الشَّارع السِّياسيِّ قبل الانتخابات التَّشريعيَّة.. "شبح التَّوريث"!!


بقلم: محمد سعيد

بات من المؤكد مع اقترب موعد انتخابات مجلس الشعب المصري نهاية العام القادم، والتي يسبقها انتخابات مجلس الشورى، الَّلذَيْن صار لهما تأثيرٌ كبيرٌ عقب التعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة في عامي 2005م، و2007م، أنَّ معالم التَّوريث وإجراءات تسليم السُّلطة لنجل الرئيس حسني مبارك الأصغر جمال مبارك أمين السياسات في الحزب الوطني الحاكم، باتت أمرٌ شبه محسومٍ من وجهة نظر الكثير من المراقبين.

وقال هؤلاء إنَّ معالم التَّوريث تزداد تأكيدًا، مع تصريحات مبارك الغامضة خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة بشأن مستقبل الأوضاع في مصر في مرحلة ما بعد حكمه؛ حيث لم يذكر ردًّا قاطعًا ينفي فيه أو يؤكِّد هذا الأمر.
ومع استمرار الوضع السِّياسيِّ المتدهور في مصر، تحاول القوى السِّياسيَّة والاحزاب لململة أوراقها سريعًا قبيل انتخابات مجلس الشَّعب المقررة في خريف العام القادم 2010م، والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى منتصف العام نفسه، ويظل شبح التَّوريث ماثلٌ أمام عينيها، فكلُّ فصيلٍ يحاول إعادة ترتيب أوراقه قبل تلك الَّلحظة الحاسمة.
الإخوان والمُعضلة الأمنيَّة
والأمر الَّلافت للنَّظر في ظلِّ الحملة الأمنيَّة الشَّرسة على جماعة الإخوان المسلمين، وتزايُد حدَّة الهجمات في محاولةٍ "لقصقصة الرِّيش والتَّعطيل والإلهاء" الجماعة عن عمليَّة تمرير السُّلطة باعتقال ثلاثةِ من أعضاء مكتب إرشادها، وهم: الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدُّكتور أسامة نصر، والدُّكتور محمود حسين، فضلاً عن سجن النَّائب الثَّاني لمرشدها العام المهندس خيرت الشاطر وعضو مكتب الإرشاد الدُّكتور محمد علي بشر ضمن المحكمة العسكريَّة الأخيرة، والتي صدر فيها الحكم في ابريل من العام 2007م.
زد علي ذلك احتجاز العشرات من مسئولي المكاتب الإداريَّة والقطاعات ومسئولوا الِّلجانٍ الفنِّيَّة المُتخصِّصة من العناصر المُؤثِّرة داخل الجماعة.
ومع تصاعد وتيرة الأحداث الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وتنامي حدَّة الضَّربات الأمنيَّة وجدت جماعة الإخوان نفسها وحيدةً في الشَّارع السَّياسيِّ، فالكلُّ تخلَّى عنها سواء الأحزاب أو الحركات والتَّجمُّعات السِّياسيَّة الأخرى، ووصل الأمر إلى درجة وكأن الإخوان "فيروس" يجب الابتعاد عنه خشية الإصابة بمرضٍ معدٍ لا يُشفَى منه إلا بالاعتقال والمحاكمات والتشويه.

