غزة- كارم الغرابلي
حذَّر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بتقريره الإستراتيجي الفلسطيني السنوي من الإفراط في التفاؤل، رغم المؤشرات الإيجابيَّة التي تصب في صالح القضيَّة الفلسطينيَّة، "إذ ما دام ضيّع الفلسطينيُّون والعرب العديد من الفرص؛ استطاع الخصوم والأعداء توظيف الظروف المستجدة لصالحهم".
التَّقرير هو الرابع للمركز، تحت عنوان: "التَّقرير الإستراتيجي الفلسطيني لسنة 2008م"- وقام بتحريره الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينيَّة والمدير العام للمركز محسن محمد صالح-، ويعالج القضيَّة الفلسطينيَّة خلال سنة 2008م بالرصد والاستقراء والتحليل، كما يقدِّم توقعات لمسارات الأحداث خلال سنة 2009م، ويدرس الأوضاع الفلسطينيَّة الداخليَّة والمؤشرات السكانيَّة والاقتصاديَّة، والأرض والمقدسات.
ويناقش التَّقرير كذلك العلاقات الفلسطينيَّة العربيَّة والإسلاميَّة والدوليَّة، كما يناقش الوضع الصهيوني وعمليات المقاومة ومسار التَّسوية.
ومما جاء في التَّقرير أن الانقسام الفلسطيني والضعف العربي والإسلامي انعكس على مجمل مسار القضيَّة الفلسطينيَّة خلال سنة 2008م، وأن مسارات الأحداث والظروف الموضوعيَّة والعوامل الفاعليَّة في المنطقة لا توحي بإمكانيَّة حدوث تغييرات جديدة في سنة 2009م.
والتَّقرير موثق علميًّا، ومدعم بعشرات الجداول والإحصائيات والرسوم التوضيحيَّة، ويتميز بأن معلوماته محدثة حتى نهايَّة 2008م، وبأنه من إعداد ومراجعة مجموعة من الأساتذة المتخصصين.
وبحسب مركز الزيتونة، فإن التَّقرير بات مرجعًا أساسيًّا في الدراسات الفلسطينيَّة لما تحمله مادته ذات الطبيعة المرجعيَّة من أهميَّة لأساتذة وطلاب الجامعات ولكافة الباحثين والمتخصصين والمهتمين بالشأن الفلسطيني.
الوضع الفلسطيني:
ومما جاء في التَّقرير أن الوضع الفلسطيني الداخلي اتسم العام الماضي باستمرار الانقسام وتكريسه بين حركتي فتح وحماس؛ حيث كان انعكاسًا لخلاف سياسي عميق، واختلافًا بين رؤيتين في طريقة تناول المشروع الوطني، فيما لم تتمكن الحركتان حتى الآن من التوافق على قضايا جوهريَّة مرتبطة بمساري التَّسوية والمقاومة، وبالاعتراف بـ"الكيان الصهيوني" و"حقها" في الأرض المحتلة سنة 1948م، وقد يطول الأمر بانتظار أن تتوافق الرؤيتان، أو أن يُحسم الأمر لأحدهما.
وسلط التَّقرير الضوء على حكومتي فياض وهنيَّة، فقد أشار إلى أن حكومة فياض تابعت عملها في إدارة السلطة الفلسطينيَّة في الضفة الغربيَّة بدعم من الرئيس عباس، وبغطاء ضمني (وربما على مضض) من حركة فتح، مستفيدة من الاعتراف العربي والدولي بها.
ويشير التَّقرير إلى أن حكومة فياض تناغمت مع اتفاقات أوسلو واستحقاقات خريطة الطريق، وأعادت التنسيق الأمني مع الصهاينة، وفتحت للجنرال الأمريكي كيث دايتون Keith Dayton المجال لما يسمى "تطوير وبناء" أجهزتها الأمنيَّة، بما يتوافق واستحقاقات خريطة الطريق، ومتطلبات الدور الأمني لإدارة الحكم الذاتي، فكفَّت يد الفلسطينيين، ولاحقت المقاومة؛ لكنها لم تنجح في الحصول على أدنى تعهد من الصهاينة بكفِّ أيديهم عن الاستيطان، ومصادرة الأراضي والتهويد والاعتقالات والاغتيالات.
وشدَّد التَّقرير إلى أن حكومة إسماعيل هنيَّة وحماس في قطاع غزة عاشت بين خيارين أحلاهما مر؛ إما الحصار والموت البطيء، أو السقوط والتهميش، وربما الاجتثاث إذا ما قدِّر لبرنامج أوسلو وخارطة الطريق أن تعود لإدارة القطاع.
وسلكت حكومة حماس دهاليز سنة 2008م بين الاستعداد العسكري لمواجهة العدوان الصهيوني المتوقع، وبين ثقل المسئوليَّة إزاء حياة الناس، وتوفير حياة كريمة لهم، ولم تكن ترى في تنازلها عن إدارة القطاع مجرد عمليَّة سياسيَّة اعتياديَّة، فقد ارتأت في الحصار الاقتصادي والسياسي وسيلة لكسر الإرادة والتركيع، وفرض الشروط الصهيونيَّة والأمريكيَّة على الشعب الفلسطيني.
وكان نجاحها يتمثل في قدرتها على البقاء في ظروف تكاد تكون مستحيلة، ويدفع ثمنها، حصارًا ودمارًا، نحو مليون ونصف فلسطيني. وكان استمرارها في التسلح والإعداد لمواجهة الاجتياح الصهيوني دليلاً على إصرارها على الصمود، وإنجاح خطّ المقاومة الذي تتبناه.
الحرب والحصار:
وشكلت الحرب الأخيرة على قطاع غزة رافعة شعبيَّة وسياسيَّة وإعلاميَّة لحماس وحكومتها ولتيار المقاومة، على الرغم من القتل والدمار الذي أحدثته.
وشدد التَّقرير إلى أن صمود المقاومة وبسالتها والتفاف الجماهير العربيَّة والإسلاميَّة حولها؛ أسهم في وجود حالة إحباط لدى الأعداء والخصوم من إمكانيَّة إسقاط حماس واجتثاثها، ودفع باتجاه الحوار لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
وهو حوار ما تزال العديد من عوامل تعطيل إنجاحه قائمة في المدى المنظور، مما يستدعي إصرارًا كبيرًا، ومسئوليَّة عاليَّة، وتقديمًا للمصالح العليا للشعب الفلسطيني على الضغوط الخارجيَّة، وعلى المصالح الشخصيَّة والحزبية.
صراع الشرعيات بين حكومتي هنيَّة وعباس كان الحدث الأبرز على الساحة الفلسطينية؛ حيث أصبحت شرعيَّة الرئيس عباس مع نهايَّة عام 2008م نفسه محط تساؤل إذ إن حماس التي كانت تعترف به رئيسًا، اعتبرت أن ولايته تنتهي في 2009/1/8م؛ وهو ما عقَّد الوضع الداخلي الفلسطيني، وإن كانت حماس فضَّلت ألا تدخل في مرحلة "كسر عظم" جديدة، بسبب الظروف التي رافقت العدوان الأخير على القطاع، وبسبب أجواء المصالحة الوطنيَّة التي تلته.
وتشير أزمة "الشرعيات" حسب التَّقرير بوضوح إلى مدى الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، ووضع ذلك على رأس أولويات العمل الوطني.
وأشار التَّقرير إلى أن فقدان الاتجاه وضياع البوصلة في قيادة المسار الوطني الفلسطيني، وتعارض برنامجي القيادة في كلٍّ من رام الله وغزة أدَّى إلى محصلة صفريَّة، جعلت المشروع الوطني الفلسطيني يدور، كما أن حالة "التيه" التي عانى منها الوضع الداخلي الفلسطيني طوال سنة 2008م ألقت بظلالها على الحوار بين فتح وحماس.
وتحدث التَّقرير عن فشل حركة فتح على الرغم من محاولاتها الجادة في عقد مؤتمرها السادس بعد 19 عامًا من الانتظار؛ حيث ظلّت تعيش أزمتها الداخليَّة التي نقلتها معها إلى السنة التاليَّة، والتي ستظلّ فيها عناصر التأجيل والتعطيل فاعلة خلال سنة 2009م، ما لم تتحقق معادلة "سحرية" تتعامل مع الاعتبارات السابقة، وتراعي مصالح اللاعبين الكبار والتيارات الفاعلة في الحركة.
الوضع الصُّهيونيِّ الدَّاخلي:
وتحدث التَّقرير باستفاضة عن الوضع الداخلي الصهيوني في عام 2008م، وتأثير ذلك على الجانب الفلسطيني؛ حيث أشار إلى أن الكيان شهد تغيرًا بارزًا في هرم القيادة السياسيَّة، بعد أن دفعت فضائح الفساد المالي رئيس حزب "كاديما" الحاكم ورئيس الوزراء إيهود أولمرت إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، وانتُخبت وزيرة الخارجيَّة تسيبي ليفني خليفةً له.
غير أنها لم تنجح في تشكيل ائتلاف حكومي جديد؛ مما دفع باتجاه انتخابات تشريعيَّة مبكرة مطلع سنة 2009م، وقد أثبتت تلك الانتخابات تزايد شعبيَّة قوى اليمين الصهيوني بقيادة حزب الليكود، انسجامًا مع ما أظهرته استطلاعات الرأي العام خلال سنة 2008م، وهو ما يعني مزيدًا من التعثر في مسار التَّسوية السلميَّة، ومزيدًا من مشاريع الاستيطان والتهويد، والضغط على الفلسطينيين.
وأشار التَّقرير إلى تراجع منحنى الهجرة اليهوديَّة ليصل عدد المهاجرين إلى "الكيان" إلى نحو 14 ألفًا سنة 2008م؛ مما يعني أن الهجرة في هذه السنة انخفضت بنسبة 30.5% عن سنة 2007م، والتي بلغ عدد المهاجرين فيها نحو 20 ألفًا.
وتوقع التَّقرير استمرار المنحنى السلبي للهجرة اليهوديَّة في سنة 2009م، وذلك بسبب نضوب مصادر الهجرة اليهوديَّة، وتفاقم المشاكل الاقتصاديَّة والأمنيَّة فيها.
وشهد المستوى الاقتصادي الصهيوني عام 2008 نموًا بلغ 6.3%، وناتجًا محليًّا بلغ 199.5 مليار دولار، فيما ارتفع دخل الفرد الصهيوني إلى 27,300 دولارًا سنة 2008م، بعد أن كان 22,800 دولارًا سنة 2007م.
وبدت آثار الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة واضحةً في الاقتصاد الصهيوني نهايَّة سنة 2008م، وتمثلت في التراجع الحاد للصادرات وعائدات الضرائب، فضلاً عن تراجع كبير في الاستهلاك الخاص، كما أدت الأزمة إلى توقف معدلات التوظيف عن الارتفاع، ومقابل ذلك فقد تدنت الأجور، وارتفعت مستويات البطالة.
وعلى المستوى العسكري أوضح أن المؤسسة العسكريَّة الصهيونيَّة سنة 2008م بقيت تعيش تداعيات حربها على لبنان في صيف 2006م؛ حيث حاولت المؤسسة العسكريَّة استخراج مجموعة الدروس والعبر من حرب لبنان الثانيَّة، التي جعلت النظريات العسكريَّة وأساليب الأداء الميداني موضع مراجعة.
الوضع العربي:
وفيما يتعلَّق بالقضيَّة الفلسطينيَّة والوضع العربي أشار إلى استمرار العجز العربي الرسمي، وعدم التأثير على مجريات أحداث القضيَّة الفلسطينية؛ من فكِّ الحصار وفتح المعابر في قطاع غزة، إلى الفشل في الضغط على "الكيان" لتوافق على مبادرة السلام العربيَّة، ووقف الاستيطان، وإقامة الدولة الفلسطينيَّة المستقلة، التي كان الرئيس السابق جورج بوش قد وعد بقيامها قبل نهايَّة العام، وانتهاءً بالتدخل لتحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينيَّة وحركة حماس.
وأكد التَّقرير أن العلاقات (العربية- العربية) تأثرت بالخلافات بين فتح وحماس، وانعكس ذلك على ما يُعرف بمعسكري "الاعتدال" و"الممانعة".
موقف العالم الإسلامي لم يكن أحسن حالاً على حافظ على الوتيرة نفسها، فيما يتعلق بدعم القضيَّة الفلسطينية؛ حيث استمرت المواقف والتصريحات المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني، والرافضة للانتهاكات الصهيونيَّة بحقه، إلا أن التفاعل مع القضيَّة على الصعيد السياسي والاقتصادي بقي دون المستوى المطلوب، وفشلت تلك الدول مجددًا في امتلاك أدوات التأثير فيما يتعلق بوقف العدوان على القطاع، أو كسر الحصار المفروض عليه، أو حتى في إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني.
