بقلم محمد سعيد
عادةً مع تزايُد الضُّغوط السِّياسيَّة والحماقات الأمنيَّة الرَّسميَّة ضد جماعة الإخوان المسلمين، يتزايد الحديث عن خطط الجماعة في مواجهة ذلك "العته" الحكومي، ومع تزايُد وقع تلك الضَّربات تتزايد اتهامات أبناء الحركة الإسلاميَّة لقيادات الجماعة بالتباطُؤ في ردِّ الفعل، ويصبح الحديث عن النَّهج السِّلميِّ المتدرِّج أمرًا "رتيبًا"، بل ممقوتًا في بعض الأحيان.
وقد يتبادر للأذهان في تلك اللحظة أنَّ شباب الجماعة قد زهدوا في العمل السِّلميِّ المجتمعي المُتدرِّج، ولكن سرعان ما تنكشف الغُمَّة، فيتأكَّد للجميع أنَّ ذلك المنهج هو الأفضل للتَّعامُل مع البطش الأمنيِّ حتي وإنْ كلَّفهم ذلك حريَّتَهم أو أموالهم أو أبعد من ذلك، "حياتهم".
ولكن مع إعادة النَّظر للصُّورة بشكلٍ أشملٍ وأوقع، وبتفكيك الصُّورة إلي جُزيَّئاتها الأولى، نجد أنَّ هناك أسبابٌ قويَّةٌ ساهمت في الحفاظ على كيان الجماعة وهيكلها الضخم، ليس فقط في مصر ولكن في أغلب الدِّول التي تتواجد بها الجماعة بقوةٍ وفاعليَّةٍ.
وبتجاوز وضْعَيْ الصومال والجزائر بالجماعة غير السَّويَّان، نجد أنَّ مبدأ المُؤسَّسية قد رسَّخ مبادئ ومعاني داخل عقول وأذهان أبناء الحركة، وأصبحت الَّلوائح ومبدأَيْ الثَّواب والعقاب، وفريق العمل، والنِّظام الدَّقيق، وقوَّة الأداء، والُّليونة والمرونة العمليَّة، بالإضافة إلى التَّطوُّر الفكريِّ المستمر لأبناء المُؤسَّسة الحركيَّة.
ولطالما كانت معاني الانضباط داخل الجماعة مرادفًا لمعاني المُؤسسيَّة، فلا نجد مثلاً دولة أو شركة أو حتي سوقًا غربيًّا ناجحًا، الإ وكان مبدأ "المُؤسَّسيَّة" هو حاكم أواصر تلك الكيانات، فكلِّ فردٍ فيها يعلم حقوقه وواجباته والدَّور المنوط به، مع حُرِّيَّته الكاملة في الانتقاد والنُّصح، وأيضًا الابتكار وفق الإطار الواسع الذي تُحدِّده أهداف المُؤسَّسة التَّابع لها.
وفي تعريف "المُؤسَّسة" يقول خبراء الإدارة أنَّها هي وحدةٌ أو كيانٌ يقوم بتقديم خدمةٍ ما، وتعتمد أساليب إداريَّة من أجل تحقيق هدفها بالكفاءة والفاعلية المطلوبتَيْن، كما أنَّها لا تنشأ من فراغٍ، بل تتأثَّر بالبيئة التي تعمل فيها وتمدَّها بالموارد، وهذه البيئة تضع عليها العديد من القيود في الوقت نفسه.
وتتكون المُؤسَّسة عادةً من الأفراد، والمجموعات، والتكنولوجيا، والهيكل التَّنظيميِّ الذي تُمارَس فيه بعض العمليَّات الإداريَّة، مثل التَّخطيط، والتَّنظيم، والتَّوجيه، والرَّقابة، والاتِّصال، واتِّخاذ القرار، والقيادة، وتتضمَّن العمليَّات التَّنظيميَّة تفاعُل الأجزاء وتداخلها لتحقيق الأهداف ضمن بيئةٍ أكبر، بعواملها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة والحضاريَّة المُختلفة، ومن الطَّبيعيِّ أنْ تؤثِّر التَّنظيمات في هذه البيئات وتتأثر بها إلى حدٍ كبيرٍ.
والمُتأمِّل في المشهد النَّبوي الشَّريف، يرى أنَّ الرَّسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، قد أرسى مبدأ المُؤسَّسيَّة كشكلٍ إداريٍّ اعتمد به في تشكيل مبادئ الدَّولة الإسلاميَّة الأولى بالجزيرة العربيَّة انطلاقًا منها، ولتسع العالم أجمع فيما بعد في عهد دولة الخلافة الرَّاشدة، ثم خلافة الأمويِّين والعباسيِّين، وانتهاء بالخلافة العثمانيَّة.
والمُلاحَظ أنَّ قواعد الدَّولة المدنيَّة التي تبنَّاها الإسلام كان التَّصوُّر الأكثر قبولاً لدي الغرب، عندما أراد أنْ يُعيد صياغة دولته وحضارته العشوائيَّة التي تمثَّلت أبشع صورها في العصور الوسطى، في مقابل دولةٍ زاهرةٍ في الشَّرق أحدثت نقلةً حضاريَّةً وفكريَّةً وعلميَّةً لم يكن لها نظير.
وعند الحديث عن مُؤسَّسيَّة الجماعة الأكبر والأكثر تأثيرًا في مُجريات السِّياسة المحلِّيَّة والدَّوليَة يكون الحديث مختلفًا، والوقفات أكثر تأنِّيًا، لرصد تلك الحالة الفريدة سياسيًّا وتنظيميًّا وفكريًّا.
