إعداد وحدة الدِّراسات والبحوث
في حكمٍ تاريخيٍّ، أقرت محكمة الدائمة للتحكيم الدوليَّة في لاهاي في القضيَّة الخاصة بمنطقة أبيي المتنازع عليها بين شمال السُّودان وجنوبه، مشروعيَّة اعتراضات الحكومة السُّودانيَّة على الحدود الشماليَّة لمنطقة أبيي، وحكمت بإدخال حقول النفط الغنيَّة في هذه المنطقة الخاصة إلى حدود الأقاليم الشماليَّة السُّودانية، وكذلك إخراج المنطقة من حدود دارفور وكردفان من حدود أبيي وضمها إلى الشمال، بمجمل ما يتراوح ما بين 10 إلى 12 ألف كيلومترًا مربعًا من 16 ألفًا هي مساحة أبيي، بينما تبقت للمنطقة التابعة للجنوب حوالي ما بين 4 إلى ستة آلاف كيلومترًا مربعًا.
وبموجب الحكم، فإنَّ هذه الكيلومترات المتبقية، سيكون الرأي الفصل في تبعيتها لشمال السُّودان أو جنوبه الرأي الفيصل لسكانها من قبائل المسيريَّة والدينكا في الاستفتاء المقرر إجراؤه في يناير من العام 2012م، بموجب اتفاق سلام الجنوب الموقع بين الجانبَيْن في مدينة نيفاشا الكينيَّة في التاسع من يناير من العام 2005م، والبروتوكول الموقع بين الحكومة والحركة في نيفاشا أيضًا في السادس والعشرين من مايو من العام 2004م.
وبحسب خبراء في القانون الدولي، ومن بينهم الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجيَّة المصري السابق، ومسئولين في الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، فإنَّ الحكم ملزم لطرفَيْ النزاع فيه، وهما حكومة الخرطوم والحركة الشعبية، واللتان رحبتا بقرار المحكمة فور صدوره.
وتعتبر منطقة أبيي أحد ثلاثة مناطقٍ مُهمَّشة، دار حولها خلافٌ ما بين الخرطوم والحركة الشعبيَّة بعد التوقيع على اتفاق سلام الجنوب بشأن تبعيتها للشمال أو الجنوب، مع أهميَّة تحديد وضعها الإقليمي، تحسبًا لانفصال الجنوب في الاستفتاء المقرر في يوليو من العام 2001م، بموجب الاتفاق الرئيسي الموقع في نيفاشا في العام 2005م، وهي النيل الأزرق وجبال النوبة، بالإضافة إلى أبيي.
وتعتبر المناطق المُهمَّشة إحدى القضايا الخلافيَّة ما بين الحكومة والحركة، بجانب سلسلةٍ من القضايا الأخرى، من بينها تقاسُم السُّلطة والثَّروة والعملة الوطنيَّة وموضعها من اقتصاد الجنوب.
واعتبرت الأمم المتحدة هذا الحكم بمثابة "تسويَّة نهائيةٍ" للنزاع بين الخرطوم والحركة الشعبيَّة حول منطقة أبيي.
أبيي.. حقائق ومعلومات
أبيي عبارة عن منطقة تماس تقع على بُعد 50 كيلومترًا عن بحر العرب، وهو نهر صغير يفصل بين بعض مناطق الشمال والجنوب السُّودانيَّيْن، ويعيش فيها خليطٌ من القبائل الأفريقيَّة والعربية، ومعظمها قبائلٌ رعويةٌ، وكل طرف يدعي سيادته التاريخيَّة على المنطقة ويصف الآخرين "بالغرباء"، وتعتبر أبيي أكثر المناطق الثلاث حساسيَّة في ملفات التفاوض بين الحركة الشعبيَّة والخرطوم، لاعتباراتٍ اجتماعيَّة وثقافيةٍ.
وبحسب الدراسات السياسيَّة والأنثروبولوجيَّة التي أجريت على السُّودان وخريطته السياسيَّة والبشرية، فإنَّه من بين أشد الجزئيات حساسيَّة في مشكلة أبيي، أنَّ هناك عددٌ كبيرٌ من أبناء المنطقة قيادات في الحركة الشعبية، بل إن زعيم الحركة السابق جون قرنق الذي قُتِلَ في حادث تحطم طائرةٍ غامضٍ في أوغندا في العام 2005م، بعد التوقيع على الاتفاق بأشهرٍ، هو من أبناء قبيلة الدينكا، التي تعتبر من أهم قبائل أبيي وجنوب السُّودان.
وفي الجانب الآخر، فإنَّ القبائل العربيَّة الموجودة في أبيي مثل المسيريَّة والرزيقات، تعتبر حليفًا إستراتيجيًّا للحكومة في الخرطوم منذ الاستقلال، وطيلة عقود التمرد الجنوبي وقفت تلك القبائل كحائط صدٍّ قويٍّ في وجه حركات التمرد الجنوبيَّة المسلحة، ولذلك فإنَّ هناك عددٌ كبيرٌ من الرتب العاليَّة في الجيش الوطني السُّوداني ينتمون من هذه القبائل.
وكان المنطق التفاوضي الذي تبنته الحركة الشعبيَّة في الخلاف مع الخرطوم حول هذه المنطقة يقوم على أساس أنَّ أبيي كانت تابعة للجنوب، من خلال تبعبتها لمديريَّة بحر الغزال قبل العام 1905م، وتم ضمها لشمال السُّودان بقرارٍ إداريٍّ من الحاكم العام البريطاني؛ حيث أصدر قرارًا إداريًّا بتبعيتها لمديريَّة كردفان، ولذلك طالبت الحركة بإعادتها إلى الجنوب بقرارٍ إداريٍّ مماثلٍ يصدر من رئيس الجمهورية.
ولكن الحكومة السُّودانيَّة طرحت وجهة نظر في المقابل تقول إنَّ منطقة أبيي منطقة اختلاط ما بين قبائل المسيريَّة والدينكا على مدى حقبٍ طويلةٍ تتجاوز القرن الماضي، واعتمدت الحكومة السُّودانيَّة على مذكراتٍ وتقاريرٍ أعدتها الإدارة الاستعماريَّة البريطانيَّة تقول بأنَّ قبيلة الدينكا أنقوك المقيمة هنالك "ظلت على حرصها ومثابرتها بأنْ تكون إلى جانب المسيريَّة في شمال السُّودان".
ومن بين هذه الوثائق مذكرةٌ تقول إنَّ ناظر الدينكا كوال أروب عندما خيرته الإدارة البريطانيَّة بين البقاء في الشمال أو الالتحاق بالجنوب في عام 1934م، فضل البقاء الشمال على الجنوب، وعندما مات الناظر كوال وخلفه ابنه دينق مجوك الذي طرح عليه مرة أخرى أمر العودة إلى الجنوب عام 1951م اختار بدوره البقاء في الشمال.
إلا أنَّ الحركة الشعبيَّة فسرت هذه الاختيارات من جانب الدينكا أنقوك لمرتين البقاء في الشمال بأن القرار كان لاعتباراتٍ اقتصاديَّة واجتماعيَّة خاصةٍ بناظر الدينكا أروب وابنه مجوك، ومتعلقة بوضعهما كزعماء في الشمال، لما لذلك من امتيازاتٍ، تفوق ما كان لدى نظرائه في الجنوب.
وكان لفترة تولي الرئيس إبراهيم عبود الذي حكم السُّودان في الفترة ما بين العام 1958م، والعام 1964م، دورًا كبيرًا في إدخال العديد من التأثيرات على العلاقات ما بين الدينكا والعرب في أبيي؛ حيث حاول عبود إنهاء مشكلة الجنوب باستخدام القوة المسلحة الشديدة الإفراط، وفرض برامج تعريب وأسلمة بالقوة على القبائل الجنوبية، بما أدى إلى شق صف العلاقة ما بين القبائل الأفريقيَّة والعربيَّة في أبيي وغيرها من مدن الجنوب.
وكان لاندلاع التمرد الجنوبي المسلح في المقابل في منتصف الخمسينيات الماضية، دوره في ذلك الانقسام؛ حيث بدأت مجموعات كبيرة من أبناء دينكا أبيي تتجه للالتحاق بحركات التمرد الجنوبية، ومنهم جاء جون قرنق.
ترتيباتٌ قائمةٌ
بموجب اتفاق مايو 2004م، واتفاق سلام الجنوب تم ترتيب الوضع القائم حاليًا في أبيي؛ حيث تم اعتبار أبيي "جسرًا بين الشمال والجنوب، وتربط شعب السُّودان"، وتم النص على أنَّ الإقليم يشمل تسع مشيخات من قبيلة دينكا نقوق تم تحويلها من بحر الغزال إلى كردفان في العام 1905م، مع احتفاظ قبيلة المسيريَّة العربيَّة والجماعات الرعويَّة الأخرى بحقوقها التقليديَّة في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي.
