مقديشو- خاص بـ(اتِّجاهات)
الصُّوفيَّة أو التَّصوُّف ليست دينًا أو مذهبًا وإنما هي منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله عز وجل، كما يعرّفها الصُّوفيَّة أنفسهم، أما معارضيها فيعتبرونها ممارسة تعبديَّة لم تذكر لا في القرآن ولا في السُّنَّة، ولا يصح أي سندٍ لإثباتها، وعليه فهي تدخل في نطاق البدعة المحرمة، التي نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وتختلف الآراء في أصل تسميَّة الصُّوفيَّة، حيث يعيدها البعض إلى اسم "أهل الصفة"، لكن الرأي الأرجح يعيد التسميَّة ببساطة إلى الصوف الذي كان الزهاد يلبسونه تقشفًا وزهدًا في الحياة.
وعبر تاريخها لعبت الطُّرُق الصُّوفيَّة دورًا كبيرًا في ترسيخ العقيدة الإسلاميَّة وانتشارها رأسيًّا وأفقيًّا في القارة الإفريقيَّة، ومن أبرز الطُّرُق الصُّوفيَّة التي دخلت شرق أفريقيا ولعبت دورًا كبيرًا في حياة أهلها، هي الطُّرُق القادريَّة والإدريسيَّة.
وحاليًا يعمل في الصُّومال مجلس يسمى بالمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة (الطُّرُق الصُّوفيَّة)، ويرأسه الشيخ شريف شيخ محيي الدين القادري، ونائبه الأول هو الشيخ عبد الرحمن مبارك، والناطق الرسمي لهذا المجلس هو الشيخ عبد القادر شيخ محمد الملقب بـ"صومو".
وللمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة (الطُّرُق الصُّوفيَّة) مجلس تنفيذي مكون من 13 عضوًا من أقطاب الطُّرُق الصُّوفيَّة المختلفة في الصُّومال وله أيضا سبعة من لجان العمل.
وتلعب الطُّرُق الصُّوفيَّة في الوقت الراهن دورًا كبيرًا على مختلف المستويات في الصُّومال، سواءً سياسيًّا أو على المستوى الاجتماعي والثقافي- التعليمي، وتشارك مع مثيلاتها من جمعيات العمل العام والخدمات الاجتماعيَّة مثل جمعيَّة الإصلاح (الإخوان المسلمون في الصُّومال)، في مساعي إطفاء نيران الفتنة المشتعلة حاليًا بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد في هذا البلد الذي مزقته الحرب على مدار ما يقرب من عقدَيْن من الزمان.
وفي هذا التحقيق، الذي يعتبر باكورة سلسلة من التحقيقات من أرض الواقع، ويحاول الموقع عن طريقها رسم خريطة عمل المجموعات الدينيَّة والاجتماعيَّة المختلفة في الصُّومال، لعلاج مشكلاته، والمساهمة في تنميته اجتماعيًّا، نحاول عرض ملامح من الأدوار التي تلعبها الطُّرُق الصُّوفيَّة في الصُّومال في مختلف المستويات، فيما سوف يكون موعدنا في التحقيق القادم مع حركة الإصلاح.
التعليم ومحو الأميَّة
يعتبر علماء الصُّوفيَّة في الصُّومال أقدم من قام بتعليم وتثقيف العنصر الصُّومالي؛ حيث قاموا بذلك في حين كانت الأمة الصُّوماليَّة بلا حكومة توحد البلاد وتنظم الأمور بالمعنى المعاصر، وهم الذين قاموا بمهمة التعليم والتّثقيف من محو الأميَّة إلى أن يصبح الإنسان فقيهًا.
وقامت الطُّرُق الصُّوفيَّة في هذا الإطار مقام وزارة التعليم والإرشاد، ومقام وزارة التعليم العالي والبحوث، وفعلاً بذلت الطُّرُق الصُّوفيَّة جهودًا جبارةً حسب طاقتها، ووفرت مصادر التعليم للراغبين في التعلُّم من منبعٍ إسلاميٍّ نقيٍّ.
وانقسمت هذه الطُّرُق إلى فروع رئيسيَّة لسد حاجات الطلاب، حتى من قبل الذهاب إلى المدارس النظاميَّة، وذلك بعد إنشائها في البلاد منذ حوالي أربعة عقودٍ.
وكانت المدارس التابعة للطرق الصُّوفيَّة في الصُّومال تقوم بإعداد العلماء والفقهاء، ويعتمدون في ذلك على وسائل كثيرة ومتعددة، من أهمها:
1. الكتاتيب (أو الخلاوي):
(أو الدكس) باللغة الصُّوماليَّة بلهجة سكان جنوب البلاد أو (المَعْلَمَة) بلهجة سكان الشمال.
ويقول الشيخ عبد القادر شيخ محمد صومو الناطق الرسمي للمجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة لـ(اتِّجاهات): "هناك مثل صومالي يقول: على كل من أحب أن يكون من حفظة كتاب الله، فليذهب إلى إحدى المدارس الثلاثة: "بال ويني"، بقيادة عائلة المُعلِّم أحمد سياد، الذي تخرج على يديه أكثر من ألف مُعلِّمٍ، وتوفي معلم أحمد سياد عن عمر يناهز 105 سنين، والثانيَّة "بار مالي" بقيادة عائلة المُعلِّم أحمد هلولي، والثالثة مدرسة "بيمال" على يد المُعلِّم أيوب معلم فارح".
ويضيف صومو: "هذه المدارس الثلاث تعتبر من أهم المدارس التي تخرج منها كثير من الحفظة لكتاب الله، ويعتبر الدكس أهم من المدرسة بالنسبة للأطفال صغيري السم، والدكس هو المكان المخصص لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال".
ويعتبر "الدكس" مدخل التعليم لدى الصُّوماليين، وله أهميته البالغة لدى المجتمع ويعتبر "الدكس" بمثابة الحضانة والمرحلة الابتدائيَّة، وهذه الأهميَّة تأتي من جهد علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة؛ حيث إنهم كانوا يعتمدون في أداء رسالتهم الدعويَّة والتربويَّة في إنشاء الكتاتيب أو "الدكس"، ثم على الحلقات العلميَّة في المساجد.
وكان العلماء ينشئون في جميع القرى والمدن "دكس" أو أكثر حسب الحاجة، وعندما يبلغ الطفل السادسة أو السابعة من عمره، لا بد وأن يلتحق بها؛ حيث يتعلم فيها الكتابة والقراءة بالحرف العربي وبحفظ القرآن الكريم خلال أربع سنوات، وبعد حفظه للقرآن الكريم يلتحق الطالب بالحلقات العلميَّة في المساجد على يد عالم من علماء الصُّوفيَّة.
2. الحلقات في المساجد:
من المعروف أن المساجد عمومًا أماكن خاصة للعبادة وإقامة الصلوات وقراءة القرآن الكريم والاعتكاف، ولكنها في الصُّومال، وفي بعض البلدان العربيَّة والإسلاميَّة الأخرى، لا تزال تقوم بأدوارها الأخرى، من بينها أنها تقوم مقام المدارس والجامعات والمعاهد العلميَّة.
وفي حلقات المساجد يتعلم الصُّوماليون علوم الشريعة واللغة العربيَّة، ومختلف فروع العلوم والفنون الأخرى، والمساجد في الصُّومال لا زالت من الأماكن المخصصة لدراسة هذه العلوم، وفي المدن والقرى على حدٍ سواءٍ، وفي كل مكان يوجد فيه مسجد، تجري الدراسة وتقام فيها حلقاتها المختلفة، كما أنها مأوى للطلاب ومسكنًا لهم في بعض الأحيان؛ حيث تكتظ المساجد في بعض الأوقات بطلبة العلم، والذين لا يجدون لأنفسهم مسكنًا ولا مأوى في المدينة التي يأتي إليها الطالب للعلم تحت أيدي الفقهاء الموجودين في المدينة أو تلك.
ويدعى هذا الطالب عند الصُّوماليين (حرو) أي (المغترب لطلب العلم)، ويغيب هذا الطالب من أهله وبلدته أو قريته إلى أن يتفقه في الدين.
وبالرغم من أن هناك تأثير للنظام التعليمي الحديث على الأنشطة التعليميَّة التي تقوم بها الحركات الصُّوفيَّة، إلا أن لديهم القناعة بأن طريقتهم هذه أهم من أي شيء، ولابد لطالب العلم أن يبدأ برحلته الدراسيَّة بالدكس ثم بالحلقات، حتى ينال ما يكفيه من العلم الشرع والتربيَّة الدينيَّة، ثم يذهب إلى المدارس النظاميَّة.
وهناك شكلٌ من أشكال الحذر في تعامل أهل الطُّرُق الصُّوفيَّة مع المدارس النظاميَّة، ويرجع تاريخ هذا الحذر إلى أيام الاستعمار، الذي كان يلبس الخيانة بثوب التعليم، وكان العلماء قد خاضوا المعارك ضده لإنقاذ الأمة الصُّوماليَّة من كيد المستعمر، الذي يفتح مدارس التنصير في أنحاء البلاد حينها.
انتماءٌ متأصِّلٌ
وإذا ألقينا نظرة عامة في هذا النوع من التعليم من حيث تأثيره في أفراد المجتمع الصُّومالي ككل، وإقبال الناس على هذه الطريقة من التعليم، والنظرة الخاصة التي كان ولا يزال ينظرون بها أفراد الأمة الصُّوماليَّة إلى رجال العلم وخاصة علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة وبمدارسها/ نجد أن هناك عدد من العوامل كان لها في مجموعها تأثير إيجابي ملحوظ في هذا الشأن.
ومن أهم تلك العوامل:
- رسوخ الدين الإسلامي رسوخًا عميقًا في نفوس أفراد الشعب عمومًا، وقوة العاطفة الدينيَّة في قلوبهم ووجدانهم وسلطان روح العقيدة الإسلاميَّة وسيطرتها المطلقة على كيانهم، الأمر الذي أدى إلى التعاون مع كل من يعمل ويسعى لترسيخ العقيدة الإسلاميَّة.
- المركز الاجتماعي الممتاز الذي كان ولا يزال يتمتع به علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، وتلك الهالة من التقدير والاحترام، الأمر الذي يعتبر في حد ذاته وسيلة من وسائل الإغراء والتشجيع لهذه الطريقة التقليديَّة من التعليم.
- خلو الجو لهذا النوع من التعليم في فترة من الفترات في القطر الصُّومالي، وعدم وجود أي منافس له في البيئة في حينها.
- الثقة التي أولاها الزعماء والمسئولون الصُّوماليون سواء أكانوا رسميين أو غير رسميين تجاه علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة.
وعلى الرغم من أن المراكز والمدارس التعليميَّة الصُّوفيَّة موجودة في جميع أرجاء الصُّومال، وفي جميع المدن والقرى، إلا أنه مع ذلك كان هناك مراكز علميَّة رئيسيَّة اشتهرت بنشر العلم والثقافة الإسلاميَّة في ربوع البلاد، وكانت بمثابة مناهل أساسيَّة للعلم والمعرفة يؤمها طلاب العلم وراء المعرفة من أقصى البلاد، ويشدّون إليها الرحال.
ومن أهم تلك المراكز والمدارس، المركز الواقع في الطرف الغربي من البلاد، وكان يغطي مدينة هرر والأقاليم التابعة لها، ويمثل هذا المركز المنبع الرئيسي للثقافة والمعرفة في الأقاليم الغربيَّة والشماليَّة من البلاد، حتى جاء الاستعمار وأصبحت مدينة هرر فريسة للغزو الإثيوبي.
أما المركز الثاني فيقع في الطرف الجنوبي من البلاد، ومركزه مدينة مقديشو العاصمة والأقاليم التابعة لها.
ومن العلماء الذين كان لهم الدور الكبير في التدريس ولديهم المدارس الكبيرة الغير النظاميَّة (الحلقات في المساجد)، المدرسة التابعة للشيخ العلامة الشيخ صوفي في مقديشو، ومدرسة الشيخ عبد الرحمن علي في ورشيخ بمحافظة شبيلي الوسطى، ومدرسة الشيخ علي مي في ماركا بمحافظة شبيلي السفلى، ومدرسة الشيخ حسين عدي في مقديشو.
وفي الفترة الأخيرة توجهت الطُّرُق الصُّوفيَّة إلى افتتاح المدارس النظاميَّة، وأنشأت في مقديشو وبيداوة مجمع مدارس المأمون التابعة للأزهر الشريف، على أيدي ثلاثة من علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، يترأسهم الشيخ الفقيه العلامة الشيخ محمود عبد الباري، عضو المجلس التنفيذي لمجلس الأعلى لعلماء الصُّوفيَّة (أهل السنة والجماعة)، بالإضافة إلى كلٍّ من الشيخ محمود معلم حسن، والشيخ عثمان مري.
أدوار سياسيَّة
ولا يقتصر جهد للطرق الصُّوفيَّة في الصُّومال على مجال التربيَّة والتثقيف الإسلامي الطابع، بل يمتد دورها إلى الساحة السياسيَّة.
ويقول الناطق الرسمي باسم المجلس الأعلى لعلماء أهل السنة والجماعة الشيخ صومو: "للطرق الصُّوفيَّة دور كبير في الساحة السياسيَّة الصُّوماليَّة؛ حيث إنهم كانوا أول من أنشأ نظام المحاكم الإسلاميَّة في الصُّومال بعد انهيار الحكومة المركزيَّة الصُّوماليَّة، وكان ذلك في العام 1994م".
وواصل صومو قائلاً: "ولم تكن المحاكم الإسلاميَّة بمفهومها القضائي فقط، وإنما تم إنشائها كهيئاتٍ عموميَّة تملأ الفراغ الذي حصل بعد انهيار النظام المركزي للدولة الصُّوماليَّة عام 1991م.
وأضاف صومو لمراسلنا: "وقد تم ذلك عندما اجتمع عدد من زعماء العشائر بدعوة من الإمام محمود إمامعمر إمام عشائر الهراب مع عددٍ من علماء الصُّوفيَّة والقيادات السياسيَّة في البلاد بقيادة الرئيس الصُّومالي آنذاك على مهدي محمد، واتفقوا جميعًا على إنشاء المحاكم الإسلاميَّة، وذلك في يوم 19 مايو 1994م".
وقد وقع هذا الاتفاق كل من: علي مهدي محمد من القيادة السياسيَّة للبلاد، وكل من القيادات الشعبيَّة التاليَّة: الحاج محمود جلعوا عدو، والحاج محمد حاج عجي، ومعلم فنح.
وقال صومو: "تم في هذا المجلس تعيين الهيئة العليا للمحاكم الإسلاميَّة من شخصيات عامة من علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، منهم الشيخ حسن عدي والشيخ عثمان حدغ، وكلهم من أقطاب علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة، وعينت هذه الهيئة الشيخ علي شيخ محمود الملقب بالشيخ علي طيري رئيسًا للمحاكم الإسلاميَّة"، وأضاف: "بدأت المحاكم الإسلاميَّة في فتح أول محكمة لها في شمال مقديشو، ثم تتابعت حتى أجتمعت تحتها 12 محكمة فرعيَّة، وقد بلغت سلطة هذه المحاكم جميع المحافظات الجنوبيَّة من الصُّومال.
ويقول الشيخ عبد القادر صومو: "نحن علماء الطُّرُق الصُّوفيَّة موجودون، والجميع يقر بدورنا الكبير في خدمة الدعوة داخل الشعب المجتمع الصُّومالي، ولهم شعبيتهم ووزنهم السياسي والقيادي، وهم الآن في حرب ضد حركة الشباب المجاهدين والتي تفسد الحرث والنسل وتحاول القضاء على الطُّرُق الصُّوفيَّة" على حد تعبيره.
......











0 تعليقات:
Post a Comment