المُعارضة الِّليبراليَّة في مصر وخيبة الأمل!!...


  
-    المُعارضة الِّليبراليَّة المصريَّة تقول إنَّ دعم إدارة بوش الابن كان أكثر من دعم أوباما للديمقراطيَّة في مصر
-    تراجع التَّمويل من أكثر ما يثير قلق المجتمع المدنيِّ في مصر
-    استضافة نشطاء مصريُّون في واشنطن لا يعني علاقاتٍ دافئةً دائمًا

كتب: أحمد عبد الفتَّاح
استضافَتْ واشنطن قبل فترةٍ مجموعاتٍ من نشطاء ودعاة الإصلاح من مصر ومن العالم العربي والإسلامي؛ حيث نظموا فعالياتٍ عدةٍ لدعوة أوباما إلى وضع حقوق الإنسان وقضايا الدِّيمُقراطيَّة على قمة أولويَّاته في العالم العربيِّ.
ومن بين هذه الفعاليات ما وقع في فبراير الماضي، حيث دعا خبراء من مصر والولايات المتحدة إدارة الرئيس باراك أوباما إلى جعل قضايا حقوق الإنسان على رأس أجندة الإدارة الأمريكيَّة الجديدة في العالم العربي، وذلك خلال الحلقة النقاشية التي انعقدت في واشنطن لمناقشة تقرير "من تصدير الإرهاب إلى تصدير القمع: حقوق الإنسان في المنطقة العربيَّة"، والذي صدر عن مركز القاهرة لدراسة حقوق الإنسان.
وشارك في النَّدوة، التي انعقدت الجمعة 6 فبراير الماضي في منظمة "مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط" في واشنطن، بهي الدين حسن، رئيس مركز القاهرة، ورضوان زيادة، الأستاذ الزائر بمركز كار لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد، وميتشيل دن، الزميلة بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وأدار النقاش أندرو ألبرتسون، المدير التنفيذي لمشروع ديمقراطية الشرق الأوسط.
وقال بهي الدين حسن في النَّدوة إنَّ التَّقرير الذي أعَّدته مُنظمته يتناول جهود دول عربية لحماية من وصفهم بـ"منتهكي حقوق الإنسان، مثل الرئيس السوداني عمر البشير".
واعتبر حسن أنَّ تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي جاء نتيجة "افتقاد الرغبة السياسية"، متهما من وصفهم بالمحررين بالتحول إلى "منتهكين" لحقوق الإنسان في المنطقة العربية، وقال إنَّ نتيجة هذا كان ظهور قوى معارضة جديدة تمثلت في حركات الاحتجاج الشعبية والمدونين وجماعات الشباب ووسائل الإعلام المستقلة والجماعات المدافعة عن حقوق الأقلِّيَّات.
ودعا المشاركون في النِّقاش صناع السياسات في الولايات المتحدة إلى "عدم استبعاد حقوق الإنسان على الإطلاق" من أجندة الإدارة الأمريكية في المنطقة العربيَّة.
وقال مركز القاهرة لحقوق الإنسان في بيانٍ صحفيٍّ في حينه إنَّ التَّقرير "استهدف بالرَّصد والتحليل الأوضاع في 12 دولةٍ، شملت مصر وتونس والجزائر والمغرب والمملكة السعودية والبحرين وسوريا، إلى جانب خمسة من البلدان التي تعيش تحت وطأة الاحتلال، أو في ظل نزاعات داخلية مسلحة، وهى العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة، والسودان ولبنان واليمن".
وبعد ذلك بشهرٍ تقريبًا، وفي العاشر من مارس الماضي عقد 80 خبيرًا وناشطًا مؤتمرًا صحفيًّا في العاصمة الأمريكيَّة واشنطن، وجهوا خلاله خطابًا مفتوحًا إلى الرئيس الأمريكي، طالبوا فيه أوباما بجعل الديمقراطية في الشرق الأوسط على رأس أولويات إدارته.
ومن أبرز الموقعين على الخطاب أنور إبراهيم، نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق، والناشط المصري الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، وميشيل دن، الباحثة بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، والبروفيسور الأمريكي فرانسيس فوكوياما، الأستاذ بكلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، ومؤلف كتاب "نهاية التَّاريخ" المشهور، وناثان براون، الباحث المتخصص في شئون الشَّرق الأوسط والأستاذ بجامعة جورج واشنطن، وغيرهم.
وفي بيانٍ له في حينه، قال رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية، الذي شارك في جمع التوقيعات على الخطاب: "لقد ظلت الولايات المتحدة وأوروبا طوال عقود يدعمون ويدللون الدكتاتوريين في العالم العربي، وقد كان هذا أمرا كارثيا بالنسبة للمنطقة والعلاقات الإسلامية الأمريكية".
وطالب الموقعون على الخطاب إدارة أوباما بدعم الديمقراطية حتى في الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة حليفة، مشيرا بشكل خاص إلى مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وتونس، وجاء في الخطاب: "إننا نعترف بأن اتخاذ هذه الخطوات سوف يمثل مصاعب ومآزق، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تحرك جريء اليوم قبل أي وقت آخر".
وأضاف الموقعون على الخطاب: "لدينا فرصة غير مسبوقة في إرسال رسالة واضحة إلى العالم العربي والإسلامي، وهي أن الولايات المتحدة سوف تدعم كل الذين يكافحون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".
خيبة أملٍ!!
إلا أنَّ المعارضة المدنيَّة والِّليبراليَّة في مصر، أصيبت بخيبةِ أملٍ بعد ذلك، بعد وضوح تراجُع دعم الإدارة الأمريكيَّة للمجتمع المدني والمُعارضة في مصر.
وكانت أبرز الأصوات التي عبَّرت عن خيبة الأمل هذه المُدوِّن المصريِّ وائل عبَّاس، ففي أكتوبر الماضي أجرى الصَّحفيُّ ميشيل بيترو أجرى مقابلةً شخصيَّةً مع المُدِّون، أثناء وجود عبَّاس بالنَّدوة التي نظَّمتها مُنظَّمة الحقوق والدِّيمُقراطيَّة بعنوان وسائل الإعلام الحُرَّة في مواجهة الأنظمة القمعيَّة، ونشرتها صحيفة (ماكلينز) الكنديَّة الإلكترونيَّة على موقعها على شبكة الإنترنت.
عبَّاس أكَّد خلال المُقابلة أنَّه فُصِلَ من عمله كمراسلٍ لوكالة الأنباء الأوروبيَّة عام 2007م، بسبب التَّدخُّل الأمنيٍّ الذي كان له دورٌ كبيرٌ في فصله من عمله بعدما اشترط جهاز أمن الدَّولة على وكالة الأنباء الأوروبيَّة فصل وائل عبَّاس من عمله حتى يُسْمَح للوكالة بمزاولة نشاطها في مصر.
وقال ‘نَّ سبَّب التَّضيق الأمنيِّ عليه رُبَّما لأنَّه أجرى مقابلة مع أبن أخِ الرَّئيس الرَّاحل أنور السَّادات، الذي قال له بأنَّ الرَّئيس حسني مُبارك، هو الذي دبَّر عمليَّة اغتيال الرئيس الرَّاحل، وكان هذا الحدث انقلابًا عسكريًّا.
الأهم من ذلك أنَّ وائل عبَّاس أكَّد أنَّ الرَّئيس الأمريكيَّ باراك أوباما خسر احترام النَّاس؛ لأنَّه ومنذ وصوله للحكم بالولايات المتحدة وخطابه الشَّهير للمسلمين من مصر في يونيو الماضي، والحكومة المصريَّة تُضيِّق الخِناق على المعارضة أكثر، وتعتقل الكثير منهم، كما أنَّ خطابه يُشبه خطاب الإخوان المسلمين؛ حيث خاطب مشاعر المسلمين، عندما ذكر آياتٍ قرآنيَّةً، ولم يخاطب العقول، وهو ما تفعله جماعة الإخوان مع الفقراء في مصر، بحسب قوله.
وأكد عبَّاس أنَّ عهد الرئيسَ الأمريكيَّ السَّابق جورج بوش الابن كان أفضل بالنِّسبة للمُعارضة في مصر؛ لأنَّه كان يضغط على الحكومة المصرية لتترك مساحةٍ للدِّيمُقراطيَّة والمعارضة، عكس أوباما، الذي لا يُريد أنْ يفعل شيئًا تجاه ما يحدث للمعارضة في مصر، وكأنَّه مؤيدًا للحكومة المصريَّة في قمعها للمعارضين.
وجهة النَّظر هذه أكدَّها نُشطاء إصلاحيُّون آخرون في مصر؛ حيث قالوا إنَّ التزام الولايات المتحدة بالإصلاح في مصر في هبوطٍ مستمرٍ بحسب مقالٍ نشرته صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة في عددها الصَّادر في التاسع من أكتوبر الماضي، للكاتب الأمريكي سودارسان راجافان.
ورصدت الصَّحيفة في تقريرٍ لها الشُّعور بالإحباط المُتزايد لدى النُّشطاء في مصر من تراجع الالتزام الأمريكيِّ بنشر الدِّيمُقراطيَّة في العالم العربي، وقالت إنَّه بعد أشهرٍ من الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في القاهرة، والذي تعهَّد فيه بالالتزام الأمريكي بحقوق الإنسان وحكم القانون، تبرز مخاوفٌ بين النُّشطاء المطالبين بالإصلاح في مصر، من أنَّ الولايات المتحدة تتخلى عن الجهود التي بذلتها لتحقيق الإصلاحات الدِّيمُقراطيَّة في مصر.
فمنذ هذا الخطاب، شنَّت الشُّرطة المصريَّة حملةٍ جديدةٍ على جماعة الإخوان المسلمين "المحظورة"، واعتقلت مئاتٍ من أعضائها، ما بين المدونين الشَّباب وكبار قادة الجماعة، ومنعت الحكومة حركة معارضة وسطيَّة من أن تصبح حزبًا شرعيًّا [في إشارةٍ إلى مجموعة حزب (الوسط)]، وفي مدينة المحلَّة الكبرى، والتي تُعدُّ معقِل الإضرابات العُمَّاليَّة التي وقعت خلال الأسابيع الأخيرة، فإنَّه يبدو أنَّ الحكومة لا تستجيب لمطالب العمال أو تقمعها.
وتنقل الصَّحيفة عن كمال الفيومي، أحد القيادات العُمَّاليَّة، والذي تمَّ اعتقاله من قِبَلِ الحكومة لتنظيمه إضرابًا كبيرًا العام الماضي، قوله: "نحن ساخطون للغاية على الرَّئيس أوباما، فقد منح النِّظام الضَّوء الأخضر ليفعل ما يريده مع الشَّعب المصري".
وتمضي الصحيفة قائلة إنَّ الضُّغوط الأمريكيَّة من أجل الإصلاح الدِّيمقراطي في مصرن والتى كانت فعَّالة فى وقتٍ ما، تضاءلت خلال السَّنوات الأخيرة من حُكم الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، لكنَّ مُنتقدين يقولون إنَّ الضُّغوط قد خفَّت بشكلٍ ملحوظٍ في وقتٍ تقترب مصر فيه من مرحلةٍ انتقاليَّةٍ سياسيَّةٍ حاسمةٍ، وهي الانتخابات الرَّئاسيَّة المُقرَّرة في العام 2011م، وهناك تكهنات بأنَّ الرَّئيس مُبارك سيجعل ابنه جمال خليفةً له قبل الانتخابات، ممَّا يُثير المخاوف من أنَّ النِّظام سيمد حكمه المُمتد أصلاً منذ 28 عامًا بشكلٍ غير ديمقراطيٍّ.
ونقلت (الواشنطن بوست) عن أحد مسئولي السَّفارة الأمريكيَّة بالقاهرة قوله إنَّه رُبَّما يكون هناك تغييرًا في التَّكتيكات، لكنَّ التزام واشنطن بالدِّيمُقراطيَّة ودعم حقوق الإنسان في مصر لا يزال مستمرًّا، وأضاف المسئول أنَّ كبار المسئولين الأمريكيِّين سيستمرون في إثارة هذه القضايا مع نظرائهم المصريِّين.
واقترنت حالة الإحباط الحالية بخفض التَّمويل الأمريكي المُخصَّص لبرامج الدِّيمقراطيَّة في مصر من قِبَلِ إدارة أوباما التي تتمتَّع بعلاقاتٍ دافئةٍ مع حكومة مُباركن ويرى نُشطاء مصريُّون أنَّ النَّهج الوسطي الذي تتبناه إدارة أوباما قد يكون انعكاساتٌ كبيرةٌ في المنطقة التي يُهيمن عليها الحُكَّام المُستبدِّين الذين لا يستجيبون إلا للضَّغط.
وقال الدُّكتور أيمن نور، مُؤسِّس حزب الغد للصَّحيفة الأمريكيَّة، إنَّ تراجُع حديث أوباما عن الدِّيمُقراطيَّة يمنح هذه الأنظمة غير الدِّيمقراطيَّة الأمان وانطباعًا بأنَّهم لن يتعرَّضوا لضغوطٍ، وهذا الأمر لديه تأثيرٌ سلبيٌّ على الدِّيمُقراطية في العالم العربي.
ويزداد اليوم اعتماد إدارة الرَّئيس أوباما على مصر في محاولة بَدء مفاوضات السَّلام بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين، وفي احتواء الجماعات الأصوليَّة، مثل حماس وحزب الله، وأشارت الصَّحيفة إلى أنَّ أوباما التقى مع مُبارك ثلاث مرَّاتٍ، مُعيدًا بذلك مصر إلى مكانتها كحليفٍ استراتيجيٍّ رئيسيٍّ للولايات المتحدة فى العالم العربي، وهذا يعني انتهاء مرحلة جورج بوش الابن التى شهدت توتُّرًا بين القاهرة وواشنطن بسبب سياسة الولايات المتحدة في الشَّرق الأوسط وغزو العراق والانتقادات الأمريكيَّة لمصر سياسيًّا ولسجل حقوق الإنسان فيها.
ولعل أوضح دليلٍ على التَّحوُّل في السِّياسة الأمريكيَّة إزاء مصر، كما يقول نُشطاء، هو قطع التَّمويل، ففي العام الماضي، خصصت الولايات المتحدة مبلغ 54.8 مليون دولار لبرامج الدِّيمُقراطيَّة، منها 27.85 مليون دولار ذهبت إلى برامج المجتمع المدني والتي تُعدُّ همزة الوصل بين "القاعدة الشَّعبيَّة للنِّضال من أجل الدِّيمُقراطيَّة"، وفى هذا العام تقلَّص المبلغ إلى 20 مليون دولار، منها 5 ملايين دولار فقط ذهبت إلى المجتمع المدني.
وتحدثت الصحيفة عن نور، وقالت إنَّه زعيمٌ معارضٌ استفاد من الضُّغوط الأمريكيَّة بإطلاق سراحه في وقتٍ مُبكِّرٍ هذا العام، بعد سجنه ثلاث سنوات بتهمة التَّزوير.
وعندما سُئل نور عمَّا إذا كان يعتقد أنَّ إدارة أوباما سوف تُمارس جهودًا مماثلةً إذا وضعته الحكومة في السَّجن مرة ثانية، هزَّ رأسه نافيًا، وقال نور إنَّ الأمريكيِّين يُركِّزون حاليًا على إسرائيل، فهم يعتقدون أنَّ النِّظام الحالي ناجحٌ، لذلك لنْ يقوموا بأيَّة مخاطرةٍ، أمذَا أنور السَّادات ابن شقيق الرَّئيس المصريِّ الرَّاحل، فيعتقد أنَّ الأمريكيِّين سئموا من المصريِّين، فقد تمَّ إنفاق الملايين لتعزيز الدِّيمُقراطيَّة، ولم يحدث شيءٌ.
ويخشى العديد من النُّشطاء من أنَّ إدارة أوباما ستُفكِّر بالطَّريقة نفسها إزاء جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثمَّ ستفرض الشَّرعيَّة على ما يتوقَّع الكثيرون من انتقال السُّلطة إلى جمال مبارك في دولةٍ لم تشهد أبدًا انتقالاً ديمقراطيًّا للسُّلطة.
واختتمت الصَّحيفة تقريرها برأيٍ لجمال عيد، المُدير التَّنفيذيِّ للشَّبكة العربيَّة لحقوق الإنسان، الذي قال: "كنَّا نأمل أنْ تكون إدارة أوباما مختلفةٌ عن غيرها من الإدارات الأمريكيَّة، لكن الولايات المتحدة تهتم بالاستقرار أكثر من الدِّيمُقراطيَّة"..

أقرأ المزيد...

تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...



-    سوء التَّخطيط في حفل تدشين التَّحالُف الجديد يؤشِّر لسوء تخطيط أكبر
-    هذه التَّحالفات مصيرها الفشل بسبب عدم اعتمادها على الجماهير في حركتها

