الشَّارع السِّياسيِّ قبل الانتخابات التَّشريعيَّة.. "شبح التَّوريث"!!


بقلم: محمد سعيد

بات من المؤكد مع اقترب موعد انتخابات مجلس الشعب المصري نهاية العام القادم، والتي يسبقها انتخابات مجلس الشورى، الَّلذَيْن صار لهما تأثيرٌ كبيرٌ عقب التعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة في عامي 2005م، و2007م، أنَّ معالم التَّوريث وإجراءات تسليم السُّلطة لنجل الرئيس حسني مبارك الأصغر جمال مبارك أمين السياسات في الحزب الوطني الحاكم، باتت أمرٌ شبه محسومٍ من وجهة نظر الكثير من المراقبين.

وقال هؤلاء إنَّ معالم التَّوريث تزداد تأكيدًا، مع تصريحات مبارك الغامضة خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة بشأن مستقبل الأوضاع في مصر في مرحلة ما بعد حكمه؛ حيث لم يذكر ردًّا قاطعًا ينفي فيه أو يؤكِّد هذا الأمر.
ومع استمرار الوضع السِّياسيِّ المتدهور في مصر، تحاول القوى السِّياسيَّة والاحزاب لململة أوراقها سريعًا قبيل انتخابات مجلس الشَّعب المقررة في خريف العام القادم 2010م، والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى منتصف العام نفسه، ويظل شبح التَّوريث ماثلٌ أمام عينيها، فكلُّ فصيلٍ يحاول إعادة ترتيب أوراقه قبل تلك الَّلحظة الحاسمة.
الإخوان والمُعضلة الأمنيَّة
والأمر الَّلافت للنَّظر في ظلِّ الحملة الأمنيَّة الشَّرسة على جماعة الإخوان المسلمين، وتزايُد حدَّة الهجمات في محاولةٍ "لقصقصة الرِّيش والتَّعطيل والإلهاء" الجماعة عن عمليَّة تمرير السُّلطة باعتقال ثلاثةِ من أعضاء مكتب إرشادها، وهم: الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدُّكتور أسامة نصر، والدُّكتور محمود حسين، فضلاً عن سجن النَّائب الثَّاني لمرشدها العام المهندس خيرت الشاطر وعضو مكتب الإرشاد الدُّكتور محمد علي بشر ضمن المحكمة العسكريَّة الأخيرة، والتي صدر فيها الحكم في ابريل من العام 2007م.
زد علي ذلك احتجاز العشرات من مسئولي المكاتب الإداريَّة والقطاعات ومسئولوا الِّلجانٍ الفنِّيَّة المُتخصِّصة من العناصر المُؤثِّرة داخل الجماعة.
ومع تصاعد وتيرة الأحداث الدَّاخليَّة والخارجيَّة، وتنامي حدَّة الضَّربات الأمنيَّة وجدت جماعة الإخوان نفسها وحيدةً في الشَّارع السَّياسيِّ، فالكلُّ تخلَّى عنها سواء الأحزاب أو الحركات والتَّجمُّعات السِّياسيَّة الأخرى، ووصل الأمر إلى درجة وكأن الإخوان "فيروس" يجب الابتعاد عنه خشية الإصابة بمرضٍ معدٍ لا يُشفَى منه إلا بالاعتقال والمحاكمات والتشويه.

ورغم المحاولات الحثيثة للإخوان للملمة الجماعة السِّياسيَّة وجمعها تحت رايةٍ واحدةٍ تستطيع من خلالها مواجهة البطش والعسف الحكوميِّ الذي طال الشَّعب المصريِّ، صغيره قبل كبيره، سواء المشتغلين بالعمل العام، السِّياسيِّ والإجتماعيِّ، أو الممتنعين عن الخوض فيه، كان الصَّد وأصابع الاتِّهام تُوجَّه إليهم بمحاولة تكوين تجمُّعٍ سياسيٍّ تُواجِه الجماعة به الحكومة من خلف السِّتار!