وفي تعريف جماعة الإخوان المسلمين في أدبيات الجماعة: "هي مُؤسَّسةٌ إسلاميَّةٌ جامعةٌ"، ويؤكد الإمام الشَّهيد حسن البنا، مُؤسِّس الجماعة، في رسالته "الإخوان تحت راية القرآن": "طبيعة فكرتنـا أيُّها الإخوان المسلمون، بل أيُّها النَّاس أجمعون، لسنا حزبًا سياسيًّا, وإنْ كانت السِّياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعيَّةً خيريَّةً إصلاحيَّةً، وإنْ كان عملُ الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فِرَقًا رياضيَّةً، وإنْ كانت الرِّياضة البدنيَّة والرَّوحيَّة مِنْ أهم وسائلنا".
ويُضيف الإمام البنَّا: "لسنا شيئًا من هذه التَّشكيلات، فإنَّها جميعًا تبرِّرُها غايةٌ موضعيَّةٌ محدودةٌ لمدةٍ معدودةٍ، وقد لا يُوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئةٍ، والتَّحلِّي بالألقاب الإداريَّة فيها، ولكنَّنا أيَّها الناس: فكرةٌ وعقيدةٌ، ونظامٌ ومنهاجٌ، لا يحدده موضعٌ, ولا يقيده جنسٌ، ولا يقف دونه حاجزٌ جغرافيٌّ، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها, ذلك لأنَّه نظامُ ربِّ العالمين، ومنهاج رسوله الأمين، نحن أيها الناس- ولا فخر- أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" [ص: 88].
وتلك الفكرة الفريدة التي عرضها الأستاذ البنَّا الشَّاملة لمعاني دعوته الجديدة النَّابعة من تصوره لـ"كُنه" الفكرة الإسلاميَّة المُعتدِلَة الصَّحيحة التي تبنتها الجماعة، وفي المقابل يظن البعض أنَّ هناك حالة من التَّخبُّط الفكريِّ تُعاني منها الجماعة بين الدَّعويِّ والسِّياسيِّ، والإجتماعيِّ في مقابل الاقتصاديِّ، ولكن المتأمِّل في حقيقة الفكرة التي يحملها الإخوان يجدها متينةٌ قائمةٌ على المُؤسَّسيَّة يصعب اختراقُها.
ورغم علانية التَّشكيلات الإداريَّة للجماعة تقف الأجهزة الأمنيَّة المتربِّصة بها ضعيفةٌ وغير قادرةٍ على النَّيل من القواعد أو قيادات الصَّف الثَّاني والثَّالث، وهكذا على التَّوالي، فمعلومٌ لدي الجميع التَّقسيمات الإداريَّة للِّجان والأقسام، وكذلك شكل التَّسلسُل الهرميِّ للتَّشكيل الإداريِّ للجماعة ولكن تبقى العيون الأمنيَّة غير قادرةٍ على النَّيل من مقدرات الجماعة.
وتبقي تلك الضَّربات الأمنيَّة من الحين للآخر عشوائيَّةٌ وتصبُّ في النِّهاية لصالح الجماعة، كما حدث من مهازلٍ في عهد الرئيس الراحل جمال عبد النَّاصر في الخمسينيَّات والسِّتينيَّات الماضية، والرئيس حسني مبارك في العقود الثَّلاث الأخيرة.
وبالتَّأكيد على ذلك التَّصوُّر تنطلق رؤية الجماعة تجاه المجتمع وأنظمة الحكم والدولة فيه من إيمانها المطلق بأنَّه ليس في الدنيا نظامٌ يمد الأُمَّة النَّاهضة بما تحتاج إليه من نظمٍ وقواعدٍ وعواطفٍ ومشاعرٍ، كما يمد الإسلام بذلك كل أُمَمِه النَّاهضة.
و"يعتقد الإخوان المسلمون أنَّ الله تبارك وتعالى حين أنزل القرآن وأمر عباده أنْ يتبعوا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) ورضي لهم الإسلام دينًا، وضع في هذا الدِّين القويم كل الأصول والقواعد الَّلازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها، وذلك مصدقًا لقول الله تبارك وتعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" [الأعراف: من الآية 157]" (من رسالة إلى أيِّ شيءٍ ندعو النَّاس)
ولقد كون الإسلام بعطائه النَّظريِّ والعمليِّ على مرِّ العصور ذاتية الأُمَّة، وصاغ هويَّتَها، وبنى أساسيَّات القوانين النَّفسيَّة والعقليَّة والعمليَّة فيها؛ فعلى أساسه تتحدَّد تلك القوانين تلقائيًّا، وفي ضمير الكثرة الكاثرة من أبناء هذه الأمة، تتضح معايير: الحق والباطل، والخير والشَّر، والحسن والقبيح.
ولقد أثبت التَّاريخ أنَّ هذه المُقوِّمات النَّظريَّة التي جاء بها الإسلام أقامت دولاً مدنيةً وحضارةً إنسانيَّةً إسلاميَّةً مُؤسَّسيَّة أضاءت عصورًا عديدةً عرف فيها المسلمون دولة الحق والعدل والقانون، وعاش خلالها غير المسلمين يتمتَّعون بالمساواة في الحقوق والواجبات، وينعمون بحرِّيَّة الاعتقاد، وشيَّد المسلمون وغيرهم من مواطني دول الإسلام المُتعدِّدة بُناءً شامخًا ترجم المعاني التي جاء بها الإسلام واقعًا حيًّا لا يُقلِّل من قيمته ما شابه من فتراتٍ مُظلمةٍ كانت دائمًا انحرافًا عن قيم الإسلام من جانب بعض الحُكَّام في مجالات الحياة المختلفة خاصة في مجال الشورى











0 تعليقات:
Post a Comment