ورغم المحاولات الحثيثة للإخوان للملمة الجماعة السِّياسيَّة وجمعها تحت رايةٍ واحدةٍ تستطيع من خلالها مواجهة البطش والعسف الحكوميِّ الذي طال الشَّعب المصريِّ، صغيره قبل كبيره، سواء المشتغلين بالعمل العام، السِّياسيِّ والإجتماعيِّ، أو الممتنعين عن الخوض فيه، كان الصَّد وأصابع الاتِّهام تُوجَّه إليهم بمحاولة تكوين تجمُّعٍ سياسيٍّ تُواجِه الجماعة به الحكومة من خلف السِّتار!
واستمرارًا لأزمة الإخوان، نجدها هي الأخرى تُثير لغطًا وشكوكًا حول مشروعها السِّياسيِّ والفكريِّ من خلال تصريحات أو كتابات يعتقد كثيرٌ من الباحثين أنَّه أمرٌ مقصودٌ من قيادات الجماعة، لتبقى في الصُّورة السِّياسيَّة والإعلاميَّة، بدلاً من حملات الإبعاد والتَّهميش، وهو ما تقوم الجماعة بمعالجته من خلال العمل الشَّعبيِّ الاجتماعيِّ، الذي يمحو تلك الحملات التَّشويهيَّة، وباستغلال القناعة العامَّة لدى الشَّعب، والتي تقول إنَّ الطَّرف الذي تقوم الحكومة بتشويهه من الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة، يكون هو على الحق، وأنَّ الحكومة خائفةُ منه ومن قوته.
ورغم حملة الاعتقالات والمُحاكمات والتَّشويه التي يُمارسها النِّظام الحاكم عبر أداته الأمنيَّة، تُصرُّ الجماعة على خوض الانتخابات، وإنْ كانت التَّجرُبة تلك المرَّة مشوبةٌ بالحذر بعد أحداث التَّزوير واسعة النِّطاق لانتخابات المحلِّيَّات والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى الأخيرتَيْن، بل إنَّ هناك أصواتًا تُنادي بعدم خوض تلك التَّجرُبة مرةً أخرى، وخاصة بعد التَّقدُّم الكبير الذي أحرزته الجماعة في انتخابات مجلس الشَّعب عام 2005م.
فببساطة فإنَّ النِّظام الحاكم لن يسمح بتكرار تلك التَّجرُبة التي وضعته في مآزقٍ قانونيَّةٍ وسياسيَّةٍ كبيرةٍ، بعدما أظهرته بأنَّه خارجٌ على الإرادة الوطنيَّة التي مثَّلها نوَّاب الإخوان والمُعارضة المائة بمجلس الشَّعب.
ومع استمرار تأكيد الجماعة عبر تصريحات سياسيِّيها وقياداتها بعزم الجماعة عللى خوض أيِّ انتخاباتٍ، فهناك مؤشراتٌ تقول إنَّ الجماعة لن تُشارك في انتخابات التَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى مُنتصف العام القادم، حفاظًا على أفرادها من الاعتقال، ولتوفير جهودها لمعركة انتخابات مجلس الشَّعب نهاية العام نفسه.
حزب التَّوريث
وفي المقابل، تظل الخلافات وشبح التَّوريث مُسيطران على أداء الجانب الآخر من المعادلة السِّياسيَّة في مصر، وهو الحزب الوطنيُّ الحاكم، وأصبح الحديث عن خلافة الرَّئيس مبارك هو الموضوع الأساسيُّ بصالون الحزب.
وأصبح الحديث السَّائد بشأن الأوضاع الموجودة في الحزب يتلخَّص في صراعٍ بين الحرس القديم والذي يمثله كمال الشاذلي القيادي بالحزب وصفوت الشَّريف أمين عام الحزب، وفي مقابله "طقم" أصدقاء نجل الرئيس في مقدمتهم المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم والمسئول الأساسيِّ عن تنفيذ الكثير من خطط الحزب، والدكتور محمد كمال أمين العضويَّة، بينما يظل الدُّكتور مفيد شهاب محتفظًا بدور "المحلل والتَّرزي" القانوني للحزب ولسياسته، ومعه الدُّكتور عليُّ الدِّين هلال أمين الإعلام كوجهٍ "ظريفٍ" على شاشات التِّلفاز والحلقات النَّقاشيَّة.
ولعل مشهد الاستقالات الجماعيَّة التي شهدتها الانتخابات الدَّاخليَّة للحزب، والتي أُجْرِيَت مؤخرًا، كشف عن خلافاتٍ كبيرةٍ بين عناصر الحزب، بمحاولة كل فردٍ الحصول علي أكبر قطعةٍ من "الكعكعة"، ولكن تدخُّلات المهندس عز لتمرير أشخاصٍ بعينهم لتولِّي مناصب الأمانة العامَّة، وأمانة المحافظات، فجرَّت الخلافات بين أعضاء الحزب، وصل لحد تحرير محاضرٍ بأقسام الشُّرطة!
وهو الأمر الذي سينعكس بالضَّرورة على اختيارات الحزب لمُرشَّحيه في الانتخابات التَّشريعيَّة القادمة، وستتكرَّر كالعادة أزمة التَّرشيحات، وسيتقدَّم الآلاف من المُرشَّحين بصفةِ مستقلٍّ، وسيقوم الحزب بفصلهم وعند نجاحهم بالتَّزوير والعصا الأمنيَّة، سيقوم الحزب بضمِّهم مرةً أخرى بدعوى "وحدة الصَّف" و"العفو والصَّفح عن أبنائه الغاضبين".
كفاية والأحزاب.. ماضي!!
نأتي إلى الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"- كنموذجٍ للحركات الشَّعبيَّة البديلة التي تكاثرت في مصر في الفترة الأخيرة- هي الأخرى في حالٍ يُرثى له بعد وفاة زعيمها الرَّوحي المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، وتنحِّي الدُّكتور عبد الجليل مصطفى وانشغال مُنسِّقها العام الجديد الدُّكتور عبد الحليم قنديل بمعاركٍ صحفيَّةٍ وإعلاميَّةٍ، بالاضافة لخفوت نجم الحركة بعد فترة الحراك السِّياسيِّ التي بدأت في العام 2005م، وانتهت بنهاية الانتخابات التَّشريعيَّة في نهاية العام نفسه.
في المقابل تقف الأحزاب المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل الوفد والتَّجمُّع والنَّاصري، في زاويةٍ سياسيَّةٍ حرجةٍ عنوانها "الفشل" و"الشِّلَليَّة" و"المصالح الخاصة"، فالحزب الناصري مع تقاعُد زعيمه التَّاريخيِّ ضياء الدِّين داوود لمرضه، ومحاولة سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق نائب رئيس الحزب الحثيثة للإستيلاء على الحزب، وتقديم نفسه مُرشَّحًا للرَّئاسة مُمثِّلاً للتَّيَّار النَّاصري.
أمَّا حزب الوفد فلا يزال يحاول لملمة أعضائِه وأوراقه بعد أزمة رئاسة الحزب التي أفقدته كثيرًا من تاريخه الوطني، فضلاً عن انشغال هيئته العليا في أعمالها الخاصة، أو ممارسة دورٍ تنظيريٍّ عن الحياة السِّياسيَّة من دون فعلٍ حقيقيٍّ.
أمَّا التَّجمُّع فهو الآخر يعيش أزمة، ولكنه بنبرةٍ منخفضةٍ قليلاً، كون رفعت السَّعيد رئيس الحزب يضع مصالحه الشَّخصيَّة مع النِّظام فوق كافة الاعتبارات، وسط صمتٍ مريبٍ من أعضاء الحزب الَّذين سلَّموا رقبتهم له انعكس ذلك في أزمة السَّعيد الأخيرة مع النَّائب أبو العز الحريري عضو الحزب بتخييره ما بين الاعذار للسعيد وإمَّا الفصل من الحزب.
أمَّا حزبي الجبهة والغد فكلاهما خيَّبا ظنَّ الكثير من المواطنين، بعد استمرار الأوَّل في رفع شعار الِّليبراليَّة التَّنظيريَّة، والثَّاني الِّليبراليَّة الواقعيَّة التي أدَّت إلى انقسامه ودخول طرفَيْ النِّزاع حول الحزب نفق القضاء المظلم.
الأقباط.. والدَّور الخفي
ويتبقَّى في المُعادلة السِّياسيَّة المصريَّة، الأقباط، كعاملٍ مؤثِّرٍ في الضَّغط على النِّظام المصريِّ باتِّصالاتها بدولٍ ومنظماتٍ أمريكيَّةٍ غربيَّةٍ، بهدف الحصول على امتيازاتٍ جديدةٍ وابقاء الوضع المصري مُتوتِّرًا لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب، وهو ماتنفيه قيادات الكنيسة بتأكيدها على تأييد الرَّئيس مبارك ونجله ولسياسات الحزب الوطني، وهو ما عبَّر عنه رأس الكنيسة القبطيَّة في مصر صراحةً البابا شنودة الثَّالث في أكثر من موضعٍ.
ورغم حملات التَّشويه التي تُمرِّرها الكنيسة ضد الدَّولة المصريَّة عبر ما يُسمَّى بأقباط المهجر، يحاول النِّظام المصري إيهام نفسه بأنَّ هناك فرقٌ بين الأقباط، رغم علمه اليقينيِّ أنَّ شعب الكنيسة وقياداته، الكهنوتيَّة والعلمانيَّة، غير راضيةٍ عن كمِّ الصَّمت الذي يمنحه النِّظام لهم ولأنشطتهم التَّنصيريَّة والسِّياسيَّة المشبوهة، في حين تظل العصا الأمنيَّة موجهةً للإخوان المسلمين، وهو ما تراه القيادة الكنسيَّة غير كافٍ.
ولكن الصُّورة داخل الجماعة المسيحيَّة في مصر غير بسيطة على هذا النَّحو؛ حيث توجد العديد من الرؤى ووجهات النظر، في الوسط المسيحي نفسه، ولنأخذ الموقف من الانتخابات الرَّئاسيَّة نموذجًا، فمنذ أيامٍ نشرت وكالة أنباء (إنتر برس سيرفيس) تقريرًا بعنوان "المسيحيُّون منقسمون بشأن الانتخابات الرَّئاسيَّة" لأدم مورو وخالد موسى العمري.
التَّقرير يتحدَّث عن دعم الكنيسة القبطيَّة في مصر رسميًّا، وكذلك الكنيسة الكاثوليكيَّة لجمال مبارك رئيسًا للجمهورية خلفا لوالده الرئيس المصري حسني مبارك، في حين يعترض جيل الشَّباب المسيحي على جمال مبارك والحزب الوطني الحاكم، متهمين جمال والحزب بإهدار حقوق الأقباط والتَّحيُّز إلى جانب المسلمين.
كما يتناول التَّقرير اعتراض الكاتب القبطي جمال أسعد على تصريحات للبابا شنودة بطريرك الكرازة المرقصيَّة في يوليو الماضي، قال فيها إنَّ أغلبيَّة الجمهور يحبون جمال مبارك.
أسعد أكد على أنَّه ليس من حق أحدٍ أنْ يقول بأنَّ الجمهور مع فلان أو ضد فلان إلا من خلال الاستفتاء، وهو ما لم يفعله شنودة.
التَّقرير كذلك تناول تصريحات لأشخاصٍ مؤيدين ومعارضين لجمال مبارك، لدرجة أنَّ بعض الأقباط أسَّسوا صفحةً على موقع (فيس بوك) أسموها "أقباط مصر"، للتَّنديد بمحاولات توريث الحكم لجمال مبارك.
وقال التَّقرير إنَّ الكنيسة في مصر لها سلطةٌ دينيَّةٌ فقط على المسيحيين، أمَّا في السِّياسة فكثيرٌ من المسيحيِّين لا يأخذون بتوصياتها، كما حدث عام 2005م، عندما طلبت الكنيسة القبطيَّة من أتباعها تأييد مرشحي الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانيَّة، ومع ذلك منح  كثيرٌ من الأقباط ثقتهم لمرشحي جماعة الإخوان المسلمين.
على هذه الصورة، وما بين منقسم أو مأزوم أو مُشتَّت، تستقبل الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة عامًا من أهم الأعوام في الحياة السِّياسيَّة المصريَّة، فكيف سوف تنتهي الأمور.. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام وحدها!!...

أقرأ المزيد...

مُؤسَّسيَّة الجماعة وهلهلة النِّظام.. كلمةٌ أخيرةٌ!!...


بقلم: محمد سعيد

عادةٌ ما يتحوَّل النَّقد المُوجَّه إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى اتهامٍ، يتمُّ معه وضع الجماعة في قفص المُذنبين، وعليها أنْ تُثْبِتَ- في كلِّ لحظةٍ- أنَّها جماعةً سلميَّةً مُعتدلةً ذات منهجٍ إسلاميٍّ صحيحِ الوجهةِ والتَّوجُّه.
ورغم تلك المُمارسات التي يعتمد عليها الباحثون في استفزاز الجماعة لإخراج مافي جعبتها من رؤىً وتصوراتٍ، يرى هؤلاء الباحثين أنَّ الجماعة تحاول دائمًا إخفاء شيئًا ما، ولا تريد أحدًا أنْ يطَّلع عليها لسببَيْن، الأوَّل خاصٌّ بالجماعة التي ترى أنَّ خُطَطَها أمرٌ داخليٌّ خاصٌّ بها، ولا يملك أحدٌ حقَّ التَّعرُّف عليها الإ عندما تريد الجماعة ذلك.

والثاني خاصٌّ بالباحثين الذي يرَوْنَ أنَّ محاولة إخفاء الجماعة ذلك الشَّيء إنَّما هو محاولةٌ لإخفاء توجُّهٍ مُتشدِّدٍ ضد الدَّولة والحُرِّيَّات، أو أنَّ ذلك يرجع لتاريخ الجماعة الذين يرونه بأنَّه مليءٌ بالغموض والسِّرِّيَّة، وهو ما تنفيه الجماعة.
وتتركَّز أغلب الانتقادات التي يُوجِّهُها الباحثون إلى جماعة الإخوان المسلمين حول أمورٍ تراها الجماعة ضمن سياستها بأنَّها فرعيَّةٌ ولا تُؤثِّر في العمل السِّياسيِّ للجماعة وصورتها بالشَّكل الذي يتم إبرازه خلال المؤتمرات والصُّحف والفضائيَّات مثل برنامج الحزب، وسياسة "السمع والطَّاعة"، وقضايا مثل الموقف من المرأة والأقباط والدَّولة المدنيَّة والدَّولة الدِّينيَّة والعنف.
وكلها أمورٌ حَسَمَت الجماعة فيها موقفها، وترى أنَّ إعادة فتحها بين الحين والآخر، إنَّما هو محاولةٌ من النِّظام الحاكم، لتشويه صورة الجماعة أمام الرَّأي العام.
وبعيدًا عن تلك الانتقادات الخارجيَّة نجد أنَّ صورًا من الانتقاد الدَّاخليِّ الذَّاتيِّ الذي يُمارسه أفراد الجماعة ضد سياسات الجماعة وضد النِّظام المُؤسسيِّ الذي تبنَّته الجماعة، والذي يحتكم إلى الشُّورى والانتخابات في المراكز القياديَّة بدايةً من مجالس شُورى الشُّعَبْ "أصغر وحدةٍ إداريَّةٍ داخل الجماعة"، وحتى مكتب الإرشاد الذي هو رأس الجماعة التَّنظيمي، ورأس هرمها الإداريِّ.
أبرز تلك الصور مُخالفة بعض اللوائح، وسيطرة بعض الأفراد علي بعض الوحدات الإداريَّة، وتولِّي بعض أبناء قيادات الجماعة مسئوليَّات داخل بعض الِّلجان الفنِّيَّة رغم وجود كفاءاتٍ، إهمال بعض الوحدات وسقوطها من حسابات الجماعة علي حساباتِ وحداتِ أخرى.
من الصَّعب على فردٍ بالإخوان أنْ ينتقد جماعته الأم، ليس لاتباع قياداته أسلوب القهر والإسكات، بل لأنَّ الجماعة استطاعت أنْ تُقدَّم نموذجًا فريدًا، حقَّقت معه معادلةً صعبةً بين المزج بين العمل الإداريِّ المُؤسَّسيِّ، وبين معاني الإخلاص والأُخوَّة والحُب، وهو ما لا يعترف به المُنظِّرون السِّياسيُّون، وهو الأمر نفسه الذي جعلهم يشكُّون في أسلوب الجماعة في العديد من المواقف، وإنْ كان السِّر يمكن في "الحب".
فالجماعة على مدار أكثر من 80 عامًا، ومنحنى صعودها وهبوطها متوازنٌ إلى حدٍّ جعلها حركةً سياسيَّةً ودعويَّةً مُتجذِّرةً في الفكر والوعي المصريَّيْن، ورغم محاولات التَّشويه والاعتقال منذ أربعينيات القرن الماضي، والجماعة قادرةٌ على الحفاظ على حيويِّتِها وقدرتِها التَّنظيميَّة في التَّعامُل مع الأحداث المُختلفة، وإنْ شابها بعض التَّقصير كأيِّ عملٍ بشريٍّ في النِّهاية قد يُصيب، وقد يُخطئ.
ورغم تلك الملاحظات السَّريعة على بعض المُمارسات داخل الجماعة نجد أنَّ الجماعة لا ترى أنَّ هناك عزيزًا علي منهجها، فمن رأى أنَّ مكانه أصبح خارجها تحاول معه أكثر من مرَّةٍ فإنَّ أبى تتركه وشأنه بلا تجريحٍ أو تشويهٍ، وليس رجال حزب الوسط ببعيدٍ، ومَنْ أخلَّ بأمانته وشرفه التي هي في الأساس شرف وأمانة الجماعة، تتركه وشأنه أيضًا، بحيث تبقى الجماعة بعيدةٌ عن أيِّ شيءٍ يُلوِّثُها، والمواقف والأحداث كثيرةُ تدلل علي تلك المواقف، ولكن ليس هذا مجالٌ لسردها.
وفي الأخير، فإنَّه رغم تلك الجملة من الإشادات والانتقادات، فإنَّه يجب على الجماعة في كلِّ لحظةٍ أنْ تحتوي شبابها ورجالها، وتُعيد تقييم مواقفها أولاً بأوَّل، وأنْ تُعيد تقييم أدائها الإعلاميِّ والسِّياسيِّ، وأيضًا  التِّنظيميِّ، ليكون متواكبًا مع الأحداث والمواقف، والتَّنوُّع في الوسائل التَّربويَّة التي تتَّخذها الجماعة، بحيث يكونا جناحَيْ الجماعة، التَّربية والعمل العام، في وضعٍ أفضلٍ...