وخلال الفترة الانتقاليَّة منحت أبيي وضعًا إداريًّا خاصا بحيث يصبح المقيمون في أبيي مواطنين في كلٍّ من غرب كردفان وبحر الغزال، ويكون لهم ممثلون في المجالس التشريعيَّة في الولايتَيْن، بينما يدير أبيي مجلسٌ تنفيذيٌّ محليٌّ انتخبه المقيمون فيها.
كما تم الاتفاق على توزيع صافي عائدات بترول أبيي في الفترة الانتقاليَّة على ست حصص تحصل فيها الحكومة القوميَّة على 50%، وحكومة جنوب السُّودان على 42%، ومنطقة بحر الغزال على 2%، وغرب كردفان على 2%، والجهات المحليَّة في دينكا نقوق على 2%، والجهات المحليَّة في المسيريَّة على 2% بينما تم النص على ضرورة مساعدة الحكومة المركزيَّة في الخرطوم لأبيي على تحسين الظروف المعيشيَّة لسكانها "بما في ذلك رعايَّة مشاريع تنمويَّة وحضرية".
كما تم نشر مراقبين دوليين في أبيي لضمان التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقات، إلى حين إجراء استفتاءٍ منفصلٍ بالتزامن مع استفتاء جنوب السُّودان في العام 2011م ، ويضمن الاستفتاء لسكان أبيي الخيارات التاليَّة بصرف النظر عن نتيجة استفتاء جنوب السُّودان، إمَّا الاحتفاظ بوضعٍ إداريٍّ خاصٍّ في الشمال، أو أنْ تكون أبيي جزءًا من بحر الغزال، وبالتالي تابعةً للجنوب وتلاحقه في مصيره إما الوحدة أو الانفصال.
ولكن في كل الأحوال لن يتم انتهاك حدود الأول من يناير من العام 1956م، التي تم ترسيمها بين الشمال والجنوب السُّودانيَّيْن.
مشكلةُ استعماريَّةٌ
تُعتَبَر مشكلة جنوب السُّودان منذ البدايَّة مشكلةٌ استعماريَّة خلقها الاستعمار البريطاني، فبعد قيام الحكم الثنائي المصري- البريطاني في السُّودان عام 1899م، قامت سياسة حكومة الخرطوم التي كان يسيطر عليها الجانب الإنجليزي، تجاه جنوب السُّودان على 3 ركائز، الأولى هي إضعاف الوجود العربي الإسلامي في الجنوب بدعوى أن ذلك قد يؤدي إلى التسبُّب في اضطرابات، بدعوى أن الصورة الذهنيَّة للشماليين لدى الجنوبيين لا تعني سوى تجارة الرقيق.
أما الثانيَّة فقد قامت على أساس إضعاف الثقافة العربيَّة ولغتها، بإحلال الإنجليزيَّة محل العربيَّة كلغةٍ عامة، أو بتشجيع انتشار اللهجات المحليَّة في الجنوب وتحويلها إلى لغاتٍ مكتوبةٍ، أما الركيزة الثالثة فقد كانت تعتمد على أساس منع انتشار الإسلام في الجنوب وذلك عن طريق فرض قيود على حريَّة حركة الدعاة المسلمين في الجنوب، ودعم الإرساليات التَّنصيريَّة في الجنوب من خلال أدوارها في مجالَيْ التعليم والصحة.
وبحسب الباحث التاريخي المصري الراحل يونان لبيب رزق، فإنه ومنذ العام 1899م، وحتى العام 1919م، تم التمهيد على الأرض لفصل الجنوب عن الشمال، ففي العام العام 1910م، تمت إجراءات إقامة إدارة فعالة في تلك المناطق الشَّاسعة من أعالي النيل وفي بحر الغزال ومنجالا، واستعانت سلطات الاحتلال البريطاني بوسائلٍ متعددةٍ لتحقيق ذلك مثل تخويل زعماء القبائل بعض الصلاحيات الإدارية، والاستعانة بالإرساليات لتنفيذ ما أسموه بـ"تمدين البشر".
وقد تم خلال خهذا العام، 1910م، انتقل حاجز اللادو من إدارة حكومة الكونغو إلى إدارة حكومة السُّودان البريطانية، ونشأ خلاف بين الإبقاء على يوم الأحد كإجازةٍ أسبوعيةٍ، إلا أنَّ السلطات المحليَّة في المديريات الجنوبيَّة خشيت رد فعل الشَّماليِّين المسلمين المقيمين في الجنوب على اتخاذ مثل هذه الخطوة.
ثم عمدت بعد ذلك الإدارة الاستعماريَّة إلى التخلص من الوجود العربي الإسلامي في المديريات الجنوبية، والذي كان متمثلاً في ثلاث عناصر، وهي قوات الجيش المصري الموجودة في الجنوب، والموظفون المصريون والسُّودانيون الشماليون، وأخيرًا التجار الشماليون الذين كان يعمل بعضهم لحسابه الخاص، والبعض الآخر لحساب هيئات وشركات تجاريَّة شمالية.
فتم تجنيد الجنوبيين في مارس 2001م، فيما يعرف بالفرقة الاستوائية، والتي كانت هي فصيل التمرد الذي قاد منذ الخمسينيات أكبر وأطول حركة تمرد في التاريخ، وهي التي بدأت الحرب الأهليَّة السُّودانيَّة في العام 1983م، وخرج آخر جندي من القوات السُّودانيَّة الشماليَّة من الجنوب يوم 7 ديسمبر من العام 1917م، كما تم الاعتراف بيوم الأحد إجازةٍ أسبوعيَّة منذ مطلع العام 1918م، وتم استبدال الموظفين المسلمين بآخرين من الجنوب، وفرض اللغة الإنجليزية، مع اتخاذ إجراءاتٍ لمنع التجار الشماليين من العمل في جنوب السُّودان.
وحتى العام نهايَّة النصف الأول من القرن العشرين، تم تطبيق سلسلةٍ من الإجراءات لفصل الزنوج في الجنوب عن الأراضي العربي عن طريق إقامة خط من شرق السُّودان إلى غربه، ويسير مع أنهار بارو والسوباط والنيل الأبيض وبحر الجبل.
وفي العام 1920 وفي 14 مارس، أصدرت الحكومة الاستعماريَّة مذكرة صريحة قالت فيها: "إنَّ سياسة الحكومة (البريطانية) هي الحفاظ بقدر الإمكان على جنوب السُّودان بعيدًا عن التأثير الإسلامي، ففيه يتم توظيف المأمورين السود، وعندما تقتضي الضرورة إرسال كتبة من المصريين يُختارون من الأقباط، وأصبح يوم الأحد هو يوم العطلة بدلاً من يوم الجمعة، وأخيرًا تشجيع المشروعات التنصيرية".
ونتيجةً لهذه الإجراءات، وفي العام 1955م، بدأت حركة "الأنيانيا" الانفصاليَّة التي تكونت من الفرقة الجنوبيَّة في القوات المسلحة السُّودانية، والتي كان مقر قيادتها في مدينة توريت الجنوبية، وكانت تتكون من عددٍ من أبناء القبائل الاستوائيَّة التي يقدر عددها بـ40 قبيلة، والأنيانيا اسمٌ يُطلق على نوعٍ من الحشرات السامة التي تعيش في تلك المناطق.
وكانت الفرقة تتكون من مليشياتٍ غير منظمةٍ وغير مدربةٍ وضعيفة الإعداد العسكري، وإنْ اعترف بعض قادتها، ومنهم جوزيف لاجو، بأنَّها كانت تتلقى دعمها من الكيان الصهيوني وأوغندا، ومن بعض المُنظَّمات الكنسيَّة مثل اتحاد الكنائس العالمي.
وهدأت الأمور مؤقتًا بتوقيع الأنيانيا على اتفاق أديس أبابا مع نظام الرئيس السُّوداني الراحل جعفر النميري في العام 1972م، إلا أنَّ الأمور تدهورت بسبب سياسات النميري المتناقضة، فتمردت إحدى الكتائب العسكريَّة المسلحة في جنوب السُّودان عام 1983م، فأوفد نميري العقيد جون قرنق الذي كان ضابطًا بالجيش السُّوداني آنذاك للتفاوض مع الكتيبة المتمردة، لكن قرنق وبدلاً من إخماد التمرد تحالف مع المتمردين، وأنشأ الحركة الشعبيَّة لتحرير جنوب السُّودان والجيش الشَّعبي كذراعٍ مسلحٍ لها.
إلا أنَّه عاد وحذف كلمة "جنوب" من اسم الحركة، لكي يصبح اسمها الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، وأعلن قرنق أن الحركة لا تطالب بانفصال الجنوب، وإنما بإعادة صياغة منهج الحكم فيه وتفكيك قبضة المركز على الأقاليم.
وبعيدًا عن أيَّة تطوراتٍ تاريخيةٍ، فإنَّ جذور ما يجري في العام 2009م، مرده إلى ما حدث في صبيحة يومٍ أسود من أيام العام 1899م بيد الإنجليز!!











0 تعليقات:
Post a Comment