ولم يسجل أي إنجاز لمنظمة المؤتمر الإسلامي للشعب الفلسطيني خلال سنة 2008م، وخصوصًا فيما يتعلق برفع الحصار عن القطاع وفتح معبر رفح، على الرغم من مواظبتها على التعبير عن قلقها تجاه الأوضاع الإنسانيَّة في قطاع غزة، وإدانتها لمختلف الانتهاكات الصهيوني.
الموقف الدَّولي:
وأشار التَّقرير إلى عدة عوامل دفعت باتجاه وقوع القضيَّة الفلسطينيَّة في حالة "ركود نسبي" على المستوى الدولي في سنة 2008م، وخصوصًا من جهة الولايات المتحدة التي انشغلت بانتخابات الرئاسة، وما رافقها من حملات انتخابيَّة محمومة، كما انشغلت بالأزمة الماليَّة الكبرى وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، واستنفدت الكثير من جهودها لخلخلة أوضاعها في المستنقعين العراقي والأفغاني.
ولكن على الرغم من هذه الانشغالات، فقد نشطت إدارة بوش نسبيًّا، وقياسًا بالسنوات السابقة، بمحاولة إحداث اختراق في مسار التَّسوية؛ حيث إن أي نجاح في هذا المجال كان سيعزز فرص الجمهوريين الانتخابيَّة، ولذلك كثرت زيارات وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة كوندليزا رايس وغيرها للمنطقة، والتي بلغت لرايس ثماني مرات خلال سنة 2008م.
ومن جهة أخرى؛ فإن الانقسام الفلسطيني، وعدم مقدرة الرئيس أبو مازن وحكومة السلطة في رام الله على تقديم إجابات مقنعة بإمكانيَّة التحدث باسم الفلسطينيين، والمضي قدمًا في عقد اتفاقيات تسويَّة يقبلها الفلسطينيُّون وتكون قابلة للتنفيذ، كان عنصرًا سلبيًّا في عدم تشجّع الدول الكبرى والمؤثرة في الدفع الجاد بمسيرة التَّسوية.
ثم إن وقوع حكومة حماس في قطاع غزة تحت الحصار، ودخولها في تهدئة لمدة ستة أشهر، قد أسهم في خفض حالة التوتر، ودفع القوى الدوليَّة للانشغال بملفات أخرى، بانتظار ظروف أفضل للتسويَّة يكون فيها حكم حماس قد ضعف أو سقط.
وكان انتخاب أوباما دليلاً على فشل سياسة إدارة بوش في الشرق الأوسط، غير أن آليات صناعة القرار المعقدة في الولايات المتحدة، وطبيعة الفريق الذي شكَّله أوباما للتعامل مع الملف الفلسطيني وملفات المنطقة، وسلوكه في الأشهر الأولى للحكم، لا توحي بإمكان حدوث تغييرات جديَّة في السياسة الأمريكيَّة، تؤدي للضغط على الصهاينة بما يكفي لتحصيل الحد الأدنى من المطالب الفلسطينيَّة، على الرغم من وجود لهجة أمريكيَّة أكثر إيجابيَّة وأكثر تفهّمًا للقضايا العربيَّة والإسلامية.
ومما جاء في خاتمة التَّقرير أن الانقسام الفلسطيني والضعف العربي والإسلامي انعكس على مجمل مسار القضيَّة الفلسطينيَّة خلال سنة 2008م، وأن مسارات الأحداث والظروف الموضوعيَّة والعوامل الفاعليَّة في المنطقة لا توحي بإمكانيَّة حدوث تغييرات جديدة في سنة 2009م.
وحذَّر التَّقرير من الإفراط في التفاؤل، رغم المؤشرات الإيجابيَّة التي تصب في صالح القضيَّة الفلسطينيَّة، "إذ ما دام ضيّع الفلسطينيُّون والعرب العديد من الفرص؛ استطاع الخصوم والأعداء توظيف الظروف المستجدة لصالحهم".











0 تعليقات:
Post a Comment