أقرأ المزيد...

ردًّا على دعوات الخروج إلى الشَّارع مُؤسَّسيَّة الجماعة و"هلهلة" النِّظام!!


بقلم محمد سعيد

عادةً مع تزايُد الضُّغوط السِّياسيَّة والحماقات الأمنيَّة الرَّسميَّة ضد جماعة الإخوان المسلمين، يتزايد الحديث عن خطط الجماعة في مواجهة ذلك "العته" الحكومي، ومع تزايُد وقع تلك الضَّربات تتزايد اتهامات أبناء الحركة الإسلاميَّة لقيادات الجماعة بالتباطُؤ في ردِّ الفعل، ويصبح الحديث عن النَّهج السِّلميِّ المتدرِّج أمرًا "رتيبًا"، بل ممقوتًا في بعض الأحيان.



وقد يتبادر للأذهان في تلك اللحظة أنَّ شباب الجماعة قد زهدوا في العمل السِّلميِّ المجتمعي المُتدرِّج، ولكن سرعان ما تنكشف الغُمَّة، فيتأكَّد للجميع أنَّ ذلك المنهج هو الأفضل للتَّعامُل مع البطش الأمنيِّ حتي وإنْ كلَّفهم ذلك حريَّتَهم أو أموالهم أو أبعد من ذلك، "حياتهم".
ولكن مع إعادة النَّظر للصُّورة بشكلٍ أشملٍ وأوقع، وبتفكيك الصُّورة إلي جُزيَّئاتها الأولى، نجد أنَّ هناك أسبابٌ قويَّةٌ ساهمت في الحفاظ على كيان الجماعة وهيكلها الضخم، ليس فقط في مصر ولكن في أغلب الدِّول التي تتواجد بها الجماعة بقوةٍ وفاعليَّةٍ.

وبتجاوز وضْعَيْ الصومال والجزائر بالجماعة غير السَّويَّان، نجد أنَّ مبدأ المُؤسَّسية قد رسَّخ مبادئ ومعاني داخل عقول وأذهان أبناء الحركة، وأصبحت الَّلوائح ومبدأَيْ الثَّواب والعقاب، وفريق العمل، والنِّظام الدَّقيق، وقوَّة الأداء، والُّليونة والمرونة العمليَّة، بالإضافة إلى التَّطوُّر الفكريِّ المستمر لأبناء المُؤسَّسة الحركيَّة.

ولطالما كانت معاني الانضباط داخل الجماعة مرادفًا لمعاني المُؤسسيَّة، فلا نجد مثلاً دولة أو شركة أو حتي سوقًا غربيًّا ناجحًا، الإ وكان مبدأ "المُؤسَّسيَّة" هو حاكم أواصر تلك الكيانات، فكلِّ فردٍ فيها يعلم حقوقه وواجباته والدَّور المنوط به، مع حُرِّيَّته الكاملة في الانتقاد والنُّصح، وأيضًا الابتكار وفق الإطار الواسع الذي تُحدِّده أهداف المُؤسَّسة التَّابع لها.

