حلف النَّاتو.. أهدافٌ سياسيَّةٌ لأدوارٍ عسكريَّةٍ عالميَّةٍ!!...


كتب- عبد العظيم الأنصاري

تَكْمُن مُبرِّرات قيام أيِّ حلفٍ عسكريٍّ بين أكثر من دولةٍ في الجانب السِّياسيِّ، الذي يُمثِّل في كلِّ الحالات المُحرِّك الرَّئيسيِّ لقيام وانهيار الأحلاف، وفي الإطار يجب أنْ تصل الأطراف المُكوِّنة للحلف إلى قناعةٍ مفادها وجود مصالحٍ إستراتيجيَّةٍ خاصَّةٍ تربط بعضها بالبعض الآخر، ووجود أهدافٍ سياسيَّةٍ أو اقتصاديَّةٍ مشتركةٍ لا يمكن تحقيقها بشكلٍ مُنفردٍ، أو أنَّها في هذه الحالة ستتحقَّق بتكلفةٍ أعلى أو بمخاطرةٍ غير مضمونةٍ، هذا بالإضافة إلى وجود إرادةٍ سياسيَّةٍ لتحقيق هذه الأهداف.
وعند النَّظر إلى حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، نجد أنَّنا أمام تجربة تحالفٍ هي الأطول والأقوى عبر التَّاريخ.
ولا تعود نشأة فكرة الحلف إلى مرحلة ما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية كما هو شائعٌ، بل تعود فكرة هذا الحلف إلى العام 1929م، وظهرت الفكرة بهدف تكتيل الدِّول الدِّيمقراطيَّة في مواجهة النُّظم الديكتاتوريَّة الفاشيَّة والنَّازيَّة والشُّيوعيَّة في العالم في ذلك الحين، بعد فشل التَّنظيم الدَّوليِّ ممثلاً في عصبة الأمم في ذلك الحين، في معالجة المشاكل الدَّوليَّة، ولكن اشتعال الحرب العالميَّة الثَّانية أخَّرت تنفيذ فكرة قيامه.
وبعد انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية، وقيام هيئة الأمم المتحدة، وظهور الاتحاد السوفيتيِّ كقوَّةٍ عُظمى تسعى إلى فرض نفوذها خارج حدودها؛ عادت الفكرة تتجسَّد مرَّةً أخرى من أجل تضافُر جهود دول أوروبا الغربيَّة لإنشاء منظومة دفاعٍ جماعيٍّ عن نفسها ضد أيِّ عدوانٍ شيوعيٍّ مُحتملٍ، خاصَّة بعد أنْ استولى الشُّيوعيُّون على مقاليد الحكم في تشيكوسلوفاكيا وإنشاء "الكومنفورم" الذي يضم الأحزاب الشُّيوعيَّة في العالم.
وبعد أنْ زاد التَّوتُّر بين الكُتلتَيْن الغربيَّة والشَّرقيَّة وبرُز عجز الأمم المتحدة عن وقف الصِّراع بينهما، شعرت الدول الأوروبيَّة بمدى الخطر الذي يتهدَّدها وضعف قدراتها العسكريَّة إزاء القُوَّة السُّوفيتيَّة الهائلة على حدودها الشَّرقيَّة.
وقتها صرَّح الرَّئيس الأمريكيُّ هاري ترومان بأنَّ الولايات المتحدة ستدعم "الأمم الحرة"، وتقدم لها المساعدة التي تطلبها.
وفي هذا الإطار اتجت أوروبا الغربيَّة إلى الولايات المتحدة وكندا، للبحث عن إمكانيَّة تحقيق الأمن المُتبادل، وفي 4 إبريل 1949م، وقَّعت اثنَيْ عشرةَ دولةٍ على معاهدة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو).
وقد بدأت الاتصالات في 6 يوليو 1948م، بين دول غرب أوروبا، ثم توالى دخولها في الحلف الجديد تباعًا، وفي يوم 18 مارس 1949م أُعْلِنَت نصوص الميثاق الجديد، وحُدِّد موعد التَّوقيع في أبريل 1949م في واشنطن.
وضم الحلف الأعضاء المُؤسِّسين التَّاليين: الولايات المتحدة، كندا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، النُّرويج، الدَّانمارك، أيسلندا، البرتغال، بلجيكا، هولندا، لوكسمبرج، وكانت أولى نتائج ذلك التَّحالُف إنهاء الاتِّحاد السُّوفيتيِّ لحصاره لبرلين، والذي استمر 323 يومًا، وذلك في 3 مايو 1949م، أي في أقلِّ من شهرٍ بعد تأسيس الحلف.
تدريجيًّا زاد عدد بلدان الحلف؛ حيث انضمَّت أربعِ دولٍ أخرى إلى الدِّول المُؤسِّسة، ليرتفع عدد الأعضاء إلى 16 عضوًا، ففي سبتمبر 1951م، تمَّت دعوة اليونان وتركيا للانضمام للحلف، وقد انضمتا رسميًّا في 18 أبريل 1952م، كما دُعِيَت جمهورية ألمانيا الاتحاديَّة (الغربيَّة) للانضمام عقب التَّوقيع على اتفاقيَّة باريس في أكتوبر 1954م، غير أنَّها لم تُصبِح عضوًا بصفةٍ رسميَّةٍ إلا في 9 مايو 1955م، وفي 10 ديسمبر 1981م وُقِّع بروتوكول انضمام إسبانيا للحلف وانضمت رسميًّا في 30 مايو 1982م.
وأخذ الحلف في التَّوسُّع؛ فضمَّ التِّشيك والمجر وبولندا سنة 1999م، ثم انضمَّت بلغاريا وأستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا سنة 2004م، ثمَّ انضمَّت كلٌّ من ألبانيا وكرواتيا في أوز أبريل من العام 2009م.
ومن خلال تتبُّع وتيرة انضمام الأعضاء الجُدُد للحلف نجد أنَّ الحلف قد توسَّع شرقًا شيئًا فشيئًا إلى أنْ ضمَّ دولاً كانت مُؤسِّسةً لحلف وارسو المضاد له، والذي انهار بانهيار الكُتلة الشَّرقيَّة والاتِّحاد السُّوفيتي السَّابق.
مُبرِّرات البقاء!!
في أعقاب سقوط حلف وارسو في يوليو 1991م، ثم تفكُّك الاتِّحاد السُّوفيتي، برَزَت العديد من التَّساؤلات حول مستقبل حلف النَّاتو بعد زوال مصدر التَّهديد الذي نشأ الحلف وتطوَّر لمواجهته.
وقد برز تيَّارٌ ينبع من المدرسة الواقعيَّة رأى أنَّ السُّقوط هو المآل الطَّبيعيُّ للحلف بعد تلاشي مصادر التَّهديد الأساسيَّة، وذلك من منظور نظريَّة توازُن القوَّة؛ غير أنَّ تيَّارًا آخر رأى من منظورِ توازن التَّهديد، والذي تحدَّث عنه الأكاديمي الأمريكي البارز ستيفن والت، والذي يقول إنَّ تفكُّك الحلف لا يعدُّ أمرًا حتميًّا، ومن ثَمَّ فإنَّه يمكنه أنْ يتعزَّز ويقوى ويستمر لفتراتٍ طويلةٍ قادمةٍ، إذا ما تمَّ وضع تصوُّرٍ جديدٍ لمصادر تهديدٍ جديدةٍ يُمكن من خلالها تطوير المفهوم الإستراتيجيِّ للحلف.
وقد كثُرَت الدِّراسات للبحث عن التَّهديدات الجديدة التي يمكن أنْ تُشكِّل مُبرِّراتٍ لاستمرار الحلف، مع ما يعنيه ذلك ضمنًا من استمرار القيادة الأمريكيَّة للحلف، وبالتَّالي لمنظومة الدِّول المنتصرة في الحرب الباردة، استمرارًا لدورها في قيادة المعسكر الغربيِّ منذ نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية؛ لأنَّ هذا الدَّور سيفقد الكثير من مقوِّماته إذا ما ضَعُفَ أو تفكَّك حلف النَّاتو ممَّا قد يُؤدِّي إلى ظهور قوَّةٍ جديدةٍ قد تُمثِّل تهديدًا لأيٍّ من دول الحلف.
من هنا كانت إرادة الحلفاء في الاستمرار، وبدأ الحلف في تطوير عُضويَّتِه وآليَّاتٍه، حتى يتماشى مع المُتغيِّرات الإقليميَّة والدَّوليَّة.
وتتمثِّل هذه المُبرِّرات في الآتي:
1.    وجود تهديداتٍ غير مباشرةٍ وأخرى مٌتوقَّعة لدول الحلف ولدولٍ صديقةٍ للحلفاء، ووجوب العمل لكبح جماحها، وتتمثَّل هذه التَّهديدات في صعود أيِّ قوَّةٍ جديدةٍ لها إرادةٌ سياسيَّةٌ مُستقلَّةٌ في منطقة الشَّرق الأوسط، وما سُمِّي فيما بعد بالشَّرق الأوسط الكبير، والمقصود هنا العالم العربيِّ والإسلاميِّ وذلك للسَّببَيْن التَّاليَيْن:
-    الأوَّل: أنَّ منطقة الشَّرق الأوسط (جنوب وشرق البحر المتوسط) هي منطقةٌ ذات حساسيةٍ عاليةٍ تجاه الأمن القوميِّ الأوروبيِّ؛ فالعقليَّة العسكريَّة الإستراتيجيَّة الأمريكيَّة والأوروبية خاصَّة تؤمن بأنَّ أيِّ صعودٍ أو تفوُّقٍ لأيٍّ من هذه الدِّول سيكون خصمًا من القوة الغربيَّة (الأوروبيَّة)، إنْ لم يأتِ على حسابها أو يُشكِّل تهديدًا مُباشرًا لأمنها.
وذلك ما أكَّدته الخبرة الأوروبيَّة التَّاريخيَّة التي لم تنس الحرب الضَّارية بين إمبراطوريَّة قرطاجة في تونس والإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، والتي انتهت بزحف الجيش القرطاجي بقيادة هانيبال على روما واختراق شمال شبه الجزيرة الإيطاليَّة بعد عبور جبال الألب، هذا بالإضافة إلى الفتح الإسلاميِّ للأندلس ووصول الجيش الإسلاميِّ إلى فرنسا وسويسرا، كما لم تنسَ القارَّة العجوز اهتزاز عروشها أثناء دق السُّلطان سليمان القانوني على أبواب فيينا.
-    الثَّاني: وجدت واشنطن في العالم الإسلاميِّ بديلاً للاتِّحاد السُّوفيتيِّ كعدوٍّ، بعد أنْ كان حليفًا في مواجهة السُّوفيت الذين سقطوا في العديد من الشِّراك المنصوبة لهم في أفغانستان، والتي أعدها المجاهدون العرب والأفغان بدعمِ ومساندةِ واشنطن.
وبعد أنْ أكَّد فرانسيس فوكوياما في كتابه الأشهر "نهاية التَّاريخ" أنَّ التَّاريخ الإنساني قد انتهى بانتصار الولايات المتحدة والغرب على الاتِّحاد السُّوفيتيِّ، خرج لنا صموئيل هنتنجتون بنظريَّة "صراع الحضارات"، التي أكَّد من خلالها أنَّ الحضارتَيْن الإسلاميَّة والصِّينيَة تُشكِّلان التَّحدي الحقيقي للحضارة الغربيَّة وهيمنتها، وأوصى بمحاصرة العالم الإسلاميِّ وعدم السَّماح لأيِّ دولةٍ إسلاميَّةٍ بالتَّقدُّم في مجال التَّسليح التَّقليديِّ أو النَّوويِّ.
2.    احتواء وتحجيم روسيا الاتِّحاديَة تحسُّبًا لأيِّ بعثٍ لها لتلعب دورًا رئيسيًّا على السَّاحتَيْن الأوروبيَّة والدَّوليَّة في المستقبل.
3.    احتواء دول شرق ووسط أوروبا من خلال ربطها بشبكة علاقاتٍ مع الحلف، وإبعادها عن أيِّ روابطٍ مستقبليَةٍ فيما بينها أو بينها وبين روسيا الاتِّحاديَّة، ومنع انبعاث الحركات القوميَّة الكُبرى في البلقان (صربيا الكبرى- ألبانيا الكبرى).
4.    دعم استمرار الهيمنة الأمريكيَّة السِّياسيَّة والعسكريَّة على البيت الأوروبيِّ، وهو ما ظهر جليًّا إبَّان أزمتَيْ البوسنة والهرسك وكوسوفا وتدخَّل الحلف في الحالتَيْن في توقيتٍ مُتأخِّرٍ بعد استنزاف المحاولات الأوروبيَّة لإثبات فشل أوروبا في حلِّ الأزمات، حتى ولو كانت داخل القارَّة، وبدون قيادة واشنطن.
5.    المحافظة على موطئ قدمٍ أمريكيَّةٍ في دول الحلف في أوروبا ضمن إطارٍ رسميٍّ قانونيٍّ يُمكن من خلالها تأمين خطوط مواصلاتها البحريَّة والجويَة، والانطلاق إلى أيِّ منطقةٍ إقليميَّةٍ أخرى على غرار ما تمَّ أثناء حربَيْ الخليج الثَّانية (1991م) والثَّالثة (2003م).
6.    توفير آليَّةٍ عسكريَّةٍ شبه دوليَّةٍ كواجهةٍ يُمكن للولايات المتحدة تنشيطها طبقًا لمصالحها في إطار غطاءٍ دوليٍّ يُحقِّق لها تفادي المُعارضة الدَّوليَّة في حالة عملها منفردةٍ خاصَّةٍ إذا أرادت القيام بعملٍ عسكريٍّ خارج نطاق الشَّرعيَّة الدَّوليَّة (الأمم المتحدة) كما حدث في حالة العراق 2003م.

الناتو.. من الدِّفاع إلى الهجوم!!
يبدو حلف النَّاتو منذ مطلع القرن الجديد أكثر اختلافًا في إستراتيجيَّته خاصَّة، وقد برز ذلك جليًّا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والهجوم على أفغانستان؛ حيث اتجه الحلف تحت قيادة واشنطن من سياسة الدِّفاع التي كان يرفعها شعارًا إلى سياسة الهجوم، والمقصود بالهجوم ليس مجرَّد القيام ببعض العمليَّات والمهام العسكريَّة الخاطفة، وإنَّما الهجوم على دولةٍ واستعمارها، وهذا ما حدث في الهجوم على أفغانستان 2001م.
ويبدو أنَّ الأعضاء المُؤسِّسين كانوا يضعون ذلك في حسبانهم عندما وضعوا ميثاق الحلف وصاغوا أهدافه، والتي تنص على "حماية دول العالم بشكلٍ عامٍ، وحماية الأعضاء بشكلٍ خاصٍّ"، وأيضًا "حفظ الأمن والاستقرار الدَّوليَّيْن"، وهي أهدافٌ هلاميَّةٌ، فالدَّور العسكريُّ المحوريُّ الذي يقوم به الحلف في أفغانستان يخرج عن الإطار الإستراتيجيِّ الذي تأسَّس من أجله الحلفـ والذي يتبنَّى العقيدة الدِّفاعيَّة لحماية أوروبا.
وبالتَّالي وجد المراقبون وضعًا فريدًا من نوعه؛ حيث عقيدة عسكريَّة هجومية تختلط فيها أوراق الهيمنة الأمريكيَّة بالأمن القوميِّ الإسرائيليِّ وحسابات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، مختلطةٌ كلَّها بأطماعِ رأس المال المُتمثِّل في الشَّركات مُتعدِّدة الجنسيَّات وتجارة النَّفط والسِّلاح والمرتزقة.
أفغانستان وتصدُّع الجدار
بعد مُضيِّ ثماني سنواتٍ على شنِّ الحرب الأمريكيَّة الأطلنطيَّة على أفغانستان، لم تتحقَّق أيٌّ من أهدافها بعد، فمثلاً لم يتم القبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، أو الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان أفغانستان، ولم يتحقَّق الأمن والاستقرار في هذا البلد المسلم المأزوم، فلم يتم بناء جيشٍ أفغانيٍّ قادرٌ على ضبط الأوضاع الأمنيَّة أو هزيمة طالبان أو القاعدة هزيمةً نهائيَّةً.
وبالرَّغم ما قاله الأمريكيُّون في بداية الحرب من أنَّ هذه الأهداف ستستغرق عامًا أو يزيد، فإنَّ العام زاد إلى ثمانيةٍ ولم يُنجَزُ شيءٌ على أرض الواقع.
ويبدو أنَّ قوات أكبر حلفٍ عسكريٍّ في التَّاريخ، والذي تأسَّس للوقوف في وجه الإمبراطوريَّة السُّوفيتيَّة، عاجزٌ عن هزيمة حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان بعد ثماني سنوات من الحرب الضارية.
ومنذ توليه مقاليد الحكم في واشنطن رأى الرَّئيس الأمريكيُّ باراك أوباما أنَّ السَّاحة الرَّئيسيَّة للحرب ضد الإرهاب هي أفغانستان، ووضع إستراتيجيَّةٍ لاجتثاث التَّمرُّد هناك تمثَّلت في الآتي:
-    توجيه ضرباتٍ عسكريَّةٍ قويَّةٍ ضد المُتمرِّدين من طالبان والقاعدة، بما في المعسكرات الموجودة في باكستان، حتى ولو أدَّى ذلك إلى أزمةٍ مع إسلام أباد.
وعدم الفصل بين ساحة القتال في أفغانستان وباكستان، قد يدفع الأخيرة إلى تقديم المزيد من التَّنازُلات لصالح قوات التَّحالُف في الوقت الذي تُعاني فيه من تمزُّقٍ شديدٍ، فالشَّارع الباكستاني في حالة غليانٍ من تكرار الانتهاكات العسكريَّة الأمريكيَّة الأطلنطيَّة للسِّيادة الباكستانيَّة، وقصف المدنيِّين.
كما أنَّه من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ الجيش الباكستانيِّ في حالة استنفارٍ شديدٍ بسبب ما آلت إليه أوضاع البلاد بين تصاعُد قوَّة ونفوذ الهند من جانبٍ، واتِّهامات كابول بالتَّقصير في مواجهة القاعدة وطالبان الَّلتان تجدان المأوى والحماية بين قبائل البشتون المُمتدة بطول الحدود الباكستانيَّة الأفغانيَّة.
ومهما كان استعداد باكستان لتلبية رغبات واشنطن وضرب حركة طالبان باكستان، فإنَّ الولايات المتحدة لن ترضى؛ حيث إنَّ هناك دوائرٌ أمريكيَّةٌ تؤكِّد أنَّ المُؤسَّسة العسكريَّة الباكستانيَّة، سواءً الجيش أو جهاز المخابرات العسكريَّة الباكستانيِّ المخيف (ISI)، مخترقةٌ بالفعل من قِبَلِ العديد من الجماعات الإسلاميَّة التي تُوصَف بالمُتشدِّدة.
-    زيادة حجم القوَّات الأجنبيَّة الموجودة، وهو ما يتمُّ مُراجعته في ظلِّ الفشل الذَّريع وارتفاع تكلفة الدِّماء الأطلنطيَّة.
-    المُساعدات الماليَّة الدَّوليَّة لتحسين المستوى المعيشيِّ للشعب الأفغانيِّ، والاهتمام بالبنية التَّحتيَّة هناك، والتي دمَّرتها الغارات الأطلنطيَّة في كثيرٍ من الأحيان.
-    إيجاد نظام في كابول يتمتَّع بالشَّرعيَّة بين أفراد الشَّعب، وهو ما لم تُفرزه الانتخابات الرَّئاسيَّة التي جرت في أغسطس الماضي؛ حيث يتمُّ التَّشكيك في نتائج الانتخابات ليس فقط من جهاتٍ داخليَّةٍ، وإنَّما من جهاتٍ دوليَّةٍ كذلك.
كما حاولت الولايات المتحدة أفغنة الصِّراع بتجنيد أكبر عددٍ مُمْكنٍ من الأفغان في الجيش والشُّرطة لتخفيف الضَّغط على قوَّات التَّحالُف، وهو في ذلك يُخالف أهم قاعدةٍ حربيَّةٍ، وهي ضرورة إيمان كلِّ جنديٍّ بالقضيَّة التي يُحارب من أجلها، وهو ما لا يتوفَّر لدى أغلب قوَّات الجيش والشُّرطة الَذين رأوا في الالتحاق بصفوف العسكر وظيفةً أفضل من غيرها في بلدٍ يُعاني الجهل والفقر والمرض.
وفي ذات الإطار أيضًا يجري حاليًا التَّفاهُم مع المعتدلين من حركة طالبان، ولكن لم يصل الطرفان بعد إلى تفاهمٍٍ واضحٍ في هذا الخصوص.
..........؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
يواجه حلف النَّاتو الآن أصعبَ اختبارٍ له منذ نشأته؛ فالأوروبيُّون الذين انضموا للنَّاتو من أجل أنْ يستظلُّوا بمظلَّة الحماية الأمريكيَّة من تهديد الاتِّحاد السُّوفيتي، يدفعون الآن ثمنًا باهظًا تحت القيادة الأمريكيَّة بين سفوح جبال أفغانستان الشَّاهقة؛ حيث تتحدث روما عن ضرورة سحب قواتها كما أنَّ كلاًّ من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، باتوا يشعرون بثقل هذه الحرب وتكلفتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة.
ولا يملك أوباما أو غيره قرار الانسحاب من أفغانستان.. الآن لا مجال للانسحاب، ولا بد من استكمال العمليَّات العسكريَّة، ليس فقط لأنَّ الأهداف المُعْلَنة من الحرب لم تتحقَّق، ولكن لأنَّ الواقع الإستراتيجيِّ يُؤكِّد هزيمة قوات النَّاتو أمام طالبان والقاعدة في حالة الانسحاب، ولن تمرَّ هذه الهزيمة بسهولةٍ على الغرب، فإنْ كانت هناك خلافات بين الحلفاء فيما يتعلَّق بالحرب على العراق، فلا يوجد أيِّ خلافٍ على الحرب في أفغانستان، بالإضافة إلى أنَّ البعض يتحدَّث في دوائرٍ غربيَّةٍ عن أنَّ الهزيمة في أفغانستان تعني أنَّ قرونًا من التَّفوُّق الغربيِّ ذهبت هباء.
فهل يُهزَم الحلفاء بالفعل؟.. هل تكون أفغانستان سببًا في حدوث صدعٍ يصعب معالجته في جدار النَّاتو الذي أسقط جدار برلين؟!!.. الأيام وحدها سوف تجيب عن ذلك!!.

......

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح