبَيْن، على المستويات الرَّسميَّة والشَّعبيَّة على حدٍ سواءٍ. وفي مصر، يُبرَر هذا التَّضارُب بسوء مُعاملة إسرائيل للفلسطينيِّين، ولكن حتى عندما كانت عملية السَّلام تُحرِز تقدُّمًا، خلال أوج اتِّفاقات أوسلو (1994م- 1998م)، على سبيل المثال، لم تُظهِر القاهرة ميلاً يُذْكَر لتغيير الدَّيناميكيَّة.
لقد وصلت المُقاومة ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلى أعلى المُستويات في القاهرة. فالرَّئيس المصريُّ حسني مُبارك، الذي يشغل منصبه منذ عام 1981م، لم يقُم حتى الآن بزيارة إسرائيل سوى مرةٍ واحدةٍ فقط، حضر خلالها جنازة رئيس الوزراء الإسرائيليِّ الأسبق اسحق رابين. ومع ذلك، فقد قال لصحيفة (الأهرام) الحكوميَّة عقب عودته من إسرائيل عام 1995ز، "أنا لا أعتبر هذه زيارةً".
ويبقى أنْ نرى ما قد يتَّضِح من قضيَّة هالة مصطفى. ويقول مُطَّلعون في "النَّقابة" بأنَّ مجلس إدارتها يميل إلى تجميد عضويَّتِها لمدَّةِ عامٍ واحدٍ، ممَّا سيُؤدِّي إلى إقالتها من رئاسة تحرير (الدِّيمُقراطيَّة) [المَجلَّة الفصليَّة التي تُديرها الدَّولة]. وللأسف، فحسب التَّطوُّرات التي تظهر حتى الآن، لا يبدو من المُرجَّح بأنْ يقوم نظام الرَّئيس مُبارك بمعارضة ما ستُقرِّرُه "نقابة الصَّحفيِّين" أو سيتدخَّل نيابة عن الدُّكتورة هالة مصطفى.
وبالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي (باراك) أوباما، التي تسعى إلى إقناع دولٍ مثل المملكة العربيَّة السَّعوديَّة باتِّخاذ خطواتٍ لتطبيع العلاقات مع إسرائيل على أمل تشجيع الدَّولة اليهوديَّة على اتِّخاذ "مخاطرَ من أجل السَّلام" مع الفلسطينيِّين، يُشِّكل تصرُّف القاهرة معضلةً. فبعد كل هذا، حتى إذا كان الشُّركاء في عمليَّة السَّلام غير مُستعدِّون لاتِّخاذ خطواتٍ لتطبيع العلاقات بينهما، فإنَّ إقناع دولٍ مثل المملكة العربيَّة السَّعوديَّة على القيام بذلك لديها فرصةٌ ضئيلةٌ للنَّجاح. إنَّ أفضل نصيحةٍ يُمكن إعطاؤها لواشنطن في موضوع البحث عن تطبيع علاقات العرب مع إسرائيل، هي أنْ تتَّخذ نهجًا أكثر تواضعًا. وتبدو مصر، التي هي في حالة سلامٍ مع إسرائيل منذ ما يقرب من 30 عامًا، مكانًا معقولاً للبدء في خطوات التَّطبيع.

---------------------
(*) ديفيد شينكر هو مدير برنامج السِّياسة العربيَّة في معهد واشنطن لسياسة الشَّرق الأدنى، وكتب مقاله هذا قبل أيامٍ من عقد المؤتمر السَّنويُّ العام للحزب الحاكم في مصر

أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح