"الأُسطى راضي" والحكومات الدّيِكتاتوريَّة في الوطن العربي!!...


بقلم: علاء عيَّاد
يختلف فهمنا دائمًا لأيِّ عملٍ فنيٍّ، بحسب زاوية الرًُّؤية، فرواية "كارمن" للكاتب المسرحي والرِّوائي الفرنسي بروسبير ميريميه، التي مثلت قيمة "الموت في مُقابل الحُرِّية"، وتدور أحداثها حول فتاةٍ غجريَّةٍ تُصارع لإرساء حريَّتها الشَّخصيَّة، وأصبحت بعد ذلك واحدةٌ من كنوز المسرح العربيِّ، بعد أنْ جسَّدها الفنان محمد صبحي والفنَّانة سيمون، جسَّدت بشكلٍ غريبٍ واقع الوطن العربيِّ.
والمعالجة الدِّراميَّة التي قام بها الدكتور يسري خميس كانت إضافةٌ حقيقيةٌ لما كتبه ميريميه، وخاصَّة الشَّخصياَّت التي ظهرت في العمل المسرحيِّ، مثل شخصيَّة "الأُسطى راضي" التي تناغمت مع العمل، وظلَّت عالقةً في أذهاننا، لأنَّها كانت امتدادًا للمعنى الذي كانت تُنادى به الرِّواية الأصليَّة للمؤلِّف.
"الأسطى راضي" الذي مثَّل حالة "الرِّضى عن المقسوم"، حتى وإنْ كان ذلك يتعارض مع أحلامه، جسَّدت لنا الحالة الغريبة لأمَّتِنا العربيَّة في تاريخها المعاصر، بعد أنْ مرَّت عقودٌ وعقودٌ على بلوغها سن الرُّشد بنيل الاستقلال، إلا أنَّها لا زالت تُعاني من أنظمة حكمٍ شموليَّةٍ دكتاتوريَّةٍ، تجعلها في أسوء حالٍ ممَّا كانت عليه في ظل الاستعمار؛ لأنَّ الاستعمار كان يحتل الأرض ويحاول أنْ يصل إلى العقل، لكنَّ الأنظمة الشُّموليَّة الدِّيكتاتوريَّة احتلت الأرض، وأفقدت النَّاس العقل بالقمع والفقر.
كما افقدتهم القدرة على الإحساس بنعمة الأمن على أرضهم، وأنَّ الشٌّعوب يمكن أنْ تكون، نعم.. الشُّعوب تريد أنْ تكون، لكن المشكلة أنَّه باتوا- مثل "الأسطى راضي"- يعيشون حالةً من الرِّضا على أيِّ شيءٍ، وإنْ كان القمع والفقر، بل- وأحيانًا- تطلب الشُّعوب منهما- من الفقر والقمع- أنْ يرضيا بالشُّعوب!!.
هذا الكلام ليس من "السُّفسطائيَّة" ، بل إنَّ حالة التَّدنِّي التي وصل إليها العرب في ظلِّ حكم هذه الأنظمة، يُعبِّر عنها تقرير الأمم المتحدة للتَّنمية البشريَّة العربيَّة للعام 2009م، الذي يُشير إلى أن َّ دولاً عربيَّةً عديدةً شهدت فتراتٍ طويلةً جدًّا من الأحكام العرفيَّة وحكم الطَّوارئ، التي تحوَّلت فيها الإجراءات المؤقتة أسلوبًا دائمًا لتوجيه الحياة السِّياسيَّة.
وغالبًا ما يكون إعلان حالة الطَّوارئ ذريعةً لتعليق الحقوق السِّياسيَّة، وإعفاء الحكومة من أيَّة قيودٍ دستوريَّةٍ، مهما كانت هذه القيود محدودةً أصلاً.
افتئاتات بالجملة!!
في أعقاب أحداث سبتمبر 2001م أصدرت معظم البلدان العربيَّة قوانين لمكافحة "الإرهاب"، ومنحت هذه القوانين الأجهزة الأمنيَّة في الدَّولة صلاحياتٍ واسعةً في بعض المجالات، بما شكَّل تهديدًا للحرِّيَّات الخاصَّة والسِّياسيَّة للمواطن؛ حيث تُجيز هذه القوانين احتجاز المواطنين لفتراتٍ غير مُحدَّدةٍ قبل المحاكمة، وتوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، كما تُهدِّد هذه القوانين حُرِّيَّة التَّعبير، وتزيد من الصَّلاحيات الممنوحة للشُّرطة لتفتيش المُمتلكات وعمليَّات التَّنصُّت والاعتقال، وفي بعض الحالات تزيد من حالات الإحالة إلى المحاكم العسكريَّة.
وأفاد تقرير مركز دراسات الوحدة العربيَّة الذي تناول حقوق الانسان في الوطن العربيِّ، والصَّادر في العام 2009م، أنَّ الحقَّ في مُحاكمةٍ عادلةٍ لم يتوفَّر في مصر؛ حيث تمَّت محاكمة مدنيِّين أمام محاكمٍ عسكريَّةٍ؛ حيث تمَّ إحالة 40 من جماعة الإخوان المسلمين إلى المحكمة العسكريَّة.
كما أشار إلى تجديد مجلس الشَّعب في مصر بناءً على طلب الحكومة حالة الطَّوارئ المفروضة في البلاد منذ عقودٍ طويلةٍ، لعامَيْن جديدَيْن، واستمرار عمليَّات القبض على بعض النُّشطاء السِّياسيِّين وأعضاءَ من الإخوان المسلمين، بالاضافة إلى اقرار البرلمان قانونًا يحرِّم التَّظاهُر في دور العبادة.
وذكر التَّقرير أنَّ مصادر انتهاك الحقِّ في الحياة تنوَّعت خلال الفترة التي يغطيها التَّقرير؛ حيث رُصِدَت حالات وفاة نتيجة التَّعذيب داخل السُّجون، كما رصد التَّقرير ما لا يقل عن 13 حالة لأشخاصٍ فقدوا حياتهم نتيجة استخدام الشُّرطة للقوَّة المفرِطَة ضدهم.
أيَّة تنميةٍ؟!
الأمر السَّوداويُّ حقًّا أنَّه رغم الحديث لعقودٍ طويلةٍ عن التَّنمية وخُطط الاقتصاد والنُّهوض بالمستوى العام للمُجتمعات العربيَّة، فإنَّ الفقر في الوطن العربي الذي كان في انخفاضٍ مُستمرٍّ خلال الفترة من العام 1950م وحتى العام 1980م، بدأ في الارتفاع كنسبةٍ من جملة السُّكان، وكعددٍ مُطلقٍ خلال الفترة منذ منتصف الثَّمانينيَّات وحتى الآن، وتكاد تنطبق هذه النَّتيجة على كافَّة البلدان العربيَّة، حتى النَّفطيَّة منها.
فمعظم الدِّراسات الميدانيَّة والبحثيَّة في دول الخليج تؤكِّد وجود ظاهرة الفقر، وإنْ كانت تتَّخذ مظاهرًا مختلفةً ونسبيَّةً، وإنَّ الشَّيء الآخر المُقلِق في البلدان النَّفطيَّة هو التَّفاوُت الكبير في الدَّخل.
أمَّا في البلدان العربيَّة متوسِّطة الفقر، فإنَّ ظاهرة الفقر والفقر المدقِع تبدو أكثر بروزًا، فعلى سبيل المثال كانت ظاهرة الفقر في مصر أواخر الخمسينيَّات الماضية كانت أقل ممَّا هي عليه في منتصف السَّبعينيَّات.
ولا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أنْ ننسب حالة الفقر التي وصلت إليها الشعوب العربيَّة لسببٍ رئيسيٍّ، إلا للسِّياسات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي كرَّستها الأنظمة الشُّموليَّة الدكتاتوريَّة في عقودِ ما بعد الاستعمار.
وأفاد تقرير الأمم المتحدة سالف الذِّكر بأنَّ هناك 65 مليون عربيٍّ يعيشون في حالة فقرٍ، مشيرًا أيضًا إلى أنَّ البطالة تُعدُّ من المصادر الرَّئيسيَّة لانعدام الأمن الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ في معظم البلدان العربيَّة.
وقال إنَّ مُعدَّلات الفقر العام تتراوح ما بين 28.6% و30% في لبنان وسوريا في حدِّها الأدنى- (!!)- ونحو 59.9% في حدِّها الأعلى في اليمن، ونحو 41% في مصر.
فيما تؤكِّد المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان في تقريرها الصَّادر في شهر سبتمبر الماضي، بعنوان "مصر بين توغُّل الفقر وسراب التَّنمية"، أنَّ مُعدَّلات الفقر في مصر تبلغ حوالي 55% من إجمالي عدد السُّكَّان، وأنَّ هذه النِّسبة قابلةٌ للارتفاع، وتختلف مستويات الفقر من محافظةٍ لأخرى، فتصل لأعلى نسبٍ لها في محافظات الوجه القبلي.
واعتبرت المُنظَّمة أنَّ حالة الفقر لقطاعٍ كبيرٍ من المصريِّين ناتجةً عن أسبابٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ ومجتمعيَّةٍ خاطئةٍ للنِّظام الحاكم، تعرَّضت بالظلم له في حقِّه في العمل والدَّخل المناسبَيْن، والعيش الكريم والضَّمان الاجتماعيِّ والصِّحَّة والتَّعليم والمياه، وأكدت أنَّه نوعٌ من الإقصاء والتَّهميش للغالبيَّة العظمى من المواطنين، ويمسُّ كرامة الإنسان.
واشار التَّقرير إلى أنَّ الفقراء تحوّضلوا لقنابلٍ موقوتةٍ قابلةٍ للانفجار في أيِّ لحظ، وأضاف أنَّ الوضع الصحي في مصر في تدهورٍ مستمرٍّ وفقًا لتقرير برنامج الأغذية والزِّراعة التَّابع للأمم المتحدة (الفاو) الصَّادر العام الجاري 2009م، الَّذي يُؤكِّد أنَّ هناك ما يقرب من نصف الأسر المصريَّة يُعاني من سوء تغذيةٍ نتيجةً لتدنِّي مستوى الدَّخل لدى هذه الأسر.
كما تشير الإحصائيات الأخيرة للجهاز المركزيِّ للتَّعبئة العامَّة والإحصاء إلى أنذَ أعداد المُتسرِّبين من التَّعليم الأساسيِّ بلغ 4.24%، في الوقت الذي قُدِّرت فيه نسبة الَّذين لم يلتحقوا بالتَّعليم الأساسيِّ من الأصل 10.41%، ويتركَّز السَّواد الأعظم من هذه الأعداد في صعيد مصر والمناطق الرِّيفيَّة لاشتغالهم بحرفةٍ لضمان سد حاجة الأسرة.
تبقى كلمة، وهي أنَّه إذا كان هذا حال "الأسطى راضي" في بلاده، وأمام حكوماته، فكيف سوف يهابه الآخر ويحترمه؟!.. كيف سيكون وضعه أمام العالم؟!، وبالتَّالي، كيف سيكون حال الأُمَّة في ركب الحضارة العالميِّ؟!.. إنَّ هذا يجعل الجميع يُدرك أنَّ جزءًا كبيرًا من مشكلات الأُمَّة إنَّما هو داخليٌّ!!

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح