إعداد: سامر إسماعيل
إنَّ النَّاظر بالعَين المُجرَّدة لأحوال العالم العربيِّ والإسلاميِّ يجد في كلِّ مكانٍ فيه إمَّا احتلالٌ أو حربٌ أهليَّةٌ، أو- في المقابل- حكمٌٍ استبداديٌّ يقمع الحُرِّيات ويغتصب السُّلطة بالقوَّة، وهي العوامل الأساسيَّة التي تقف خلف تدهور الأوضاع في العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
ويتحرَّك العالم العربيِّ والإسلاميِّ كل يومٍ من سيءٍ إلى أسوأٍ، وسط تفكُّكٍ رهيبٍ في العلاقات بين هذه الدِّول، وباتت التَّحالُفات مع القوى العالميَّة تغلب تحالُفات العلاقات البينيَّة العربيَّة والإسلاميَّة، حتى أنَّ الغرب يُقسِّم الدِّول العربيَّة والإسلاميَّة إلى دولٍ تُسمَّى بـ"المعتدلة"، وهي الدِّول التي اختارت معسكر السَّلام مع الكيان الصهيوني كخيارٍ إستراتيجيًّا لها، وكذلك التَّماهي مع المشروع الأمريكيِّ في المنطقة، وأخرى تُسمَّى بـ"المُتطرِّفة"، وهي التي تدعم تقف في الجانب الآخر الذي يُعادي الكيان الصُّهيونيَّ والمشروع الأمريكيِّ في المنطقة.
وفي هذا الإطار فإنَّ العام 2009م شهد العديد من التَّحدِّيات التي تواجه الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، والتي كان لها أثرٌ واضحٌ في رسم سياسات الدِّول والأقلِّيَّات الإسلاميَّة في شتَّى أنحاء العالم.
ويرصد هذا التَّقرير في بانوراما سريعةٍ أبرز التَّطوُّرات التي تمر بأبرز البلدان العربيَّة والإسلاميَّة التي تتعرَّض في الوقت الحالي إلى مجموعةٍ من الأزمات التي تُهدِّد بفشل الدَّولة فيها.
مصر
في مصر شنَّت الأجهزة الأمنيَّة حملةً عنيفةً لمنع المُساعدات من الوصول إلى الشَّعب الفلسطينيِّ المحاصر في قطاع غزة، والذي تعرَّض لحرب غير متكافئةٍ في ديسمبر ويناير الماضيَيْن من جانب إسرائيل.
واستهدفت هذه الحملة شُرفاء الأُمَّة من كوادر العمل النَّقابيِّ والإنسانيِّ والخدميِّ، وعلى رأسهم الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتِّحاد الأطباء العرب، والدُّكتور جمال عبد السلام مدير لجنة الإغاثة الإنسانيَّة بالاتِّحاد، واتَّهمتهما تلك الأجهزة بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال.
كما ضرب النِّظام المصريُّ باحكام القضاء عرض الحائط، خاصَّة في قضيَّة الإفراج الشَّرطي عن قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين قضوا ثلاثة أرباع مدة محكوميَّتهم في القضيَّة العسكريَّة رقم (2) للعام 2007م، فبعد أنْ أصدر القضاء الإداريِّ حُكْمَه بالإفراج عن 13 من قيادات الجماعة، كان قد حُكِمَ عليهم بالسَّجن 3 سنوات في أبريل من العام 2008م، رفضت وزارة الدَّاخليَّة تنفيذ أحكام القضاء بالإفراج عن هؤلاء.
العراق
وفي العراق لم يكن العام 2009م بالنِّسبة للعراقيِّين أفضل من الأعوام السَّابقة منذ احتلال العراق عام 2003م على يد الولايات المتحدة وحلفائها.
فبعد فترةِ هُدوءٍ نسبيٍّ، وبدءًا من شهر أغسطس الماضي، شهدت أنحاءٌ متفرقةٌ من العراق العديد من العمليَّات التَّفجيريَّة التي راح ضحيتها مئات العراقيِّين، ممَّا جعل هذا الشَّهر أكثر الشُّهور دمويَّةٍ بالنِّسبة للعراقيِّين منذ بداية هذا العام.
ووصف تقريرٌ صادرٌ عن أحد المراصد المعنيَّة بمراقبة الأوضاع في العراق، شهر أغسطس الماضي بأنَّه أشد الأشهر عنفًاً منذ مطلع العام 2009م؛ حيث أسفرت أعمال العنف بحسب التَّقرير عن مقتل 543 شخصًا وأكثر من 2500 جريح.
وأوضح مرصد الحُرِّيَّات الحقوقية العراقي في تقريره الشَّهري حول أعمال العُنف بالعراق، أنَّ جميع مناطق العراق شهدت انخفاضًا في أعمال العنف منذ مطلع 2009م، ولكنَّها ما لبثت أنْ ازدادت شيئًا فشيئًا حتى وصلت أقصاها خلال أغسطس.
ووفقًا لاحصائيَّات المرصد، فخلال الفترة الممتدة من 1 أغسطس 2009م، وحتى 31 أغسطس، تبيَّن أنَّ أعداد ضحايا أعمال القتل وصلت إلى 543 ضحيَّةٍ مُقسَّمةٌ وفق ما يلي: ضحايا القتل جرَّاء انفجارات العبوَّات النَّاسفة والمُفخَّخات والقنابل، وصل الرَّقْم إلى 337 ضحيَّةٍ من المدنيِّين، وكانت أكثريَّة الحالات في كلٍّ من بغداد ونينوى.
وأشار التَّقرير أيضًا إلى وقوع خمسة ضحايا بفعل رصاص قوَّات الاحتلال الأمريكيَّة، وقوات الأمن العراقيَّة، وكانت الحالات الخمس في بغداد وديالى والأنبار، مع وقوع 86 ضحيَّةً من أجهزة الشُّرطة والجيش، وغالبيتهم سقطوا في محافظة نينوى.
أمَّا ضحايا القتل لجثثٍ مجهولة الهويَّة، فوصلت إلى ما لا يقل عن 62 جثةً مجهولةً، وكانت أغلبيَّة الضحايا في ديالى وبغداد ونينوى وصلاح الدين، واخيرا ضحايا الاغتيالات وصلت إلى ما لا يقل عن 53 ضحيَّة وكانت غالبيَّتها وفق التَّقرير في نينوى وديالى.
ومن الملاحظ أنَّ غالبيَّة هذه المناطق هي مناطقٌ يسكُنُها غالبيَّةٌ من العرب السَّنَّة.
وعن حصيلة اعداد المصابين قال التَّقرير: "وصلت أعداد الضَّحايا المُصابين جرَّاء الانفجارات حوالي 2533 ضحيَّةٍ، وكانت أكثريَّتها في محافظات بغداد ونينوى وديالى وكركوك والأنبار وبابل وواسط، بينما وصلت أعداد ضحايا أعمال الخطف إلى ما لا يقل عن عشرة مختطفين، وتركَّزت في ديالى وكركوك".
وعن عمليَّات الاعتقال في العراق، لاحظ التَّقرير استمرار عمليَّات الاعتقالات مع استمرار أعمال العنف وتزايدها، ويحدث جزءٌ كبيرٌ منها بصورةٍ عشوائيَّةٍ وغير قانونيَّةٍ، وقد وصلت أعداد المعتقلين خلال شهر أغسطس 1358 معتقلٍ في عُموم مُحافظات العراق، وكانت أكثريَّة تلك الاعتقالات في كلٍّ من محافظات البصرة ونينوى وبغداد وديالى وميسان والأنبار وبابل".
أمَّا أحكام الإعدام فقد صدر ما لا يقل عن خمسة أحكام بالإعدام شهر أغسطس الماضي، وتركَّزت في محافظة بابل وحدها.
ولاحظ المرصد استمرار استهداف منتسبي الجيش والشُّرطة بأعمال عنفٍ مُختلفةٍ، بجانب استمرار استهداف المدنيين إما بعمليَّات الاغتيال أو الخطف والقتل أو المُفخَّخات والعبوَّات النَّاسفة، وكانت أكثر الفئات استهدافًا: المُوظَّفين الحكوميِّين وعناصر الصَّحوات ومسئولي الأحزاب السِّياسيَّة ونساءٍ وأطباءٍ وصائغي ذهب، والذين استُهْدِفَت محالهم، بالإضافة إلى المسيحيين.
كما لاحظ التَّقرير: "استمرار ازدياد نشاط المُسلَّحين وقيامهم بأعمال الهجوم المُسلَّح وعمليَّات الاغتيال التي كانت أشدها في كلٍّ من محافظات نينوى وديالى والأنبار؛ حيث شهدت عمليَّات اقتحام للدُّور وتفجيرها وقتل ساكنيها واقتحامٍ للمحال التِّجاريَّة واغتيال أصحابها، كما حدثت اغتيالاتٌ داخل المُستشفيات وباصات النَّقل العام".
وذكر التَّقرير أنَّ اعمال العُنف تصاعدت وتركَّزت في كلٍّ من محافظات بغداد ونينوى وديالى وكركوك والأنبار وبابل وصلاح الدِّين وواسط والنَّجف وأربيل، وهي محافظاتٌ سُنِّيَّةٌ وكُرديَّةٌ، فيما خلت المحافظات الأخرى في كردستان والجنوب، مثل مُحافظات السُّليمانيَّة ودهوك وكربلاء والقادسيَّة والبصرة والمُثنَّى وذي قار وميسان.
وأضاف أنَّ اعتداءات قوات الاحتلال الأمريكيَّة على المدنيِّين العراقيِّين استمرَّت من دون مساءلةٍ قانونيَّةٍ، والتي حدثت أثناء اقتحام المنازل وتفتيشها بحثًا عن المطلوبين؛ حيث وقع ضحايا من القتلى والمُصابين، وتركَّزت عمليَّات قوات الاحتلال الأمريكي صراحةً في المُحافظات ذات الغالبيَّة السُّنِّيَّة، مثل بغداد والأنبار وديالى.
فيما أدَّت مُخلَّفات الحروب من الألغام الأرضيَّة إلى وقوع عددٍ من الضَّحايا تركزوا في محافظة نينوى.
ولفت التَّقرير إلى أنَّ أعمال العنف في أغسطس الماضي ارتفعت بنسبةٍ تصل إلى ثلاثة أضعاف حصيلة عنف ذات الشَّهر من العام 2008م وفق مؤشِّر أعداد الضَّحايا.
ولكن، وعلى مستوى الجانب السِّياسيِّ للعنف في ذات الشَّهر، كانت أخطر هذه الحوادث، الانفجارات التي ضربت العاصمة بغداد، والتي عُرِفَت باسم "تفجيرات الأربعاء الدَّامي"، والتي استهدفت عددًا من الوزارات، ممَّا أدَّى لمصرع 95 شخصٍ وإصابة 600 آخرين، وحدوث أزمةٍ دبلوماسيَّةٍ بين العراق وسوريا، بعد اتِّهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا بأنَّها آوت الإرهابيِّين الذين خططوا لهذه التَّفجيرات، وتبادل الطرفان استدعاء السفراء، ولم يعُد السَّفيرَيْن إلى كلا العاصمتَيْن, بعد وساطةٍ قادتها جامعة الدِّول العربيَّة وتركيا.
سياسيًّا شهد هذا العام انسحاب القوات الأمريكيَّة من المدن العراقيَّة، تنفيذًا لبنود الاتفاقيَّة الأمنيَّة المُوقَّعة بين العراق والولايات المتحدة، والتي تقضي بخروج كل القوات الأمريكيَّة المُقاتلة من العراق في نهاية العام 2011م.
كما تفرَّق الائتلاف الشِّيعيِّ الموحَّد الحاكم في العراق، وشكلَّت القوى الشِّيعيَّة فيما بينها تحالفًا آخرًا تجاوز حزب الدَّعوة الشِّيعيِّ الذي يتزعَّمه رئيس الوزراء العراقي.
أفغانستان وباكستان
الوضع في أفغانستان لم يكن أفضل حالاً من الوضع بالعراق، فقد أصدرت الأمم المتحدة في شهر أغسطس إحصائيَّةً أكَّدت أنَّ أكثر من ألف مدنيٍّ قُتلوا في أعمال العنف المتصاعدة في أفغانستان خلال الأشهر السِّتَّة الأولى من العام 2009م، ما يمثل زيادة بنحو 25% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
وذكر تقريرٌ لوحدة حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (إيساف)، أنَّ زيادة عدد قوَّات الاحتلال الأجنبيَّة التي اقترب عددها حاليًا من المائة ألف جنديٍّ، هي من بين أسباب ارتفاع عدد القتلى المدنيِّين إلى 1013 قتيلاً.
بينما سقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي، 818 مدنيًّا، وفي الأشهر السِّتَّة الأولى من عام 2007م، قُتِلَ 684 مدنيًّا أفغانيًّا.
وانتقد التَّقرير أيضًا قوَّات الاحتلال الدَّوليَّة والقوَّات الحكوميَّة الأفغانيَّة بسبب الغارات الجويَّة المُكثَّفة التي أودت بحياة المئات من المدنيِّين الأفغان معظمهم من النِّساء والأطفال.
وأضاف التَّقرير أنَّ الخسائر بين المدنيِّين كانت المصدرُ الرَّئيسيُّ للتَّوتُّر بين الحكومة الأفغانيَّة والولايات المتحدة، وقد دفع هذا الأمر واشنطن إلى تعيين قائدٍ أمريكيٍّ جديد في أفغانستان، هو الجنرال ستانلي ماكريستال.
سياسيًّا شهدت أفغانستان انتخاباتٍ رئاسيَّةٌ ونيابيَّةٌ في 20 أغسطس الماضي، وكان أقرب المرشحين للفوز بها الرَّئيس الأفغاني المنتهيَّة ولايته حميد قرضاي، ووزير الخارجيَّة السَّابق عبد الله عبد الله، ولكن وقبل الإعلان عن النَّتائج النَّهائيَّة، أكَّد عددٌ من المُرشَّحين الرَّئاسيِّين وقوع عمليَّاتٍ تزويرٍ في العديد من مراكز الاقتراع لصالح قرضاي، ممَّا يُنذر بكارثةٍ قد تلحق بالأفغانن مع احتمالات وقوع حربٍ أهليَّةٍ بين القوميَّات والعرقيَّات المختلفة في أفغانستان.
حيث ينتمي قرضاي لعرقية البشتون، بينما ينتمي عبد الله لعرقيَّة الطاجيك، وكلا العرقيَّتَيْن تريد الفوز برئاسة أفغانستان، حتى ولو كانت منزوعة الأهليَّة تحت الاحتلال الأجنبيِّ.
في المقابل، وعند النَّظر في حالة جارتها باكستان، فإنَّها لا تكد تخرج من مشكلةٍ إلا وتقع في أخرى، فبعدما تخلَّص الباكستانيُّون من الحكم العسكري في ظل الرَّئيس السَّابق الجنرال برويز مشرَّف، سقطت باكستان في صراعٍ داخليٍّ بين الحكومة وحركة طالبان باكستان، هذا الصِّراع الذي راح ضحيته الآلاف، وتسبَّب في نزوح الملايين من منازلهم بإقليم وادي سوات، بعد استهداف الجيش الباكستاني لأماكن تمركُز مُقاتلي حركة طالبان.
وباتت باكستان، ذلك البلد النَّوويِّ، يعاني حاليًا من صراعٍ داخليٍّ له أبعادٌ إقليميَّةٌ، مع ما تُسبِّبُه الهجمات الأمريكيَّة باستخدام طائراتٍ من دون طيَّارٍ في ضرب مواقع للمقاتلين الأفغان والباكستانيِّين الذين يتحصنون في منطقة القبائل على الحدود بين البلدَيْن من مشكلاتٍ داخليَّةٍ بين الباكستانيِّين.
اليمن
يُعاني اليمن من العديد من الأزمات، على رأسها دعوات انفصال الجنوب مجدَّدًا، في الوقت الذي تشن فيه الحكومة اليمنيَّة حربًا على المُتمردين الحوثيِّين في الشَّمال، في حربٍ شبَّهها البعض بأنَّها حربٌ بالوكالة بين السَّعوديَّة وإيران.
فالسَّعوديَّة تقف مع الحكومة اليمنيَّة السُّنِّيَّة، بينما تقف أطرافٌ في إيران بجوار الحوثيِّين الشِّيعة، في حربٍ كلا الفريقين فيها خاسرٌ، لأنَّ الضَّحايا من الجانبَيْن هم أبناء اليمن المسلمين، واستمرار القتال يعطي فرصة لتنظيم القاعدة كي يدخل اليمن؛ حيث يبحث عن مكانٍ آخرٍ بعيدًا عن باكستان وأفغانستان، والتي لم تعد ملاذًا آمنًا له في الوقت الرَّاهن.
ونتج عن أزمة الحوثيِّين تشريد 150 ألف يمنيٍّ، لا يجدون المأوى في الوقت الرَّاهن، ولا تستطيع الأمم المتحدة إيصال المساعدات لهم بسبب المعارك.
القرن الإفريقي
أما إذا انتقلنا إلى الصُّومال، فسوف نجد مأساةً حقيقيَّةً، بسبب المجاعة والجفاف، وعدم وجود حكومةٍ مركزيَّةٍ تدير شئون هذا البلد وشعبه من سقوط نظام الرَّئيس الرَّاحل محمد سياد برِّي في العام 1991م.
ومع ما يعانيه الصُّوماليون من مشكلاتٍ اقتصاديَّةٍ، نجد أنَّ هناك حالةُ حربٍ بين الحكومة الصُّوماليَّة الانتقاليَّة المُعترف بها دوليًّا، وبين إسلاميين مُعارضين، كحركة شباب المُجاهدين والحزب الإسلاميِّ وحركاتِ معارضةٍ أخرى وسط اتِّهاماتٍ بأنَّ حركة شباب المجاهدين والحركات المعارضة التي تقف معها مُنتمين لفكر تنظيم القاعدة.
ولازلنا في القرن الإفريقي؛ حيث يتَّجه السُّو بسرعةٍ كبيرةٍ للانفصال إلى قسمَيْن، شماليٌّ تحكمه حكومةٌ عربيَّةٌ مسلمةٌ، وجنوبيٌّ بحكومةٍ زنجيَّةٍ غير مسلمةٍ.
كما بٌعاني السودان من أزمةٍ أخرى، وهي أزمة إقليم دارفور، ولكن بعد مُذكِّرة الملاحقة التي أصدرتها المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة بحق الرَّئيس السُّوداني عمر البشير في مارس الماضي بتهمٍ تتعلَّق بارتكاب جرائمِ حربٍ وجرائم ضد الإنسانيَّة في الإقليم، عمدت الحكومة السُّودانيَّة، إلى تحسين الأوضاع الإنسانيَّة في الإقليم، كما عمدت إلى تحسين الوضع الأمنيِّ بين القوَّات الموالية للحكومة السُّودانيَّة والمتمردين.
إيران
وفي إيران التي تواجه حصارًا اقتصاديًّا وعسكريًّا من جانب الغرب على خلفيَّة برنامجها النَّووي، فإنَّها تواجه أزمةً سياسيَّةً داخليَّةً لم تنته بعد بين النِّظام الإيرانيِّ المحافظ والإصلاحيِّين بعد انتخابات الرَّئاسة الإيرانيَّة في 12 يونيو الماضي، والتي فاز بها الرئيس المحافظ أحمدي نجاد على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، ممَّا دفع الإصلاحيِّين إلى اتِّهام النِّظام بتزوير الانتخابات.
الأزمة بين النِّظام الإيراني والإصلاحيِّين لم تنتهِ، حتى بعد انتهاء الاحتجاجات والمظاهرات التي قام بها الإصلاحيُّون عقب الانتخابات، والتي سقط فيها عشرات القتلى والجرحى، وهو ما دعا النِّظام الإيرانيِّ إلى اتِّخاذ موقفٍ مُتشدِّدٍ تجاه المعارضين الذين يُحاكمون حاليًا بتهمٍ عديدةٍ منها التَّعاون مع "العدو" الغربيِّ لقلب النِّظام الإسلاميِّ في إيران.
أزماتٌ في كلِّ مكانٍ
أما إذا نظرنا في أحوال المُسلمين كأقليَّاتٍ داخل البلدان التي لا يدين أغلب سكانها بالإسلام، نجد أنَّ الهجوم على الإسلام والمسلمين لا يزال مُستمرًّا.
ففي الصين التي تحتل الجزء الشرقي من تركستان، هناك مأساةٌ يعيشها 8 ملايين مسلمٍ تحت الحكم الشُّيوعي؛ حيث تعرَّض المسلمون الأويجور هذا العام لقمع السُّلطات الصينيَّة التي قتلت العشرات منهم أثناء احتجاجهم على سوء المعاملة واعتبارهم مواطنين من الدَّرجة الثَّانية، بالرَّغم من أنَّهم هم السُّكَّان الأصليِّين لتركستان، كما اعتقلت الصِّين الآلاف منهم، وتعرضوا جميعًا للتَّعذيب.
كذلك كان حال المسلمين في معظم أنحاء العالم الذين يعيشون فيه كأقلِّيَّاتٍ، سواءً في أوروبا أو الولايات المتحدة؛ حيث يُعانون من سياسات التَّميِّيز والاضطهاد، ولاسيما في الجانب الأمنيِّ؛ حيث يُطبِّق الغرب سياساتٍ تُضيِّق من حريَّة حركة المسلمين، وقد يصل الأمر إلى حدِّ الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم صراحةً، كما يحدث مع المساجد في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، ومنع المُحجَّبات من دخول المدارس في بلجيكا وفرنسا ودولٍ أوروبيَّةٍ أخرى.
وكانت الواقعة الأهم في هذا المجال هذا العام مقتل شهيدة الحجاب المصريَّة مروة الشربيني، التي قُتِلَت على يد متطرفٍ ألمانيٍّ نازيٍّ من أصلٍ روسيٍّ، والذي قتلها داخل المحكمة وقتل معها طفلها الذي كان لا يزال جنينًا وأصاب زوجها، وسط صمتٍ كاملٍ من جانب الأمن الألماني.
ولكن، وفي نهاية هذا العرض، فإنَّ الغرب والعالم غير الإسلاميِّ لا يتحمَّل المسئوليَّة الكاملة عمَّا يجري، ولكن المسلمين بتفرقهم وتشرذمهم يتحمَّلون مسئوليَّة ما يجري، فكلِّ دولةٍ لها سياستها الخاصَّة وعلاقاتها الدِّبلوماسيَّة، حتى أنَّ التَّوحُّد في رؤية هلال رمضان أصبح في غاية الصُّعوبة، وهو ما كشف عنه مفتي الديار المصريَّة الدُّكتور علي جمعة، عندما قال بأنَّ هناك دولاً عربيَّةً وإسلاميَّةً لا تريد وحدة المسلمين!!...
إنَّ النَّاظر بالعَين المُجرَّدة لأحوال العالم العربيِّ والإسلاميِّ يجد في كلِّ مكانٍ فيه إمَّا احتلالٌ أو حربٌ أهليَّةٌ، أو- في المقابل- حكمٌٍ استبداديٌّ يقمع الحُرِّيات ويغتصب السُّلطة بالقوَّة، وهي العوامل الأساسيَّة التي تقف خلف تدهور الأوضاع في العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
ويتحرَّك العالم العربيِّ والإسلاميِّ كل يومٍ من سيءٍ إلى أسوأٍ، وسط تفكُّكٍ رهيبٍ في العلاقات بين هذه الدِّول، وباتت التَّحالُفات مع القوى العالميَّة تغلب تحالُفات العلاقات البينيَّة العربيَّة والإسلاميَّة، حتى أنَّ الغرب يُقسِّم الدِّول العربيَّة والإسلاميَّة إلى دولٍ تُسمَّى بـ"المعتدلة"، وهي الدِّول التي اختارت معسكر السَّلام مع الكيان الصهيوني كخيارٍ إستراتيجيًّا لها، وكذلك التَّماهي مع المشروع الأمريكيِّ في المنطقة، وأخرى تُسمَّى بـ"المُتطرِّفة"، وهي التي تدعم تقف في الجانب الآخر الذي يُعادي الكيان الصُّهيونيَّ والمشروع الأمريكيِّ في المنطقة.
وفي هذا الإطار فإنَّ العام 2009م شهد العديد من التَّحدِّيات التي تواجه الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، والتي كان لها أثرٌ واضحٌ في رسم سياسات الدِّول والأقلِّيَّات الإسلاميَّة في شتَّى أنحاء العالم.
ويرصد هذا التَّقرير في بانوراما سريعةٍ أبرز التَّطوُّرات التي تمر بأبرز البلدان العربيَّة والإسلاميَّة التي تتعرَّض في الوقت الحالي إلى مجموعةٍ من الأزمات التي تُهدِّد بفشل الدَّولة فيها.
مصر
في مصر شنَّت الأجهزة الأمنيَّة حملةً عنيفةً لمنع المُساعدات من الوصول إلى الشَّعب الفلسطينيِّ المحاصر في قطاع غزة، والذي تعرَّض لحرب غير متكافئةٍ في ديسمبر ويناير الماضيَيْن من جانب إسرائيل.
واستهدفت هذه الحملة شُرفاء الأُمَّة من كوادر العمل النَّقابيِّ والإنسانيِّ والخدميِّ، وعلى رأسهم الدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتِّحاد الأطباء العرب، والدُّكتور جمال عبد السلام مدير لجنة الإغاثة الإنسانيَّة بالاتِّحاد، واتَّهمتهما تلك الأجهزة بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال.
كما ضرب النِّظام المصريُّ باحكام القضاء عرض الحائط، خاصَّة في قضيَّة الإفراج الشَّرطي عن قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين قضوا ثلاثة أرباع مدة محكوميَّتهم في القضيَّة العسكريَّة رقم (2) للعام 2007م، فبعد أنْ أصدر القضاء الإداريِّ حُكْمَه بالإفراج عن 13 من قيادات الجماعة، كان قد حُكِمَ عليهم بالسَّجن 3 سنوات في أبريل من العام 2008م، رفضت وزارة الدَّاخليَّة تنفيذ أحكام القضاء بالإفراج عن هؤلاء.
العراق
وفي العراق لم يكن العام 2009م بالنِّسبة للعراقيِّين أفضل من الأعوام السَّابقة منذ احتلال العراق عام 2003م على يد الولايات المتحدة وحلفائها.
فبعد فترةِ هُدوءٍ نسبيٍّ، وبدءًا من شهر أغسطس الماضي، شهدت أنحاءٌ متفرقةٌ من العراق العديد من العمليَّات التَّفجيريَّة التي راح ضحيتها مئات العراقيِّين، ممَّا جعل هذا الشَّهر أكثر الشُّهور دمويَّةٍ بالنِّسبة للعراقيِّين منذ بداية هذا العام.
ووصف تقريرٌ صادرٌ عن أحد المراصد المعنيَّة بمراقبة الأوضاع في العراق، شهر أغسطس الماضي بأنَّه أشد الأشهر عنفًاً منذ مطلع العام 2009م؛ حيث أسفرت أعمال العنف بحسب التَّقرير عن مقتل 543 شخصًا وأكثر من 2500 جريح.
وأوضح مرصد الحُرِّيَّات الحقوقية العراقي في تقريره الشَّهري حول أعمال العُنف بالعراق، أنَّ جميع مناطق العراق شهدت انخفاضًا في أعمال العنف منذ مطلع 2009م، ولكنَّها ما لبثت أنْ ازدادت شيئًا فشيئًا حتى وصلت أقصاها خلال أغسطس.
ووفقًا لاحصائيَّات المرصد، فخلال الفترة الممتدة من 1 أغسطس 2009م، وحتى 31 أغسطس، تبيَّن أنَّ أعداد ضحايا أعمال القتل وصلت إلى 543 ضحيَّةٍ مُقسَّمةٌ وفق ما يلي: ضحايا القتل جرَّاء انفجارات العبوَّات النَّاسفة والمُفخَّخات والقنابل، وصل الرَّقْم إلى 337 ضحيَّةٍ من المدنيِّين، وكانت أكثريَّة الحالات في كلٍّ من بغداد ونينوى.
وأشار التَّقرير أيضًا إلى وقوع خمسة ضحايا بفعل رصاص قوَّات الاحتلال الأمريكيَّة، وقوات الأمن العراقيَّة، وكانت الحالات الخمس في بغداد وديالى والأنبار، مع وقوع 86 ضحيَّةً من أجهزة الشُّرطة والجيش، وغالبيتهم سقطوا في محافظة نينوى.
أمَّا ضحايا القتل لجثثٍ مجهولة الهويَّة، فوصلت إلى ما لا يقل عن 62 جثةً مجهولةً، وكانت أغلبيَّة الضحايا في ديالى وبغداد ونينوى وصلاح الدين، واخيرا ضحايا الاغتيالات وصلت إلى ما لا يقل عن 53 ضحيَّة وكانت غالبيَّتها وفق التَّقرير في نينوى وديالى.
ومن الملاحظ أنَّ غالبيَّة هذه المناطق هي مناطقٌ يسكُنُها غالبيَّةٌ من العرب السَّنَّة.
وعن حصيلة اعداد المصابين قال التَّقرير: "وصلت أعداد الضَّحايا المُصابين جرَّاء الانفجارات حوالي 2533 ضحيَّةٍ، وكانت أكثريَّتها في محافظات بغداد ونينوى وديالى وكركوك والأنبار وبابل وواسط، بينما وصلت أعداد ضحايا أعمال الخطف إلى ما لا يقل عن عشرة مختطفين، وتركَّزت في ديالى وكركوك".
وعن عمليَّات الاعتقال في العراق، لاحظ التَّقرير استمرار عمليَّات الاعتقالات مع استمرار أعمال العنف وتزايدها، ويحدث جزءٌ كبيرٌ منها بصورةٍ عشوائيَّةٍ وغير قانونيَّةٍ، وقد وصلت أعداد المعتقلين خلال شهر أغسطس 1358 معتقلٍ في عُموم مُحافظات العراق، وكانت أكثريَّة تلك الاعتقالات في كلٍّ من محافظات البصرة ونينوى وبغداد وديالى وميسان والأنبار وبابل".
أمَّا أحكام الإعدام فقد صدر ما لا يقل عن خمسة أحكام بالإعدام شهر أغسطس الماضي، وتركَّزت في محافظة بابل وحدها.
ولاحظ المرصد استمرار استهداف منتسبي الجيش والشُّرطة بأعمال عنفٍ مُختلفةٍ، بجانب استمرار استهداف المدنيين إما بعمليَّات الاغتيال أو الخطف والقتل أو المُفخَّخات والعبوَّات النَّاسفة، وكانت أكثر الفئات استهدافًا: المُوظَّفين الحكوميِّين وعناصر الصَّحوات ومسئولي الأحزاب السِّياسيَّة ونساءٍ وأطباءٍ وصائغي ذهب، والذين استُهْدِفَت محالهم، بالإضافة إلى المسيحيين.
كما لاحظ التَّقرير: "استمرار ازدياد نشاط المُسلَّحين وقيامهم بأعمال الهجوم المُسلَّح وعمليَّات الاغتيال التي كانت أشدها في كلٍّ من محافظات نينوى وديالى والأنبار؛ حيث شهدت عمليَّات اقتحام للدُّور وتفجيرها وقتل ساكنيها واقتحامٍ للمحال التِّجاريَّة واغتيال أصحابها، كما حدثت اغتيالاتٌ داخل المُستشفيات وباصات النَّقل العام".
وذكر التَّقرير أنَّ اعمال العُنف تصاعدت وتركَّزت في كلٍّ من محافظات بغداد ونينوى وديالى وكركوك والأنبار وبابل وصلاح الدِّين وواسط والنَّجف وأربيل، وهي محافظاتٌ سُنِّيَّةٌ وكُرديَّةٌ، فيما خلت المحافظات الأخرى في كردستان والجنوب، مثل مُحافظات السُّليمانيَّة ودهوك وكربلاء والقادسيَّة والبصرة والمُثنَّى وذي قار وميسان.
وأضاف أنَّ اعتداءات قوات الاحتلال الأمريكيَّة على المدنيِّين العراقيِّين استمرَّت من دون مساءلةٍ قانونيَّةٍ، والتي حدثت أثناء اقتحام المنازل وتفتيشها بحثًا عن المطلوبين؛ حيث وقع ضحايا من القتلى والمُصابين، وتركَّزت عمليَّات قوات الاحتلال الأمريكي صراحةً في المُحافظات ذات الغالبيَّة السُّنِّيَّة، مثل بغداد والأنبار وديالى.
فيما أدَّت مُخلَّفات الحروب من الألغام الأرضيَّة إلى وقوع عددٍ من الضَّحايا تركزوا في محافظة نينوى.
ولفت التَّقرير إلى أنَّ أعمال العنف في أغسطس الماضي ارتفعت بنسبةٍ تصل إلى ثلاثة أضعاف حصيلة عنف ذات الشَّهر من العام 2008م وفق مؤشِّر أعداد الضَّحايا.
ولكن، وعلى مستوى الجانب السِّياسيِّ للعنف في ذات الشَّهر، كانت أخطر هذه الحوادث، الانفجارات التي ضربت العاصمة بغداد، والتي عُرِفَت باسم "تفجيرات الأربعاء الدَّامي"، والتي استهدفت عددًا من الوزارات، ممَّا أدَّى لمصرع 95 شخصٍ وإصابة 600 آخرين، وحدوث أزمةٍ دبلوماسيَّةٍ بين العراق وسوريا، بعد اتِّهام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا بأنَّها آوت الإرهابيِّين الذين خططوا لهذه التَّفجيرات، وتبادل الطرفان استدعاء السفراء، ولم يعُد السَّفيرَيْن إلى كلا العاصمتَيْن, بعد وساطةٍ قادتها جامعة الدِّول العربيَّة وتركيا.
سياسيًّا شهد هذا العام انسحاب القوات الأمريكيَّة من المدن العراقيَّة، تنفيذًا لبنود الاتفاقيَّة الأمنيَّة المُوقَّعة بين العراق والولايات المتحدة، والتي تقضي بخروج كل القوات الأمريكيَّة المُقاتلة من العراق في نهاية العام 2011م.
كما تفرَّق الائتلاف الشِّيعيِّ الموحَّد الحاكم في العراق، وشكلَّت القوى الشِّيعيَّة فيما بينها تحالفًا آخرًا تجاوز حزب الدَّعوة الشِّيعيِّ الذي يتزعَّمه رئيس الوزراء العراقي.
أفغانستان وباكستان
الوضع في أفغانستان لم يكن أفضل حالاً من الوضع بالعراق، فقد أصدرت الأمم المتحدة في شهر أغسطس إحصائيَّةً أكَّدت أنَّ أكثر من ألف مدنيٍّ قُتلوا في أعمال العنف المتصاعدة في أفغانستان خلال الأشهر السِّتَّة الأولى من العام 2009م، ما يمثل زيادة بنحو 25% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.
وذكر تقريرٌ لوحدة حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (إيساف)، أنَّ زيادة عدد قوَّات الاحتلال الأجنبيَّة التي اقترب عددها حاليًا من المائة ألف جنديٍّ، هي من بين أسباب ارتفاع عدد القتلى المدنيِّين إلى 1013 قتيلاً.
بينما سقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي، 818 مدنيًّا، وفي الأشهر السِّتَّة الأولى من عام 2007م، قُتِلَ 684 مدنيًّا أفغانيًّا.
وانتقد التَّقرير أيضًا قوَّات الاحتلال الدَّوليَّة والقوَّات الحكوميَّة الأفغانيَّة بسبب الغارات الجويَّة المُكثَّفة التي أودت بحياة المئات من المدنيِّين الأفغان معظمهم من النِّساء والأطفال.
وأضاف التَّقرير أنَّ الخسائر بين المدنيِّين كانت المصدرُ الرَّئيسيُّ للتَّوتُّر بين الحكومة الأفغانيَّة والولايات المتحدة، وقد دفع هذا الأمر واشنطن إلى تعيين قائدٍ أمريكيٍّ جديد في أفغانستان، هو الجنرال ستانلي ماكريستال.
سياسيًّا شهدت أفغانستان انتخاباتٍ رئاسيَّةٌ ونيابيَّةٌ في 20 أغسطس الماضي، وكان أقرب المرشحين للفوز بها الرَّئيس الأفغاني المنتهيَّة ولايته حميد قرضاي، ووزير الخارجيَّة السَّابق عبد الله عبد الله، ولكن وقبل الإعلان عن النَّتائج النَّهائيَّة، أكَّد عددٌ من المُرشَّحين الرَّئاسيِّين وقوع عمليَّاتٍ تزويرٍ في العديد من مراكز الاقتراع لصالح قرضاي، ممَّا يُنذر بكارثةٍ قد تلحق بالأفغانن مع احتمالات وقوع حربٍ أهليَّةٍ بين القوميَّات والعرقيَّات المختلفة في أفغانستان.
حيث ينتمي قرضاي لعرقية البشتون، بينما ينتمي عبد الله لعرقيَّة الطاجيك، وكلا العرقيَّتَيْن تريد الفوز برئاسة أفغانستان، حتى ولو كانت منزوعة الأهليَّة تحت الاحتلال الأجنبيِّ.
في المقابل، وعند النَّظر في حالة جارتها باكستان، فإنَّها لا تكد تخرج من مشكلةٍ إلا وتقع في أخرى، فبعدما تخلَّص الباكستانيُّون من الحكم العسكري في ظل الرَّئيس السَّابق الجنرال برويز مشرَّف، سقطت باكستان في صراعٍ داخليٍّ بين الحكومة وحركة طالبان باكستان، هذا الصِّراع الذي راح ضحيته الآلاف، وتسبَّب في نزوح الملايين من منازلهم بإقليم وادي سوات، بعد استهداف الجيش الباكستاني لأماكن تمركُز مُقاتلي حركة طالبان.
وباتت باكستان، ذلك البلد النَّوويِّ، يعاني حاليًا من صراعٍ داخليٍّ له أبعادٌ إقليميَّةٌ، مع ما تُسبِّبُه الهجمات الأمريكيَّة باستخدام طائراتٍ من دون طيَّارٍ في ضرب مواقع للمقاتلين الأفغان والباكستانيِّين الذين يتحصنون في منطقة القبائل على الحدود بين البلدَيْن من مشكلاتٍ داخليَّةٍ بين الباكستانيِّين.
اليمن
يُعاني اليمن من العديد من الأزمات، على رأسها دعوات انفصال الجنوب مجدَّدًا، في الوقت الذي تشن فيه الحكومة اليمنيَّة حربًا على المُتمردين الحوثيِّين في الشَّمال، في حربٍ شبَّهها البعض بأنَّها حربٌ بالوكالة بين السَّعوديَّة وإيران.
فالسَّعوديَّة تقف مع الحكومة اليمنيَّة السُّنِّيَّة، بينما تقف أطرافٌ في إيران بجوار الحوثيِّين الشِّيعة، في حربٍ كلا الفريقين فيها خاسرٌ، لأنَّ الضَّحايا من الجانبَيْن هم أبناء اليمن المسلمين، واستمرار القتال يعطي فرصة لتنظيم القاعدة كي يدخل اليمن؛ حيث يبحث عن مكانٍ آخرٍ بعيدًا عن باكستان وأفغانستان، والتي لم تعد ملاذًا آمنًا له في الوقت الرَّاهن.
ونتج عن أزمة الحوثيِّين تشريد 150 ألف يمنيٍّ، لا يجدون المأوى في الوقت الرَّاهن، ولا تستطيع الأمم المتحدة إيصال المساعدات لهم بسبب المعارك.
القرن الإفريقي
أما إذا انتقلنا إلى الصُّومال، فسوف نجد مأساةً حقيقيَّةً، بسبب المجاعة والجفاف، وعدم وجود حكومةٍ مركزيَّةٍ تدير شئون هذا البلد وشعبه من سقوط نظام الرَّئيس الرَّاحل محمد سياد برِّي في العام 1991م.
ومع ما يعانيه الصُّوماليون من مشكلاتٍ اقتصاديَّةٍ، نجد أنَّ هناك حالةُ حربٍ بين الحكومة الصُّوماليَّة الانتقاليَّة المُعترف بها دوليًّا، وبين إسلاميين مُعارضين، كحركة شباب المُجاهدين والحزب الإسلاميِّ وحركاتِ معارضةٍ أخرى وسط اتِّهاماتٍ بأنَّ حركة شباب المجاهدين والحركات المعارضة التي تقف معها مُنتمين لفكر تنظيم القاعدة.
ولازلنا في القرن الإفريقي؛ حيث يتَّجه السُّو بسرعةٍ كبيرةٍ للانفصال إلى قسمَيْن، شماليٌّ تحكمه حكومةٌ عربيَّةٌ مسلمةٌ، وجنوبيٌّ بحكومةٍ زنجيَّةٍ غير مسلمةٍ.
كما بٌعاني السودان من أزمةٍ أخرى، وهي أزمة إقليم دارفور، ولكن بعد مُذكِّرة الملاحقة التي أصدرتها المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة بحق الرَّئيس السُّوداني عمر البشير في مارس الماضي بتهمٍ تتعلَّق بارتكاب جرائمِ حربٍ وجرائم ضد الإنسانيَّة في الإقليم، عمدت الحكومة السُّودانيَّة، إلى تحسين الأوضاع الإنسانيَّة في الإقليم، كما عمدت إلى تحسين الوضع الأمنيِّ بين القوَّات الموالية للحكومة السُّودانيَّة والمتمردين.
إيران
وفي إيران التي تواجه حصارًا اقتصاديًّا وعسكريًّا من جانب الغرب على خلفيَّة برنامجها النَّووي، فإنَّها تواجه أزمةً سياسيَّةً داخليَّةً لم تنته بعد بين النِّظام الإيرانيِّ المحافظ والإصلاحيِّين بعد انتخابات الرَّئاسة الإيرانيَّة في 12 يونيو الماضي، والتي فاز بها الرئيس المحافظ أحمدي نجاد على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، ممَّا دفع الإصلاحيِّين إلى اتِّهام النِّظام بتزوير الانتخابات.
الأزمة بين النِّظام الإيراني والإصلاحيِّين لم تنتهِ، حتى بعد انتهاء الاحتجاجات والمظاهرات التي قام بها الإصلاحيُّون عقب الانتخابات، والتي سقط فيها عشرات القتلى والجرحى، وهو ما دعا النِّظام الإيرانيِّ إلى اتِّخاذ موقفٍ مُتشدِّدٍ تجاه المعارضين الذين يُحاكمون حاليًا بتهمٍ عديدةٍ منها التَّعاون مع "العدو" الغربيِّ لقلب النِّظام الإسلاميِّ في إيران.
أزماتٌ في كلِّ مكانٍ
أما إذا نظرنا في أحوال المُسلمين كأقليَّاتٍ داخل البلدان التي لا يدين أغلب سكانها بالإسلام، نجد أنَّ الهجوم على الإسلام والمسلمين لا يزال مُستمرًّا.
ففي الصين التي تحتل الجزء الشرقي من تركستان، هناك مأساةٌ يعيشها 8 ملايين مسلمٍ تحت الحكم الشُّيوعي؛ حيث تعرَّض المسلمون الأويجور هذا العام لقمع السُّلطات الصينيَّة التي قتلت العشرات منهم أثناء احتجاجهم على سوء المعاملة واعتبارهم مواطنين من الدَّرجة الثَّانية، بالرَّغم من أنَّهم هم السُّكَّان الأصليِّين لتركستان، كما اعتقلت الصِّين الآلاف منهم، وتعرضوا جميعًا للتَّعذيب.
كذلك كان حال المسلمين في معظم أنحاء العالم الذين يعيشون فيه كأقلِّيَّاتٍ، سواءً في أوروبا أو الولايات المتحدة؛ حيث يُعانون من سياسات التَّميِّيز والاضطهاد، ولاسيما في الجانب الأمنيِّ؛ حيث يُطبِّق الغرب سياساتٍ تُضيِّق من حريَّة حركة المسلمين، وقد يصل الأمر إلى حدِّ الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم صراحةً، كما يحدث مع المساجد في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، ومنع المُحجَّبات من دخول المدارس في بلجيكا وفرنسا ودولٍ أوروبيَّةٍ أخرى.
وكانت الواقعة الأهم في هذا المجال هذا العام مقتل شهيدة الحجاب المصريَّة مروة الشربيني، التي قُتِلَت على يد متطرفٍ ألمانيٍّ نازيٍّ من أصلٍ روسيٍّ، والذي قتلها داخل المحكمة وقتل معها طفلها الذي كان لا يزال جنينًا وأصاب زوجها، وسط صمتٍ كاملٍ من جانب الأمن الألماني.
ولكن، وفي نهاية هذا العرض، فإنَّ الغرب والعالم غير الإسلاميِّ لا يتحمَّل المسئوليَّة الكاملة عمَّا يجري، ولكن المسلمين بتفرقهم وتشرذمهم يتحمَّلون مسئوليَّة ما يجري، فكلِّ دولةٍ لها سياستها الخاصَّة وعلاقاتها الدِّبلوماسيَّة، حتى أنَّ التَّوحُّد في رؤية هلال رمضان أصبح في غاية الصُّعوبة، وهو ما كشف عنه مفتي الديار المصريَّة الدُّكتور علي جمعة، عندما قال بأنَّ هناك دولاً عربيَّةً وإسلاميَّةً لا تريد وحدة المسلمين!!...











0 تعليقات:
Post a Comment