واستمرارًا لأزمة الإخوان، نجدها هي الأخرى تُثير لغطًا وشكوكًا حول مشروعها السِّياسيِّ والفكريِّ من خلال تصريحات أو كتابات يعتقد كثيرٌ من الباحثين أنَّه أمرٌ مقصودٌ من قيادات الجماعة، لتبقى في الصُّورة السِّياسيَّة والإعلاميَّة، بدلاً من حملات الإبعاد والتَّهميش، وهو ما تقوم الجماعة بمعالجته من خلال العمل الشَّعبيِّ الاجتماعيِّ، الذي يمحو تلك الحملات التَّشويهيَّة، وباستغلال القناعة العامَّة لدى الشَّعب، والتي تقول إنَّ الطَّرف الذي تقوم الحكومة بتشويهه من الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة، يكون هو على الحق، وأنَّ الحكومة خائفةُ منه ومن قوته.
ورغم حملة الاعتقالات والمُحاكمات والتَّشويه التي يُمارسها النِّظام الحاكم عبر أداته الأمنيَّة، تُصرُّ الجماعة على خوض الانتخابات، وإنْ كانت التَّجرُبة تلك المرَّة مشوبةٌ بالحذر بعد أحداث التَّزوير واسعة النِّطاق لانتخابات المحلِّيَّات والتَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى الأخيرتَيْن، بل إنَّ هناك أصواتًا تُنادي بعدم خوض تلك التَّجرُبة مرةً أخرى، وخاصة بعد التَّقدُّم الكبير الذي أحرزته الجماعة في انتخابات مجلس الشَّعب عام 2005م.
فببساطة فإنَّ النِّظام الحاكم لن يسمح بتكرار تلك التَّجرُبة التي وضعته في مآزقٍ قانونيَّةٍ وسياسيَّةٍ كبيرةٍ، بعدما أظهرته بأنَّه خارجٌ على الإرادة الوطنيَّة التي مثَّلها نوَّاب الإخوان والمُعارضة المائة بمجلس الشَّعب.
ومع استمرار تأكيد الجماعة عبر تصريحات سياسيِّيها وقياداتها بعزم الجماعة عللى خوض أيِّ انتخاباتٍ، فهناك مؤشراتٌ تقول إنَّ الجماعة لن تُشارك في انتخابات التَّجديد النِّصفيِّ لمجلس الشُّورى مُنتصف العام القادم، حفاظًا على أفرادها من الاعتقال، ولتوفير جهودها لمعركة انتخابات مجلس الشَّعب نهاية العام نفسه.
حزب التَّوريث
وفي المقابل، تظل الخلافات وشبح التَّوريث مُسيطران على أداء الجانب الآخر من المعادلة السِّياسيَّة في مصر، وهو الحزب الوطنيُّ الحاكم، وأصبح الحديث عن خلافة الرَّئيس مبارك هو الموضوع الأساسيُّ بصالون الحزب.
وأصبح الحديث السَّائد بشأن الأوضاع الموجودة في الحزب يتلخَّص في صراعٍ بين الحرس القديم والذي يمثله كمال الشاذلي القيادي بالحزب وصفوت الشَّريف أمين عام الحزب، وفي مقابله "طقم" أصدقاء نجل الرئيس في مقدمتهم المهندس أحمد عز أمين التَّنظيم والمسئول الأساسيِّ عن تنفيذ الكثير من خطط الحزب، والدكتور محمد كمال أمين العضويَّة، بينما يظل الدُّكتور مفيد شهاب محتفظًا بدور "المحلل والتَّرزي" القانوني للحزب ولسياسته، ومعه الدُّكتور عليُّ الدِّين هلال أمين الإعلام كوجهٍ "ظريفٍ" على شاشات التِّلفاز والحلقات النَّقاشيَّة.
ولعل مشهد الاستقالات الجماعيَّة التي شهدتها الانتخابات الدَّاخليَّة للحزب، والتي أُجْرِيَت مؤخرًا، كشف عن خلافاتٍ كبيرةٍ بين عناصر الحزب، بمحاولة كل فردٍ الحصول علي أكبر قطعةٍ من "الكعكعة"، ولكن تدخُّلات المهندس عز لتمرير أشخاصٍ بعينهم لتولِّي مناصب الأمانة العامَّة، وأمانة المحافظات، فجرَّت الخلافات بين أعضاء الحزب، وصل لحد تحرير محاضرٍ بأقسام الشُّرطة!
وهو الأمر الذي سينعكس بالضَّرورة على اختيارات الحزب لمُرشَّحيه في الانتخابات التَّشريعيَّة القادمة، وستتكرَّر كالعادة أزمة التَّرشيحات، وسيتقدَّم الآلاف من المُرشَّحين بصفةِ مستقلٍّ، وسيقوم الحزب بفصلهم وعند نجاحهم بالتَّزوير والعصا الأمنيَّة، سيقوم الحزب بضمِّهم مرةً أخرى بدعوى "وحدة الصَّف" و"العفو والصَّفح عن أبنائه الغاضبين".
كفاية والأحزاب.. ماضي!!
نأتي إلى الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"- كنموذجٍ للحركات الشَّعبيَّة البديلة التي تكاثرت في مصر في الفترة الأخيرة- هي الأخرى في حالٍ يُرثى له بعد وفاة زعيمها الرَّوحي المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري، وتنحِّي الدُّكتور عبد الجليل مصطفى وانشغال مُنسِّقها العام الجديد الدُّكتور عبد الحليم قنديل بمعاركٍ صحفيَّةٍ وإعلاميَّةٍ، بالاضافة لخفوت نجم الحركة بعد فترة الحراك السِّياسيِّ التي بدأت في العام 2005م، وانتهت بنهاية الانتخابات التَّشريعيَّة في نهاية العام نفسه.
في المقابل تقف الأحزاب المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل الوفد والتَّجمُّع والنَّاصري، في زاويةٍ سياسيَّةٍ حرجةٍ عنوانها "الفشل" و"الشِّلَليَّة" و"المصالح الخاصة"، فالحزب الناصري مع تقاعُد زعيمه التَّاريخيِّ ضياء الدِّين داوود لمرضه، ومحاولة سامح عاشور نقيب المحامين الأسبق نائب رئيس الحزب الحثيثة للإستيلاء على الحزب، وتقديم نفسه مُرشَّحًا للرَّئاسة مُمثِّلاً للتَّيَّار النَّاصري.
أمَّا حزب الوفد فلا يزال يحاول لملمة أعضائِه وأوراقه بعد أزمة رئاسة الحزب التي أفقدته كثيرًا من تاريخه الوطني، فضلاً عن انشغال هيئته العليا في أعمالها الخاصة، أو ممارسة دورٍ تنظيريٍّ عن الحياة السِّياسيَّة من دون فعلٍ حقيقيٍّ.
أمَّا التَّجمُّع فهو الآخر يعيش أزمة، ولكنه بنبرةٍ منخفضةٍ قليلاً، كون رفعت السَّعيد رئيس الحزب يضع مصالحه الشَّخصيَّة مع النِّظام فوق كافة الاعتبارات، وسط صمتٍ مريبٍ من أعضاء الحزب الَّذين سلَّموا رقبتهم له انعكس ذلك في أزمة السَّعيد الأخيرة مع النَّائب أبو العز الحريري عضو الحزب بتخييره ما بين الاعذار للسعيد وإمَّا الفصل من الحزب.
أمَّا حزبي الجبهة والغد فكلاهما خيَّبا ظنَّ الكثير من المواطنين، بعد استمرار الأوَّل في رفع شعار الِّليبراليَّة التَّنظيريَّة، والثَّاني الِّليبراليَّة الواقعيَّة التي أدَّت إلى انقسامه ودخول طرفَيْ النِّزاع حول الحزب نفق القضاء المظلم.
الأقباط.. والدَّور الخفي
ويتبقَّى في المُعادلة السِّياسيَّة المصريَّة، الأقباط، كعاملٍ مؤثِّرٍ في الضَّغط على النِّظام المصريِّ باتِّصالاتها بدولٍ ومنظماتٍ أمريكيَّةٍ غربيَّةٍ، بهدف الحصول على امتيازاتٍ جديدةٍ وابقاء الوضع المصري مُتوتِّرًا لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب، وهو ماتنفيه قيادات الكنيسة بتأكيدها على تأييد الرَّئيس مبارك ونجله ولسياسات الحزب الوطني، وهو ما عبَّر عنه رأس الكنيسة القبطيَّة في مصر صراحةً البابا شنودة الثَّالث في أكثر من موضعٍ.
ورغم حملات التَّشويه التي تُمرِّرها الكنيسة ضد الدَّولة المصريَّة عبر ما يُسمَّى بأقباط المهجر، يحاول النِّظام المصري إيهام نفسه بأنَّ هناك فرقٌ بين الأقباط، رغم علمه اليقينيِّ أنَّ شعب الكنيسة وقياداته، الكهنوتيَّة والعلمانيَّة، غير راضيةٍ عن كمِّ الصَّمت الذي يمنحه النِّظام لهم ولأنشطتهم التَّنصيريَّة والسِّياسيَّة المشبوهة، في حين تظل العصا الأمنيَّة موجهةً للإخوان المسلمين، وهو ما تراه القيادة الكنسيَّة غير كافٍ.
ولكن الصُّورة داخل الجماعة المسيحيَّة في مصر غير بسيطة على هذا النَّحو؛ حيث توجد العديد من الرؤى ووجهات النظر، في الوسط المسيحي نفسه، ولنأخذ الموقف من الانتخابات الرَّئاسيَّة نموذجًا، فمنذ أيامٍ نشرت وكالة أنباء (إنتر برس سيرفيس) تقريرًا بعنوان "المسيحيُّون منقسمون بشأن الانتخابات الرَّئاسيَّة" لأدم مورو وخالد موسى العمري.
التَّقرير يتحدَّث عن دعم الكنيسة القبطيَّة في مصر رسميًّا، وكذلك الكنيسة الكاثوليكيَّة لجمال مبارك رئيسًا للجمهورية خلفا لوالده الرئيس المصري حسني مبارك، في حين يعترض جيل الشَّباب المسيحي على جمال مبارك والحزب الوطني الحاكم، متهمين جمال والحزب بإهدار حقوق الأقباط والتَّحيُّز إلى جانب المسلمين.
كما يتناول التَّقرير اعتراض الكاتب القبطي جمال أسعد على تصريحات للبابا شنودة بطريرك الكرازة المرقصيَّة في يوليو الماضي، قال فيها إنَّ أغلبيَّة الجمهور يحبون جمال مبارك.
أسعد أكد على أنَّه ليس من حق أحدٍ أنْ يقول بأنَّ الجمهور مع فلان أو ضد فلان إلا من خلال الاستفتاء، وهو ما لم يفعله شنودة.
التَّقرير كذلك تناول تصريحات لأشخاصٍ مؤيدين ومعارضين لجمال مبارك، لدرجة أنَّ بعض الأقباط أسَّسوا صفحةً على موقع (فيس بوك) أسموها "أقباط مصر"، للتَّنديد بمحاولات توريث الحكم لجمال مبارك.
وقال التَّقرير إنَّ الكنيسة في مصر لها سلطةٌ دينيَّةٌ فقط على المسيحيين، أمَّا في السِّياسة فكثيرٌ من المسيحيِّين لا يأخذون بتوصياتها، كما حدث عام 2005م، عندما طلبت الكنيسة القبطيَّة من أتباعها تأييد مرشحي الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانيَّة، ومع ذلك منح  كثيرٌ من الأقباط ثقتهم لمرشحي جماعة الإخوان المسلمين.
على هذه الصورة، وما بين منقسم أو مأزوم أو مُشتَّت، تستقبل الجماعة السِّياسيَّة المصريَّة عامًا من أهم الأعوام في الحياة السِّياسيَّة المصريَّة، فكيف سوف تنتهي الأمور.. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام وحدها!!...

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح