هرجيسا- رمضان محمد
لا تعتبر الحرب الأهليَّة والتمزقات السياسيَّة والقبليَّة هي الشيء الوحيد الذي يتهدد الصُّومال، هذا البلد العربي المسلم الذي كان من أجمل الأوطان في العالم العربي والإسلامي، بل إنَّ الصُّومال ومستقبله تتهدده العديد من المخاطر التي قد تمنع استعادته لاستقراره ووحدته، وهو الاتجاهات المتزايدة لدى بعض الكيانات داخل الصُّومال لتعضيد انفصالها عن جسد الدولة الأم، ومن بينها ذلك الكيان المعروف باسم جمهوريَّة أرض الصُّومال أو "صومالي لاند".
ومحطتنا الرئيسيَّة في هذا التَّحقيق هو مدينة هرجيسا، التي كانت العاصمة الثانيَّة للبلاد أيام الحكومة المركزية، ولكنها أصبحت اليوم عاصمة جمهوريَّة صومالي لاند التي أعلنت انفصالها و"استقلالها" عن باقي الصُّومال في الأقاليم الشَّماليَّة منه، وازادت مساحتها وكثرت مبانيها وازدحمت شوارعها، وأصبحت تضم مقرات لشركاتٍ تجاريَّة عاملةٍ في البلاد، وملتقىً لمؤسسات خيريَّة عديدةٍ، والكثير من المنظمات العالمية.
الإنتخابات على الأبواب:
ومن ضمن مظاهر غياب الدولة المركزيَّة في الصُّومال، تستعد جمهوريَّة أرض الصُّومال أو "صومالي لاند" التي لم يعترف بها أحد للآن، هذه الأيام لإجراء انتخاباتٍ رئاسيَّة وبرلمانيةٍ، وذلك على الرغم من وجود حكومةٍ مركزيَّة في مقديشو، يقودها الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد، وجاءت إلى الحكم بعد عمليَّة تفاوضيَّة قادتها الأمم المتحدة في جيبوتي المجاورة.
ويتنافس في هذه الانتخابات ثلاثةُ أحزابٍ سياسيةٍ، وهي حزب "أدب" الحاكم، وحزب "كلمية"، وحزب "أعد" المعارضَيْن.
وقد أدت عمليَّة جيبوتي إلى تشكيل برلمانٍ انتقاليٍّ في البلاد، انتخب شيخ أحمد رئيسًا، والذي اختار بدوره عمر عبد الرشيد شارماركي رئيسًا لحكومةٍ اتنقاليَّة مثلت مختلف ألوان الطيف السياسي والقبلي في البلاد.
وتملاً الدعايات الإنتخابيَّة الآن شوارع الأقاليم الشَّماليَّة للبلاد، مع وصول العمليَّة الانتخابيَّة إلى أشدها هناك.
وأصدرت اللجنة المركزيَّة للانتخابات في "صومالي لاند" الخميس الماضي قائمة بأسماء الناخبين، وأُعْلِنَت في جميع أنحاء الجمهوريَّة الانفصالية، وظهر الخلاف بين الأحزاب الثلاثة الرئيسيَّة المشاركة في هذه الانتخابات إزاء القوائم الانتخابية؛ حيث رفضها الحزب الحاكم فيما وافق عليها الحزبان المعارضان.
وأعلن رئيس هذا الكيان غير الشرعي، ويدعى طاهر ريالي كاهن رفض الحكومة لهذه القوائم، واتهم ريالي ممثلي الدول المانحة بالخيانة والعمل على تحريض أحزاب المعارضة على الحزب الحاكم والحكومة، وأعلن أن الانتخابات لن تتم على أساس هذه القوائم.
أزمةٌُ سياسيةٌُ:
في المقابل أعلن حزبا "كلمية" و"أعد" المعارضان ومعهم ممثل من الدول المانحة وخبير في الانتخابات موافقتهم على القوائم الانتخابية، وردت الحكومة بطرد ممثلي الدول المانحة ومسئولي هيئة "إنتر بيس"، وهي الهيئة الممولة لمشروع إعداد القوائم الانتخابيَّة في كيان "صومالي لاند" الانفصالي.
آما رئيسا مجلسي الشيوخ والنواب في هذا الكيان، فقد أصدرا بيانًا أيدوا فيه نتيجة الحصر الذي قامت به مؤسسة "إنتر بيس" واللجنة الانتخابيَّة لتسجيل الناخبين، والتي صُرِفَت عليها أموالٌ طائلةٌ، والاعتماد عليها في الانتخابات، وحذرا من تأجيل الانتخابات مرة أخرى.
وفي هذه الأجواء قام (إخوان أون لاين) بمتابعة آراء المواطنين في مدينة هرجيسا حول هذه الخلافات، وسأل مراسل الموقع عددًا من سكان المدينة عن موقفهم من إجراء الانتخابات، وأيد أكثريتهم إجراء الإنتخابات في موعدها المحدد في 27 سبتمبر المقبل، وعلى أساس بنتيجة تسجيل الناخبين التي اعترضت عليها الحكومة.
أما فيما يتعلق بالأوضاع الأمنيَّة المتدهورة في باقي أنحاء الصُّومال، فقد دعا المواطنين في شمال الصُّومال من وصفوهم بـ"العقلاء" لدى فرقاء الأزمة في البلاد، إلى التمسك بخيارات الحل السلمي للأزمة، والعودة إلى توحيد أرجاء البلاد الممزقة، إلا أنَّ عددًا من هؤلاء رأوا أنَّه لو لم تهدأ الأوضاع في باقي أنحاء البلاد، فإنهم يفضلون خيار الانفصال، حتى لا يعانون من ذات الأوضاع الإنسانيَّة المتدهورة في الصُّومال.
المواطن الصُّومالي محمد طيري أعرب عن مخاوفه من الأزمة السياسيَّة الراهنة في "صومالي لاند"، وقال لمراسل الموقع: "أتمنى من الله أنْ تهدأ الأمور، ولا تتحول هنا إلى وضعٍ مشابهٍ لما يجري في الجنوب".
وأضاف طيري بالقول: "لا نحب أنْ ننفصل عن الوطن الأم، لكن هل من المنطق أنْ نرفض وضعًا مُستقرًّا وندخل في وضعٍ أمنيٍّ غير مستقرٍّ"، وقال إنَّه يتمنى أنْ يرى السلام يعم جميع أنحاء الصُّومال.
أمين الحاج عمر، وهو مواطنٌ مسنٌّ من شمال الصُّومال، قال إنَّه فضل الإقامة في "صومالي لاند" لأن "الأمن مستتب" و"يجد قوت اليوم"، ولكنه أعرب عن عدمن رضائه عن وجحود فوصل وحدود ما بين أبناء البلد الواحد.
خلفياتٌ وحدويَّةٌُ:
و"صومالي لاند" كيانٌ يضم الأقاليم الشَّماليَّة من الصُّومال الكبرى، والتي توحدت مع الأقاليم الجنوبيَّة بعد الاستقلال مباشرة في العام1960م عن الاستعمار الإيطالي والبريطاني للصومال الكبرى، وكان الشَّماليون متحمسون للوحدة آنذاك.
وعندما استقلت الأقاليم الشَّماليَّة عن الاستعمار البريطاني في 26 يونيو من العام 1960م، شغف الشَّماليون باستقلال الجنوبيون عن الاستعمار الإيطالي، والذي تم في يوم 1 يوليومن العام نفسه، أي بعد أربعة أيامٍ من استقلال الشَّمال، وكان الشَّماليون ينتظرون استقلال إخوانهم الجنوبيين للتوحُّد معهم، والسعي لاستكمال تحرير البقيَّة الباقيَّة من الأقاليم الخمسة للصومال الكبرى.
وأصيح يوم 1 يوليو عام 1960م، يوم تجمعت فيه مناسبتا الاستقلال والوحدة بين الإقليمَيْن الشَّمالي والجنوبي، من الأجزاء الخمسة للصومال الكبرى، والتي كانت الحركات التحرريَّة تسعى إلى تحقيقه، وأصبحت مقديشو العاصمة كما أصبحت هرجيسا العاصمة الثانيَّة للبلاد.
إلا أنه بعد أنْ انهارت الحكومة المركزيَّة الصُّوماليَّة عام 1991م، أعلن الشَّماليون إستقلالهم عن بقيَّة الصُّومال، وتراجعوا عن مشروع الوحدة مع الصُّومال الجنوبي، ولكنهم لم يحصلوا على الاعتراف الدولي بهم.
وبعد اشتعال الأوضع في وسط وجنوب الصُّومال، وفر الشَّماليون للجنوبيين الفارين من نيران الحرب، والذين لا يستطيعون العيش خارج الصُّومال، المأوى ورحبوا بهم، موفرين لهم فرص العيش حتى حين!!











0 تعليقات:
Post a Comment