كتب: أحمد عبد الفتَّاح
ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر، وما يرتبط بها من قضايا، وخصوصًا فيما يتعلَّق بالضرورات التي تفرض إنشائَها، وأهدافها التي يجب أنْ تتبناها لإنقاذ مستقبل مصر، والكيانات التي يجب أنْ تحتويها هذه الحركات، حتى لا يكون مصيرها مصير العديد من التَّحالُفات التي نشأت في مصر في الأعوام الماضية، وكان مصيرها كلها الفشل الذريع.
ولعل تعاقُب الأحداث على الأرض يرغمنا على استمرار فتح هذا الملف، فقبل أيامٍ أعلن الدُّكتور أيمن نور مُؤسِّس حزب الغد، عن تشكيل تحالفٍ وطنيٍّ جديد ضد التَّوريث يحمل اسم " مايحكومشِ"، وتمَّ تدشين هذا التَّحالُف الجديد في مؤتمرٍ حاشدٍ أُقيم الخميس 15 أكتوبر الماضي، بمقرِّ حزب الغد بوسط القاهرة، وبحضور العديد من الشَّخصيَّات السِّياسيَّة المصريَّة، التي مثَّلت أحزابًا وقوىً سياسيَّةً مصريَّةً، بما في ذلك مشاركةٌ منخفضة الشِّدَّة من جانب جماعة الإخوان المسلمين، ممثلةً في عددٍ من نواب  كتلها في مجلس الشعب المصريِّ.
ولكن كان اللافت غياب أحزاب المُعارضة الرَّسميَّة الرَّئيسيَّة، وهي الوفد والناصري والتَّجمُّع والجبهة، وما أثار تساؤلاتٍ عديدةً حول فرص ومستقبل نجاح هذا التَّحالُف الجديد، مع عدم مشاركة الإخوان فيه بقوَّة، واعتزال أحزاب المعارضة الرَّئيسيَّة له.
وفي هذا الإطار نحاول هذه المرَّة أنْ نرصدَ المشهد السِّياسيَّ المصريَّ في ظلِّ التَّحالُف الجديد، ودراسة فرص نجاحه من عدمها.
الحَدَث
يوم الخميس 15 أكتوبر، وبمقر حزب الغد بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، أعلن الدُّكتور أيمن نور رسميًّا عن تدشين الحملة الوطنيَّة ضد التَّوريث.. "مايحكومشِ"، وفي وجود 35 شخصيَّةٍ سياسيَّةٍ وعامَّةٍ، استقرَّ الجمع على اختيار الدُّكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة، مُنسِّقًا للَّجنة التَّحضيريَّة للحملة حتى انتهاء أعمال الَّلجنة التَّحضيريَّة.
نور قال إنَّ الحملة تستهدف رفض التَّوريث في كلِّ مُؤسَّسات الدَّولة، وليس شخص جمال مبارك، وأكَّد على جدِّيَّة الحملة بالقول "إنَّ الحملة ليست إنشائيَّةً"، كما حاول إعطاء الأمر بُعدًا شعبيًّا عندما قال إنَّخ سيتم ملاحقة أي شكلٍ من أشكال التَّوريث قضائيًّا وشعبيًّا.
وبإلقاء نظرةٍ سريعةٍ على قائمة الحضور، نُلاحظ أنَّها ضمَّت مجموعةٌ قليلة فقط من ألوان طَيْف المعارضة المصريَّة؛ حيث لم يتواجد سوى حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة "تحت التَّأسيس"، والدُّكتور عبد الحليم قنديل المُنسِّق العام للحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، ومحمد أنور السادات وكيل مُؤسِّسي حزب الإصلاح والتَّنمية، وهو بدوَرْه حزبٌ لا يزال تحت التَّأسيس.
أما الإخوان المسلمون فقد حضر عنهم الدكتور فريد إسماعيل، عضو الكُتلة البرلمانيَّة للإخوان بمجلس الشعب ممثلاً للجماعة
كما كان من الطَّريف أنَّ الدُّكتور حسن نافعة أمين عام ملتقى الفكر العربيـ والذي انتخبه الحاضرون مُنسِّقًا عامًّا للَّجنة التَّحضيريَّة للتحالف الجديد، قد انتقد سوء التَّنظيم الذي اعترى يوم تدشين التَّحالُف  أو المؤتمر التَّأسيسيَّ الأوَّل، وقال إنَّ "الفوضى" اعترته، مُشدِّدًا أنَّه سوف يُركِّز خلال الاجتماعات القادمة على تنظيم الأمور "بشكلٍ أدقٍّ وفعَّالٍ".
سوء تخطيط
وبالفعل كانت فوضى؛ حيث لم تَكَدْ تمرُّ أيامٌ قليلةٌ، إلا وأعلن أعضاء التَّحالُف، وبعد جلستهم التحضيريَّة الأولى، عن تغيير اسم التَّحالف من "مايحكومشِ" إلى اسمٍ آخر، لم يعلنوا عنه بعد- (!!)- ويعملون على اختيارهن مُؤكِّدين أنَّ الاسم الأوَّل كان من اختيار نور، وأنَّهم رأوا عدم ملائمته.
كما كانت الشَّائعات العدو الثَّاني للتَّحالُف الوليد، فبعد ساعاتٍ من تدشين التَّحالُف الجديد خرج الدُّكتور يحيى القزَّاز عضو حركة "كفاية"، في تصريحاتٍ صحفيَّةٍ له أرجع فيها سبب عدم تلبيته دعوة أيمن نور لحضور المُؤتمر التَّأسيسيِّ لحملة "ضد التَّوريث"، إلي أنَّ منظمة "فريدم هاوس" الأمريكيَّة، كانت وراء تنظيم حملة "مايحوكمشِ"، لتغيير تركيبة المجتمع السياسيِّ المصريِّ، وفي محاولةٍ منها لاستكشاف نبض الشَّارع المصريِّ تجاه زعامة نور، لتقوم بتغيير إستراتجيَّتِها من دعم جمال مبارك إلى أيمن نور!!
وفتح القزَّاز النَّار على الكلِّ؛ فعلى الرَّغم من الحذر الذي استقبلتْ به التَّحالُف الجديد وانخفاض مستوى مشاركتها فيه، فإنَّ القزَّاز اتَّهم جماعة الإخوان المسلمين بوجود مصالحٍ بينها وبين السَّفارة الأمريكيَّة، خاصَّة بعد تلبيتها لدعوة نور، في أولى الأعمال الجبهويَّة- كما قال- التى يشاركون فيها بعد رفض المشاركة في الجبهات الأخرى مثل "كفاية".
كما قال إنَّ اليوم الأوَّل للحملة ضمَّ شخصيَّاتٍ أخرى لا تهدف سوى الظُّهور الإعلاميِّ، وتتردَّد على السَّفارة الأمريكيَّة، وأرجع سبب مُشاركة بعض الشَّخصيَّات في الفعاليَّات التي تُنظَّم على السَّاحة إلى "حُبِّ الظُّهور في كادرات الفضائيَّات"، كما خشي البعض من أنْ يسرق أيمن نور الأضواء منهم!!.
الغريب أنَّ القزَّاز قال إنَّ مساعي هؤلاء قد خابت بسبب "الحشد الهائل، واصطفاف المعارضة خلفه (نور) في مشهد المؤتمر؛ حيث بدا وكأنَّه زعيمًا لهم" في تناقضٍ واضحٍ مع كلامه الأوَّل!!
وثير تصريحات القزَّاز واحدةً من أهم الآفات التي تُعاني منها النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة، والتي أدَّت إلى انهيار أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت بين قوى المعارضة المصريَّة، وهي "حبُّ الظُّهور"، وما يمكن وصفه بالأنانية السِّياسيَّة بين النُّخَبِ، وهو العامل الأوَّل في انهيار أغلب التَّحالُفات السَّابقة.
تُوقُّعات بالسُّقوط المُبكِّر
ولعل كل تلك الأجواء وغيرها، هي ما دفعت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) في تحليلٍ مُطوَّلٍ لها عن هذا التَّحالف الجديد، إلى أنْ تتوقَّع فشله؛ حيث شكَّكت الصَّحيفة في إمكانيَّة نجاح الحملة التي تشنُّها المعارضة المصريَّة ضد توريث الحكم، متساءلةً عن كيفيَّة نجاح هذه المجموعة المُتنافرة من أحزاب المعارضة والشَّخصيَّات المتناقضة أنْ تتجمَّع بنجاحٍ لتحدِّي الدَّولة البوليسيَّة التي تضغط عليهم منذ سنواتٍ طويلةٍ بالتَّخويف والاعتقالات؟!
وأشارت الصحيفة إلى أنَّ التَّحالُف المُناهض للخلافة، الذي يقوده مُرشَّح الرَّئاسة السَّابق ومُؤسَّس حزب الغد أيمن نور، اكتسب زخمًا خلال المؤتمر الأوَّل له بوجود مُمثِّلين عن جماعة الإخوان المسلمين، والحركة المصرية من أجل التَّغيير "كفاية"، والجبهة الدِّيمقراطيَّة، والحزب الشُّيوعيِّ المصريِّ، وحزب العدالة والتَّنمية "تحت التَّأسيس".
ووصفت الصَّحيفة جمال مبارك نجل رئيس الجمهوريَّة، وأمين السِّياسات في الحزب الحاكم، بأنَّه لم يُختَبَر سياسيًّا، وصاحب خبرةٍ مُحدودةٍ محليًّا وعالميًّا، إلا أنَّ الصَّحيفة استدركت قائلةً إنَّه "صوتٌ مؤثِّرٌ" في الحزب الوطني الدِّيمقراطي الحاكم.
السَّببُ الحقيقيُّ للفشل
من الجائز أنْ يكون الحكم بفشل التَّحالُف الجديد مبكِّرًا أمرًا مُجحِفًا، إلا أنَّ كل الدَّلائل والمُؤشِّرات تؤكِّد على ذلك، لأنَّ التَّحالُف الجديد، وببساطةٍ، اختار طريق الفشل المُحتَّم الذي اختارته أغلب التَّحالُفات القديمة.
فالقاعدة العلميَّة الشَّهيرة تقول "البدايات المتشابهة تؤدِّي إلى نهاياتٍ متشابهةٍ"، أو مثلما قال المَثَلُ القديم "الَّذين يسلكون نفس الطُّرق يصلون إلى نفس النَّتائج"، والتَّحالُفات في مصر جميعها تقريبًا اختارت طريقًا واحدًا، لا تحاول التَّفكير خارجه، والاختلاف الوحيد يكون في المُكوِّنين للتَّحالُف، فمثلاً لو ضمَّ التَّحالُف مُمثِّلين للإخوان و"كفاية"، فنجد أنَّ أحزاب المُعارضة الأربعة الرَّئيسيَّة تُقاطعه، وإنْ ضمَّ الأحزاب الأربعة، يُقاطعه الإخوان و"كفاية"، وإنْ ضمَّ التَّحالُف بعض الشَّخصيَّات تُقاطعه شخصيَّاتٌ أُخرى لأنَّها علي خلافٍ مع المُشاركين، وهكذا.
كما أنَّ هناك ضرورةٌ لأنْ تُفكِّر النُّخَبُ السِّياسيَّة المصريَّة "خارج الصندوق"، أي أنْ تبحث عن القوى الحقيقيَّة المؤثِّرة في الشَّارع، كحركات الاحتجاج الاجتماعيِّ وحركات العُمَّال التي استطاعت أنْ تهُزَّ عروش الحُكَّام.
وكل هذا لا ينفي وجوب تنحية كافَّة الخلافات التي بين القُوى والنُّخب السِّياسيَّة جانبًا، ولو لمرَّةٍ واحدةٍ، من أجل إنقاذ ما يُمكن إنقاذَه في مصر، وخاصَّة أنَّ البلد مُقبلٌ على مرحلةٍ هي الأخطر في تاريخها الحديث، في ظلِّ الظُّروف المحلِّيَّة والدَّوليَّة الحالية!!..

أقرأ المزيد...

خارطة الطَّريق نحو جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ...



كتب: أحمد عبد الفتَّاح
فًتَحَتْ (اتِّجاهات) في أعدادها الأخيرة ملف مقترح تأسيس جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، والذي أُثير على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، ففي العدد الخامس، وتحت عنوان "هل راهن الإخوان على الجواد الخاسر في إفطارهم؟"، رُصِدَت محاولة الإخوان الأخيرة لإنشاء جبهةٍ وطنيٍةٍ جديدةٍ على غرار العديد من الجبهات الوطنيَّة التي قامت في الفترة الأخيرة، وكان مصير أغلبها هو الفشل.
ولعل القوى الوطنيَّة المصريَّة لم تجتمع على هدفٍ مشتركٍ قدر اجتماعها هذه الأيام على فكرة ضرورة إنشاء جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، تضمُّ كافَّة قوى وألوان الطَّيف السِّياسيِّ المصريِّ من أجل مواجهة سيناريو التَّوريث المنتظُر والمُتسارِع في خطواته، والوصول إلى نتيجةٍ في ملفِّ الإصلاح والتَّغيير في مصر، والذي لم يحدث فيه أيُّ تقدُّمٍ تقريبًا منذ أنْ فُتِحَ هذا الملف.
(اتِّجاهات) تفتح من جديد ملف التَّحالُف الوطنيِّ، وتحاول أنْ ترصًد هذه المرة "خارطة طريقٍ" للوصول لكيفيَّة الوصول التَّحالف الوطنيِّ الجديد أو الجبهة الجديدة، التي أصبحت وبلا شك أمل مصر الوحيد لتخرج ممَّا هي فيه الآن.
ولكن وقبل الخوض في هذه الإشكاليَّة يتطرَّق سؤالٌ لابدَّ من الإجابة عليه قبل أيِّ شيءٍ، وهو.. لماذا جبهةٌ وطنيَّةٌ، وما هو دورها؟
لماذا الآن جبهةٌ وطنيَّةٌ؟
يُجْمِع السِّياسيِّين في مصر بدايةً من أقصى اليمين الِّليبراليِّ إلى يمين الوسط الإسلاميِّ، وحتى أقصى اليسار الشُّيوعيِّ، أنَّ مصر أصبحت في أمسِّ الحاجة إلى تحالُفِ كافَّة قُواها الوطنيَّة في جبهةٍ جديدةٍ لإنقاذ "ما يمكن إنقاذه" في مصر ومن مصر.
فمصر تُواجه هذه الأياَّم العديدَ من التَّحدِّيات، لعلَّ أبرزها تسارُع ملفِّ التَّوريث، ووصل الأمر إلى حدِّ ظهور جمال مبارك نجل الرَّئيس في زياراتٍ ميدانيَّةٍ إلى قُرى ونجوع مصر، وفي صحبته عددٌ من الوزراء يُلقي إليهم الأوامر لحلِّ مشاكل سُكَّان تلك القرى والنُّجوع، في صورةٍ ذهنيَّةٍ تُعيدنا إلى سنينَ عدَّةٍ خلت، عندما كان يتكرَّر نفس ذلك المشهد مع اختلافٍ بسيطٍ، وهو أنَّ بطله الرَّئيسي كان الرَّئيس حسني مُبارك نفسه، لا نجله جمال.
وكما قلنا في رهان الإخوان على الجواد الخاسر، فمع تسارُع وتيرةِ سيناريو التَّوريث، لا يوجد حلٌّ أمام القوى السِّياسيَّة المصريَّة إلا التَّصدِّي لذلك السِّيناريو بكافَّة الطُّرق، وهو ما يتطلَّب تحالفها فيما بينها في كيانٍ ضخمٍ يمكن له أنْ يُهدِّد ذلك النِّظام العجوز، وهو الأمر الصَّعب، فالنِّظام المصري هو نظامٌ راسخٌ في الحكم لعواملٍ عدَّة لا مجال لذكرها هنا.
أمَّا علي باقي الأصعدة سواءٌ الاقتصاديِّ منها أو الاجتماعيِّ أو الصِّحيِّ أو التَّعليميِّ، فمصر تُعاني وبشدَّة في كافَّة تلك المجالات، فجميع التَّقارير الدَّوليَّة أو حتى المحلِّيَّة، حتى بما فيها تلك التي تُُصْدِرُها جهاتٌ حكوميَّةٌ مصريَّةٌ، تبرهن بالدَّليل القاطع علي مدى تدهور الوضع في مصر على كافة المستويات.
وبعيدًا عن التَّقارير، تكفي جولةٌ في أيِّ شارعٍ في مصر لمُدَّة ساعةٍ واحدةٍ، للوقوف علي الوضع المأساوي في مصر.
فقدان الأمل لدى المصريِّين هو المُشكلة الأكبر التي تُواجه البلاد، فسيناريو التَّوريث وكافَّة المشاكل التي تُعاني منها البلاد حاليًا يمكن مواجهته في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي تصدِّي المصريين لها.
وبغضِّ النَّظر عن كلِّ ما فات، فإنْ قامت جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ لها هدفٌ واحدٌ فقط، يجب أنْ يكون هذا الهدف هو إعادة بثِّ الأمل في المصريِّين من جديدٍ، بعد حالة اليأس القياسيَّة التي وصولوا إليها.
في منطق الأهداف
بعد أنْ طوَّفنا سريعًا في الأسباب التي يجب بمقتضاها أنْ تقوم جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ الآن، وليس بعد ساعةٍ، يظهر السُّؤال التَّالي: ما هي أهداف هذه الجبهة؟
التَّجرُبة تُؤكِّد أنَّ الأهداف المُباشِرة والمُركَّزة هي دائمًا الطَّريق الأسهل والأقصر والأوقع للنَّجاح، فعلى مرِّ الأعوام الأخيرة أثبت العُمَّال أنَّهم الوحيدون الذين استطاعوا ليَّ يَدِ النِّظام، والحصول على حقوقهم منه بالقوَّة، ولنْ نكون مُبالغين إنْ قُلنا إنَّ العمال هم أوَّل من فاز في معركة أمام هذا النَّظام القمعيِّ.
وبإلقاء نظرةٍ على معارك العُمَّال مع النِّظام، نلاحظ أنَّها كانت دائمًا معاركٌ بأهدافٍ صغيرةٍ مرحليَّةٍ سهلة التَّنفيذ، ومع تحقيق الهدف تنتقل المعركة إلى الهدف التَّالي، وهكذا.
فالعمال مثلاً كانوا يبدءون مطالبهم بطلب صرف بدلٍ لا يتجاوز بضعة جُنيهات عن كلِّ شهرٍ، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم بعد الحصول على هذا البدل إلى معركةٍ على بدلٍ لآخر محرومين منه، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم إلى مطالبتهم برعايةٍ صحيَّةٍ وسكنٍ ملائمٍ.... الخ.
وبدراسة هذه الحالة الفريدة يُمكن أنْ نستنتج أنَّ أيَّ تحالفٍ ناجحٍ لابد أنْ يبحث عن هدفٍ واحدٍ يلتف حوله الجميع، ويحاربون من أجل تحقيقه، ثم الانتقال إلى هدفٍ مرحليٍّ آخرٍ بعد تحقيق الهدف الأول.
ولعل الأهداف المرحليَّة يمكن أنْ تتنوَّع وتختلف، كما أنَّ المشكلة الأهم أنَّ لكلِّ فصيلٍ سياسيٍّ في مصر أهدافه الخاصَّة التي يراها عاجلةً، ولهذا يجب البحث عن هدفٍ لا يختلف عليه أحدٌ.
التَّوريث مفتاح النَّجاح!!
وبدراسة الواقع المصريِّ الحاليِّ نستنج أنَّ مُفتاح نجاح أيِّ تحالفٍ وطنيٍّ جديدٍ هو التَّوريث، فالنِّظام من جهةٍ أصبح يحثُّ الخُطى من أجل تنصيب النَّجل خلفًا لوالده، بينما تُجْمِع كلُّ قوى المُعارضة المصريَّة سواءٌ أكانت أحزاب- حقيقيَّةً وليست كرتونيَّةً من قَبيل حزب الأمة الذي صوَّت رئيسه للرَّئيس مبارك رئيسًا لمصر، رغم أنَّه كان أحد مُنافسيه في الانتخابات- والقوى والجماعات الوطنيَّة المصريَّة والحركات الاجتماعيَّة وفرد الشارع العادي على وجوب التَّصدي لملف التَّوريث، ويرفضون وصول جمال مبارك إلى كُرسيِّ رئاسة الجمهوريَّة، لا لشيءٍ إلا لأنَّه نجل الرَّئيس.
إذًا فالهدف المُرشَّح وبقوَّةٍ لأَنْ يكون الهدف الرَّئيس لأيِّ تحالفٍ جديدٍ هو مُواجه ملف التَّوريث وبقوَّةٍ، ولعل فُرص النَّجاح في هذا الملفِّ كبيرةٍ جدًّا، وأكثر من فُرص النَّجاح في أيِّ ملفٍّ لآخر كملفِّ إطلاق الحُرِّيات أو ملفِّ المُعتقلين السِّياسيِّين؛ لأنَّ ملف التَّوريث هو تقريبًا الملفُّ الوحيد الذي لا يُلاقي إجماعًا من أركان النِّظام.
فوفق ما يتسرَّب من داخل أروقة قُصور الحكم في مصر، فهناك أطرفٌ قويَّةٌ في مصر ترفض تصعيد جمال مبارك خلفًا لوالده، لأنَّه من ناحيةٍ ليس من أبناء المُؤسَّسة العسكريَّة، ومن ناحيةٍ أخرى فهو رافضٌ لقيادات الحرس القديم  في الحزب الوطنيِّ.
وباستغلال هذا الرفض استغلالاً جيِّدًا، فمن السَّهل جدًّا لأيِّ حركة احتجاجٍ مصريٍّ جديدةٍ أنْ تفوز وبضربةٍ قاضيةٍ على النِّظام في هذه المعركة.
من هم أعضاء التَّحالُف؟
لعلَّ أحد أهم أسباب انهيار التَّحالُفات السَّابقة هي أمرَيْن، الأوَّل هي تشتُّتها في أهدافها، وعدم توحُّدها على هدفٍ واحدٍ واضحٍ بسبب اختلاف أيديولوجيَّات مُكوِّنات التَّحالُف، أما السَّبب الثَّاني فهو مُكوِّني التَّحالُف نفسه.
هناك حقيقةٌ مُؤسفةٌ في مصر، وهي أنَّ نسبة 2% فقط من سكَّان مصر هم أعضاءٌ في أحزابٍ سياسيةٍ، وأغلبهم هم أعضاءٌ في الحزب الوطنيِّ الدِّيمُقراطيِّ الحاكم، وبإضافة عدد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها أكبر فصيلٍ سياسيٍّ في مصر، إلى الرَّقْم السَّابق، لن نجد أكثر من 5% من المصريِّين هم من لهم نشاطٌ سياسيٌّ ضمن جماعةٍ سياسيَّةٍ في مصر.
وهذا الرَّقْم من المُمْكِن أنْ يُؤشِّر لنا وبقوَّةٍ عن سبب فشل أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت على الأحزاب، وفي بعض الأحيان على جماعة الإخوان المسلمين والحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، بجانب تلك الأحزاب حتى أصبح طقسًا عند تكوين أيِّ جبهةٍ جديدةٍ أنْ يتمَّ التَّشاوُر بين هذه القوى، وفقط ويكون الاختلاف في نوعيَّة المُنضمِّين.
ففي بعض الحالات ينضم الإخوان وفي حالاتٍ ثانيةٍ لا ينضموا بسبب رفض بعض القُوى التَّعاون معهم، إلا أنَّ المُحصلِّةَ دائمًا في النَّهاية هي تحالفٌ يُدور في أحسن الأحوال في رقم 3% من سكان مصر.
وحتى جماعة الإخوان المسلمين نفسها، وفي إفطارها السَّنويِّ الأخير الذي وضعوا له هدفٌ عريضٌ، وهو الخروج بجبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، فشلت في تحقيق هذا الهدف، لأنَّ الجماعة راهنت على الَّلاعبين "الطَّبيعيِّين" الذين يلعبون على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة منذ سنينَ عدَّة، بعضهم قياداتٌ سياسيَّةٌ تاريخيَّةٌ، وبعضهم ظهر مع الحراك السِّياسيِّ الأخير في مصر والذي بدأ في العام 2005م واستمر حتى العام 2007م تقريبًا، من دون التَّفكير بالدَّفع بدماءٍ جديدةٍ في التَّحالف الجديد.
نعود هنا إلى ذات الفكرة التي سبق وأنْ تمَّ التأكيد عليها من قبل؛ حيث إنَّ أيَّ تحالُفٍ وطنيٍّ ينجح في تحقيق أهدافه في مصر، وعلى رأسها هدف التَّغيِّير، يجب أنْ يضمَّ الحركات والأُطُر الشَّعبيَّة القادرة على تحريك النِّظام والتَّأثير فيه، ومن بينها الاحتجاجات العُمَّاليَّة.
ولكن ثَمَّة مشكلةٍ ها هنا، وهي أنَّه صحيحٌ أنَّ هناك تأثيرًا سياسيًّا للحركات العُمَّاليَّة، بطبيعة حركاتها، ولكن هل الحركات العُمَّاليَّة راغبة في تحويل اتِّجاهها من حزمة أهدافها الاجتماعيَّة والمعيشيَّة إلى قائمة أهداف ذات طابعٍ سياسيٍّ؟.
إنَّ ما تُدركه هذه الحركات أنَّ سرَّ نجاحها يعود إلى أنَّها بعيدةٌ عن العمل السِّياسيِّ، وغير مرتبطةٍ بفصيلٍ بعينه، ولكنَّها قد تنأى بنفسها عن أيِّ محاولةٍ لانتزاعها من هذا الإطار إلى إطارٍ آخرٍ تفشل فيه.
إذن فإنَّ المُهمَّة الأولى لأيِّ تحالُفٍ وطنيٍّ جديدٍ في مصر ليست في جذب الحركات العُمَّاليَّة، ولكنها في "إقناع" هذه الحركات وقياداتها، بقائمة الأهداف والحركة الجديدة!!

أقرأ المزيد...

هل جمال مبارك حقًّا من أكثر 100 شخصيًّةٍ مُؤثِّرةٍ في العالم؟!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

للمرَّة الأولى ظهر اسم جمال مبارك نجل الرَّئيس المصري محمد حسني مبارك وأمين لجنة السِّياسات بالحزب الوطني الحاكم في مصر، في قائمة أهم مائة شخصيَّةٍ مُوثِّرةٍ في العالم، والتي تنشرها مجلة (التايم) الأمريكيَّة؛ حيث حلَّ في المركز الثامن عشر، بحصوله على ثمانمائة وثلاثون ألف صوتٍ بمتوسط 31 نقطة.
ويكون بذلك هو الشَّخصيَّة العربيَّة الثَّانيَّة في القائمة بعد الإماراتي الشيخ أحمد بن زايد آل نهيان، رئيس هيئة أبو ظبي للإستثمار، والذي حل في المركز الثالث عشر بمتوسط 36 نقطةً.
ووصفت المجلَّة الأمريكيَّة جمال مبارك بأنَّه سياسيٌّ مصريٌّ، وأنَّه ابن الرَّئيس المصريِّ محمد حسني مبارك، كما وصفته بأنَّه الرَّئيس المرتقب لمصر، خاصَّة مع تزايُد وتيرة تلميع وتجهيز جمال مبارك ليخلف والده في منصبه، وأكَّدت المجلَّة أنَّ جمال مبارك يستغل زياراتٍ دوريَّةً يقوم بها للولايات المتحدة للدَّعاية لنفسه بأنَّه أفضل شخصٍ لتولِّي مهام رئيس مصر القادم.
المفاجأة الأكبر كانت تقدُّم جمال مبارك على شخصيَّاتٍ عالميَّةٍ كبيرةٍ، مثل الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما، والَّذي حلَّ في المركز السَّابع والثَّلاثين، والدالاي لاما، والذي حلَّ في المركز الواحد والسِّتِّين، والبابا بنديكيت السادس عشر بابا الفاتيكان، والذي حلَّ في المركز الثَّامن والسَّبعين، ومارك زوكربرج مؤسس موقع (فيس بوك) الاجتماعيِّ الشَّهير، والذي حلَّ في المركز الواحد والتِّسعين، والإعلامية الأمريكيَّة المعروفة أوبرا وينفري، والتي حلت في المركز الثَّامن والتِّسعين.
نظرة سريعة على القائمة
أمَّا المركز الأول في التقرير الجديد، فقد كان مفاجأةً من أكبر مفاجات التَّرشيحات لهذا العام؛ حيث أحتل كريستوفر بول قائمة الصَّدارة في قائمة المائة الأكثر تأثيرًا، وبول أو كما يعرف باسم "مووت"، هو طالبٌ جامعيٌّ يبلغ من العمر واحدٌ وعشرين عامًا، وهو مُؤسِّس موقع (فورتشان دوت أورج)، وهو موقعٌ تفاعليٌّ يابانيٌّ، وله تأثيرٌ واسع الانتشار.
بول حصل على أكثر من ستة عشر مليون صوتٍ، بمتوسط 90 نقطةً، بفارقٍ كبيرٍ بينه وبين صاحب المركز الثَّاني، وهو رئيس الوزراء الماليزيِّ الأسبق أنور إبراهيم، الذي حصل على أقل من مليونَيْ ونصف المليون صوت، بمتوسط 47 نقطة.
الشَّخصيَّة العربيَّة الثَّالثة في القائمة كانت من نصيب وزير النفط السعودي علي النُّعيمي، والذي حلَّ في المركز التَّاسع عشر بمتوسط 30 نقطةً، وهو يظهر في القائمة للمرَّة الثَّانية، يليه في المركز الرَّابع عربيًّا والعشرين في القائمة، الزَّعيم الشِّيعي مُقتدى الصَّدر (35 عامًا)، والذي يدخل القائمة للمرة الثَّالثة بمتوسط 29 نقطة.
هل- حقًّا- جمال مبارك مُوثِّرٌ؟
"المفأجاة" فرضت سؤالاً هامًّا للغاية هل- حقًّا- جمال مبارك من أكثر الشَّخصيَّات تأثيرًا في العالم؟.. بالطبع الإجابة لا ، فجمال مبارك يمكن أنْ يكون من أكثر 10 شخصيَّاتٍ تأثيرًا على الشَّأن الدَّاخليِّ المصريِّ، إلا أنَّه من المستحيل أنْ يكون من أكثر 100 شخصيَّةٍ تأثيرًا في العالم؛ لأنَّ جمال مبارك ببساطةٍ غير معروف خارج حدود مصر.
ولمعرفة كيفيَّة وصول جمال مبارك الي تلك المرتبة المُتقدِّمة، يُمكن مُراجعة قواعد اختيار القائمة، فالمجلَّة الأمريكيَّة اعتادت أنْ تطرح أسماء 200 شخصيَّةٍ كل عام ترى المجلَّة أنَّهم مرشَّحين لأنْ يكونوا أكثر الشَّخصيَّات تاثيرًا على سُكَّان العالم، سواءٌ بالسَّلب أو بالإيجاب.
ثُمَّ تفتح التَّصويت عليهم على موقعها على شبكة الإنترنت، ويتم ترتيبهم تصاعديًّا حسب أعداد الأصوات التي حصلوا عليها، ومن هنا يُمكن ببساطة استنتاج أنَّ جمال مبارك وصل إلى تلك المرتبة بحكم عدد المُصوِّتين له على موقع الإنترنت الخاص بالمجلَّة، وهو ما يفتح الباب مُجدَّدًا للحديث حول كتائب النُّشطاء الإلكترونيِّين الذين يُعدُّهم الحزب الوطنيِّ منذ سنواتٍ، ويتنشرون على العشرات من مواقع الإنترنت وخاصَّة (فيس بوك) والمُدوَّنات، ويعملون على عدَّةِ أمورٍ، أهمُّها تلميع جمال مبارك بصفته الرَّئيس القادم لمصر، وإبرازه على أنَّه مُرشَّح الشَّباب لهذا المنصِب.
وتقنيًّا، فإنَّ الأمر ليس بالصَّعب، فمن المُمكن لبضعة آلافٍ من نُشطاء الحزب الوطنيِّ وجمعيَّة جيل المستقبل التَّابعة لجمال مبارك، أنْ يصوتوا أكثر من 800 ألف مرَّةٍ على موقع المجلَّة بواسطة برامج "بروكسي" "proxy"، وهي برامج تعمل على إخفاء هويَّة أجهزة الحاسب الآلي حتى لا يستطيع موقع المجلَّة اكتشاف أنَّ هناك شخصًا صوَّت أكثر من مرَّةٍ، وإذا وضعنا في الاعتبار أنَّ أغلب هولاء النُّشطاء هم مأجورون، يتقاضون أجورهم من المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم بالحزب، مباشرةً، لن يكون مستغربًا بالمرَّة المركز الذي وصل له أمين السِّياسات بالحزب في ترتيب (التَّايم).
وبعيدًا عن التِّقنية ومرَّات التَّصويت، هناك مُؤشِّرٌ خطيرٌ للغاية يبُدر في الأفق من تصويت (التَّايم)، وهو دخول جمال مبارك أصلاً في ترشيحات المجلَّة كأحد أكثر 200 شخصيَّة تأثيرًا في العالم.
الأسباب وراء ترشيحات المجلَّة غير معروفةٍ، الا أنَّه وحسب ما تقول المجلَّة، فإنَّ ترشيحاتها لها قواعدٌ كثيرةٌ وصارمةٌ منها أنْ تكون التَّرشيحات عبر لفيفٍ من الخبراء، وانْ تشمل كافَّة مناطق العالم، إلا أنَّ المجلَّة لا تُعلَّل أسباب اختيار الشَّخصيَّات، وتكتفي بوضع نبذةٍ مُختصرةٍ جدًّا عن الشَّخصيَّات المختارة.
وحتي تقوم المجلَّة باستعراض أسباب ترشيحها لجمال مبارك- وهو ما لا يحدث في الأغلب- فإنَّ التَّساؤل يظلُّ مطروحًا عددٌ من التَّساؤلات المشروعة بالفعل: على أيِّ أساسٍ رشَّحت المجلَّة جمال مبارك كأحد أهم 200 شخصيَّة في العالم؟، وما دلالة ذلك التَّصرُّف؟، وهل هو إنذارٌ جديدٌ للمصريِّين بقرب رحيل رئيسهم الحالي من منصبه، وتسليمه مقاليد الأمور لابنه الأصغر؟!
الشَّباب يردُّون
من جهتهم دشَّن نُشطاء مصريُّون على شبكة الإنترنت تصويتًا مُشابهًا لتصويت مجلة (التايم)، ولكن هذه المرة علي موقع (فيس بوك) لأكثر 10 شخصيَّاتٍ مصريَّةٍ تأثيرًا، واقترح القائمون على الفكرة 40 مُرشَّحًا للقائمة طلبوا من المُشاركين في الاستطلاع اختيار 10 منهم، وترتيبهم حسب تأثيرهم على الشَّعب المصريِّ.
وقال أحمد شقير صاحب الفكرة: "نحاول أنْ نُصْدِر قائمةً بأكثر عشر شخصيَّاتٍ مصريَّةٍ مُعاصرةٍ مؤثرةٍ من أربعين شخصيَّةٍ، مع ملاحظة الفرق بين أنَّ التَّأثير لا يشترط إيجابيَّة الشَّخصيَّة أو سلبيَّتها، إعجابنا بها أو رفضنا لها، فقط نراها تؤثر في حياتنا بطريقةٍ أو بأخرى، تأخذ وقتًا منَّا للتَّفاعُل معها، وحيزًا للحديث عنها، ومساحةً للتَّفكير بها"..
.....

أقرأ المزيد...

"استقلال القضاء".. حقٌّ منتهكٌ بالقانون!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

إصلاح المنظومة القضائيَّة بات قضيَّةٌ مُلحَّةٌ في مصر!!.. هكذا ببساطة، ولا تقتصر المطالبة بها على القضاة وحدهم، وإنَّما أصبحت على رأس أولويَّات دعوات الإصلاح السِّياسيِّ لكل القوى السِّياسيَّة بمختلف اتِّجاهاتها الفكريَّة، وخاصَّة بعد الشُّهرة الإعلاميَّة والأهميَّة التي اتَّخذتها تحرُّكات القضاة التي شهدتها مصر في العام 2005م.
ولعل أبرز ملامح ذلك الإصلاح المطلوب تتمثَّل في استقلال القضاء بعيدًا عن السُّلطة التَّنفيذيَّة بصفته السُّلطة التي تفصل دائمًا بين السُّلطات وبين الشَّعب، ولذلك السَّبب فانَّ كل الدَّستاتير التي تعاقبت على مصر أحتوت نصوصًا أساسيَّةً بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته، وتحظر وتؤثِّم التَّدخُّل في أيَّة قضيَّةٍ أو أيِّ شأنٍ من شئونه وشئون قضاته، من جانب أيَّة سلطةٍ أو أيِّ شخصٍ.
وبالرَّغم من ذلك، فإنَّ الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر، لم تتوقَّف طوال هذه السِّنين عن النَّص في القوانين المُنظِّمة للسُّلطة القضائيَّة وغيرهاـ على ما يُجرِّد تلك النُّصوص من مضمونها تمامًا، بل ويخالفها بنصوصٍ صريحةٍ تُصادِر بها- لحساب السُّلطة التَّنفيذيَّة- معظم أصول هذا الاستقلال وقواعده وضماناته.
كما تسند بها بعض اختصاصات القضاء الطَّبيعيِّ إلى غيره، وتصدر قراراتٌ وتصرفاتٌ واقعيَّةٌ أخرى من خلال وزارة العدل، وهي إحدى أذرع السُّلطة التَّنفيذيَّة، يسيطر بها النِّظام على إرادة رجال السُّلطة القضائيَّة وشئونهم، بل وأحكامهم!
في مبدأ الاستقلال:
المادة (64) من الدُّستور تنصُّ على أنَّ سيادة القانون أساس الحكم في الدَّولة، كما نصَّت المادة (65) منه على أنْ تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيَّتان لحماية الحقوق والحُرِّيَّات، ونصَّت المادة (166) كذلك على أنَّ القضاة مُستقلِّون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأيَّة سلطةٍ التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة.
ووفق هذه النُّصوص فالقضاء المصري هو مستقلُّ تمامًا عن السُّلطتَيْن التَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة، فحرَّمت عليهما التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة، وحالت بذلك بينهما وبين القضاء حتى تكون له قيمته وجدواه.
ومن ثَمَّ فقد حرصت المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء رقم (66) لسنة 1943م، على التَّنويه بأنَّ نصوص الدُّستور لم تُنشئ حقيقة استقلال القضاء، فمن طبيعة القضاء أنْ يكون مُستقلاً والأصل فيه أنْ يكون كذلك، وكل مساسٍ بهذا الأصل من شأنه أنْ يعبث بجلال القضاء، وكل تدخُّلٍ في عمل القضاة من جانب أيَّة سُلطةٍ من السُّلطتَيْن يخلُّ بميزان العدل، ويُقوِّضُ دعائم الحكم.
فالعدل كما قيل قديمًا أساس الملك، ومن الحقِّ أنْ يتساوى أمام قُدس القضاء أصغر شخصٍ في الدَّولة بأكبر حاكمٍ فيها، وأنْ ترعى الجميع عين العدالة.
وحتى على المستوى المالي، كفل القانون والدُّستور استقلاليَّة القضاء، فقد نصَّت المادة الثَّامنة من ذلك القانون، المقابلة للمادة (68) من قانون السُّلطة القضائيَّة القائم حاليًا، على أنْ تُحدَّد مُرتَّبات القضاة بجميع درجاتهم وفقًا للجدول الملحق بهذا القانون، ولا يصح أنْ يُقرَّر لأحدٍ منهم مُرتبٌ بصفةٍ شخصيَّةٍ ولا مُرتَّبٌ إضافيٌّ من أيِّ نوعٍ كان، أو يُعامَل معاملةٌ استثنائيَّةٌ بأيَّة صورةٍ.
واستهدف هذا النَّص وغيره تقنين ما هو سائدٌ في سائر القوانين المقارنة للدِّول الدِّيمقراطيَّة، من وضع نظامٍ إداريٍّ وماليٍّ خاصٍّ بالقضاة يحفظ استقلالهم ويُحقِّق المساواة فيما بينهم، ويُمكِّنُهم من مقاومة الضُّغوط التي قد تُمارَس عليهم، ويحول دون وقوعهم أسرى لمصالحهم الشخصيَّة.
كما أنَّ تشريعات الدِّول الدِّيمقراطيَّة أرست أصول النِّظام الماليِّ والإداريِّ التي تضمن استقلال القضاء، كما ردَّدت هذه الأصول نصوص المواثيق والاتِّفاقيَّات الدَّوليَّة والإعلانات العالميَّة لحقوق الإنسان، باعتبار أنَّ القضاء أحد أهمِّ حصون حماية حقوق الإنسان.
فقد نصَّت المادة العاشرة من الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان الصَّادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948م، على أنَّ "لكلِّ إنسانٍ، على قدم المساواة التَّامة مع الآخرين، الحقُّ في أنْ تنظُر قضيَّتَه محكمةٌ مُستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا منصفًا وعلنيًّا للفصل في حقوقه والتزاماته، وفي أيَّة تهمةٍ جزائيَّةٍ تُوجَّه إليه".
كما أكَّد الإعلان العالميُّ لاستقلال القضاء الصَّادر في مونتريال عام 1983م، ضرورة أنْ "يضمن القانون كفاية مُرتَّبات القضاة المناسبة لمسئوليَّات مناصبهم وكرامتهم وإعادة تسوية الرَّواتب والمعاشات بانتظامٍ وفق مُعدَّل ارتفاع الأسعار".
كذلك نصت القوانين في الدِّول الدِّيمقراطيَّة على أنَّه "لا يجوز أنْ يُنشَأ بين القضاة ولا بين أعضاء النِّيابة فيما يتولُّونَه من سلطات التَّحقيق، أيُّ نوعٍ من التَّبعية الإداريَّة مهما اختلفت درجاتهم أو مستويات محاكمهم، فكلُّهم قضاةٌ مستقلُّون لا يتبع أحدٌ منهم أحدًا مهما علت درجته وارتفع مقامه، إنَّما تكون التَّبعيَّة لجمعيَّات القُضاة أنفسهم، بمحاكمهم، وفي توزيع العمل فيما بينهم فحسب".
وقد عبر الإعلان العالمي لاستقلال القضاء عن تلك المعاني، بما نصَّ عليه من وجوب استقلال القضاة تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم، وعدم مساس أيِّ تسلسلٍ تنظيميٍّ في القضاء بحق القاضي في إعطاء قراره بحرِّيَّةٍ تامَّةٍ، وألا يكون للسُّلطة التَّنفيذيَّة أيَّة رقابةٍ على الوظائف القضائيَّة، ولا القيام بأيِّ عملٍ أو تعطيل القيام بأيِّ عملٍ يؤدِّي إلى استبعاد الحل القضائيِّ لأحد النِّزاعات، أو تعطيل التَّنفيذ السَّليم لقرار إحدى المحاكم" (المبدأ 2/231).
في مصر.. القانون ينتهك استقلال القضاء:
وبالرَّغم من أنَّ المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء- رقم (66) لسنة 1943م- والتي سبق الإشارة اليها، أشارت عن أنَّ ما جاء به من ضماناتٍ تشريعيَّةٍ لاستقلال القضاء، هو مجرَّد خطوةٍ على طريق هذا الاستقلال، ولكن سوف تتبعها خطوات، إلا أنَّ الحكومات المُتعاقبة على مصر، وعلى العكس، أخذت تنتقص من هذه الضَّمانات، وتتحكَّم في شئون رجال القضاء وإرادتهم وحُرِّيَّتهم بنصوصٍ تشريعيَّةٍ وتطبيقاتٍ عمليَّةٍ مُخالفةٍ للدُّستور، سلبت بها مضمون ذلك الاستقلال وجدواه.
ومن بين هذه المخالفات [كما رصدتها دراسات أعدتها جماعة "محامون بلا قيود"]:
1-    المادة (4/9) من قانون السُّلطة القضائيَّة المُعدَّل بالقانون 35 لسنة 1984م، والذي صارت بموجبه السُّلطة التَّنفيذيَّة مُمثَّلةٌ في شخص وزير العدل، تنفرد بالكلمة النَّهائيَّة في ندب وتجديد ندب من تختارهم هي وحدها من مستشاري محاكم الاستئناف ليكونوا- لأيِّ عددٍ من السِّنين- مجرَّد تابعين لها في رئاسة المحاكم الابتدائيَّة في الإشراف على الرُّؤساء والقضاة، بل وأحكامهم وقراراتهم القضائيَّة والولائيَّة وسائر العاملين في هذه المحاكم، بل وتنبيههم إلى ما يقع منهم مُخالفًا لمقتضيات وظائفهم، كما اختصَّ هؤلاء الرُّؤساء في الوقت نفسه برئاسة الدَّوائر القضائيَّة في المحكمة ذاتها.
ومع تقادم العهد بهؤلاء الرُّؤساء في مناصبهم ومزاياهم الماليَّة والعينيَّة، تنامت سلطاتهم المختلطة، سعةًَ وعُمقًا، حتى امتدت آثارها إلى العمل القضائيِّ ذاته، واهتزَّت الثِّقة العامَّة به، خاصَّة حين يتم تعيين بعضهم في مناصب المحافظين، وحين تتضمَّن محاضر توزيع العمل بالجمعيَّات العموميَّة لبعض المحاكم دعوة كافَّة القُضاة من أعضائها لما معناه ضرورة عرض الدَّعاوى الهامَّة المنظورة أمامهم على رئيس المحكمة للمداولة معه فور حجزها للحكم، وقبل الفصل فيها، وفي ذلك ما فيه من إثمٍ جنائيٍّ وقضائيٍّ بموجب أحكام الدُّستور والقانون.
2-    المادة (78) من القانون ذاته، الذي أنشئت إدارة في وزارة العدل تابعةٌ لمكتب الوزير، وهي إدارة التَّفتيش القضائيِّ على أعمال القُضاة والرًُّؤساء بالمحاكم، وتقدير أهليَّتِهم وصلاحيَّتِهم ومساءلتهم وفحص وتحقيق الشَّكاوى التي تُقدَّم ضدهم، واقتراح ندبهم ونقلهم وترقيتهم أو تخطيهم..إلخ.
وبطبيعة الحال يجري تحت ذلك كلُّه تحت سيطرة الوزير، وهو ما يعني- ببساطةٍ- قضاءً على استقلال القضاء والقُضاة، وسلب إرادتهم وهز، بل وتضييع، الثِّقة العامَّة فيهم.
3-    المواد (93) و(125) وما بعدها في القانون المذكور التي تُخوِّل الوزير وبعض تابعيه سلطاتٍ إداريَّةً وتأديبيَّةً على القضاة.
4-    وعلى المستوى المالي تمَّ الضَّرب فيها عرض الحائط بالضَّمانات التَّشريعيَّة التي تحول دون تحكم السُّلطة التَّنفيذيَّة من خلال وزارة العدل في مرتَّبات ومُخصَّصات القضاة بالتقليص أو الإفراط، حتى أفسدت النِّظامُ الماليُّ الخاصُّ بالقضاة عبر إنشائها نظامٍ موازٍ.
وقد أطلقت وزارة العدل يدها في التَّميِّيز بين القضاء، سواءً في توزيع ما يُسمَّي بالحوافز ومكافآت العمل الإضافيِّ ودورات التَّحكيم والكسب غير المشروع، أو في سائر أنواع المعاملة الماليَّة والعلاجيَّة والاجتماعيَّة والمزايا العينيَّة الأخرى، وذلك بصورٍ شتى، وبالمخالفة لصريح نص المادة (68) من ذلك القانون، ولصريح نصوص جدول المُرتَّبات والمُخصَّصات الملحقة به.
وبلغ الأمر في ذلك إلى حدِّ احتفاظ الوزارة بدفتر شيكاتٍ رسميٍّ تصرفُ منه بإرادتها المنفردة أيَّ مبلغٍ لمن يشاء من رجال القضاء، من دون أيَّة قواعدٍ ولا رقابةٍ ولا مساءلةٍ ولا حسابٍ.
5-    وبالمخالفة لنص المادة (30) من قانون السُّلطة القضائيَّة، وبموجب اختصاصات إدارة التَّفتيش القضائيِّ ورؤساء المحاكم، بل والتَّنازُل غير المشروع الذي تتضمَّنه جميع محاضر الجمعيَّات العموميَّة للمحاكم عن أهم اختصاصاتها لرؤسائها، تتحكَّم وزارة العدل في توزيع العمل أمام الدَّوائر بالهوى والاعتبارات الشَّخصيَّة التي تثير التساؤلات، وليس بقواعدٍ موضوعيَّةٍ عامَّةٍ مجرَّدةٌ، وطال ذلك محكمة النَّقض ذاتها لأوَّل مرة في تاريخها.
6-    احتوت المادة (36) على انتهاكاتٍ صريحةٍ لاستقلال القضاء؛ حيث نصت على أنْ "يكون للوزير أنْ يعيد إلى الجمعيَّات العامَّة للمحاكم الابتدائيَّة ولجان الشُّئون الوقتيَّة بها ما لا يرى الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النَّظر فيها".
7-    نصَّت المادة (78) وما بعدها على أنْ تتشكِّل بوزارة العدل إدارة للتَّفتيش القضائيِّ على أعمال القضاة والرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة ويضع وزير العدل لائحة للتَّفتيش القضائيِّ، وأُخرى لتفتيش النِّيابات، ويخطر وزير العدل من يقدر بدرجة متوسط أو أقل من المتوسط من رجال القضاء والنِّيابة العامَّة بدرجة كفايته، وذلك بمجرد انتهاء إدارة التَّفتيش المُختصَّة من تقرير كفايته، كما يُخطِر من حلَّ دورهم في التَّرقية ولم تشملهم، بأسباب تخطيهم.
ويختص الوزير كذلك بتعيين القضايا التي تُنظر وعدد الجلسات وأيام انعقادها ومن يقوم بالعمل في أثناء العطلة القضائيَّة (المادتان 87 و88).
كما نصَّت الفقرتان الرَّابعة والخامسة من المادة التَّاسعة من قانون السُّلطة القضائيَّة على أنْ "تكون رياسة المحكمة الابتدائيَّة بطريق النَّدب، من بين مستشاري محاكم الاستئناف بقرارٍ من وزير العدل، بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، لمدَّة سنةٍ على الأكثر قابلةٍ للتَّجديد- وليس بعد موافقة المجلس- وأنْ يكون بكلِّ محكمةٍ ابتدائيةٍ عددٍ كافٍ من الدَّوائر يرأس كل منها رئيس المحكمة أو أحد الرؤساء بها".
يدل ذلك كله على أنَّ السُّلطة التَّنفيذيَّة صارت لها الكلمة النَّهائيَّة في هذا النَّدب المختلط بما يترتَّب عليه من تخويل المستشار المختار بمعرفة الوزارة وحده ولايتَيْ الإدارة والقضاء مع رياسة دوائر المحكمة، وفي وقتٍ واحدٍ، إلى جانب ما يتولاه من اختصاصاتٍ أخرى رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وتأديبيَّةٍ على جميع القضاة والرُّؤساء بالمحكمة وسائر موظَّفيها وعُمَّالها، ناهيك عن اختصاصاته الانتخابيَّة المُستحدثة وغيرها.
كما يختص أيضًا بتنظيم الخدمات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة لرجال القضاء والنِّيابة بقرارٍ من الوزير، وللوزير حق طلب إحالة القاضي للمعاش أو نقله لوظيفة غير قضائية (المواد 91 و111 و129)، وحق الإشراف على جميع المحاكم والقضاة وأعضاء النِّيابة العامَّة (المادتان 93 و125).
وبينما لرئيس كلِّ محكمةٍ حقُّ الإشراف على القُضاة التَّابعين لها، فإنَّ للوزير طلب وقف القاضي أو عضو النِّيابة (المادة 97)، وحق تنبيه الرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة وقُضاتها وأعضاء النِّيابة العامَّة كتابةً وشفاهة، إلى ما يقع منهم مخالفًا لمقتضيات وظائفهم (المادتان 94 و126).
كما أنَّ الوزير من حقِّه يطلب من رئيس المحكمة الحق، إذا تكرَّرت المخالفة أو استمرت، رفع الدَّعوى التَّأديبيَّة، وتقام هذه الدعوى- ودعوى الصَّلاحية- بطلبٍ من الوزير بناءً على تحقيقٍ جنائيٍّ أو إداريٍّ يتولاه أحد نوَّاب رئيس محكمة النَّقض أو رئيس محكمة استئناف، يندبه الوزير أو مستشارٍ من إدارة التَّفتيش القضائيِّ التابعة للوزارة (المادة 99).
كل ذلك يضمن تخويل السُّلطة التَّنفيذيَّة سلطاتٍ رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وماليَّةٍ وتأديبيَّةٍ، تتدخَّل بها في صميم شئون العدالة والقضاء والقُضاة، بالمخالفة للدُّستور الذي على مبدأ استقلال القضاء والقُضاة كضمانٍ أساسيٍّ للحقوق والحُرِّيَّات.
الإشراف علي الانتخابات.. المسمار الأخير:
لعل إدراك النِّظام في مصر لقوَّة القضاة، وإدراكهم هم أنفسهم لأهمِّيَّة حركتهم في العام 2005م، والتي أدَّت لموجةٍ واسعةٍ من الحِراك السِّياسيِّ في مصر، والتَّجربة التي أعقبت انتخابات 2005م؛ حيث فاز 88 من مُرشَّحي الاخوان بعضوية مجلس الشَّعب بسبب الأشراف القضائيِّ أساسًا على الانتخابات، هو ما دفع النِّظام الحاكم إلى الدَّفع باجراء تعديلاتٍ على الدُّستور المصريِّ في العام 2007م، يُلغَى بموجبها الإشراف القضائيِّ على الانتخابات أو المبدأ الذي عُرِفَ في مصر بمبدأ قاضٍ لكلِّ صندوقٍ.
فقد كانت المادة (88) من الدُّستور تنص على أنْ يتم الاقتراع في انتخابات مجلس الشَّعب "تحت إشراف أعضاء من هيئةٍ قضائيَّةٍ"، وطلب رئيس الجمهورية تعديل هذه المادَّة بحُجَّه "ما يسمح بمواجهة التَّزايُد المطرد لأعداد النَّاخبين، وما يفرضه من زيادةٍ مُماثلةٍ في أعداد لجان الاقتراع ومراكز الفرز (...)، ويضمن في الوقت نفسه إجراء الانتخابات في يومٍ واحدٍ".
وكانت النَّتيجة الحتمية لهذا التَّعديل مشاركة هيئاتٍ غير قضائيَّةٍ في الإشراف على الانتخابات.
كما عمد النِّظام الحاكم إلى المزيد من التقييد على تيار الاستقلال في أوساط القضاة المصريِّين، والذين يمثلون نصف عدد الهيئة القضائيَّة في مصر- خمسة آلاف من بين عشرة آلاف قاضٍ- فكانت البداية بالمحاولة الفاشلة لإقصاء المستشار هشام البسطاويسي نائب رئيس محكمة النَّقض والمستشار محمود مكي نائب رئيس محكمة النَّقض، والتي انتهت بمواجهات الشَّارع الشَّهيرة بين الإخوان والدولة، وأدَّت لتراجُع النِّظام عن محاولته هذه.
ثم بدأت الدَّولة بعد ذلك في محاصرة تيار الاستقلال في المحاكم المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل محاكم الاستئناف والدُّستوريَّة العليا، وكذلك في أندية القضاة.
فكان- على سبيل المثال- تعيين المستشار فاروق سلطان رئيسًا للمحكمة الدستوريَّة، بعد توليه الإشراف على انتخابات نقابة المحامين مباشرةً، وهو ما دفع مراقبون في الخارج إلى إبداء دهشتهم لذلك، ومن بينهم ناتان براون الكاتب الأمريكي البارز في مقالٍ تحليليٍّ نشره في مجلة (فورين بوليسي) الأمريكيَّة المرموقة تحت عنوان "لماذا عيَّن النظام المصري رئيسًا جديدًا للمحكمة الدُّستوريَّة؟".
وقال إنَّ من بين الأسباب الحقيقيَّة لترقية المستشار فاروق سلطان رئيس محكمة جنوب القاهرة السَّابق؛ لكي يصبح رئيسًا للمحكمة الدُّستوريَّة العليا، أعلى سُلطةٍ قضائيَّة في مصر، هو كونه مقرَّبًا من النِّظام، وقال إنَّ تعيينه يهدف إلى تسهيل عملية انتقال السُّلطة لجمال مبارك أمين السِّياسات في الحزب الوطنيِّ الحاكم من دون حدوث أيَّة عقباتٍ.
وكان من بين هذه الخطوات أيضًا "إنجاح" المستشار أحمد الزِّند المعروف بأنَّه رجل النِّظام القوي في نادي القضاة في منصب رئيس النَّادي على حساب مُرشَّح تيَّار الاستقلال المستشار هشام جنينة، ويُضاف إلى ذلك الإبقاء على المستشار ممدوح مرعي في منصبه كوزيرٍ للعدل رغم كل الانتقادات الموجَّهة له.
والآن السُّؤال أو الأسئلة التي تطرح نفسها، هل القضاء المصري مُستقلٌ؟!، وما هو دوره في التَّغيُّرات القادمة في مصر؟!، وهل سوف يكون هناك إمكانيَّةٌ لتكرار ملحمة انتخابات 2005م؟!.. البعض يؤكِّد أنَّه من المستحيل التَّكهُّن بذلك الآن!!
----------------------
المصادر الرَّئيسيَّة:
1- مشروع تعديل قانون السُّلطة القضائيَّة ومُذكِّرَتَه الإيضاحيَّة الذي وضعته الجمعيَّة العموميَّة لقضُاة مصر منذ العام 1991م.
2- وثائق وتوصيات مؤتمر الجمعيَّة العموميَّة لقضاة مصر الملحقة بالكتاب الذهبي للمحاكم الأهليَّة الذي أصدره نادي القضاة عام 1991م.
...

أقرأ المزيد...

هل راهن الإخوان على الجواد الخاسر في إفطارهم؟!!...


بقلم: أحمد عبد الفتَّاح
لا شكَّ أنَّ الإفطار السَّنويَّ العام الذي تعقده جماعة الإخوان المسلمين كل عامٍ، ويدعو إليه مرشدها العام، هو إحدى أهم الأحداث التي ينتظرها الوسط السِّياسيِّ في مصر، ويترقَّب الجميع أخباره، بدايةً من الإعداد له وشخصيَّات المدعوين وماهيتهم، وحتى لحظة انفضاض الجمع، وصولاً إلى النَّتائج المترتبة على الإفطار.
ومما لا شك فيه أنَّ أهميَّة ذلك الإفطار تعود إلى أسبابٍ عدةٍ، أوَّلها بكل تأكيدٍ أنَّ جماعة الإخوان المسلمين هي الفصيل السِّياسيِّ الأكبر في مصر، كما أنَّ الجمع الذي يلتأم في هذا الإفطار لا يمكن أنْ يلتأم في مكانٍ أخرٍ.
ولعل إدراك النِّظام لمدى أهميَّة هذا الإفطار، هو ما دفعه منذ عامَيْن إلى الضَّغط في اتِّجاه إلغائه، وهو ما تمَّ بالفعل بعد رفض كافَّة الفنادق استقبال الافطار تحت ضغوطٍ أمنيَّةٍ، وهو ما دفع الجماعة إلى الاستعاضة عنه بسلسلةٍ من الإفطارات الأصغر حجمًا، تجمع المرشد العام وبعض قيادات الصَّف الأول من الجماعة، مع مجموعةٍ من رموز النُّخبة المصريَّة تُنْتَقى بعنايةٍ بالغةٍ.
والمُتابع لهذه الإفطارات، يلاحظ أنَّ طبيعة الكلمات والمناقشات التي تدور بين الحضور قد اختلفت كثيرًا عمَّا كانت عليه حينما كان يُعْقَد الإفطار بشكلٍ مُوسَّعٍ ويحضره الآلاف الأشخاص بأحد الفنادق الكبرى في العاصمة المصريَّة.
ففي العامين الماضيَيْن عُقِدَ الإفطار العام للجماعة في مقرِّ الأمانة العامَّة للكتلة البرلمانيَّة للإخوان المسلمين في مجلس الشعب في الإخشيد بضاحية المنيل، وحضره في كلِّ مرَّةٍ عددٌ يتراوح ما بين 30 إلى 60 شخصًا، واتَّسم في كلِّ مرَّةٍ بأنَّ الكلمات غير سابقة التَّجهيز، ولا تُتْلَى وفق ترتيبٍ مُعيَّنٍ، فغالبًا ما يفتتح المرشد العام الكلمات بكلمةٍ مقتضبة منه، ثم يستمع إلى آراء المشاركين حول بعض النِّقاط التي أثارها في كلمته، ثم يفتح باب الحوار لمن يريد المشاركة.
وجوهٌ جديدةٌ
ووفق تلك العادة الجديدة، دعا المرشد العام للجماعة الأستاذ محمد مهدي عاكف هذا العام، مجموعةً من النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة للإفطار مع قيادات الجماعة بمقر الأمانة العامَّة للكتلة بالمنيل يوم الأربعاء 2 سبتمبر.
ووفق الموقع الرسمي للجماعة، فإنَّ الإفطار شهد للمرة الأولى ظهور بعض الوجوه الجديدة، مثل الكاتب الصَّحفي فهمي هويدي، والمفكر الإسلامي الدُّكتور محمد عمارة، والدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس تحرير دوريَّة (السِّياسة الدَّوليَّة) الشَّهيرة ورئيس حزب الجبهة الدِّيمقراطيَّة.

هذا بالإضافة إلى العديد من الشَّخصيَّات التي اعتادت حضور إفطار الإخوان، مثل المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندريَّة السَّابق، والمفكِّر القومي الدُّكتور يحيى الجمل أستاذ القانون الدُّستوريِّ بجامعة القاهرة، والدُّكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوريِّ بجامعة القاهرة، والشَّاعر والأديب الدُّكتور جابر قميحة، والمفكِّر الدُّكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، والدُّكتور حمدي السَّيِّد نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصِّحة بمجلس الشعب.
بجانب الدُّكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية السَّابق، والدُّكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة والأمين العام لمنتدى الفكر العربي، والدكتور عبد الجليل مصطفى عضو حركة "9 مارس" المنادية باستقلال الجامعات، والمهندس محمد عصمت سيف الدَّولة المُتخصِّص في الشُّئون الفلسطينيَّة، والنَّائبُ المستقلُّ علاء عبد المنعم، وجورج إسحاق منسق حركة كفاية الأسبق، والمفكر القبطي الدُّكتور رفيق حبيب، والدكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب المستقل.
وعن الأحزاب والقوى السِّياسيَّة حضر المستشار سعيد النَّجار عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، والنَّائب حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة (تحت التَّأسيس)، وفاروق العشري رئيس المكتب السِّياسيِّ للحزب النَّاصريِّ، ، والمستشار محفوظ عزام رئيس حزب العمل، والدُّكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل "المُجمَّد"، والنَّائب سعد عبود عضو مجلس الشعب عن حزب الكرامة، والدُّكتور عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة "كفاية".
تحالفٌ جديدٌ بدوره!!
وفي كلمته القصيرة التي ألقاها المرشد العام للجماعة على الحضور عقب تناول طعام الإفطار، كان واضحًا جدًّا وللوهلة الأولى أنَّ المرشد العام لم يكن يحمل سوى هدفٍ واحدٍ في هذا الِّلقاء، وهو الخروج بجبهةٍ جديدةٍ للإصلاح والتَّغيير في مصر، على غرار العديد من الجبهات التي شُكِّلت في مصر في السَّنوات الأخيرة، وشَكَّلت تحالفاتٍ بين القوى السِّياسيَّة المصريَّة والأحزاب من أجل الإصلاح والتَّغيير في مصر، وكان الإخوان دائمًا في طليعة المُنظِّمين لمثل تلك الجبهات، وكانت أشهرها الجبهة التي قادها رئيس وزراء مصر الأسبق الرَّاحل الدُّكتور عزيز صدقي.
ولوحظ منذ الَّلحظة الأولى أنَّ المرشد استهدف في المقام الأول تحديد اسم لقيادة التحالف الجديد، وهو ما كان واضحًا عندما طلب عاكف عقب انتهاء كلمته من الدُّكتور حسن نافعه التَّحدُّث، فتحدث نافعة مؤكدا علي ضرورة ولادة التَّحالُف الجديد، ولما طلب المرشد من نافعة قيادة ذلك التَّحالُف مثل صدقي، اعتذر بحُجَّة أنَّه مفكرٌ ومنظِّرٌ، لا ناشطًا سياسيًّا.
وعلى هذا المنوال استمر اللقاء، فأغلب الحضور اعتذر عن قيادة التَّحالُف الجديد بحججٍ مختلفةٍ، إلا أنَّ القاسَم المشترك بين جميع من تحدَّثوا ومن شاركوا أنَّ أحدًا لم يكن مُتحمِّسًا بما فيه الكفاية للتَّحالُف الجديد، وهو ما ظهر جليًّا في عدم إعلان أحد المشاركين رغبته صراحةً في الانضمام، إمَّا بصفته الشَّخصيَّة أو بالكيان السِّياسيِّ المنتمي إليه، في التحالف الجديد.
كما أنَّ الِّلقاء لم يخرج باسم القائد الجديد للتَّحالُف خاصَّة مع حرص جماعة الإخوان على أنْ يكون ذلك الشَّخص من خارجها، وهو النَّهج الذي انتهجته الجماعة في جميع التَّحالُفات التي دخلتها، إلا تحالفًا واحدًا كان مُنسِّقُه هو الدُّكتور محمد السيد حبيب النَّائب الأوَّل للمرشد العام للإخوان المسلمين.
فشل؟!.. أم..؟!!
ولعل النَّتيجة التي خرج بها الإفطار، والمُتمثِّلةَ في الفشل عن إعلان التَّحالُف الجديد أو حتى الإعلان عن اسم منسِّقٍ له، يطرح عدةَ أسئلةٍ هامَّةٍ، وهي هل كانت فكرة الإخوان في تشكيل تحالفٍ جديدٍ فكرةٌ مستهلكةٌ لا تصلح حاليًا، ولهذا كانت تلك هي النَّتيجة الطَّبيعيَّة؟، أم أنَّ المشكلة في من دعتهم الجماعة لتشكيل ذلك التَّحالُف؟.. السَّؤال الثَّالث هو أنَّه في ظل غياب ذلك التَّحالُف، ما هو مستقبل الحياة السِّياسيَّة في مصر، وخاصَّة مع تسارع وتيرة سيناريو التَّوريث في الأيام الأخيرة؟
ومن السُّؤال الثَّالث من الممكن أنْ نجد إجابةً للسُّؤال الأوَّل، فمع تسارُع وتيرةِ سيناريو التَّوريث، لا يوجد حلٌّ أمام القوى السِّياسيَّة المصريَّة إلا التَّصدِّي لذلك السِّيناريو بكافَّة الطُّرق، وهو ما يتطلَّب تحالفها فيما بينها في كيانٍ ضخمٍ يمكن له أنْ يُهدِّد ذلك النِّظام العجوز، وهو الأمر الصَّعب، فالنِّظام المصري هو نظامٌ راسخٌ في الحكم لعواملٍ عدَّة لا مجال لذكرها هنا.
وهو ما ينقلنا إلى محاولة الإجابة عن السُّؤال الثَّاني: هل المشكلة في من دعتهم الجماعة لتشكيل ذلك التحالف؟.. وفق الذي حدث في الإفطار، فبكلِّ تأكيدٍ أنَّ المشكلة في من دعتهم الجماعة لا في الفكرة ذاتها؛ فالجماعة راهنت على الَّلاعبين "الطَّبيعيِّين" الذين يلعبون على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة منذ سنين عدة، بعضهم قياداتٌ سياسيَّةٌ تاريخيَّةٌ، وبعضهم ظهر مع الحراك السِّياسيِّ الأخير في مصر والذي بدأ في العام 2005م واستمر حتى العام 2007م تقريبًا.
إلا أنَّ هذه القيادات كان واضحًا جدًّا عليها أنَّها قد فقدت الأمل في التَّغيير، وهم معذورون في ذلك، فالنِّظام المصري اثبت أنَّ لديه قوَةٌ خارقةٌ على إجهاض أيِّ محاولةٍ للتَّغيير والحراك السِّياسيِّ في مصر، بل علي العكس ففي الوقت الذي توقَّع فيه الجميع سقوط النِّظام، فوجئ الجميع أيضًا بأنَّ النِّظام يستعرض عضلاته عبر تسريع سيناريو التَّوريث.
ووصل الأمر إلى حدِّ ظهور جمال مبارك نجل الرَّئيس في زياراتٍ ميدانيَّةٍ إلى قُرى ونجوع مصر، وفي صحبته لفيفٍ من الوزراء يلقي إليهم الأوامر لحل مشاكل سُكَّان تلك القرى والنُّجوع، في صورةٍ ذهنيَّةٍ تُعيدنا إلى سنينَ عدَّةٍ خلت عندما كان يتكرَّر نفس ذلك المشهد مع اختلافٍ بسيطٍ، وهو أنَّ بطله الرَّئيسي كان الرَّئيس حسني مُبارك نفسه، لا نجله جمال.
شروط التَّغيير
هذا الطَّرح يرغمنا على طرح تساؤلٍ جديدٍ وهو على من كان يجب أنْ يُراهن الإخوان ومِنْ خلفهم الشعب المصري من أجل التَّغيير؟!
قبل الإجابة على هذا التَّساؤُل يجب الوقوف أولاً على الشُّروط التي يجب أنْ تتوفَّر في ذلك الَّلاعب السِّياسيِّ الجديد، وللوقوف علي هذه الشُّروط يجب بدايةً أنْ نسترجع نموذج الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، كحركة احتجاجٍ سياسيٍّ ظهرت في مصر بسرعةٍ كبيرةٍ، وتمكَّنت من السَّيطرة على الشَّارع لوقتٍ قصيرٍ، إلا أنَّها رغم قِصَرِ تلك الفترة، استطاعت أنْ تصنع نوعًا من أنواع التَّغيِّير في طبيعة الحراك السِّياسيِّ في مصر.
فحركة "كفاية" رغم صغرها وقلَّة عدد أفرادها وفقرها المادي، إلا أنَّها استطاعت أنْ تفرض نفسها كأحد أهمِّ مُكوِّنات الحراك السِّياسيِّ المصريِّ في القرن الأخير؛ لأنَّ "كفاية" استطاعت ببساطة تهديد النِّظام المصريِّ عبر الخروج في مظاهراتٍ في شوارع مصر في مظهرٍ كان المصريُّون قد أوشكوا على نسيانه.
نموذج "كفاية" يؤكِّد أنَّ الشَّرط الأهم الذي يجب توافره في ذلك اللاعب السياسي هو قدرته علي هز العروش وتهديد النِّظام، وهو الشَّرط الذي توافر وبكثرةٍ في حركات الاحتجاج الاجتماعيِّ التي اجتاحت مصر في الأعوام الأربع الماضية.
فحركات الاحتجاج الاجتماعيِّ والحركات العُمَّاليَّة التي لها مطالبٌ هي في الأغلب فئويَّةٍ، استطاعت أنْ تُثبِت، وبالدَّليل القاطع، أنَّها الحركات الأقدر على تهديد النِّظام الحاكم في مصر، فتلك الحركات فازت في أغلب معاركها التي خاضتها مع النِّظام، واستطاعت عبر عُمَّال المحلَّة الكبرى، أنْ تقود أكبر حركة احتجاجٍ مدنيٍّ حدثت في مصر في العقود الأخيرة، والتي عُرِفَت بإضراب 6 أبريل في العام الماضي 2008م.
وعلى نهج عُمَّال المحلَّة، استطاع الملايين من العُمَّال الحصول على حقوقهم رغمًا عن الحكومة، وكانت انتصارات بعضهم انتصارات تُعدُّ سياسيَّةً، كما حدث مع موظَّفي الضَّرائب العقاريَّة الذين استطاعوا أنْ يفرضوا شروطهم على الحكومة، وأنْ يُنشئوا أوَّل نقابةٍ مستقلَّةٍ في مصر.
العُمَّال، وإنْ خرجوا في مطالبٍ تَظْهَر في ظاهرها أنَّها مطالبٌ فئويَّةٌ، إلا أنَّهم حملوا ضمن مطالبهم مطالبًا سياسيَّةً، ووصل الأمر في بعض تلك الأعمال الاحتجاجيَّة بأنْ يهتفوا ضد نظام الحكم وبسقوطه؛ لأنَّهم يرون أنَّ هذا النِّظام هو السَّبب الرَّئيسي وراء شقائهم.
ولعل إحدى أهم المُميِّزات التي تُميِّز تلك الحركات، أنَّها تُلاقي إجماعًا وطنيًّا من قِبَلِ جميع ألوان الطَّيف السِّياسيِّ المصريِّ، فعلي سبيل المثال يري الاشتراكيُّون واليساريُّون أنَّ دعم هذه المطالب ضروريَّةٌ وهامَّةٌ، وتصل إلى أنَّها تحتلُّ قِمَّة أولويَّاته، رغم أنَّ أدبيَّات اليسار ترى أنَّ المطالب الخاصَّة برفع الأجور في ظلِّ نظامٍ رأسماليٍّ، هي مطالبٌ تحسِّن ظروف العامل بالأجر، وأنَّها لا تحلُّ المشكلة، بل هي مجرد مُسكِّناتٍ تستخدمها الرَّأسماليَّة لتثبِّت نفسها، وللتغلُّب على مشاكل العُمَّال، إلا أنَّهم يرون الآن أنَّ دعم تلك هذه الحركات هي الطَّريقة الوحيدة لهز استقرار ذلك النِّظام.
وعلي نفس الشَّاكلة ترى التَّيَّارات اليمينيَّة والتَّيَّار الإسلاميُّ أنَّ دعم مطالب العُمَّال هو أولويَّةٌ مُلحَّةٌ، وهو ما تجلَّى في دعم الإخوان لتلك الحركات، وإنْ كان ذلك الدَّعم على استحياءٍ في بعض الأحيان لأسبابٍ عدَّةٍ، لعل أبرزها تخوُّف القائمين على تلك الحركات حساب تحرُّكاتهم على الإخوان، وهو ما يُضعِف كونها حركاتٌ اجتماعيَّةٌ في المقام الأول، فالمصريون اثبتوا أنَّهم لا يتفاعلون مع الحراك السِّياسيِّ، وتتدنَّى طموحاتهم في مجال تداوُل السُّلطة والدِّيمُقراطيَّة، ولكن في مقابل قابليَّتهم وبشكلٍ كبيرٍ للتَّفاعُل مع أيِّ حراكٍ اجتماعيٍّ في ظلِّ ظروف المعيشة الحالية.
وفي هذا المجال يقول الصَّحفيُّ البريطانيُّ سوردسون راكفان من جريدة (الواشنطن بوست): "كنت أحاور أحد الصَّحفيِّين المصريِّين، وأخذ يَعُدُّ لي مصائب ومشاكل الشَّعب المصريِّ واحدةً بعد الأخرى، فسألته وماذا ينتظر الشَّعب المصريُّ ليثور بعد كل هذا؟!، وهل سيثور الشَّعب في حالة توريث جمال مبارك"، فرد عليه الصَّحفيُّ المصريُّ بالقول: "الشَّعب لن يثور إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي أنْ يتم رفع ثمن رغيف الخبز من 5 قروش إلى 10 قروش"!!
وفي الختام، وبالعودة إلى قضيَّة التَّحالُفِ الوطنيِّ، فممَّا سبق نخرُج بنتيجةٍ واحدةٍ، وهي أنَّ أيُّ تحالفٍ وطنيٍّ يُريد فعلاً التَّغيير في مصر، يجب أنْ يضم في المقام الأول حركات الاحتجاج الاجتماعيِّ في مصر بكافَّة أشكالها؛ لأنَّهم- وببساطةٍ- هم القوى الأكبر والأقوى في مصر الآن على السَّاحة.
ومن هذا المنطلق كان يجب على الإخوان المسلمين، إنْ أرادوا بالفعل تشكيل ذلك التَّحالٌف، هو دعوة القيادات العُمَّاليَّة وقيادات الحركات الاجتماعيَّة إلى مائدة إفطارهم، للحديث حول ذلك التَّحالُف جنبًا إلى جنبٍ مع القيادات السِّياسيَّة القديمة، فتحالف هذَيْن العنصرَيْن إلى جانب الإخوان، الفصيل السِّياسيُّ الأكبر في مصر، هو الأمل الأخير لإنقاذ مصر..

أقرأ المزيد...

مبارك في واشنطن.. ما لم يتحدث فيه الرَّئيسان!!!...


كتب: أحمد عبد الفتَّاح

"باستثناء أنَّ الرَّئيس حسني مبارك عاد من واشنطن سالمًا معافىً والحمد لله، فلست أجد في أخبار الزيارة شيئًا يَسرُّ أو يُشرِح الصَّدر، وإنَّما حدث العكس تمامًا".. بتلك الجملة المُوجزة والمُركَّزة لخَّص الكاتب الإسلاميُّ الكبير فهمي هويدي في مقاله اليومي بجريدة (الشروق الجديد) اليومية رأيه في زيارة الرَّئيس المصري حسني مبارك إلى الولايات المتحدة الأسبوع قبل الماضي، ولقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بعد انقطاعٍ دام نحو خمس سنواتٍ لم يزُر خلالها الرئيس مبارك الولايات المتحدة، رغم حرصه علي زيارتها مرَّةً واحدةً على الأقل كل عامٍ، منذ تولِّيه منصبه.
أحداث الزِّيارة معروفةٌ، وتفاصيلها تمَّ تغطيتها على الوجه الأمثل سواءً من الصحافة المصريَّة أو العالميَّة، فالكل تابع عبر شاشات التِّلفاز مظاهرات التَّأييد للرَّئيس، التي قادها أحد الجزارين المصريِّين الذين يعملون بالولايات المتحدة، وهو في الوقت ذاته صاحب فرقةٍ موسيقيَّةٍ مُتخصِّصةٍ في الزَّفَّة بالمزمار الصَّعيدي، كما تابعنا على الجانب الآخر مظاهرات المعارضين للرَّئيس، والتي قادتها مجموعةٌ من أقباط المهجر وبعض الوجوه المعروفة في تلك المحافل، أمثال الدكتور سعد الدين إبراهيم.
لكن، وبالرَّغم من التَّغطية الإعلاميَّة الواسعة والمُكثَّفة، تبقى تفاصيل ساعتَيْن، هما مُدَّة الِّلقاء الذي جمع بين الرَّئيسَيْن، المصري والأمريكي بالمكتب البيضاويِّ بالبيت الأبيض، سرٌّ لم تُعرَف تفاصيله على وجه الدِّقَّة، بالرَّغم من أحاديث المُتحدِّثين باسم البيت الأبيض الأمريكيِّ ورئاسة الجمهوريَّة المصريَّة.
وقبل الزِّيارة بعدَّةِ أسابيعٍ انهالت الطَّلبات والخطابات والمُناشدات عبر وسائل الإعلام للرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما، ليفتح مواضيعَ بعينها مع الرَّئيس المصري، كان على رأس تلك المواضيع ملفَّيْ حقوق الإنسان والإصلاح السياسي في مصر، ولم تنتهي تلك الملفَّات بقضيَّة أمٍّ مصريَّةٍ لم تستطع أنْ ترى إبنتها مُنذ عدَّة أعوامٍ، وطالبت الرَّئيسَيْن بالتَّدخل لحلِّ مشكلتها.
نظرةٌ للوراء
لا يمكنُنا أنْ نستنتج ما تحدَّث فيه الرَّئيسَيْن، وما تجنَّبا الحديث فيه متعمِّدين، إلا أنَّنا إذا ألقينا نظرةً سريعةً على التَّاريخ الذي عاصر وقف الرَّئيس مبارك لزياراته للولايات المتحدة، وما حدث منذ ذلك الحين حتى الآن، يمكننا أنْ نستشف ما لم يتحدَّثا فيه.
فالرَّئيس مبارك زار الولايات المتحدة آخر مرَّةٍ في العام 2004م، وقتها كانت الإدارة الأمريكيَّة الجمهوريَّة السَّابقة تتحدَّث وبشكلٍ مستمرٍّ عن قضايا الإصلاح في بعض دول العالم، وكانت على رأسها مصر، وشعر البعض أنَّ الولايات المتحدة مارست بعض الضُّغوط علي مصر، أدَّت إلى نوعٍ من أنواع الانفراجة السِّياسيَّة في مصر.
وكُلِّلت هذه الانفراجة- على حدِّ زعم البعض- بفوز 88 من جماعة الإخوان المسلمين بعضويَّة مجلس الشَّعب المصريِّ، وظهور حراكٍ سياسيٍّ مصريٍّ في الأعوام من 2004م وحتى العام 2006م، شهدت فيها مصر للمرَّة الأولى منذ أعوامٍ طويلةٍ مُظاهراتٍ في الشَّارع تُطالب بالإصلاح.
وقتها رجَّح البعض أنَّ زيارات الرَّئيس مبارك إلى الولايات المتحدة قد توقَّفت بسبب غضبه من التَّدخُّلات الأمريكيَّة، في حين أعلن النِّظام المصريِّ أنَّ وقف الزِّيارات جاء بسبب السِّياسات الأمريكيَّة الخارجيَّة، خاصَّة في العراق وأفغانستان، أما علي أرض الواقع، فما كان يحدث برهن بالأدلة القاطعة أنَّ قطع الزِّيارات لم يكن له علاقة بالسبب الأخير المعلن من جانب الحكومة المصريَّة.
فالتَّعاون المصريِّ- الأمريكيِّ شهد ازدهارًا في الأعوام الأخيرة على أصعدةٍ عدَّةٍ، لعل أبرزها على صعيد الحرب على ما يُسمَّى بالإرهاب، باعتباره الملف الأهم لدي الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001م، فمصر عاونت الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، ووصل الأمر إلى درجة أنْ تطوَّعت مصر لتلعب دورَ الجلاد بالنِّيابة عن واشنطن.
فبحسب ما كشفت عنه تحقيقاتٌ أُجْرِيَت في بلادٍ أوروبيَّةٍ عدَّة، تورَّطت مصر في تعذيب معتقلين على الأراضي المصريَّة، كانت قد اعتقلتهم القوات الأمريكيَّة في إطار حربها على الإرهاب؛ حيث أرسلتهم وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة إلى مصر لتعذيبهم، وانتزاع الاعترافات منهم.
كما أنَّ مصر لعبت دورَ البطولة في فرض الحصار على قطاع غزَّةٍ، وفرض نوع من أنواع العقاب الجماعيِّ على الشَّعب الفلسطينيِّ لاختياره حركة حماس لحكمه بعد انتخاباتٍ نزيهةٍ، وهو ما حقَّق أهداف الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، في حصار الحركة، والضَّغط على الشَّعب الفلسطينيِّ للتَّخلِّي عن الحركة والتَّخلِّي عن خيار الكفاح المسلح ضد العدو الصهيونيِّ.
إذن فقطع زيارات الرَّئيس مبارك إلى الولايات المتحدة لم يكن له علاقةٌ بسياسات مصر تجاه العراق وأفغانستان، ويتبقى السَّبب الأوَّل، وهو غضب الحكومة المصريَّة من الضُّغوط الأمريكيَّة في موضوع الحُرِّيَّات والإصلاح.
نظريًّا، يُمكن تصديق تلك الفرضيَّة إلى حدٍّ كبيرٍ، ولكن لا تنطبق تلك الفرضيَّة علي السَّنوات الخمس جميعها، فالمُتابع يلاحظ أنَّ الضُّغوط الأمريكيَّة على مصر، رُفِعَت بشكلٍ كبيرٍ في نهاية العام 2005م، بعد أنْ أيقنت الإدارة الأمريكيَّة أنَّ مصلحتها مع النِّظام الحالي في مصر، وذلك بعد أنْ لوَّح النِّظام بفزَّاعة الإخوان في وجه الولايات المتحدة بفوز 88 من الإخوان بعضويَّة مجلس الشَّعب.
وهو الأمر الذي كان من نتيجته رفع الإدارة الأمريكيَّة للضُّغوط من على النِّظام المصري، وهو ما أدَّى إلى تفشِّي حالات انتهاك حقوق الانسان في مصر، وتراجُع وتيرة الإصلاح، وكان من أبرز مظاهر ذلك القضيَّة العسكريَّة الأخيرة التي تمَّ تحريكها ضد الإخوان المسلمين، والتي حوكم فيها 40 من قيادات الإخوان، على رأسهم المهندس خيرت الشَّاطر النَّائب الثَّاني للمرشد العام للإخوان المسلمين، وحُكِمَ عليهم بأحكامٍ تتراوح ما بين السَّجن عشر سنواتٍ، والبراءة، في حين لم يسمع أحد ولو انتقادًا خفيفَ الَّلهجة من قِبَلِ الإدارة الأمريكيَّة تجاه ما يحدث للإخوان في مصر.
ورحل بوش الابن بعد ذلك بسياساته، وجاء أوباما خلفًا له كأوَّلِ رئيسٍ للولايات المتحدة من أصولٍ أفريقيَّةٍ، جاء ومعه الوعود بالتَّغيير، إلا أنَّ الأسابيع الأولى في فترة ولايته، أثبتت أنَّه لا يختلف كثيرًا عن سلفه، إلا أنَّه كان يختلف عنه في أنَّه أقل فجاجةٍ في حديثه، وأنَّه يجيد حملات الدَّعاية جيِّدًا، ولعل زيارته للقاهرة في الرابع من يونيو الماضي، وتوجيه خطابه للعالم الإسلاميِّ من داخل جامعة القاهرة، أكبر دليلٍ على ذلك.
وهنا فقط قرَّر الرَّئيس مبارك زيارة الولايات المتحدة، لفتح ما يُمكن تسميته بـ"صفحةٍ جديدةٍ" مع الولايات المتحدة.
ما لم يتحدَّث فيه الرَّئيسان
صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة تساءلت في افتتاحيَّتِها يوم الزِّيارة عمَّا إذا ما كان الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس المصري حسني مبارك، سيشعران أنَّ محادثاتهما اليوم في المكتب البيضاوي سينقصها التَّطرُّق إلى بعض القضايا التي تتصدرها مصالح واهتمامات 83 مليون مواطنٍ مصريٍّ، وأكَّدت الصَّحيفة حينها أنَّ الإدارة الأمريكيَّة، أسقطت آمالهم وتطلُّعاتهم الجماعيَّة التي عقدوها عليها، منذ أنْ انطفأت شعلة أجندة الحُرِّيَّة التي دعا إليها الرَّئيس الأمريكيُّ السَّابق جورج بوش الابن منذ عدة سنواتٍ.
وأبرزت الصَّحيفة الأمريكيَّة أنَّ المشكلة الآن هي أنَّه في حين تسعى واشنطن لإعادة عقارب السَّاعة إلى الوراء في سياستها تجاه القاهرة، فإنَّ مصر تتَّجه إلى مرحلةٍ انتقاليَّةٍ في الحكم، وهي القضية التي لا يمكن تجاهلها، قمصر ستنتخب برلمانًا جديدًا في العام المقبل، وستنتخب رئيسًا جديدًا عام 2011م، وبحلول ذلك الوقت سيكون مبارك قد بلغ 83 عامًا من عمره، وحتى في حال اتخاذه لقرار ترشيح نفسه مرةً أخرى، بعد 30 عامًا قضاها في السُّلطة في ظل قانون الطوارئ، الذي يسمح له بتعليق الكثير من القوانين، فسوف يبقى على التَّغيير بضع سنوات أخرى.
وفيما حثَّت (الواشنطن بوست) أوباما على نقل رسالةِ دُعاة الدِّيمُقراطيَّة في مصر والولايات المتحدة على السَّواء إلى مبارك، موضحة أنَّ ذلك سيكون من السَّهل نسبيًّا الآن، وخلال فترة الهدوء الحالية، وبعيدًا عن التَّوتُّر الذي من المُتوقَّع أنْ يُسيطر علي فترة الانتخابات أو مرحلة الخلافة، لاسيما في المُناخ الحالي الذي تتجدَّد فيه العلاقات الوديَّة بين الولايات المتحدة ومصر.
وأشارت الصحيفة إلى أنَّه ينبغي على الإدارة الأمريكيَّة تصحيح الفكرة السَّائدة في القاهرة الآن، حول أنَّ الولايات المتحدة لم تعد تهتم بدفع عجلة الدِّيمُقراطيَّة في مصر، لاسيما بعد الانطباع الذي خلَّفه أوباما لدى المصريين بقيامه بخفض تمويل برامج ترويج الدِّيمُقراطيَّة الأمريكيَّة في مصر، فقد اقتطع أوباما أكثر من نصف هذا التَّمويل، وقام بخفض المساعدات لمُنظَّمات المجتمع المدني المُستقلَّة أكثر من الثُّلُثَيْن.
وأرجعت الصَّحيفة تراجع أوباما عن تعزيز الدِّيمُقراطيَّة في الوقت الذي تُواجه فيه مصر انتخاباتٍ حاسمةً، وتغييرًا في القيادة إلى شعوره بالقلق من أنْ يسحب مبارك تعاونه مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بجهود إرساء السَّلام والاستقرار في المنطقة، إذا أزعجته واشنطن بالتَّعبير عن قلقها بشأن حقوق المصريين.
إرث بوش
أجمع جميع المراقبين والمُحلِّلين على اختفاء كلمة "حقوق الإنسان" من ملف زيارة مبارك إلى واشنطن، فوفق ما نشرته تقاريرٌ صحفيَّةٌ أمريكيَّةٌ لم يتطرَّق أوباما ومبارك علنًا إلى مسألة حقوق الإنسان أو الدِّيمُقراطية في مصر، ولكن المتحدث باسم الرئيس المصري سليمان عواد قال إنَّ المسألة طُرِحَت بين الرَّئيسَيْن، إلا أنَّه لم يُوضِّح تفاصيل النِّقاش.
أمَّا بخصوص قضايا الإصلاح فلم تختفي تمام كأختها "حقوق الإنسان"، ولكن طالعتنا عبر ما وصفه الرَّئيس مبارك ببرنامجه الانتخابيِّ الذي خاض عبره الانتخابات الرَّئاسيَّة في العام 2005م، فوفق المتحدث باسم رئاسة الجمهوريَّة تمَّ التطرق إلى قضايا الإصلاح عبر برنامج الرَّئيس الانتخابيِّ، والذي وضع خطط للإصلاح على مختلف المناحي!!.
ولعل ذلك هو ما دفع الدكتور أيمن نور مؤسس حزب الغد، والذي أُطْلِقَ سراحه في فبراير الماضي بعد أنْ أمضى ثلاث سنواتٍ في السَّجن، إلى اتِّهام باراك أوباما صراحةً بالتَّراجُع عن برنامجه فيما يخص قضايا حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، عشيَّة الِّلقاء بين مبارك وأوباما.
وقال نور لوكالة الصَّحافة الفرنسيَّة: "هناك تراجعٌ في القِيَمِ التي كان أوباما يدافع عنها في حملته الانتخابيَّة، وهذه خيانةٌ للمبادئ الأمريكيَّة".
وأضاف نور: "إنَّنا نُريد أنْ نرى تحسُّنًا في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، ولكن هذا التَّحسُّن ينبغي أنْ يعكس تقدُّمًا" في قضية حقوق الإنسان.
وهو نفسه الأمر الذي دفع مُنظَّمات حقوق الإنسان عن قلقها حيال مسألتَيْ حقوق الإنسان والدِّيمُقراطية في مصر.
ودخلت منظَّمات حقوق الإنسان الأمريكيَّة على خطِّ هذه الانتقادات، وكان من بين ما ظهر من مواقفٍ في هذا الإطار، ما قاله مساعد مدير قسم الشَّرق الأوسط في منظمة هيومان رايتس ووتش، جو ستورك، في بيانٍ له قبيل لقاء مبارك- أوباما، إنَّه يتوجب على الرَّئيس أوباما أنْ ينقل بكل وضوح رسالة مفادها أنَّ حقوق الإنسان في مصر "هي مصدر قلقٍ مركزيٍّ للإدارة الأمريكيَّة"، ولكن الرَّجُل عاد وقال فيما بعد إنَّ ذلك لم يحدث (!!)، وهو ما يثير العديد من التَّساؤلات حول ذلك!!
وكعادتهم، انطلق الكُتَّاب المُوالين للنِّظام، وعلى رأسهم مُمتاز القط رئيس تحرير جريدة (أخبار اليوم) الحكوميَّة للدِّفاع عن الرَّئيس مبارك، وعن عدم طرح ملف حقوق الانسان للنِّقاش (!!)؛ حيث قال في مقالٍ له نشرته جريدة (الأخبار) اليوميَّة خلال قِمَّة مبارك- أوباما: "لم يتطرَّق الرَّئيس الأمريكيِّ إلى "الإسطوانة المشروخة" التي كان سلفه بوش يجد فيها ملاذًا يُخفى من خلاله فشله"، في إشارةٍ منه إلى قضيَّة حقوق الإنسان في مصر.
وأضاف القط: "لكن الرئيس مبارك طرحها مؤكدًا استمرار عمليَّة الإصلاح واستكمال برنامجه الرَّئاسيِّ، والذي يحمل عديدًا من أوجه الإصلاح، تتزامن مع الإصلاحات الاقتصاديَّة التي تتم على أرض مصر"!!
أما الكاتب والصَّحفي عبد الله حسن كتب في (الأهرام) حول ذات القضيَّة، قضيَّة حقوق الإنسان، قائلاً: "لم يتطَّرق الزَّعيمان للحديث فى ملف حقوق الإنسان وغير هذه القضايا، التي تُعْتَبَر من صميم الشُّئون الدَّاخليَّة لمصر، والتى لا يقبل الرَّئيس مبارك، أو أيُّ مواطنٍ مصرىٍّ حرٍّ لأحدٍ- مهما كان- أنْ يتدخل فيها"!!
التَّوريث.. السِّر المعروف!!
لم يكن سرًّا أنَّ جمال مبارك نجل رئيس الجمهوريَّة وأمين السِّياسات في الحزب الوطني الحاكم، قد زار الولايات المتحدة في نفس وقت زيارة والده لها، وأنَّ أجراءات إقامته أُحيطَت بشكلٍ من السِّرِّيَّة، فوفق تقاريرٍ صحفيَّةٍ مصريَّةٍ وأمريكيَّةٍ، شُوهد جمال مبارك في أكثر من مكانٍ بالعاصمة الأمريكيَّة واشنطن؛ حيث شوهد للمرَّة الأولى في فندق "كارلتون تاور" بالعاصمة الأمريكيَّة في حراسة خمسةٍ من رجال الأمن المصريِّين.
كما تمت مشاهدته مرةً أخرى يقوم بالتَّسوق من أحد محال سلسلة متاجر الجواهر والملابس المعروفة (شانيل) بمنطقة تايسونز كورنر في حراسة نفس الرِّجال الخمسة، ولكن في هذه المرَّة كان يرافقه في جولة التَّسوُّق كلٌّ من وزير التِّجارة والصِّناعة المهندس رشيد محمد رشيد، ووزير الماليَّة الدكتور يوسف بطرس غالي، الَّلذان وقفا لانتظارة خارج المحل لأكثر من 45 دقيقةٍ حتي ينتهي من تسوقه!!
كما شوهد مبارك الابن أيضًا في فندق "سان ريجي" والواقع بتقاطع شارع "تي" مع شارع "16" بالعاصمة الأمريكيَّة واشنطن السَّاعة الثالثة بعد الظُّهر، في ذات توقيت الاجتماع الذي عقده السفير سليمان عوَّاد المتحدث الرَّسمي لرئاسة الجمهوريَّة مع مجموعةٍ من العاملين بحقل الإعلام في الولايات المتحدة، وشوهد جمال مبارك وهو يرتدي قميصًا و"تي. شرت"، وعندما لاحظ بعض الإعلاميِّين وجوده تمَّ التَّنبيه عليهم بعدم نشر وجوده بواشنطن.
جدير وقد أقام الرَّئيس مبارك بفندق "فور كورنرز" في العاصمة الأمريكيَّة، وهو يقع بمنطقة جورج تاون، بينما أقام جمال مبارك في فندق "كارلتون تاورز" بولاية فيرجينيا، وهو ما لم يُعْرَف سببه حتى الآن.
ولعل تزامُن زيارة نجل الرَّئيس مع زيارة الأب للولايات المتحدة يطرح عدَّةَ تساؤلاتٍ، أهمُّها على الإطلاق لماذا كان جمال مبارك في الولايات المتحدة؟، ومن قابَل؟، وفي أيِّ المواضيع تحدَّث؟.
لم يكن سرًّا أنَّ جمال مبارك زار الولايات المتحدة عدَّةَ مرَّاتٍ في السَّنوات التي تخلَّف فيها والده عن زيارة الولايات المتحدة، ورُجِّح حينها أنَّها إحدى خطوات تصعيد الإبن ليحل محل والده، وخاصة أنَّ علاقة الرَّئيس القادم بالولايات المتحدة، هي إحدى أهم المؤهِّلات لأيِّ رئيسٍ مصريٍّ قادم.
خطوات توريث جمال مبارك للحُكم في مصر لم تعد سرًّا، فجمال يجول البلاد طولاً وعرضًا للدَّعاية لنفسه، ويُجنِّد من أجل ذلك كل إمكانيَّات الحزب الوطنيِّ الحاكم والنِّظام، ولكن وبالرغم من تصدُّر تلك القضيَّة المشهد المصريِّ، إلا أنَّه ووفق كل التَّقارير الرَّسمية وغير الرَّسميَّة والإعلاميَّة، فإنَّ الرَّئيسان لم يتحدَّثا خلال لقائهما عن ملف التَّوريث، بالرغم من أنَّ التَّوريث لم يعد السِّر الذي يخفى على أحدٍ!!
إذن، فيمكن تلخيص كل ما مضى في عبارةٍ مختصرةٍ استخدمتها صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة؛ حيث  قالت إنَّ الرَّئيسان لم يتحدَّثا في كلِّ ما يخصُّ 85 مليون مصريٍّ، ذلك هو الوصف الصَّحيح والدَّقيق لجلسة مباحثات استمرت لنحوِ السَّاعتَيْن بين الرَّئيسَيْن المصريِّ والأمريكيِّ، وصفها البعض بالتَّاريخيَّة، في حين وصفها البعض الآخر بالتَّمثيليَّة"!!...

أقرأ المزيد...

لماذا لم تستطع ايران قمع الثَّورة الخضراء؟!..

كتب أحمد عبد الفتاح

"موسوي، نجاد، تويتر" أشهر ثلاثة أسماء برزت في أحداث إيران الأخيرة، التي اشتعلت عقب الإعلان عن نتيجة الانتخابات الرَّئاسيَّة الإيرانيَّة الأخيرة، والتي جَرَت يوم 12 يونيو الماضي.
الاسمَيْن الأوَّلين هما الطرفَيْن المتنازعَيْن، المرشح الإصلاحي الخاسر مير حسين موسوي، والرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، أمَّا الثَّالث، وهو (تويتر) فلم يكن أكثر من موقعٍ على شبكة الإنترنت.


فوسط أزمة احتجاجات الشَّارع الإيرانيِّ على تزوير نتائج الانتخابات لصالح الرَّئيس محمود أحمدي نجاد، واستمرار تحكُّم سلطات الوليُّ الفقيه في وسائل الإعلام المحليَّة، وحجبها المواقع الإلكترونيَّة المؤيدة للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، ومنعها الصَّحفيِّين الأجانب من تغطية الانتخابات والأحداث الدَّامية التي تلتها؛ لجأ الشَّباب الإيرانيِّ إلى الموقع الاجتماعي (تويتر) في محاولة لإيصال أخبارهم إلى العالم الخارجيِّ، والتَّعبير عن احتجاجهم والمطالبة بإعادة الانتخابات ووقف الحملات الأمنيَّة الدَّامية ضد المتظاهرين.
وبدورها لجأت الصَّحافة العالميَّة إلى (تويتر) الذي استعصى على الرَّقابة والحجب، وأصبح المصدر الرَّئيسيِّ لأخبار الانتهاكات في إيران.
فعلي سبيل المثال كان من الطبيعي جدًّا وقت اشتعال أحداث إيران، أنْ تصلك رسالة عبر حساب (تويتر) الخاص بك تقول: "تنبيه.. مسيرة موسوي ما زالت في موعدها في الخامسة مساء"، أو "حظًّا سعيدًا في المسيرة. لا تأخذوا سياراتكم.. سيكونون في انتظاركم حينما تعودون إليها".
اذن فقد كان (تويتر) هو وسيلة التَّواصُل رقم واحد في أحداث لإيران، ولكن في البداية يبرز التَّساؤُل ما هو (تويتر)؟
ما هو (تويتر)؟:
موقع (تويتر) هو موقع شبكات اجتماعيَّة يقدم خدمة التَّدوين المصغر "Mini Blog"، والتي تسمح لمستخدميها بإرسال تحديثات "Tweets" عن حالتهم، وبحدٍّ أقصى 140 حرفٍ للرِّسالة الواحدة، وذلك مباشرةً عن طريق موقع (تويتر) أو عن طريق رسائل نصية قصيرة "SMS"، أو عبر برامج المحادثة الفوريَّة أو التَّطبيقات التي يقدمها المطوِّرون مثل (فيس بوك) و(Twit terrific) و(Twhirl) و(twitter fox).

وتظهر هذه التَّحديثات في صفحة المُستخدِم، ويمكن أنْ يقرأها الأصدقاء مباشرةً من صفحاتهم الخاصَّة أو زيارة ملف المُستخدِم الشَّخصيِّ، وكذلك يمكن استقبال الرُّدود والتَّحديثات عن طريق البريد الإلكترونيِّ، وخلاصة الأحداث "RSS" وعن طريق رسائل "SMS" (في بعض البلدان)، وذلك باستخدام أربعة أرقامٍ خدميَّةٍ تعمل في كلٍّ من الولايات المتحدة وكندا والهند، بالإضافة للرَّقم الدَّوليِّ، والذي يمكن لجميع المستخدمين حول العالم الإرسال إليه في المملكة المتحدة.
نشأة موقع (تويتر):
ظهر موقع (تويتر) في أوائل العام 2006م كمشروع تطويرٍ بحثيٍّ أجرته شركة "Obvious" الأمريكيَّة، وبعد ذلك أطلقت الشَّركة رسميًّا للمستخدمين بشكلٍ عامٍ في أكتوبر من العام نفسه، 2006م، وبعد ذلك بدأ الموقع في الانتشار كخدمةٍ جديدةٍ على السَّاحة في العام 2007م، من حيث تقديم التَّدوينات المُصغَّرة، وفي أبريل من العام 2007م قامت شركة "Obvious" بفصل الخدمة عن الشَّركة، على أنْ تُصبِح شركةً جديدةً باسم "Twitter".
طريقة عمل موقع (تويتر):
يمكن للمستخدمين الاشتراك في موقع (تويتر) بشكلٍ مباشرٍ عن طريق التَّسجيل من خلال الصَّفحة الرَّئيسيَّة للموقع، وبذلك يتكوَّن لديهم ملفٌ شخصيٌّ باسم الحساب "Account"؛ حيث تظهر آخر التَّحديثات بترتيبٍ زمنيٍّ.
تدور التحديثات حول سؤالٍ رئيسيٍّ: "ماذا تفعل الآن؟" أو "What are you doing?"، ولا تتجاوز كما سبق القول 140 حرفًا، وبعد أنْ يقوم المستخدم بتحديث حالته ترسل تلك التَّحديثات إلى الأصدقاء.
لم يتوقف الموقع عند لغته الأم "الإنجليزيَّة" فقط، ولكنَّه وفي أبريل من العام 2008م، قام الموقع بإطلاق الإصدار الياباني منه، وذلك لكثرة عدد المستخدمين له في اليابان ونشاطهم البارز على الموقع، ولقيت النُّسخة اليابانيَّة استحسان المُستخدمين في اليابان، وتفوَّقت بشكلٍ أكبرٍ على النُّسخة الرَّئيسيَّة الإنجليزيَّة؛ حيث أصبح في الإمكان وضع إعلاناتٍ في النُّسخة اليابانيَّة، على عكس النُّسخة الإنجليزيَّة التي لا تدعم نظام الإعلانات حتى اللحظة.
ولكن السُّوال الأبرز والأهم الآن، هو لماذا لم تسطع السُّلطات الإيرانيَّة حجب موقع (تويتر)، والوقوف في وجه "الثورة الخضراء" عليه بالرَّغم من أنَّها نجحت في هذا الأمر مع مواقعِ شبكاتٍ اجتماعيَّةٍ أخرى، مثل (فيس بوك) و(يو. تيوب)؟!
(تويتر) يتحدى الرَّقابة:
استعصى (تويتر) على الرَّقابة الحكوميَّة بإيران بسبب أنَّ طبيعة تصميمه تسمح لمستخدميه بالوصول إليه وبثُّ الرَّسائل من خلاله بطرقٍ مختلفةٍ، حتى من دون الحاجة للدُّخول على الموقع نفسه، فقد صُمِّم الموقع ليكون أقوى من أيِّ نظامٍ رقابيٍّ، ما جعل تطبيق الحجب عليه من قِبَلِ السُّلطات الإيرانيَّة أمرٌ صعبٌ جدًّا.
وبالرَّغم من تمكُّن السُّلطات من حجب المدوَّنات ومواقعٍ اجتماعيَّةٍ أخرى مثل (فيس بوك)، لم تستطع منع النَّاس من استخدام (تويتر) عن طريق الهواتف النَّقالة وعشرات التَّجهيزات الإلكترونيَّة الأخرى مثل جهاز "تويت دك".
وفي محاولة يائسة لتحجيم المشاركة الواسعة فيه، أعلنت السُّلطات الإيرانيَّة أنَّها ستحاكم أيُّ شخصٍ يستخدم موقع (تويتر) للأغراض السِّياسيَّة الخاصَّة بنتائج الإنتخابات الإيرانيَّة، وحذَّر بيانٌ صادرٌ من الحرس الثوري الإيراني من نشر "أيِّ تحريضٍ" لأعمال شغبٍ أو مظاهراتٍ أو إحتجاجاتٍ أو نشر الشَّائعات المُغرِضَة بشتَّى الطُّرق ومنها الطُّرق التِّكنولوجيَّة، وبشكلٍ أخص من خلال موقع (تويتر)، ومن يتجاوز ذلك، سيخضغ لإجراءاتٍ قانونيَّةٍ صارمةٍ و"سيكلفه الأمر غاليًا".
لكن تقنيات الموقع بإمكانها أنْ تتفادى ذلك أيضًا؛ حيث يُسْمَح للأشخاص بالتَّسجيل بأسماءٍ رمزيَّةٍ من دون الحاجة إلى بياناتٍ مُوثَّقةٍ عن المُسْتَخْدِم، كما يمكن للمُسْتَخْدِم إخفاء رقم الهاتف الذي يرسل "تويتاته" من خلاله.
ولعل تلك الاسباب هي من دفعت (تويتر) ليحتل واجهة الأحداث في إيران، وهو نفسه ما دفع الإدارة الأمريكيَّة الي الطَّلب من إدارة الموقع الي تأجيل عمليَّات إصلاحٍ كان من المُقرَّر لها أنْ تتمَّ في خوادم (تويتر) "Servers"، وقت اشتعال الأحداث في إيران، وكان من المتوقَّع لها أنْ تُوقِف الموقع لنحو يومٍ، كانت ستوقف فيه خدماته، وذلك لإفساح المجال أمام المعارضين الإيرانيِّين لمواصلة استخدامه.


أقرأ المزيد...

لماذا يُسْتَهْدَف المُدوِّنون في مصر؟!...



بالرغم من أن أغلبهم شباب في العشرينيات، اختار التَّعبير عن رأيه عبر صفحةٍ مجانيَّةٍ على شبكة الإنترنت، إلا أنَّ النِّظام رأي أنَّهم يشكلون تهديدًا يطال الأمن القومي- (!!)- فأخذ يتابعهم ويترصد لهم ويعتقلهم ويعذبهم، بل وأنشاء لهم وحدةً خاصَّةً داخل وزارة الدَّاخليَّة تُسمَّى بوحدة مباحث الإنترنت، بالإضافة الي قسمٍ خاصٍّ داخل جهاز مباحث أمن الدولة



إنَّهم المُدوِّنون.. الظاهرة الأكبر في الإعلام المصريِّ والعربيِّ منذ العام 2005م، بسبب جُرأة القضايا التي يتناولونها، وبسبب جرأتهم هم أنفسهم في التَّعبير عن آرائِهم الشَّخصيَّة عبر مُدوَّناتهم.
مائة مدون وناشط إنترنت وصحفيٍّ شعبيٍّ تعرضوا للملاحقة والقمع عام 2008م في مصر، ذلك هو إجمالي الانتهاكات التي رصدتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الأنسان "ANHRI" في تقريرها التي نشرته في القاهرة قبل عدة أشهرٍ.
ظواهرٌ غريبةٌ رافقت تلك الانتهاكات لحقوق المُدوِّنين، وكان أبرزها أنَّ عدد القضايا القانونيَّة التي باشرتها النِّيابة، والتي تمَّ تلفيقها لنشطاء الإنترنت والمُدوِّنين يُعدُّ قليلاً نسبيًّا، فالمُدوِّن الوحيد الذي صدر في حقِّه حكمٌ قضائيٌّ بسبب ما كان يكتبه علي مُدوَّنَتِه هو المُدوِّن كريم عامر، صاحب مُدوَّنة (يوميات كريم)، والذي حُكِمَ عليه بالسَّجن أربعة أعوامٍ بتهمة إهانة الرَّئيس وازدراء الأديان.
إلا أنَّ الملاحقات والاختطاف والاعتقالات بحقهم كانت كثيرة، ورافق ذلك ظاهرةٌ ثانيةٌ، وهي أنَّ اعتقال المُدوِّن أو ناشط الإنترنت من دون تحريك قضيَّةٍ بحقِّه، وأثناء وجوده في السِّجن، يتحوَّل لمتهم فيٍ قضيَّة أمن دولة، وتقرر النِّيابة العامَّة حبسه احتياطيًّا، فيظل قرار الحبس قائمًا، حتى تُقرِّر وزارة الدَّاخليَّة أنْ تُسقِط قرار الاعتقال، ليتحوَّل النَّاشط إلى محبوسًا احتياطيًّا على ذِمَّة القضيَّة الجديدة.
الظَّاهرة الثَّالثة والأحدث فهي تعطيل المُدوِّنين في المطارات وتوقيفهم والتَّضييق عليهم عند السَّفر والعودة للوطن، فخلال الشَّهر الماضي فقط، تمَّ توقف ثلاثةِ مُدوِّنين في مطار القاهرة، كان على رأسهم المُدوِّن وائل عباس صاحب مُدوَّنة (الوعي المصري)؛ حيث تمَّ توقيفه مرَّتَيْن، وتمَّ في إحدى المرتَيْن الاستيلاء علي حاسبه المحمول الشَّخصيِّ.
كما تمَّ توقيف مجدي سعد صاحب مدونة (يللا.. مش مهم)، وعبد الرَّحمن عيَّاش صاحب مُدوَّنة (غريب)، وكلاهما من المُدوِّنين المحسوبين على تيَّار الإخوان المسلمين، وذلك في أثناء عودتهم من رحلةٍ إلى تركيا.
وفي هذا الإطار تنوعَّت الانتهاكات ضد المُدوِّنين في مصر، فحسب تقرير الشَّبكة العربيَّة المُشار إليه، اتَّخذت تلك الاعتداءات ثمانية أشكالٍ رئيسيَّةٍ، وهي:
1. الاعتداءات البدنيَّة وسُوء المعاملة.
2. تلفيق القضايا السِّياسيَّة.
3. استمرار التَّوسُّع في استخدام قانون الطَّوارئ بحقِّهم.
4. استمرار قضايا السَّب والقذف.
5. انتهاك الحقِّ في الخصوصيَّة.
6. عودة سياسة حجب المواقع.
7. وصول الانتهاكات إلى داخل الجامعات؛ حيث يدرس نُشطاء الإنترنت.
8. الاحتجاز بدون سندٍ قانونيٍّ لفتراتٍ مُتفاوتةٍ.
يضاف الي ذلك الاعتداءات سالفة الذكر، وما أشرنا إليه من توقيفٍ للمُدوِّنين في المطارات والموانئ المصرية.
لماذا يُلاحق المُدوِّنون؟!:
السُّؤال قد يبدو غريبًا بعض الشَّيء، فالمراقب أو حتى من لديه معلوماتٌ ولو بسيطةٌ عن النُّظم القَمْعيَّة في الشَّرق الأوسط بشكلٍ عامٍّ، والنِّظام المصريِّ بشكلٍ خاصٍّ، يعرف جيدًا أنَّ كلَّ من يُعارِض النِّظام هو مستهدفٌ بالملاحقة والاعتقال والاحتجاز والتَّعذيب.. إلخ.
إلا أنَّ السُّؤال قد يبدو منطقيًّا عندما نعرف جزءًا من إجابته، فبمراجعة كافَّة الحالات التي تعرَّض فيها المُدوِّنون لانتهاك حقوقهم، نُلاحظ أنَّ أغلبهم تمَّ الاعتداء عليه، لا بسبب ما يكتب على الإنترنت، ولكن بسبب نشاطه في الشَّارع وعلي أرض الواقع بعيدًا عن شبكة الإنترنت، أو ما يُسمِّيه المُدوِّنون بـ"الفضاء السَّيبريِّ".
فعلي سبيل المثال لم يتم اعتقال علاء سيف صاحب مدونة (علاء ومنال)، إلا بعد مُشاركته في مظاهرات القُضاة في العام 2006م، ولم يتم إعتقال محمد الشرقاوي صاحب مدونة (كتابات) إلا بعد مشاركته في المظاهرات نفسها، بالرغم من أنَّ الاثنَيْن كانا دائمي توجيه الانتقادات للحكومة والنِّظام والرئيس حسني مبارك ذاته على مُدوَّناتهم قبل ذلك التَّاريخ بأكثر من عامٍ!!
وحتي في حالة وائل عباس الأخيرة حين تم توقيفه في مطار القاهرة، فهو نفسه حسب ما يقول على مُدوَّنَته تمَّ توقيفه بسبب توجيهه الانتقاد للنِّظام المصريِّ في أحد المؤتمرات الحقوقيَّة بالخارج؛ حيث كان يحضر المؤتمر مُمثِّلين للحكومة المصريَّة.
نفس القاعدة تقريبًا تنطبق على أغلب المُدوِّنين، فحالاتٌ نادرةٌ جدًّا تمَّ فيها اعتقال المُدوِّنين بسبب ما يكتبونه على الإنترنت، الَّلهم إلا حالة كريم البحيري سالفة الذِّكر؛ حيث لم يكن البحيري ناشطًا سياسيًّا بالمعني المعروف علي الأرض وفي الشَّارع.
المثال يتَّضح أكثر في حركة شباب 6 أبريل، فقبل يوم 6 أبريل 2008م، وبالرغم من ارتفاع أصوات المجموعة التي تشكَّلت على الإنترنت، بالدَّعوة للإضراب، لم تكن هناك أيَّة ملاحقاتٍ أمنيَّةٍ للمجموعة، إلا أنَّه، وبمجرَّد خروج أفراد المجموعة في مظاهرات يوم 6 أبريل، تمَّ اعتقال أعدادٍ منهم، ووصل الأمر إلى حدِّ تعذيبهم.
القاعده نفسها تنطبق على أغلب النُّشطاء، فطالما المُدوِّن يكتفي بما يكتب على مُدوَّنته، ولا يتحول بنشاطه من الشَّبكة العنكبوتيَّة إلى الشَّارع، فهو في أمانٍ نسبيٍّ، فلا أحد في أمانٍ تامٍّ داخل دولةٍ بوليسيَّةٍ، أما في حالة النُّزول إلى الشَّارع والعمل الجماهيريِّ تبدأ المشاكل الأمنيَّة الحقيقيَّة.
كما يمكننا أنْ نُلاحظ وبسهولةٍ أنَّ أغلب المُدوِّنين الذين وقعت في حقِّهم انتهاكاتٌ أمنيَّةٌ هم أعضاءٌ وناشطون في أحزابٍ أو قوىً سياسيَّةٍ.
البعض يرى في ذلك أنَّ الحكومة ترى أنَّ الإنترنت أصبح يمثل أحد أهم وسائل "التنفيس" عن الشَّعب، فعلى الإنترنت يمكن للمواطنين قول ما يشاءون، ويمكن لهم أنْ يقرأوا أشدَّ الانتقادات التي تُوجَّه إلى رأس الدَّولة مباشرةً، وهو ما يراه النِّظام شيءٌ صحيٌّ جدًّا- بالنِّسبة له- طالما لم يُفكِّر هؤلاء الخروج بحدود انتقاداتهم من فضاء الإنترنت اللا نهائي!!


أقرأ المزيد...

مُدوِّنُون يصفون حوار جمال مبارك "بالكوميدي" ويتساءلون عن "الباندويتث"!...

كتب أحمد عبد الفتاح

وصف مُدوِّنُون حوار جمال مبارك أمين السياسات في الحزب الوطنيِّ الحاكم في مصر، والذي أُجْرِيَ يوم الأربعاء 12 أغسطس 2009م، مع مجموعةٍ من شباب الباحثين والمُعيدين بمقر الحزب الوطني بالقاهرة بمناسبة اليوم العالميِّ للشَّباب، بـ"الكوميدي" و"المضحك"، وتساءلوا عن أهمِّيَّته، والتَّكاليف التي دُفِعَت حتى يتمَّ بثِّه مباشرةً على الإنترنت والتَّغطية الإعلاميَّة التي صاحبته.
ولوحظ أنَّ اغلب المُدوِّنين الذين كتبوا عن الحوار تجاهلوا ما دار به، فأغلبهم تناول فكرة الحوار نفسها في تدويناته المختلفة، ولكن من دون الخوض في تفاصيله، لأنَّ أغلبهم رأى أنَّ الحوار أصلاً لا توجد له أهميَّةٌ


محمود صابر صاحب مدونة (حرنكش) كتب على مدونته تعليقًا على الحوار، قال فيه: "مش حاسس بواقعيَّة دعوة جمال مبارك للتَّحاوُر مع الشَّباب يوم 12 أغسطس، يعني معتقدش أنَّه لو الشَّباب المصري عايز يناقش قضايا معينة أو يتكلم عن البطالة أو غيره، جمال مبارك هيكون على مستوى الحدث أو الحوار أو النِّاقش ده!.. لو كانت الدعوة من (أمين الإعلام بالحزب الحاكم الدُّكتور) علي الدِّين هلال واللا (أمين الشُّئون القانونيَّة والبرلمانيَّة الدُّكتور) مفيد شهاب الدين، واللا (وزير التِّجارة والصِّناعة) رشيد محمد رشيد، واللا حتى محسن محيي الدين.. كانت بالنسبة لي ممكن تكون أوقع".
وتناول صابر اسم الموقع الذي دُشِّن علي شبكة الإنترنت للإعلان عن الِّلقاء، والذي حمل اسم (شارك)؛ حيث قال: "(شارك) بصيغة الأمر هي شعار الحدث، اللي بيتخذ- صدفةً او ترتيبًا- اليوم العالمي للشَّباب علشان يحصل فيه، ولِما سلف ذكرهن فبقول ببساطة إنَّ مفيش تحاور مع الشَّباب- هيكون ليه- مغذي لما يعقد مع جمال مبارك، إللي أهم حيثية عنده إنَّه ابن الرَّيِّس".
ويري صابر أنَّ الأهم في هذا الحدث أنَّه يُعبِّر عن تسارُع الخطوات في عملية التوريث.
أمَّا محمد طاهر صاحب مدونة (مو طاهر) فيري أنَّ الموضوع لا يزيد عن كونه "مشهدٌ كوميديٌّ"؛ حيث يقول على مدونته: "أحسن حاجة إنَّ كل الشَّباب اللي قابلتهم واخدين الموضوع هزار وتريقة".
أمَّا أحمد الصَّبَّاغ صاحب مدونة (أحمد الصباغ)، فتسائل عن أهميَّة ما جاء في الحوار، والذي استمر لقرابة 3 ساعات؛ حيث قال: "السُّؤال الأهم الذي كان يجب أنْ يُوجِّه لجمال مبارك هو هل فكَّرت أنْ تُمارِس طقوس أيِّ مواطنٍ مصريٍّ من وقوف فى طابور العيش والجري وراء الأوتوبيس من إمبابة حتى الجيزة، وعبور المجاري الطَّافحة، وشرب ميِّة النِّيل وأكل الفول، ودفع فاتورة المياه والكهرباء والتليفون والإنترنت والغاز ومصاريف المدارس؟".

أمَّا مُدوَّنة (مصريَّة لحقوق الإنسان) فتسائلت عن السِّر وراء استخدام النِّظام الحاكم لمواقع ووسائل إلكترونيَّة كان يعتبرها حتى الآن وسائلٌ غير قانونيَّةٍ وغير شرعيَّةٍ تُسْتَخْدَم لتعبئة الجماهير، وخاصَّة مواقع (فيس بوك) و(تويتر)؛ حيث قالت: "قام السَّيِّد جمال مبارك أثناء حملة التَرويج للحوار بتوظيف عددٍ من أدوات الإعلام الالكترونيِّ، فلقد تمَّ إنشاء صفحة للمعجبين بـ"شارك" على موقع (فيس بوك)، كما تمَّ إطلاق موقع لتغطية (شارك)، وسوف يتم إطلاق قناة علي موقع (يو. تيوب) وحساب علي موقع (فليكر)، كما سيتم إذاعة الحوار مباشرةً على الموقع".
وأضافت المدونة: "إنَّه من الواضح أنَّ الحكومة المصرية بدأت في إدراك قوَّة الإعلام الالكترونيِّ وتوظيفه، ولكن بالطبع لخدمة مصالحها فقط، وهذا بالتوازي مع احتجاز وتفتيش المُدوِّنين، وأيضًا مصادرة متعلقاتهم الشَّخصيَّة، علمًا أنَّ الغالبية الكاسحة للمدوِّنين ومستخدمي الإنترنت هم من الشَّباب".
من جهته ركَّز المُدوِّن وائل عباس صاحب مُدوَّنة (الوعي المصري) عبر تدويناته على موقع (تويتر)، على التَّكلُفة وراء بث الحوار علي الهواء مباشرةً على شبكة الإنترنت، فالحوار الذي تواصَل من السَّاعة 7 مساءً وحتى العاشرة مساءً- أي قرابة ثلاثِ ساعاتٍ- كان يُبثُّ مباشرةً على موقع (شارك) بجودةٍ عاليةٍ، ولاحظ أغلب من شاهدوا اللقاء أنَّ البث كان بجودةٍ عاليةٍ، وكانت سرعته جيِّدةٌ جدًّا تتفوَّق على موقع (يو. تيوب) الأشهر في مشاركة الفيديو.
وتساءل وائل عباس عن تكلفة مثل هذا البث، كما تسائل عن طبيعة "الباندويتث" او مساحة الخادم التي كانت تبث اللقاء، وربط وائل عباس بين ذلك، وبين قرارٍ صدر موخرًا عن وزارة الاتِّصالات بتحديد "الباندويتث" للمشتركين في خدمات الانترنت فائق السُّرعة "ADSL"، ووجه وائل سؤاله إلى عمرو بدوى الرَّئيس التَّنفيذي للجهاز القوميِّ لتنظيم الاتصالات؛ حيث قال: "لايف ستريم من سبعة لعشرة أهه.. تلات ساعات ده يعمل استهلاك "باندويدتث" قد إيه يا بدوي"!!


أقرأ المزيد...

الفوضى الخلاقة وعلاقتها بوضع العالم العربيِّ والإسلاميِّ الحالي...


دراسة من إعداد: أحمد عبد الفتاح

لم يكن العالم قبل العام 2005م يسمع عن مصطلح الفوضى الخلاقة، ولم تذكر أيٌّ من مراجع العلوم السِّياسيَّة أيَّ تعريفٍ حول هذا المصطلح قبل هذا التَّاريخ إلى أنْ خرجت وزيرة الخارجيَّة الامريكيَّة السَّابقة كوندريزا رايس في العام 2005م وفي حديثٍ لها لصحيفة (الواشطن بوست) الأمريكيَّة، وصفت فيه ما يحدث على أرض العراق من أعمال عنفٍ وعنفٍ متبادلٍ، بأنَّها فوضى خلاقة


وفي حوارها هذا أسهبت رايس في إيضاح أنَّ أعمال العنف في العراق هي نوعٌ من أنواع الفوضى التي ستُفضي إلى دولةٍ الدِّيمُقراطيَّة المنشودة في العراق، وحصرت رايس الفوضي الخلاقة بالفوضى التي تنتجها عمليَّة تحولٍ ديمُقراطيٍّ، كاحتلال الولايات المتحدة للعراق، على حد وصفها.
ومنذ هذا التَّاريخ أصبح مصطلح "الفوضى الخلاقة" هو المصطلح الرَّسميِّ الذي تستخدمه الإدارة الأمريكيَّة ومسئوليها لوصف الحالة في العراق وشبَّهه بعض الكُتَّاب بمصطلح" النِّيران الصَّديقة" وغيرها من المصطلحات التي وضعتها الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة لتُداري بها عجزها على مختلف الصُّعُد في العراق وأفغانستان.
ويرى أغلب المحللين السياسيين أنَّ مُصطلح "الفوضى الخلاقة" هو تغطيةٌ للفشل الأمريكيِّ الذَّريع في المنطقة لدرجة أنَّ "الفوضى" أصبحت مصلحةً أمريكيَّةً مؤقتةً، فالفوضى لم تكن يومًا ولن تكون يومًا بنَّاءة بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي دائمًا هدَّامة، والمقصود بالبنَّاءة هنا التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وبذلك تكون بنَّاءة للولايات المتحدة ولكن هدَّامة للجميع(1).
وأجمع المحللين السياسيين على أنَّ "الفوضي الخلاقة" هو مصطلحٌ وُضِعَ لوصف أيِّ نوعٍ من أنواع الفوضى تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وليس أدلَّ على ذلك من مقال الباحث الامريكي مايكل ماكفيل في أحد أعداد دوريَّة (البوليسي ريفيو)، قال فيه إنَّه "لم يعد في وسع الولايات المتحدة الحفاظ على الوضع الرَّاهن فقط، فهي تسعى إلى التَّغيير، وهذه المهمة يجب أنْ تكون عدوانيَّة بطبيعتها، لأنَّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مجرد الانتظار ثم القيام بردِّ فعلٍ على الهجوم التَّالي، وأصبح عليها أنْ تُبادر هي بالهجوم".
وحدَّد ماكفيل فيما بعد خطوط "الفوضى البنَّاءة" التي يجب اتباعها في الشَّرق الأوسط، وهي: التزام الإدارة الأمريكيَّة بـ"مبدأ الحرِّيَّة" والتَّرويج لها، على أنْ يتم توسيع الحريَّات الفرديَّة وإزالة القوى المُعارِضة للحرِّيَّة، سواءً أكانوا أفرادًا أو منظماتٍ أو أنظمةً، فيجب أنْ يتضمن مصطلح الإدارة عن "الفوضى الخلاقة" معنيَيْن: الأول التَّدمير، والثَّاني البنَّاء، وأنَّ العدو الذي يجب تدميره هو أيديولوجيٌّ بالدَّرجة الأولى، وهو "الشُّموليَّة الإسلاميَّة" وليس الإسلام نفسه.
ولكن في حقيقة الأمر هذا مجرَّد تغطية، فالجميع يعلم أنَّ الإسلام محارَب، ويستمر ماكفيل بالقول إنَّ نشر الدِّيمُقراطيَّة في الشَّرق الأوسط سيكون للمصلحة الأمريكيَّة، بما يتضمنه ذلك في شأن التركيز على الحرِّيَّة الفرديَّة، ثمَّ تطبيق الدِّيمُقراطية لاحقًا(2).
ويعلق أستاذ العلوم السِّياسيَّة المصريِّ الدُّكتور حسن نافعة على مصطلح "الفوضى الخلاقة" قائلاً: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يتحفنا فيها الأكاديميُّون المتخصِّصون وصُنَّاع السِّياسة الأمريكيَّة بمصطلحاتٍ من هذا النوعن فقد أصبح صك المصطلحات السِّياسيَّة غير المألوفة حرفةً أمريكيَّةً خالصةً، ومجالاً محجوزًا لا يقدر أحدٌ على الدُّخول إلى حلبة المنافسة فيه!".
ويبدو أنَّ هذه الحرفة تحوَّلت إلى صناعةٍ تطرح منها في سوق السِّياسة ما تشاء بين الحين والآخر، وسيكون من السَّذاجة بمكان الاعتقاد بأنَّ هذا النَّوْع من المصطلحات الغريبة يأتي من وحي الخاطر مصادفةً، فالواقع أنَّها مصطلحاتٌ مدروسةٌ بعنايةٍ، ويُقْصَدُ بها أداء وظائفٍ مُحدَّدةٍ للتَّضليل وإخفاء حقيقة النِّيَّات وتجميل العيوب الظَّاهرة في المواقف والسِّياسات، فالأوضاع التي يدركها النَّاس على أنَّها تنطوي على قدرٍ ما من "عدم الاستقرار" أو "الغموض" أو "الفوضى" هي بطبيعتها أوضاعٌ سلبيَّةٌ، لكنَّها حين تأتي مقترنةٌ بأوصافٍ أخرى، ويصبح عدم الاستقرار "منضبطًا"، والغموض "بناءً"، والفوضى "خلاقة"، فمن الطَّبيعي أنْ تتبدَّل الأمور وتتحوَّل صورةُ السَّلبيِّ إلى إيجابيٍّ والقبيح إلى حسنٍ.
ويضيف نافعة: "ولأنَّنا لا نسأل أنفسنا عادةً ذلك السُّؤال البديهي حول صاحب المصلحة، فغالبًا ما يقع بعض مثقَّفينا بحسن النِّيَّة، أو يتعمدون الإيقاع بنا بسوء نيَّةٍ، في مصيدة هذه المصطلحات الأمريكيَّة المضلِّلة(3).
وفي حقيقة الأمر فمصطلح "الفوضى الخلاقة" هو الشَّقيق الأصغر لسلسةٍ طويلةٍ من المصطلحات التي اعتادت الإدارة الأمريكيَّة علي اختراعها مثل "الغموض البنَّاء"، على سبيل المثال، تمَّ صكُّه في نهاية عقد التِّسعينيَّات الماضية، لتبديد القلق من الغموض الذي اكتنف اتفاقات أوسلو، خصوصًا بعد بداية تعثر تنفيذها على الأرض.
هل يوجد- حقًّا- فوضي خلاقة؟:
علمنا مما سبق أنَّ "الفوضى الخلاقة" هي الفوضى التي تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولكن السُّؤال: "هل هناك فوضى تصب في مصلحة الشُّعوب عامَّةً؟".
بالتاكيد إنَّ الإجابة على هذا التَّساؤل بـ"لا"؛ حيث إنَّه لا يوجد مثل هذا النَّوع من الفوضى لأسبابٍ عدَّة، أهمها أنَّ الفوضى في تعريفها هي حالة من اللا نظام ووفق جميع النَّظريات السياسيَّة، ولذلك فلا يمكن لحالةٍ من اللا نظام أنْ تُنْتِج نظامًا ديمُقراطيًّا أو تُنْتِج شيئًا لصالح الشُّعوب حتى الثَّورات الشَّعبيَّة- كالثَّورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة- بالرَّغم من كونها تحرُّكٍ عفويٍّ من الشَّعب.
إلا أنَّه لا يمكن إطلاق مصطلح الفوضة الخلاقة عليه لسببٍ بسيطٍ، أنَّه كان هناك من يُحرِّك الجموع الغاضبة، كما أنَّ كل الجموع اتَّحدت على هدفٍ واحدٍ، وهو الإطاحة بنظام شاه إيران السَّابق، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد الفوضى، وهي عدم اتِّحاد الاتِّجاه والوجهه.
وقبل الخوض في الوضع المصري وتداعياته وعلاقته بمصطلح "الفوضى الخلاقة"، يجب علينا المرور سريعًا على بعض أهمِّ البؤر التي أطلقت عليها الإدارة الأمريكيَّة- بصفتها مبتكِر المُصطلح- وضع "الفوضى الخلاقة"، فبالرُّجوع إلى ما قاله الباحث الامريكي مايكل ماكفيل، وعندما ننظر إلى هذه النِّقاط الثَّلاث التي حدَّدها في بحثه، نجد أنَّ لبنان كان ساحةً مُهيَّأةً لتقبُّل مثل هذا الواقع الجديد بعد سقوط العراق وأفغانستان.
فلبنان كان دائمًا يوصَّف على أنَّه واحةٌ للدِّيمُقراطيَّة في المنطقة، وفيه قوىً مسيحيةٌ تتخوَّف بشكلٍ دائمٍ مما ذكره الباحث وأسماه بـ"الشُّموليَّة الإسلاميَّة"، وبالتَّالي فالهدف كان البدء من لبنان على أنْ يتمَّ جر البلدان الأخرى، كلٌّ في وقته.
وفي هذا الإطار، يستعرض مدير معهد واشنطن روبرت ساتلوف في تقريرٍ له نُشِرَ عام 2005م، سياسة الإدارة الأمريكيَّة تجاه لبنان، وهي تدخل في إطار التَّحوُّل من الاستقرار إلى الفوضى، وتحتاج إلى آليَّةٍ، وهي بحسب التَّقرير:
-  تركيز جهود الإدارة والرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن شخصيًّا على بندٍ واحدٍ من القرار الدَّوليِّ رقم (1559)، وهو بند الانسحاب السُّوريِّ من لبنان، خاصَّةً بعد مقتل رئيس الوزراء الِّلبنانيِّ الأسبق رفيق الحريري في فبراير من العام 2005م، والتَّداخُلات الدَّوليَّة التي حصلت عقب ذلك.
-  إخضاع الانتخابات الِّلبنانيَّة للمرَّةِ الأولى لإشرافٍ دوليٍّ وتحت سيف الضُّغوط والتَّدخُّلات الدَّوليَّة لا سيما الفرنسيَّة والأمريكيَّة.
- طَرَحَ عددٌ من السِّيناريوهات للتَّعامُل مع البنود الأخرى من القرار (1559) القاضية بسحب سلاح الميليشيَّات الِّلبنانيَّة والسِّلاح الفلسطيني في المخيمات لتنفيذها في الزَّمان والمكان المناسبَيْن.
وبناءً على ما سبق وبالنَّظر إلى الوضع الحاليِّ في لبنان، فإنَّنا نلاحظ أنَّ لبنان كما العراق وأفغانستان، هي السَّاحات الثَّلاثة التي تتجلى فيها معاني مصطلح "الفوضى الخلاقة" كما تعرفه الإدارة الأمريكيَّة، وكما عرَّفته رايس في حوارها في العام 2005م.
ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الوضعَيْن الِّلبنانيِّ والعراقيِّ يمكن اعتبارهما "فوضى خلاقة" للنِّظام الإيرانيِّ كما هما بالنِّسبة للإدارة الأمريكيَّة، فالمُتابِع للسَّاحتَيْن العراقيَّة والِّلبنانيَّة، يُلاحَظ أنَّ كلاهما تلعب فيه إيران بأصابعٍ خفيَّةٍ من أجل تأجيج الأوضاع بهما.
ونرى التَّدخُّل من جهة الحرس الثَّوريِّ الإيراني في العراق بوجهٍ خاصٍّ وتجيشه لميليشات الموت بل ان البعض يري ان الفوضي في العراق ولبنان تصبُّ في المصلحة الإيرانيَّة أكثر ممَّا تصبُّ في المصلحة الأمريكيَّة.
ففي العراق استطاع النِّظام الإيرانيِّ ردُّ ثأره في حربه مع العراق في عهد الرَّئيس العراقيِّ الرَّاحل صدَّام حسين، وفي لبنان، فإيران استطاعت بدعمها لحزب الله الِّلبنانيِّ في حربه على الكيان الصُّهيوني، ومن بعدها دعم حزب الله في معركته مع الأغلبيَّة البرلمانيَّة الِّلبنانيَّة.
وقد نتج عن ذلك كله وضعٌ سياسيٌّ في الشَّارع العربيِّ، وأصبحت الشُّعوب العربيَّة ترى أنَّ إيران الدَّولة الوحيدة التي تستطيع مواجهة الكيان الصُّهيوني، وتغاضت الأغلبيَّة العظمى من هذه الشُّعوب عن الجرائم الإيرانيَّة على السَّاحة العراقيَّة.
"الفوضى الخلاقة" في مصر:
وِفْق التَّعريف الأمريكيِّ للفوضى الخلاقة، فإنَّ ما يجري الآن على أرض مصر، هو "الفوضى الخلاقة" في صورتها المثاليَّة، فما يحدث الآن على أرض مصر يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على نظام الرئيس المصريِّ حسني مبارك، ومن بعده نجله جمال- أمين السِّياسات في الحزب "الوطني" الحاكم- في الحكم لضمان عدم وصول التَّيَّار الإسلاميِّ مُمثلاً في الاخوان المسلمين إلى الحكم.
وفي نفس الوقت يظهر للمُشاهِد أنَّ الإدارة الأمريكيَّة تُسانِد التَّغير الدِّيمُقراطي في مصر، وأنَّها المدافع الأوَّل عن الحُرِّيَّات فيها، وهو ما يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على صورتها في العالم كراعٍ للسَّلام والدِّيمُقراطيَّة، وفي نفس الوقت الحفاظ على مصالحها في مصر التي تأتي على رأسها أمن الكيان الصُّهيونيِّ.
البعض من المُتابعين للشَّأن المصريِّ ربط بين تفجيرات دهب وشرم الشيخ التي حدثت قبل سنواتٍ، وبين نظريَّة "الفوضى الخلاقة" الأمريكيَّة، إلا أنه وبالنَّظر إلى الأمر من منظورٍ أوسعٍ، وليس فقط من منظورٍ أمنيٍّ ومنظور التَّفجيرات وأعمال العنف، نرى أنَّ الفوضى التي تجتاح مصر على الصُّعد الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة.. إلخ، كلها لا تصب إلا في مصلحة الإدارة الأمريكيَّة.
ومن دون الخوض في تفاصيلٍ تزج بنا في نظرية المؤامرة، نُلاحظ أنَّ الإدارة الأمريكيَّة راضيةٌ عن كلِّ ما يحدث في مصرن ففي الوقت التي كانت تضغط الإدارة الأمريكيَّة لإطلاق سراح السِّياسيِّ المعارض الدُّكتور أيمن نور، وهو فردٌ واحدٌ، لم نسمع أيِّ صوتٍ ينادي بحريَّة أكثر من 40 من قيادات الإخوان الذين حوكموا امام محكمةٍ عسكريَّةٍ في قضيَّةٍ أقل ما تُوصف بأنَّها هزليَّةً.
وفي الوقت الذي نرى فيه معارضة الإدارة الأمريكيَّة للمشروع النَّوويِّ الإيرانيِّ وغيره من المشاريع النَّوويَّة لـ"الدول المارقة"، نرى من الإدارة الأمريكيَّة رضىً غير عاديٍّ عن المشروع النَّوويِّ المصريّ "المزمع إقامته"، والذي وصفه أغلب المحلِّلين السِّياسيِّين بأنَّه آخر إبداعات النِّظام المصريِّ لخلق مشروعٍ قوميٍّ له ليضمن التفاف الشَّعب من حوله، كما فعل الرئيس الرَّاحل جمال عبد النَّاصر في مشروع السَّد العالي.
حتي الحركات الاحتجاجيَّة الأخيرة التي ظهرت في مصر، وعلى رأسها الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، والتي تُعاني اليوم من حالة انهيارٍ داخليٍّ، فقد ضمنت حالة الفوضى الموجودة في المجتمع المصريِّ، أنْ تظل هذه الحركة حركةً نخبويَّةً، وضمنت أيضًا ألا يتفاعل معها سوى أعدادٌ قليلةٌ يمكن السَّيطرة عليها وقت الُّلزوم.
وهو ما لوحظ في السَّنوات الأخيرة؛ حيث بلغت الحركة أوجها في العام 2005م، مع مظاهرات القضاة، ولكن ومع نفاذ صبر النِّظام المصريِّ وإعلانه ضمنيًّا انتهاء فترة السَّماح بالحراك السِّياسيِّ، استطاعت الأجهزة الأمنيَّة وقف أيِّ تحرُّكٍ في الشَّارع للحركة، بالرَّغم من زيادة أعداد المنتمين لها عن العام 2005م.
هل يمكن للفوضى في مصر أنْ تُنْتِج شيئًا خلاقًا للمجتمع المصري؟:
وفق النَّظريَّات السِّياسيَّة، وطبقًا لما يجري علي أرض الوقع، فلا يمكن وبايِّ حالٍ من الأحوال أنْ تُنْتِج حالة الفوضى التي يعيشها المجتمع المصري حاليًا، أيَّ نوعٍ من أنواع الفوضى الخلاقة بالنسبة له.
فالبعض يراهن على أنَّ الشَّعب المصريَّ بلغ مرحلةً من الضَّغط أوشك فيها على الانفجار، ‘لا أنَّ هذا الانفجار تأخَّر كثيرًا، ويرى الأغلبية العظمى من المتابعين أنَّ الشَّعب المصريَّ لن يثور في ظلِّ هذه الأحوال التي يعيشها إلا في حالة حدوثِ معجزةٍ.
فبالرَّغم من زيادة الضُّغوط كل يومٍ عن الذي سبقه على رجل الشَّارع، وتضاعُف الاسعار كل يومٍ تقريبًا، وغيرها من الضُّغوط، ألا أنَّ المُتابِع للشَّارع يُلاحِظ أنَّ الشَّعب في حالة خمولٍ واستكانةٍ غريبةٍ، ولعلنا لا نجد تفسيرًا لذلك إلا من خلال نظريات الفوضى في علم الفيزياء وليس في العلوم السِّياسيَّة!!
إلى أين تسير الفوضى بمصر؟:
تسير الفوضى بمصر إلى مزيدٍ من الفوضى ومزيدٍ من التَّدهُور على مختلف الأصعدة، فلا يمكن اعتبار حوادث العبَّارات والقطارات، وأنفلونزا الطيور والخنازير، وتدهور أحوال حقوق الإنسان بالرَّغم من تضاعف أعداد جمعيَّات حقوق الإنسان في مصر، إلا مظاهرٌ من مظاهر الفوضى التي يعيشها المجتمع المصريُّ، وهو ما نلاحظة على مختلف الأصعدة.
فعلى سبيل المثال، وعلى الصَّعيد الاجتماعي، يمكن اعتبار اختفاء ما كان يسمَّى بالطبقة المتوسطة لصالح الطَّبقة الفقيرة ومحدودة الدَّخل، وتضخُّم ثروات الطَّبقة الثَّريَّة بالمجتمع المصري، هو المظهر الأبرز للفوضى الاجتماعيَّة في مصر.
أمَّا على الصَّعيد الاقتصاديِّ، فلم تشهد دولة في العالم فوضى كالتي تعانيها مصر في الفترة الأخيرة، فبالرغم من انخفاض أسعار صرف الدولار الأمريكيِّ، وهو ما نتج عنه انخفاض أسعار الكثير من السِّلع في مختلف دول العالم، إلا أنَّه وفي مصر فقط، تضاعفت أسعار الكثير من السِّلع بالرَّغم من أنَّ الجنيه المصري مرتبطٌ بالدُّولار الأمريكيِّ حتي وصل الأمر ببعض السِّلع كزيت الطَّعام لأنْ يتضاعف ثمنه بمقدار 100%.
وعلى الصَّعيد السِّياسيِّ استطاع النِّظام المصريُّ فَرْض نوعٍ من أنواع الفوضى التي غيَّبت كل القوى السِّياسيَّة عن السَّاحة، فالاخوان المسلمون مشغولون بمعتقليهم في السُّجون، وعلى رأسهم مجموعة المهندس خيرت الشاطر وإخوانه والدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإخوانه، وتراجعت عن تحرُّكها في الشَّارع الذي هز أركان مصر منذ العام 2004م.
بينما حزب الغد، والذي كان المنافس الرَّئيسي للرَّئيس مبارك في انتخابات الرِّئاسة، زُجَّ به في مشاكلٍ داخليَّةٍ لا نهاية لها، ودعمت فيه الحكومة جبهة المنشقِّين ضد جبهة مؤسسه أيمن نور، بمختلف الوسائل.
وعلي هذا المنوال تسير الأمور في أغلب الأحزاب السِّياسيَّة المصريَّة والقوى السِّياسيَّة، ولكن يثور تساؤلٌ شديد الأهمِّيَّة في هذا الإطار، وهو ما دور الإصلاحيِّين ضد ما يحدث من فوضى في مصر؟!.
يطل علينا هذا السُّؤال برأسه، ويلحُّ علي كل إصلاحيي المجتمع، وألوان طيفه؛ حيث يتساءلون: "ما الحل؟!"
ومن وجهة نظر الكثيرين، فإنَّ الحل الوحيد لما تعانيه مصر من فوضى هو محاربتها بضدها، وهو النِّظام، ولا نقصد هنا النِّظام الحاكم، فالمقصد الحراك المُنظَّم والشَّامل، فالمجتمع المصريُّ يحتاج ومنذ زمنٍ إلى حركةٍ شعبيَّةٍ مُنظَّمةٍ ذات هدفٍ واحدٍ، وهو التَّغيير من دون التَّقيُّد بتيَّارٍ سياسيٍّ معينٍ أو فئةٍ مُعيَّنةٍ أو طائفةٍ مُعيَّنٍة، واختلال شرطٌ واحدٌ من هذه الشُّروط يؤدِّي إلى فشل هذه الحركة.
فعلي سبيل المثال لا توجد حركةٌ منظمةٌ في مصر سوى حركة الإخوان المسلمين، إلا أنَّ الاخوان ليست بالحركة الشَّعبيَّة، ومُقيَّدةٌ بنوعيَّاتٍ مُعيَّنةٍ من فئات المجتمع المصريِّ، كما أنَّ طبيعتها الدِّينيَّة- كما يقول اسمها- يمنع التفاف باقي فئات وطوائف الشعب حولها.
الحال نفسه بالنِّسبة للحركات الاحتجاجيَّة مثل (كفاية)، فحركة (كفاية) حركةٌ شعبيَّةٌ ذات هدفٍ يتعلَّق بالتَّغيير، وغير مُقيَّدةٍ بتيارٍ سياسيٍّ؛ حيث حوت بين أفرادها أُناسًا من كلِّ التَّيَّارات، إلا أنَّها لم تكن حركةٌ مُنظَّمةٌ بالمرَّة.

-----------------------
(1) مجلة العصر- 26 أغسطس 2005م- إستراتيجيَّة "الفوضى الخلاقة" في لبنان- علي حسين باكير
(2) Police review – Michelle Makvel – 5\2005
(3) حسن نافعة- إسلام أون لاين: "كوندي و"الفوضى الخلاقة" في المنطقة العربية".. 9 أبريل 2005م.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح