تقرير واشنطن- رنا أبو عمرة
منذ العام 2005م تُصدر مجلة (السِّياسة الخارجيَّة) الأمريكيَّة (Foreign Policy) مقياسها السَّنوي للدول الفاشلة أو ما يُعرَف بـ(Failed State)، وهو ثمرة جهد مشترك بين المجلة مع "صُندوق السَّلام" (The Fund For Peace) الأمريكيِّ.
وفي عددها الأخير الصادر لشهرَيْ يوليو/ أغسطس أصدرت المجلة تقريرها أو دليلها السَّنويِّ الخامس عن الدِّول الفاشلة (Index of failed states).
عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م زادت أهمِّيَّة مُصطلح "الدِّول الفاشلة"، فأضحى يُنظَر إلى تلك الدول من منظورٍ أمنيٍّ دفاعيٍّ بحتٍ بمعزلٍ عن المنظور التَّنمويِّ الذي كان المعني بهذه الظَّاهرة؛ لاتِّهام تلك الدِّول "الفاشلة" بتفريخ الإرهاب والتَّطرُّف الذي لم يضر بمجتمعها فحسب، بل أضرَّ بالأمن الأمريكيِّ على أرضه، ناهيك عن تحميلها مسئوليَّة انتشار الظَّواهر الأمنيَّة السَّلبيَّة في العالم.
ولذا ازداد الاهتمام الأكاديميِّ بالدول الفاشلة وبتصنيفاتها وبطرائق التعامل معها واحتواء أخطارها المباشرة وغير المباشرة.
فلسفة المقياس
يتم تعريف "الدِّول الفاشلة" على أنها تلك الدولة التي لا تستطيع القيام بالوظائف الأساسيَّة المنوطة بها (توفير الأمن، تقديم الخدمات العامَّة، إدارة آليَّات السُّوق، الإدارة الكُفء للتَّنوُّع الاجتماعيِّ في الدَّاخل، بل وتوظيفه) بالإضافة إلى معاناة مُؤسَّساتها من الضَّعف الهيكليِّ والوظيفيِّ.
باختصارٍ هي الدَّولة غير القادرة على القيام بمسئوليَّاتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والاجتماعيَّة على المستويات المحليَّة والإقليميَّة والدولية. وتزداد خطورة هذه الدول مع ازدياد حدة الأزمات لأن الدولة الفاشلة غير مهيأة لمواجهة المستجدات والمخاطر الدَّاخليَّة والخارجية، تلك الأزمات التي تبرز عوامل "الفشل" الكامنة في الدَّولة، وتزيد من احتمالات تحول هذه الدولة إلى تهديدٍ للسَّلام والاستقرار الدوليِّين.
يرتب المقياس 177 دولة حسب درجة إخفاقها في أداء وظائفها، ويعتمد التَّصنيف على تحديد مُؤشِّراتٍ سياسيَّة وأمنيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة قابلة للقياس الكمِّيِّ تُعبِّر عن وضع الدِّول في هذه المجالات، كما تعبر تلك المُؤشِّرات عن كفاءة أداء ووظيفيَّة نظام الحكم القائم وقدرته على القيام بالمهام المنوطة بالدَّولة، بحيث تعكس النَّتائج الإجماليَّة لهذه المُؤشِّرات درجة فشل الدَّولة، لتصبح أعلى الدِّول حصولاً على النِّقاط هي الأكثر فشلاً والتي تحصل على رقم (1) في القائمة، وهكذا تنازليًّا حسب مجموع النقاط وصولاً إلى أكثر الدول استقرارًا في نهايَّة القائمة صاحبة التَّرتيب الأخير رقم (177).
وتعتمد النَّتائج الصَّادرة على أكثر من 30 ألف مصدرٍ متاحٍ للمعلومات عن الدِّول، ولا يتم تصنيف الدِّول الفاشلة بشكلٍ ترتيبيٍّ كمِّيٍّ فقط، حسب مجموع نقاطها الدَّالة على الفشل، ولكن يُوزَّع المقياس الدَّوليِّ إلى فئاتٍ بحسب درجة تهديد الدِّول للاستقرار والسَّلام الدَّوليِّ، بحيث تبدأ الفئات بالأشد خطورة؛ وهي فئة الدول الخطرة "Critical"، وتليها فئة الدول المُعرَّضة للخطر "In Danger"، ثم الدول المُتاخمة للخطر "Border line" ثم المُستقرِّة "Stable"، والفئة الخامسة هي الدِّول الأكثر استقرارًا "Most Stable".
وتجدر الإشارة إلى أنَّ الموقع الإلكترونيِّ لصندوق السَّلام يضع تقسيماتٍ فرعيَّة مختلفةٍ للدِّول الفاشلة من حيث العدد ومن حيث المسمى، هي: منذرةٌ بالخطر، ومُعتدلةٌ، ومستقرةٌ.
ويأتي المقياس هذا العام في ظلِّ اندلاع أزمةٍ ماليَّة عالميَّة أثرت تأثيرًا بالغًا على الدول المتقدمة ذات المؤسسات القوية، والتي كان لها تداعياتها الثَّقيلة على الدِّول الضَّعيفة، والأكثر ميلاً للفشل.
ذلك الأمر الذي أثر بشكل كبير على ترتيب الدِّول وحصول بعضها على نقاطٍ نقلتها إلى ترتيبٍ أكثر خطورة، وبتفسيرٍ كمِّيٍّ أثقلت كفَّة المؤشِّرات الاقتصاديَّة السَّلبيَّة بما قدَّمها على أنَّها أكثر فشلاً. ومن أكثر المفاجآت التي أثارها التَّقرير هذا العام هو تدهور وضع عدد من الدول بحيث تراجع ترتيبها على المقياس مثل جورجيا، في حين تحسَّنت أوضاع دولٍ أخرى بحيث أصبحت أقلَّ فشلاً.
قراءة في محتوى التَّقرير
بالإضافة إلى النَّتائج الرَّقْميَّة لترتيب الدِّول، والفئات التَّصنيفيَّة الفرعيَّة التي تنتمي إليها الـ177 دولة التي يشملها المقياس وخريطة بتوزيعاتها، تُصدرُ سنويًّا المجلة مقالاتٍ تحليليَّة ذات صلةٍ بنتائج التَّقرير، في محاولة لربط النَّتائج الإحصائيَّة الرَّقْميَّة بالقضايا المُثارة على السَّاحة الدَّوليَّة والإقليميَّة، وجاءت عناوينها هذا العام كالتَّالي:
المقال الأوَّل: الخطر القادم "Danger Ahead"، يعرض المقال للِّدول التي تُمثِّل خطرًا محتملاً، مثل الكاميرون، غينيا، اليمن، إثيوبيا، إريتريا، وغينيا بيساو.
المقال الثَّاني: تأثير الإصابة "The Whiplash Effect"، يعرض المقال لتأثيرات الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة على أوضاع وترتيب الدِّول باختلاف درجات فشلها.
المقال الثَّالث: اضطراب في طهران "Trouble in Tehran"، يعرض المقال لمعضلة الحالة الإيرانيَّة التي تراجعت 11 مرتبة على المقياس لتصبح أكثر فشلاً؛ حيث تدهورت أوضاعها الاقتصاديَّة بشكلٍ خاصٍّ، وأدت إلى ارتفاع أسهم فشلها، ومن ناحيَّة أخرى فهي مازالت مستمرةٌ في تفعيل برنامجها النَّوويِّ، والذي يُعتبَر فعليًّا تهديدًا للأمن الإقليميِّ والدَّوليِّ، بالرغم من إعلان إيران أنَّه للاستخدام السِّلميِّ للطَّاقة النَّوويَّة.
المقال الرَّابع: المنطقة الخضراء "That Green Zone"، تشير إلى التَّناقض الذي تتسم به أغلب الدِّول الفاشلة وتحديدًا أكثرها فشلاً، بحيث تجد أنْ العاصمة تتمتع بوضعيَّة متميزة وتتوافر فيها أغلب وسائل الرَّفاهية، وتعيش بها نخبةٌ منفصلة عن المجتمع، في حين تشمل حدود الدَّولة أقاليم أحوالها هي الأسوأ والأكثر فشلاً في العالم، ويشير المقال إلى أنَّ هذا التَّناقُض جليٌّ في دولٍ مثل الصُّومال ونيجيريا والسودان وباكستان.
المقال الخامس: لعبة الُّلوم "The blame Game"، ويعرض المقال للأسباب الأساسيَّة لفشل الدِّول والجهات المسئولة عن هذا الإخفاق مفترضًا أنَّ الفساد وسوء الإدارة هما حجر الأساس، وذلك من خلال التَّطبيق على حالة زيمبابوي باعتبارها الدَّولة رقم "2" في نتائج المقياس.
المقال السادس: فوضى في التَّرتيب "Disorder in the Ranks"، ويشير المقال إلى النَّتائج المُحيِّرة للمقياس بحيث تأتي زيمبابوي قبل السُّودان والعراق، كما تُظهر أنَّ نيجيريا أكثر فشلاً من سيريلانكا، وكذلك جاءت كولومبيا أكثر فشلاً من بوليفيا، ويؤكِّد المقال على أهميَّة التَّفرقة بين الفشل كما تُحدِّده المُؤشِّرات، والفشل كما تُحدِّده رؤيَّة مواطني الدَّولة أنفسهم، ودور هذه الفجوة في تضليل المجهودات التي تستهدف النُّهوض بالدِّول الفاشلة.
المقال السَّابع: القشة الأخيرة "The Last Straw"، ويبرز هذا المقال المستقبل المتأزِّم لوضع الدِّول الفاشلة بدرجاتها المختلفة، في ظل تدهور الوضع البيئيِّ على المستوى العالميِّ بشكلٍ عامٍ، ومع تعقُّد أزمة التَّغيُّر المُناخيِّ بصفةٍ خاصَّةٍ.
أبرز إشكاليَّات المقياس
أشار التَّحليل الذي نشرته المجلة إلى عدَّةِ إشكاليَّات كان على المقياس مراعاتها عند التَّعامُل مع كلِّ دولةٍ، وتتمثَّل تلك الإشكاليات في الآتي:
الإشكاليَّة الأولى:
أنَّ كل دولةٍ فاشلةٍ لها طريقتها في الفشل، فجورجيا مثلاً احتلت مكانة على المقياس أكثر فشلاً من العام الماضي؛ وذلك بسبب الغزو الرُّوسيِّ لها وتداعيات ذلك على الدَّولة الجورجيَّة، وفي الوقت ذاته زادت حدَّة فشل كلٍ من الصُّومال والكونغو بسبب انهيار أداء حكوماتهما، وكذلك فإنَّ ازدياد حدَّة فشل زيمبابوي وبورما نتيجة ارتفاع درجات سلطويَّة الأنظمة الحاكمة بما فصل المجتمعات عن واقعها، بينما فشلت العراق بسبب حربٍ شاملةٍ شنتها قوى كبرى ضدها.
الإشكاليَّة الثَّانية:
ليس من الضَّروري أنْ تُعبِّر مُؤشِّرات الفشل من ناحيةٍ، أو ترتيب الدَّولة في نتائج المقياس من ناحيَّة أخرى عن خطورة دولةٍ ما على السَّلام والاستقرار العالميَّيْن، فعلى سبيل المثال نجد أنَّ زيمبابوي والتي تحتل المرتبة رقم "2" على القائمة بشكلٍ تقنيٍّ وتفصيليٍّ ووفقًا للمُؤشرات المُحدَّدة أكثر فشلاً من العراق صاحبة الترتيب رقم "6" على القائمة ذاتها.
ولكنَّ التَّداعيات الجيوسياسيَّة لفشل العراق أكثر حدَّة وخطورة من زيمبابوي، وبالمنطق ذاته فإنَّ باكستان صاحبة الترتيب رقم "10" وكوريا الشَّماليَّة صاحبة التَّرتيب رقم "17" يُمثِّلان خطورة أكبر من تلك التي تمثلها ساحل العاج رغم أنَّ ترتيبها في القائمة يأتي رقم "11".
الإشكاليَّة الثَّالثة:
فبالرغم من فشل الصُّومال صاحبة التَّرتيب رقم "1" على القائمة، إلا أنَّها لا تمثِّل تهديدًا خطيرًا على السَّلام والأمن الدَّوليِّين، بمعنىً آخرٍ فإنَّ تهديد السَّلام والأمن الدَّوليَّيْن لا ينبع من حالات انهيار الدِّول، بل من الفشل النِّسبيِّ للدِّول التي تسمح بوجود دولةٍ غير قادرةٍ على بسط سيطرتها على كامل إقليمها، ومُؤسَّساتها غير الفاعلة، وموارد غير موظَّفةٍ، بالإضافة إلى معاناة مجتمعها من عدم التَّوافق.
أي أنَّ الجمع بين عوامل الفشل ومُقوِّمات النَّجاح غير المُستغلَّة، وهو ما يثير مراجعة للعلاقة بين الإرهاب والدِّول الفاشلة التي تمَّ التركيز عليها بعد أحداث سبتمبر، فهجمات نيويورك أثارت قضيَّة "الدِّول الفاشلة" من منطلق الدِّول التي لم تستطع التحكم في بعض أقاليمها، أما في حالة مثل الصُّومال ورغم كونها رقم "1" على مقياس الفشل؛ فقد فشلت حتى في تقديم مساعدةٍ معتبرةٍ للجماعات الإرهابيَّة بالشَّكل المطلوب.
وبشكلٍ عامٍ فإنَّ التَّقرير يثير أسئلةً وإشكاليَّاتٍ عدَّةً، إلا أنَّه لا يستطيع تقديم الحلول المطلوبة، ولكنَّه يعمل على فتح أبوابِ النِّقاش في قضايا مرتبطةٍ بالظَّاهرة، مثل: لماذا تفشل الدِّول، وما الذي يجب فعله لإنقاذها، تمهيدًا لإيجاد حلولٍ لها، وفي الوقت ذاته يؤخذ عليه إعلاء الجانب الأمنيِّ السِّياسيِّ وكذلك الاقتصاديِّ في تناول ظاهرة الدِّول الفاشلة، بالرغم من أبعادها الإنسانيَّة والاجتماعيَّة ذات التَّأثير ذاته.











0 تعليقات:
Post a Comment