وفي تعريف "المُؤسَّسة" يقول خبراء الإدارة أنَّها هي وحدةٌ أو كيانٌ يقوم بتقديم خدمةٍ ما، وتعتمد أساليب إداريَّة من أجل تحقيق هدفها بالكفاءة والفاعلية المطلوبتَيْن، كما أنَّها لا تنشأ من فراغٍ، بل تتأثَّر بالبيئة التي تعمل فيها وتمدَّها بالموارد، وهذه البيئة تضع عليها العديد من القيود في الوقت نفسه.

وتتكون المُؤسَّسة عادةً من الأفراد، والمجموعات، والتكنولوجيا، والهيكل التَّنظيميِّ الذي تُمارَس فيه بعض العمليَّات الإداريَّة، مثل التَّخطيط، والتَّنظيم، والتَّوجيه، والرَّقابة، والاتِّصال، واتِّخاذ القرار، والقيادة، وتتضمَّن العمليَّات التَّنظيميَّة تفاعُل الأجزاء وتداخلها لتحقيق الأهداف ضمن بيئةٍ أكبر، بعواملها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة والحضاريَّة المُختلفة، ومن الطَّبيعيِّ أنْ تؤثِّر التَّنظيمات في هذه البيئات وتتأثر بها إلى حدٍ كبيرٍ.

والمُتأمِّل في المشهد النَّبوي الشَّريف، يرى أنَّ الرَّسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، قد أرسى مبدأ المُؤسَّسيَّة كشكلٍ إداريٍّ اعتمد به في تشكيل مبادئ الدَّولة الإسلاميَّة الأولى بالجزيرة العربيَّة انطلاقًا منها، ولتسع العالم أجمع فيما بعد في عهد دولة الخلافة الرَّاشدة، ثم خلافة الأمويِّين والعباسيِّين، وانتهاء بالخلافة العثمانيَّة.

والمُلاحَظ أنَّ قواعد الدَّولة المدنيَّة التي تبنَّاها الإسلام كان التَّصوُّر الأكثر قبولاً لدي الغرب، عندما أراد أنْ يُعيد صياغة دولته وحضارته العشوائيَّة التي تمثَّلت أبشع صورها في العصور الوسطى، في مقابل دولةٍ زاهرةٍ في الشَّرق أحدثت نقلةً حضاريَّةً وفكريَّةً وعلميَّةً لم يكن لها نظير.

وعند الحديث عن مُؤسَّسيَّة الجماعة الأكبر والأكثر تأثيرًا في مُجريات السِّياسة المحلِّيَّة والدَّوليَة يكون الحديث مختلفًا، والوقفات أكثر تأنِّيًا، لرصد تلك الحالة الفريدة سياسيًّا وتنظيميًّا وفكريًّا.

وفي تعريف جماعة الإخوان المسلمين في أدبيات الجماعة: "هي مُؤسَّسةٌ إسلاميَّةٌ جامعةٌ"، ويؤكد الإمام الشَّهيد حسن البنا، مُؤسِّس الجماعة، في رسالته "الإخوان تحت راية القرآن": "طبيعة فكرتنـا أيُّها الإخوان المسلمون، بل أيُّها النَّاس أجمعون، لسنا حزبًا سياسيًّا, وإنْ كانت السِّياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعيَّةً خيريَّةً إصلاحيَّةً، وإنْ كان عملُ الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فِرَقًا رياضيَّةً، وإنْ كانت الرِّياضة البدنيَّة والرَّوحيَّة مِنْ أهم وسائلنا".

ويُضيف الإمام البنَّا: "لسنا شيئًا من هذه التَّشكيلات، فإنَّها جميعًا تبرِّرُها غايةٌ موضعيَّةٌ محدودةٌ لمدةٍ معدودةٍ، وقد لا يُوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئةٍ، والتَّحلِّي بالألقاب الإداريَّة فيها، ولكنَّنا أيَّها الناس: فكرةٌ وعقيدةٌ، ونظامٌ ومنهاجٌ، لا يحدده موضعٌ, ولا يقيده جنسٌ، ولا يقف دونه حاجزٌ جغرافيٌّ، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها, ذلك لأنَّه نظامُ ربِّ العالمين، ومنهاج رسوله الأمين، نحن أيها الناس- ولا فخر- أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" [ص: 88].

وتلك الفكرة الفريدة التي عرضها الأستاذ البنَّا الشَّاملة لمعاني دعوته الجديدة النَّابعة من تصوره لـ"كُنه" الفكرة الإسلاميَّة المُعتدِلَة الصَّحيحة التي تبنتها الجماعة، وفي المقابل يظن البعض أنَّ هناك حالة من التَّخبُّط الفكريِّ تُعاني منها الجماعة بين الدَّعويِّ والسِّياسيِّ، والإجتماعيِّ في مقابل الاقتصاديِّ، ولكن المتأمِّل في حقيقة الفكرة التي يحملها الإخوان يجدها متينةٌ قائمةٌ على المُؤسَّسيَّة يصعب اختراقُها.
ورغم علانية التَّشكيلات الإداريَّة للجماعة تقف الأجهزة الأمنيَّة المتربِّصة بها ضعيفةٌ وغير قادرةٍ على النَّيل من القواعد أو قيادات الصَّف الثَّاني والثَّالث، وهكذا على التَّوالي، فمعلومٌ لدي الجميع التَّقسيمات الإداريَّة للِّجان والأقسام، وكذلك شكل التَّسلسُل الهرميِّ للتَّشكيل الإداريِّ للجماعة ولكن تبقى العيون الأمنيَّة غير قادرةٍ على النَّيل من مقدرات الجماعة.
وتبقي تلك الضَّربات الأمنيَّة من الحين للآخر عشوائيَّةٌ وتصبُّ في النِّهاية لصالح الجماعة، كما حدث من مهازلٍ في عهد الرئيس الراحل جمال عبد النَّاصر في الخمسينيَّات والسِّتينيَّات الماضية، والرئيس حسني مبارك في العقود الثَّلاث الأخيرة.

وبالتَّأكيد على ذلك التَّصوُّر تنطلق رؤية الجماعة تجاه المجتمع وأنظمة الحكم والدولة فيه من إيمانها المطلق بأنَّه ليس في الدنيا نظامٌ يمد الأُمَّة النَّاهضة بما تحتاج إليه من نظمٍ وقواعدٍ وعواطفٍ ومشاعرٍ، كما يمد الإسلام بذلك كل أُمَمِه النَّاهضة.

و"يعتقد الإخوان المسلمون أنَّ الله تبارك وتعالى حين أنزل القرآن وأمر عباده أنْ يتبعوا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) ورضي لهم الإسلام دينًا، وضع في هذا الدِّين القويم كل الأصول والقواعد الَّلازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها، وذلك مصدقًا لقول الله تبارك وتعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" [الأعراف: من الآية 157]" (من رسالة إلى أيِّ شيءٍ ندعو النَّاس)

ولقد كون الإسلام بعطائه النَّظريِّ والعمليِّ على مرِّ العصور ذاتية الأُمَّة، وصاغ هويَّتَها، وبنى أساسيَّات القوانين النَّفسيَّة والعقليَّة والعمليَّة فيها؛ فعلى أساسه تتحدَّد تلك القوانين تلقائيًّا، وفي ضمير الكثرة الكاثرة من أبناء هذه الأمة، تتضح معايير: الحق والباطل، والخير والشَّر، والحسن والقبيح.

ولقد أثبت التَّاريخ أنَّ هذه المُقوِّمات النَّظريَّة التي جاء بها الإسلام أقامت دولاً مدنيةً وحضارةً إنسانيَّةً إسلاميَّةً مُؤسَّسيَّة أضاءت عصورًا عديدةً عرف فيها المسلمون دولة الحق والعدل والقانون، وعاش خلالها غير المسلمين يتمتَّعون بالمساواة في الحقوق والواجبات، وينعمون بحرِّيَّة الاعتقاد، وشيَّد المسلمون وغيرهم من مواطني دول الإسلام المُتعدِّدة بُناءً شامخًا ترجم المعاني التي جاء بها الإسلام واقعًا حيًّا لا يُقلِّل من قيمته ما شابه من فتراتٍ مُظلمةٍ كانت دائمًا انحرافًا عن قيم الإسلام من جانب بعض الحُكَّام في مجالات الحياة المختلفة خاصة في مجال الشورى


أقرأ المزيد...

حديث حول قضية ابو الفتوح وإخوانه .. ليس دفاعًا عن الإخوان المسلمين


بقلم محمد سعيد

مع تصاعُد حالة غضب الشَّارع الإخوانيِّ جرَّاء حملة الاعتقالات والمداهمات التي طالت عدد من رموز العمل الاصلاحيِّ الإخوانيِّ، وفي مقدمتهم الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب ارشاد جماعة الإخوان المسلمين، وأمين عام اتحاد الاطباء العرب، وعددٍ كبيرٍ آخرٍ من رموز وقيادات الجماعة، ومع ارتفاع نبرة المطالبات- وبخاصة الشَّبابيَّة منها- بضرورة التَّصعيد مع أجهزة الدَّولة والحزب الحاكم "لوقفهاعند حدها"، واحتذاء موقف الشَّباب الايرانيِّ الدَّاعم للمرشح الإصلاحيِّ الخاسر في الانتخابات الرَّئاسيَّة مير حسين موسوي ضد النِّظام الحاكم، فكان لابد من وقفةٍ مُتأنِّيَّة لبحث الأمر عن كثبٍ دون تهورٍ أو تسرعٍ.



في حديثٍ مع أحد المدونيِّين الاخوان ذكر أنَّ الكيل قد فاض به وبشباب الجماعة من حملات الاعتقال والمحاكمات المُلفَّقة التي تنتهي بمهزلةٍ دستوريَّة وقانونيَّة في أغلبها، متنقدًا أداء الجماعة الرَّسميِّ تجاه تلك الممارسات القمعيَّة، ورافضًا لتصريحاتها "الهزيلة" علي حد قوله، وهو الأمر الذي ردَّده عددٌ من شباب الاخوان وأعلنوه تارةً في المُنتديات وأخرى في المُدوَّنات أو في تصريحاتٍ صحفيَّةٍ.

واستمر الأخ المُدوِّن في الحديث معلنًا إعجابه بنموذج شباب المعارضة الايرانيَّة عقب الانتخابات الاخيرة بين موسوي ونجاد، والتي انتهت لصالح الأخير وسط اتهاماتٍ بالتزوير ووقوع مخالفاتٍ، مبديًا رغبته في تكرار تلك التَّجربة في مصر، وطامعًا في التَّعاطُف الحقوقيِّ والشَّعبيِّ العالميِّ لمظاهرات الإخوان في مصر، مؤكدًا أنَّ المظاهرات ستجوب شوارع العالم للدِّفاع عن شرفاء الاخوان، وأنَّ ساحات المواقع الاجتماعيَّة التَّفاعليَّة مثل (يو. تيوب) ستعج بصور شهداء الاخوان بيد الأمن المركزيِّ وجهاز أمن الدولة القمعيِّ الشبيه بالحرس الثَّوريِّ الايرانيِّ.

وبغضِّ النَّظر عن أراء شباب المُدوِّنيين وغيرهم من أبناء الحركة الاسلاميَّة المدعومة بحماسةٍ ورغبةٍ في التَّغيير وإحداث شكلٍ للجماعة يدافع عن هيبتها أمام تلك الملاحقات المتتاليَّة التي تضرب لا جدال عضَّدت جسم الجماعة المعارِضة الأولى في مصر والأكبر احتضانًا للفكرة الإسلاميَّة بمفهومها الأشمل عالميًّا، كان ولابد من إعادة تركيب الصُّورة من جديدٍ، ووضعها في إطارها الصَّحيح، بدلاً من ارتكاب حماقاتٍ قد تُدْخِل الجماعة في منعطفٍ، بل في نفقٍ مظلمٍ قد يُهدِّد مستقبلها وكيانها.

ومن بين هذه الملاحظات:

أولاً: من المبالغ فيه وصف النِّظام الحاكم وحزبه في مصر بأنَّه من الذَّكاء بمكانٍ أنْ يضعَ خُطَّةً متكاملةً لتحجيم الجماعة أو القضاء عليها نهائيًّا، خاصَّة وأنَّ المصالح والأهواء هي المُحرِّك الرَّئيسيِّ والفاعل في العقليَّة السِّياسيَّة له.

ثانيًا: الجماعة تُعاني من عددٍ من المشكلات بالفعل، منها ما هو إداريٌّ، ومنا ما هو ناتجٌ عن الضغوط الأمنيَّة، وأخرى نتيجة تقوقع الجماعة بعض الشَّيء داخل نفسها.

ثالثًا: أنَّ الجماعة تعي تمامًا أنَّها وحيدةٌ في مواجهة النِّظام الحاكم وعصاه الأمنيَّة بعد خذلان الأحزاب والحركات الوطنيَّة لها في مطالبتها بالحُرِّيَّة والدِّيمقراطيَّة، بل إنَّ الجماعة تعي أيضًا أنَّ النِّظام يستخدم هؤلاء كورقة ضغطٍ من حينٍ لآخرٍ على الجماعة مقابل تسهيلات مُعيَّنةٍ ومصالحٍ خاصَّةٍ كمقاعدٍ بمجلسَيْ الشَّعب والشُّورى أو جمعيَّات مجتمعٍ مدنيٍّ، أو فتح منابرٍ إعلاميَّة وصحفيَّة لهم لتوجيه ضرباتٍ فكريَّة للجماعة.

رابعًا: أنْ تعي الجماعة جيدًّا أنَّ التَّعويل على المجتمع الغربيِّ وخاصَّة الأمريكيِّ في تأييد موقفها الدَّاعم للحُرِّيَّة أمرٌ من رابع المستحيلات، وأنَّ ما جرى بإيران الشَّهر الماضي من حملات تأييدٍ أوروبيَّة وازدحام رواد مواقع الإنترنت إعجابًا بالثَّورة الشَّبابيَّة لأنصار موسوي كانت محاولة للضَّغط على إيران بقصد عمل هزَّةٍ لرؤوس الملالي، ولكسب أرضيَّة جديدةٍ في سجال المشروع النَّوويِّ الايرانيِّ المعترض عليه.

خامسًا: لابد الأخذ في الاعتبار أنَّ النِّظام الحاكم يريد من تلك الضَّربات الأمنيَّة بين الحين والآخر توجيه ضرباتٍ إجهاضيَّة لرموز الحركة بشكلٍ مُكثَّفٍ ومُركَّزٍ لإحداث نوعٍ من الحراك منبعه الغضب والخوف علي كيانها، وهو ما يُؤدِّي لارتكاب حماقاتٍ قد تَدْخُل الجماعة بسببها لنفقٍ مظلمٍ مثلما حدث في خمسينيَّات القرن الماضي.

سادسًا: على الجماعة أنْ "تُحاجي" في تلك الَّلحظة التَّاريخيَّة علي أبنائها، وأنْ تُحافظ عليهم، وتحتضنهم، وعلى قيادات الجماعة أنْ تعلم أنَّ بصفوف الحركة شبابٌ ورجالٌ قادرين على حمل المسئوليَّة بحرفيَّة واقتدارٍ.


أقرأ المزيد...

تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح