كتب- كارم الغرابلي
بات اليمن- الذي ظلَّ إلى وقتٍ قريبٍ دولةٌ (مُهمَّشةٌ) في محيط إقليمي- يستحوذ على الاهتمام الأكبر من وسائل الإعلام العالميَّة و يحتل موقعَ الصدارة من نشرات الأخبار العالميَّة بحكم ما يشهده من توترات محليَّة واحتجاجات متوالية.
فبعد أنْ كان اليمن مجرَّد مادة إعلاميَّة حول تقارير الزَّواج المبكر والإجباريِّ لفتياتٍ لم يتجاوزن المرحلة الابتدائيَّة من تعليمهن، أضحى الآن محورَ التَّحليلات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي باتت تتخوف من انفجار وشيك لمجتمع مثقل بالأزمات الداخليَّة بأطيافها المتنوعة، وعلى وشك الدخول في نفق طويل ومظلم من الصراع مع ذاته أولاً، دون ضمان أن يمتد ذلك إلى دول الجوار المستقرة (نسبيًّا).
ويعدّ اليمن أفقر بلد في شبه الجزيرة العربيَّة، وواحداً من أفقر دول العالم حسب تصنيف الأمم المتحدة، وهو لا يعاني اضطراباتٍ اقتصاديَّة وظروفًا اجتماعيَّة سيئة ونموًّا سكانيا سريعًا فحسب، بل يعاني كذلك -وفي ازدياد- صراعًا داخليا يهدد بحرب أهليَّة مقيتةٍ.
التَّنافُس القبلي داخل اليمن يبرز كواحد من أهم عناصر الاحتقان الداخلي، إذ تسيطر على سياسة الدولة منذ اتحاد شطري اليمن الجنوبي والشمالي عام 1990م قبيلةُ حاشد اليمنيَّة الشماليَّة التي تعد كبرى قبائل البلاد، وتصاعد التوتر وعدم الرضا شيئًا فشيئًا بتوطيد نظام حكم يعتمد على ولاء أبناء قبيلة الرئيس على حساب بقيَّة أبناء القبائل، كما تزعم أوساط المعارضة، بما يحول دون مشاركة القبائل المنافسة له في الحكم مشاركة كاملة.
وأدَّت السيطرة الفرديَّة للقبيلة المذكورة أعلاه ضمن المعايير القبليَّة التي لا تزال سائدة كما كانت من قبل في اليمن إلى إضعاف الحكومة المركزيَّة اليمنية، وزرع التوجس والريبة بين بقيَّة القبائل التي تشعر بنوع من الغبن السياسي.
المتأملَ في تداعيات الأزمة اليمنيَّة المعقدة والخطيرة سيجد أنَّ الأزمة الرَّاهنةَ لم تكن وليدةَ اللحظةِ السياسيةِ، بقدر أنها تراكماتٌ لإخفاقات مستمرة من قبل النظام الحاكم وأركانه المسيطرَينِ على مقاليدِ البلاد وأمورها الماليَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة بشكل يثير غضب الناس الذين حلموا بدولة الوحدةِ بين الشمالِ والجنوبِ كمنقذ لهم مما هم فيه فإذا بهم بعد عشرين عامًا من الوحدة يترحمون ويتحسرون على ما كانوا عليه قبل قيامها لما لحقها من ضررِ وتشويهِ القائمين عليها.
الاحتقانُ الحاليُّ شمالا والسخط المتفاقم جنوبًا من سلطة النظام العائلي الحاكم هي النتيجة الطبيعيَّة لسياسة الاستحواذ والسيطرة التي يقودها الشمال، فأزمة الجنوب المقصي منذ ما بعد حرب صيف 1994م التي ابتدأت حقوقيَّة بامتياز هاهي تأخذ بعدًا سياسيًّا وخطيرًا متمثلا بالمطالبة بالاستقلالِ مما بات يطلق عليه الجنوبيون الاحتلالَ الشمالي ، والحوثيون في شمال الشمال في حربٍ داميَّة ومستمرة مع الحكومة منذ خمس سنوات سعيًا وراءَ أهدافٍ لا تعلمُها إلا السلطةُ الحاكمةُ والحوثيون أنفسُهم ؛ لغموض هذه الحرب وهذه الحركة العسكريَّة المريبة.
ويعود أصل حركة الحوثيين إلى نهايَّة التسعينيات بقيادة حسين بدر الدين الحوثي الذي استغل تنظيم "الشباب المؤمن" الذي كان قد تأسس سنة 1990 كمنتدى لتدريس العقيدة الشيعيَّة الزيديَّة في منطقة صعدة، بعد أن انشق عن حزب الحق الذي كان من القيادات البارزة فيه.
وكان "الحوثي" عضوًا سابقًا في مجلس النُّواب بعد فوزه في انتخابات العام 1993م، وعلى الرغم من أن والده كان من أبرز المرجعيات الشيعيَّة للمذهب الزيدي في اليمن، فإنه بدا أقرب إلى المذهب الإثنا عشري ألإمامي في إيران، خاصة بعد زياراته المتكررة إلى طهران، وهو ما عده البعض خروجا لحركته عن المذهب الشيعي الزيدي الذي يتبعه نحو 30 في المائة من سكان اليمن.
في البدايَّة ظلت حركة "الحوثي" لسنوات طويلة حركة ثقافيَّة فكريَّة دعويَّة بعيدة عن السياسة، بل إنها تلقت دعما من حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في سعيه لمواجهة النفوذ الديني لحزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي المعارض، إلا أنه وبدءا من عام 2002 بدأت الحركة تتجه إلى السياسة وتأخذ خط المعارضة ضد الحكومة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وكان العام 2004م البدايَّة الحقيقيَّة لتلك التحركات، حيث قام عدد من أعضاء تنظيم الشباب المؤمن بتنظيم تظاهرات سلميَّة ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، والممارسات الصهيونيَّة الوحشيَّة ضد الفلسطينيين ، لكن السلطات اليمنيَّة واجهت التظاهرة بحملة اعتقالات واسعة شملت المئات من مناصري التنظيم، ووجهت اتهامات للحوثي، منها ادعاؤه الإمامة والمهديَّة والنبوة، ودفعت بعض علماء الزيديَّة إلى إصدار بيان أدان انحرافاته الفكريَّة وتهجمه على مقدسات الأمة.
وأعقبت ذلك بشن حربٍ مفتوحةٍ حشدت لها 30 ألف جندي واستخدمت فيها الطائرات والسلاح الصاروخي والمدفعيَّة الثقيلة، وأسفرت معاركها الأولى عن مقتل حسين بدر الدين الحوثي. وكانت تلك أولى مراحل الصراع بين الطرفين.
المرحلة الثَّانيَّة للصِّراع بدأت في فبراير من العام 2005م، بقيادة "الحوثي الأب"، وأسفرت عن اختفائه عن الساحة اليمنية، وقد أشارت بعض التقارير حينها إلى أنه قتل خلال المعارك لكنه ظهر بعد ذلك وعاد إلى البلاد بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه لاحقا بين الحوثيين والحكومة اليمنيَّة في العام 2007م.
أما المرحلة الثالثة فقد بدأت في أواخر عام 2005م وانتهت باتفاقٍ بين الطَّرفين في فبراير 2006م، ومع بدايَّة العام 2007م بدأت المرحلة الرابعة للصراع بقيادة "عبد الملك"، أحد أبناء "الحوثي"، وذلك على خلفيَّة اتهام السلطات اليمنيَّة للحوثيين بالعمل على طرد اليهود من محافظة صعدة.
وتتهم الحكومة اليمنيَّة المتمردين الحوثيين بالسعي للاطاحة بها بينما يتهم المتمردون الحكومة بالفساد والولاء للغرب والتمييز ضدهم.
فالاشتباكات الداميَّة الأخيرة التي وقعت بين رجال الأمن وأتباع الحوثي في "الحراك الجنوبي"، وذهب ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح في مدينة زنجبار بمحافظة أبين الجنوبيَّة الخميس الماضي، أعطت مؤشراً قوياً بأن الوضع خرج عن السيطرة وأن الأجهزة الأمنيَّة فقدت أعصابها حيال التعامل بحكمة مع المتظاهرين للخروج بأقل الخسائر.
وحسب بعض المصادر فان هذه المواجهة الداميَّة أديرت بقرار من الأجهزة الأمنية، بعيداً عن الإطلاع الشخصي للرئيس علي عبد الله صالح، ولذا سارع القصر الجمهوري بالكشف عن معلومات مفادها أن الرئيس صالح يرقد حاليا في المستشفى الرئاسي بمجمع الدفاع بسبب تعرضه لـ'رضوض' لم يكشف عن طبيعتها.
مواجهة زنجبار في نظر العديد من المراقبين قد تفتح الباب أمام الجنوبيين لمعارك قادمة بدافع الانتقام من قوات الأمن وبدافع الثأر إذا كان المنفذون الأمنيون لهذه المواجهة من الشمال، كما قد تكون (الشرارة الأولى) لثورة جنوبيَّة ضد الشمال، متخذين من رصيد هذه المجزرة الداميَّة دافعا ومنطلقا لتحقيق هذه الغايَّة الانفصاليَّة التي يتزعمها علي سالم البيض نائب الرئيس اليمني السابق.
القضايا الملتهبة حاليا في اليمن تتمركز حول "القضيَّة الجنوبيَّة" التي أصبحت تقوى يومًا بعد يومٍ، وتتَّجه بشكلٍ مُطَّردٍ نحو التَّجذُّّر والاستقواء بالدَّاخل والخارج، بالإضافة إلى قضيَّة التمرد الحوثي في صعده بشمال اليمن، الذي يتجه هو الآخر نحو التوسع وينذر بحرب جديدة مع القوات الحكومية، ناهيك عن العديد من القضايا المزمنة كمسألة الفساد والقضايا الأمنيَّة والاقتصاديَّة وغيرها.
وإذا حصرنا التَّهديد الحقيقيِّ الحاليِّ لنظام الحكم في اليمن فيمكن ذلك في قضيتي الحراك الجنوبي في الجنوب وفي التمرد الحوثي بالشمال، لأن هذين التهديدين أخرجا العديد من المناطق اليمنيَّة عن نطاق السيطرة الحكوميَّة وبالتالي قد يقودان إلى انفلات زمام الأمور في الكثير من المناطق الأخرى مستقبلا على حساب السيطرة المركزيَّة للدولة.
المسألة الأكثر خطورة ـ في نظر العديد من المراقبين على مستقبل البلاد من هذه وتلك هي قضيَّة (الخلافة) للرئيس صالح، لأن أي غياب مفاجئ له قد يقود البلاد إلى صومال أخرى وإلى أفغانستان ثانية، في ظل الصراع المحتمل على السلطة بين أقطاب النظام الحاليين الذين لا يوجد بينهم من يمكن حصوله على إجماع جماهيري أو إجماع مراكز القوى لقيادة البلاد.
عواملٌ داخليَّة وخارجيَّةٌ
وثمة العديد من العوامل الداخليَّة والخارجيَّة التي ساهمت، ومازالت، في تفجر الصراع واستمراره بين الحوثيين والحكومة اليمنيَّة حسب المراقبون.
وربما تكون الاتهامات اليمنيَّة المتكررة لإيران بتقديم الدعم لجماعة الحوثي من أبرز المؤشرات على تأثير العامل الخارجي على تطورات هذا الصراع. ورغم نفي طهران دعمها للحوثيين وتأكيدها على أملها أن "يعمل الأشقاء اليمنيون على حل مشاكلهم بالحكمة بدلا من إلقاء المسئوليَّة على الآخرين وتوجيه التهم لهم"، فإن هناك مؤشرات قويَّة على أن الصراع الدائر في اليمن هو أحد أوجه الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة تقف إلى جانب الحكومة اليمنيَّة في مواجهتها الحوثيين، وتعتبر أن ما يجري يدخل في إطار الحرب العالميَّة التي تقودها على الإرهاب، ولا تفوت الإدارة الأمريكيَّة فرصة إلا وتؤكد هذا الموقف، فالسفير الأمريكي في صنعاء سعى دائما إلى تأكيد الصلة الوثيقة بين الحوثيين والقاعدة.
من جانبه يسعى النظام الحاكم في اليمن إلى استغلال هذا الموقف للحصول على الدعم الأمريكي سياسيا وماديا، خاصة لجهة تخفيف الضغوط الدوليَّة ضده فيما يتعلق بالديمقراطيَّة وحقوق الإنسان في اليمن. وربما يكون هذا أحد الأسباب التي تمنع الحكومة اليمنيَّة من حسم المعركة العسكريَّة ضد الحوثيين إضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بالدعم الخارجي الذي يلقاه الحوثيون، سواء على الصعيد السياسي أو المادي.
أما العوامل الداخليَّة التي تساعد على استمرار هذه الأزمة فمتعددة، وأبرزها البعد المذهبي، حيث إن الحركة الحوثيَّة هي بالأساس حركة شيعيَّة تتمركز في محافظة صعدة ذات الأغلبيَّة الشيعية، وهو أمر يمثل كابحا للحكومة في التعامل معها؛ حيث لا تريد أن تبدو وكأنها تعادي الشيعة في اليمن، خاصة أن الحوثيين يعملون للعزف على هذا الوتر لكسب التعاطف الداخلي والخارجي.
كما أن الطابع القبلي المسيطر على اليمن يمثل هو الآخر عائقا أمام السلطات اليمنيَّة في المواجهة مع الحوثيين؛ حيث تشير المصادر المختلفة إلى أن هناك بعض القبائل التي تدعم الحوثيين بوازع الثأر من النظام الحاكم بسبب مقتل بعض أبنائها في المواجهات السابقة.
وتلعب جغرافيَّة اليمن الجبليَّة دورا إضافيا في استمرار الصراع، حيث توفر جبال اليمن مقرات آمنة لأنصار "الحوثي" تساعدهم على اتقاء الضربات العسكريَّة الحكوميَّة ضدهم.
وقد ساعدت هذه العوامل ليس فقط على استمرار الصِّراع، بل على تفاقمه بشكل يصعب معه إنهاؤه بشكل حاسم. ويظهر ذلك بوضوح في تزايد قوة الحوثيِّين، حيث اتسعت قاعدتهم الشعبيَّة بدل انحسارها، وتطورت قدراتهم العسكريَّة واللوجستيَّة بدل استنزافها.
ولعل التَّهديدات الأخيرة للحوثيين بتصعيد المواجهات مع الحكومة اليمنيَّة ونقل المعارك إلى خارج مدينة صعدة الواقعة شمال غرب اليمن لتشمل كافة محافظات البلاد، دليل آخر على تعقُّدِ هذا الصِّراع وصعوبة إنهائه بشكلٍ حاسمٍ.
أزمة رئيسٍ
وفي هذا الإطار يواجه الرَّئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي تتراكم بوجهه المشاكل أزمة كبرى لاستمراريَّة نظامه، خصوصًا مع صعود النزعة الانفصاليَّة في الجنوب، وذلك بحسب دبلوماسيين وخبراء.
ويواجه اليمن أصلاً خطر عودة القتال مع المتمردين الزيديين في الشمال [حركة الحوثي]، وخطر تنظيم القاعدة الذي يعد مسئولاً عن سلسلة من الهجمات التي ضربت هذا البلد الفقير الذي تراجعت عائداته النفطيَّة بقوة بسبب الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة.
إلا أنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ جنوب البلاد الذي كان مستقلاً بين العام 1967م والعام 1990م، بات على حافة الانفجار، وأنَّ مشكلة الجنوب هي الأكبر بين مشاكل الرئيس اليمني البالغ من العمر 67 عامًا.
وفي عدن التي كانت عاصمة اليمن الجنوبي سابقًا، كما في باقي مناطق الجنوب، تُكثِّف قوات الجيش والشرطة حواجز التفتيش والدوريات على الطرقات فيما يبدو التوتر واضحًا؛ حيث قُتِلَ 11 شخصًا في الجنوب منذ نهايَّة شهر أبريل الماضي في مواجهات بين متظاهرين وقوى الأمن.
وبعد أن أصبح رئيسًا لليمن الشمالي في 1978م، بات صالح في العام 1990م رئيسًا لليمن الموحد، كما أحبط بقوة الحديد والنار محاولة لانفصال الجنوب جرت في العام 1994م، وتزعمها علي سالم البيض، الذي كان رئيسًا لليمن الجنوبي قبل الوحدة.
وعلى الرغم من اتهامه من قبل البعض بأنَّه يلعب لعبة مزدوجة مع التنظيمات والعناصر المُتطرِّفة القريبين من القاعدة، تمكن صالح منذ العام 2000م من المحافظة على دعم الدول الغربيَّة له بدءًا من الولايات المتحدة، وذلك تحت شعار الحرب على ما يسمَّى بـ"الإرهاب".
والسُّؤال الذي يطرحه الجميع في اليمن بما في ذلك داخل السفارات الغربية، هو ما إذا كان صالح سيتمكن من إطفاء الحريق في الجنوب.
وقال رجل أعمال من عدن مفضلا عدم الكشف عن اسمه لوكالة الصحافة الفرنسيَّة (أ. ف. ب): "أعتقد أنَّ صالح لا يعي حتى خطورة الوضع.. جميع القبائل متضامنة [ضد خيار استمرار الوحدة]، ولم نشهد ذلك قط من قبل".
من جهتها، قالت ناديا السكاف مديرة ورئيسة تحرير صحيفة (يمن تايمز) التي تصدر مرتَيْن أسبوعيًّا في صنعاء: "وكأن صالح في برج عاجيًّ، وبعيدٌ عن الواقع".
وتبدي الأوساط الدبلوماسيَّة في اليمن اقتناعها بأنَّ صالح سيرسل المزيد من القوات الى الجنوب، اذا ما ساءت الأوضاع في هذه المنطقة، وسيلجأ إلى القوة كما سبق أنْ فعل في مواجهة المتمردين الزيديين في محافظة صعدة، شمال البلاد، ولو أن النتائج شمالاً لم تكن حاسمةً.
ويرى دبلوماسي فضل عدم الكشف عن اسمه إنَّ صالح "الذي يعد مناورًا ممتازًا"، يمكن أنْ يلجأ إلى "شراء بعض قادة القبائل في الجنوب ويعتمد مبدا فرق تسد"، إلا أنَّ هامش المناورة لديه بات أكثر ضيقًا بسبب الأزمة الاقتصاديَّة وتراجع اسعار النفط.
وبحسب المصرف المركزي اليمني، فإنَّ العائدات النَّفطيَّة في البلاد انخفضت بنسبة 74.5% خلال الفصل الأول من السنة الحالية، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2008م، وتمثل الصادرات النفطيَّة 70$ من دخل الموازنة و30% من الثَّروة الوطنيَّة للبلاد.
وقال رجل الأعمال في عدن: "أعتقد أنَّ النِّظام في شكله الحالي لن يصمد طويلاً.. إلا أنَّه يربط مدة صمود النظام بالدعم الذي يحصل عليه من الخارج".
لكن الدعم الذي يحصل عليه صالح يبدو موضع اجماعٍ خارجيٍّ حتى الساعة، إذ أنَّه يتمتع بصورة السد المنيع في مواجهة التطرف والفوضى.
وأعربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك الجار الكبير السعودية، دعم اليمن، وبشكلٍ ضمنيٍّ، دعم الرئيس صالح.
وقال رجل الاعمال في هذا السياق إنَّ الأجانب يغضون الطَّرَف عمَّا يفعله صالح، لأنَّ اليمن بلدٌ حساسٌ، لكنَّهم سوف يتخطونه إذا ما وجدوا بديل.
لكن المشكلة في اليمن بالفعل أنَّ الأزمة أصبحت تهدد كيان الدولة والنسيج الاجتماعي، في المقابل فإنَّ السلطة باقيَّة في الحكم بالأمر الواقع وبقوة الجيش والأمن، خارج إطار الممارسة والعمل السِّياسيِّ، وفق القواعد الدستوريَّة والقانونيَّة في حدها الأدنى.
وينتقد العديدون في الجنوب، أو ما يُعرف بـ"الحراك الجنوبيِّ" المعارض لاستمرار الوحدة اليمنيَّة، الأوضاع الاقتصاديَّة الموجودة حاليًا في الجنوب، ويقولون، وتدعمهم أصواتٌ شماليَّة في هذا الأمر إنَّ أزمة النِّظام السِّياسيِّ تتمثَّل في كونه انتقل من حالة التَّعدُّديَّة المُقَرَّة في دستور دولة الوحدة إلى نظامٍ تسلطيٍّ بعد حرب صيف العام 1994م، ثم إلى نظامٍ شخصيٍّ تتمركز كل تفاصيله حول توجيهات الرئيس وقراراته.
هذا النِّظام التَّسلُّطيُّ عجز عن إدراك المتغيِّرات والحلول، وسوف تكون النَّتيجة انهيار النِّظام والدولَّة معاً كما يتخوَّف الكثيرون في اليمن.
وتتهم "أحزاب الحراك الجنوبي"، و"أحزاب الِّلقاء المشترك" التي تُمثِّل المعارضة الشَّماليَّة، النظام السياسي اليمني بالتَّسبُّب في غياب الدَّولة الوطنيَّة المُؤسَّسيَّة وإلغاء الشَّراكة الوطنيَّة، وإضعاف الرَّوابط الوطنيَّة وتدمير النَّسيج الاجتماعيِّ كما سبق القول.
المشكلة أنَّ اليمن تتنازعه اليوم أزمةٌ سياسيَّة واقتصاديَّة وحركاتٌ انفصاليَّة في جنوبه وشرقه، وعمليات قتاليَّة متبادلة بين الحوثي والجيش اليمني، بالإضافة إلى أزمةٍ دستوريَّة اتفقت الأطراف بسببها على تأجيل الانتخابات النيابية، وكان هذا الحل مثل "الكي" الذي هو آخر العلاج، فتأجيل الانتخابات هو الفشل بعينه في البلدان التي تتمتع بانتخابات وصناديق اقتراع "ديمقراطيَّةٍ" رغم ما عليها من مآخذٍ.
الأزمة السِّياسيَّة هي نتاج الوحدة بين شطري اليمن؛ حيث قدمت الأطراف السِّياسيَّة، كل طرفٍ للأخر، تنازلاتٍ في سبيل أنْ تتم وحدة الشطرَيْن، وابتدأت تلك التنازلات بين حزبي المؤتمر العام الذي يتزعم صالح وحزب التجمع الوطني للإصلاح في صنعاء، ثم بين العاصمتَيْن، صنعاء وعدن، متمثله في الحكومة اليمنيَّة المكونة من المؤتمر والإصلاح كطرفٍ والحزب الاشتراكيِّ كطرفٍ آخر.
وبعد الوحدة اعتبر كل طرفٍ أنَّه هو من ضحَّى لأجلها، وله الحق في أنْ يأخذ من الكعكة النصيب الأكبر، ولكن الكعكة لم تكن بالحجم الذي يكفي للاقتسام على اثنين، فما الحال إذا أتى الطرف الثالث- الحزب الاشتراكي- ليطلب "نصيبه"، ومن هذا المنطلق بدأات الصراعات من أول يوم للوحدة.
وكان الحل الأمثل هو الاحتكام إلى صناديق الأقتراع من دون الدخول في توزيعات ليست ذات صلة بالديمقراطية، وعند اللجوء اليها كانت النتائج مخيبه للحزب الاشتراكين الذي كان يعتقد أنه بإمكانه التنافس مع المؤتمر والاصلاح في ملعبهم- المحافظات الشمالية- وكذلك الحال مع الإصلاح؛ حيث لم يستطع التنافس مع المؤتمر لأسباب تنظيميةٍ، بالإضافة إلى أن المؤتمر هو الحزب الحاكم.
وأضيفت هذه الأوضاع إلى ثالوث الفقر والجهل والمرض، لتنفجر حرب العام 1994م، والتي فجَّرها الحزب الاشتراكي، وفي اعتقاده أنَّ بإمكانه الانتصار، وكانت الحسابات خاطئة مرة أخرى؛ حيث تصور الحزب الاشتراكي أن جميع المحافظات الجنوبيَّة ستكون شعبيًّا إلى جانبه، ونسي أنَّ تاريخه مع هذه المحافظات ممهور بالقتل والسحل ونهب خيراتها على مدى 18 عامًا.
ويعتقد الكثير من اليمنيين أنَّ الحزب الاشتراكي كان يعلم بالنتائج، ولكنه دخل الحرب لنهب وتدمير ما تبقى من مكونات الدولة وأموال البترول التي لم يُسلَّم منها أي دولار للحكومة اليمنيَّة منذ الوحدة في العام 1990م، وحتى العام 1949م، وهي لبست بلقليلة.
أمَّا بخصوص الأحداث الجاريَّة في المحافظات الجنوبيَّة والشرقيَّة التي كانت تكون اليمن الديمقراطيَّة قبل الوحدة فقصتها كما يلي: في العام 1986م، كانت هناك حرب استمرت 13 يومًا، بين أجنحة الحزب الاشتراكي في عدن، كانت نتيجتها أنْ خرج الرئيس علي ناصر والقيادات التي تؤيده مهزومة، وبقي الرئيس البيض وما تبقى من قيادات الحزب الاشتراكي، وصدرت الاتهامات والاحكام، وأُعدِمَ عدد كبير من مؤيدي علي ناصر، وكان احتفاظ البيض ومن معه بالحكم انتصار هو إلى الهزيمة أقرب منه إلى الانتصار؛ حيث ورثوا حزبًا مفككًا، واقتصادٍ ينوء بديون بعشرات الملايين، ومعنى ذلك أنَّ الحزب والدولة أصبحت وجودها مثل عدمها.
واستمر جناحا الاشتراكي في الاختلاف والعداء حتى العام 1994م، عندما دخلا في حرب الانفصال ضد الحكومة وخسراها معًا، واتجهت القيادات مرة أخرى إلى الخارج، وبدأت تخطط لما يحدث اليوم حيث بدأت أجنحة الاشتراكي بالتصالح بمباركة الدولة، إلا انهما كانا يخططان للانقلاب عليها والانفصال، وهذا ما حدث لاحقًا.
وفي النهايَّة فإنَّ هناك إجماعًا على أنَّه لا سبيل لتجاوز الأزمة إلا بالاعتراف بالمشكلات والجلوس إلى طاولة الحوار لحلها، مع ضرورة تفعيل دور لجامعة الدول العربيَّة.











0 تعليقات:
Post a Comment