عُمَّال مصر.. رأس حربة العمل السِّياسيِّ أم احتجاجات اجتماعيَّة فئويَّة؟!...

كتبت- شيماء جلال وإيمان إسماعيل

مُقدِّمةٌ
تشهد السَّاحة المصريَّة منذ العام 2004/2005م، حالةً جديدةً أو ظاهرةً جديدةً لم تشهدها منذ عقودٍ، ونعني بها الاعتصامات والإضرابات العُمَّاليَّة التي تُعدُّ ظاهرةٌ حديثةُ العهد بالمجتمع المصري؛ ولعل إضراب 6 أبريل الكبير في العام 2008م، وما صاحبه من إضرابات وحراكٍ مستمرٍّ لعمَّال غزل المحلة، كان هو العلامة الرَّئيسيَّة والأساسيَّة التي دفعت إلى خروج أعدادٍ كبيرةٍ من العُمَّال المصريِّين من مرحلة كمونهم وسكونهم، بل يُمكن أنْ نطلق عليه صبرهم على آلام العمل، إلى مرحلة انطلاقة، شهدت معها حالةٌ من الإضرابات والإعتصامات المتتالية والمتوالية، التي تكاد لا يمر يوم إلا ونسمع عنها.
وكان العام 2005م، هو أوَّل عامٍ عرف هذه الظاهرة بكثافةٍ في سنوات ما يُعرَف بالحراك السِّياسيِّ في مصر، وتطوَّرت هذه الظاهرة من أقل من خمسين إضرابًا واعتصامًا في العام، إلى حوالي ألف في العام 2007م، تضاعفت لتصل إلى ألفَيْ إضرابٍ وعصيانٍ مدنيٍّ في العام 2008م المنصرم.
ولكن وبالرَّغم من وضوح مطالب وشكل هذه التَّحرُّكات، التي يُفضِّل النَّاشط المصري الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم إطلاق اسم "العصيان المدني" عليها، فإنَّ طبيعتها لا يزال الباحثين حائرون في صددها، فهل هي جزءٌ من الحراك السِّياسيِّ الذي كانت مصر قد بدأت تشهده منذ العام 2004م؟!، أم نتيجةً له؟!، أم هي مجرَّد احتجاجاتٍ فئويَّةٍ لمجموعاتٍ بعينها تُعبِّر عن نفسها من دون غطاءٍ سياسيٍّ، ووجدت في حالة الانفتاح هذه متنفسًا لها، خصوصًا مع الضُّغوط الدَّاخليَّة والخارجيَّة التي يتعرَّض لها النِّظام الحاكم في هذا الإطار منذ سنواتٍ؟!
الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتَّأثيرات السِّياسيَّة لهذه الظاهرة، ومستقبلها، ومختلف جوانبها الأخرى هو ما يحاول هذا التَّقدير مناقشته.
أولاً: تقييمٌ متباينٌ
مبدئيًّا وطبقًا للآراء أساتذة العلوم السِّياسيَّة، فإنَّنا إذا ما تناولنا إضراب 6 أبريل 2008م تحديدًا، فسوف نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ جديدةٍ أطلق عليها الدكتور سيف عبد الفتاح، أستاذ العلوم السِّياسيَّة بجامعة القاهرة، اسم "الشُّعوبية السِّياسيَّة"، والتي تعني مطالبة كلِّ فئةٍ نقابيَّةٍ أو عمالية بمصالحٍ ذاتيَّةٍ لها فقط، وليس مطالب عامَّة تُمثل أصل المشكلات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي يُعاني منها.
وفي رأيه، فإنَّ هذه "الشُّعوبيَّة" بدأت تأخذ صورة "التَّقوقُع" حول الذَّات، وهو أمرٌ يضرُّ بالعمل العام، بحيث ينكب كل فرد على "أكل عيشه" فقط.
والجانب الآخر في تقييم هذه الظَّاهرة يُوضِّحه المفكر المصري الدُّكتور طارق البشري، الذي ركَّز في تحليله للظَّاهرة على غياب عددٍ من الاشتراطات الَّلازمة لتحوُّلها إلى فعلٍ شاملٍ للتَّغيير؛ حيث يؤكد أنَّ غياب القيادة القادرة على تحريك هذه المجموعات النَّقابيَّة والعُمَّاليَّة، لا يقود لنجاح هذه التَّحرُّكات الجماهيريَّة.
كما أنَّ الحرب أو الصِّراع السِّياسيِّ الدَّاخليِّ في مصر بين النِّظام والنَّاس- بحسب قوله- تحتاج إلى وعيٍّ، وهو بحاجةٍ بدوره أيضا إلى قوَّة التَّحريك والتَّنظيم، وهذه مفتقدةٌ، والتنظيمات الموجودة غير قادرةٌ على التَّعبئة والتَّحريك لكي يكون لها تأثير على هذه الحركات، أو سياسات النِّظام من جانبٍ آخرٍ.
وقال إنَّ من أسباب عدم قدرة القوى السِّياسيَّة في مصر على تعبئة الجمهور، عدم سماح الدَّولة لها من ناحيةٍ، إضافة إلى الوضع السِّياسيِّ والمُشاكل التَّنظيميَّة بشكلٍ عامٍ التي تُعانيها هذه القوى.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هذه الإضرابات "الفئويَّة" تُعاني من مجموعةٍ من المُشكلات، من بينها، بالإضافة إلى غياب أو اختفاء القيادة الشَّعبيَّة الكاريزمية، تضارب المواقف والتَّصريحات حول طبيعة الإضراب ومطالبه.
فعلى سبيل المثال، وفي حالة إضراب 6 أبريل، في حين دعت مجموعات على موقع (فيس بوك) الاجتماعي للإضراب "بمعني التَّوقُّف عن مُمارسة أيِّ عملٍ والتَّغيُّب عن مقار العمل والوقفات الاحتجاجيَّة"، دعا سياسيُّون آخرون لمظاهراتٍ في عدَّة مناطقٍ، والتَّعبير عن الغضب على الأوضاع "بأيِّ شكلٍ متاحٍ"، وليس للإضراب فقط بحسب مُنظِّمي 6 أبريل.
كما اختلفت الأوضاع والمطالب بحسب اختلاف وضع المواطن ومكانه، حتى في ذات الوسط، ففي حين ركَّز طُلاب الجامعات عمومًا على تخفيض نفقات الدراسة الجامعيَّة التي أُلغِيَت مجانيَّتُها تقريبًا، ركز طلاب الإخوان المسلمين على المطالب الحُرِّيَّات، بينما ركَّز نُشطاء الحركة المصريَّة من أجل التَّغيِّير (كفاية)، وأحزاب العمل والغد والكرامة "تحت التَّأسيس" على مطالبٍ سياسيَّةٍ أخرى عرضوها في شكل ما عُرِفَ بـ"إعلان القاهرة"، الذي صدر بعنوان "حان وقت التَّغيير"، وطالب بإطلاق الحُرِّيَّات السِّياسيَّة، وإلغاء جميع القيود المفروضة عليها.
كما أنَّ الدَّاعون للإضراب بشكلٍ أساسيٍّ كانوا هم شباب الإنترنت، وهؤلاء فقط يُشكِّلون 12% من المصريِّين، بجانب بعض القوى السِّياسيَّة الصَّغيرة، وهو ما أضعف دعوة الإضراب، وعزَّز ذلك وجود "فاصلٍ طبيعيٍّ" بين شباب الإنترنت وغالبيَّة الشَّعب المصري.
كما أنَّ العامل الأمنيِّ لعب دوره في فشل أو إفشال وإجهاض الإضراب؛ حيث كان هناك ترهيبًا أمنيًّا، ولم يقتصر على اعتقال نشطاء الإنترنت، وإنما امتد لاعتقال الفتيات؛ حيث اعتقلت 7 طالبات وسيدات بغرض الرَّدع الأمنيِّ، وبعث رسالةَ إجهاضٍ مبكرةٍ لمنظِّمي الإضراب، وللذين قد يشاركون في الإضراب.
ثانيًا: أدوارٌ إيجابيَّةٌ
ولكن بعيدًا عن هذه الصُّورة، فقد لعبت الإضرابات دورًا فعليًّا في التَّوعية والتَّعريف بثقافة الاحتجاج بشكلٍ عامٍ في مصر، كما كان اللافت أنَّ الإنترنت كانت وسيلةٌ فعَّالةٌ برغم كل شيءٍ، مقارنةٍ حتى بكونها لا تزال تحبو في مصر؛ حيث تحولت الإنترنت منذ العام 2005م إلى ما يُشبه "وكالة أنباء" بالصُّوت والصُّورة تنشر الأخبار والبيانات والصُّور والمقاطع المصوَّرة الحيَّة، بحيث أكَّدت على دورها المباشر والمتزايد لشباب الإنترنت في تشكيل وعي الشَّعب، ونشر ثقافة الاحتجاج بين المصريِّين.
والأهم هنا كما يقول الدكتور سيف عبد الفتاح أنَّ تربية الناس والجماهير على أنْ تقوم بعملٍ احتجاجيٍّ مُنظَّمٍ، حتى من دون قوَّةٍ سياسيَّةٍ تجمعهم وتحرِّكُهم، تستطيع من خلاله- أي هذا العمل- أنْ تُعبِّر عن رؤيتها الحقيقية إزاء الواقع السِّياسيِّ المصريِّ وكذلك الواقع العام في البلاد، وخصوصًا الأزمة المعيشيَّة في مصر، وهو دورٌ "تربويٌّ" لعبته قوىً عديدةٌ مثل مُنظَّمات المجتمع المدني، وشباب الإنترنت والأحزاب.
كما أنَّ مثل هذه الإضرابات أنَّها دفعت باتِّجاه المزيد من التَّرابُط بين الفضائَيْن الواقعي والإليكترونيِّ بنزول شباب الإنترنت للشَّارع، وتوزيعهم المنشورات وكتابة شعارات الإضراب في الشَّارع، بجانب العمل على الإنترنت.
ومن مزاياه الأخرى أنَّ قيادة الشَّباب للإضراب "حمَّست القوى السِّياسيَّة والحزبيَّة العاجزة والمُتجمِّدة، ودفعتها للتحرك وممارسة دورٍ، ودفعت قوى أخرى كالإخوان المسلمين للسَّعي للاستفادة من حركة الشَّارع في توسيع نفوذها، وإنْ كان الإخوان أكثر حذرًا في ذلك، بدعوى أنَّ دعمهم للإضرابات العُمَّاليَّة سيستدعي ردَّ فعلٍِ سلبيٍّ من جانب الدَّولة المصريَّة ضد هذا الحراك.
على الجانب الآخر، فإنَّ أهم نتائج الإضراب، هة أنَّ هذه الظَّاهرة حرَّكت الحزب الوطنيِّ الحاكم، ودفعته للنَّشاط والتَّفاعُل مع حركة الشَّباب المُعارض، ولو بعقليَّةٍ أمنيَّةٍ.
وقد ظهر هذا في لَعِبِ مُناصري الحِزب الحاكم في مصر دورًا على ساحة موقع (فيس بوك)؛ حيث خاضوا "حرب مجموعاتٍ" حامية الوطيس ضد أنصار الإضراب؛ حيث دشَّن شباب الحزب الوطني عدة مجموعات لمواجهة دعوة إضراب 6 أبريل، وبعناوينٍ هجوميَّةٍ مثل مجموعات: "طز في إضراب 6 أبريل"، و"بلطجة شباب 6 أبريل، ووهم التغيير"، و"يا مخربي 6 أبريل انتظروا الصَّاع بعشرة"، و"آن الوقت لنعمل من أجل مصر".
وشكَّلت الاتِّهامات بالتَّخريب والعمالة قاسمًا مشتركًا في كلِّ مجموعات مُناصري الحزب الوطنيِّ، مثل القول: "هؤلاء يُجنِّدون شباب الجامعات المُغيَّب، والذي يمتلك كثيرًا من الطَّاقة والفراغ وقلَّة المعرفة ليعملوا كمخرِّبين لصالح كبرائهم باسم التَّغيِّير".
ومع هذا فقد أثمرت المُنافسة بين الطَّرفَيْن في إطلاق الحزب الوطنيِّ حملة بعنوان: "عطاء الشَّباب" لمدة أسبوعَيْن، وعلى مرحلتَيْن تشمل كلَّ واحدةٍ منها 14 محافظة؛ بهدف تحقيق التَّضامُن الاجتماعيِّ، وإذكاء روح الانتماء الوطنيِّ للشَّباب، وتأكيد عنصر الإبداع والتَّجديد لديهم من خلال فتح الأبواب الواسعة أمام أنشطتهم التَّطوعيَّة التي تهدف إلى الإصلاح والبناء".
وبالتَّالي فإنَّ هذه الإضرابات، وخصوصًا إضراب 6 أبريل، يمكن النَّظر له وفقًا لمداخلٍ مُتعدِّدةٍ؛ فهو فاشلٌ لو حُسِبَ كحركةٍ شعبيَّةٍ في الشَّارع، وناجحٌ لو نُظِرَ إليه كحركةٍ احتجاجيَّةٍ شبابيَّة داخل الجامعة والشَّارع، ومفيدٌ لو اُعتُبِرَ أحد نماذج التَّثقيف والتَّربية الشَّعبيَّة بثقافة الإضراب والاحتجاج الاجتماعي، والمطالبة بالحقوق الأساسيَّة للمواطن، فضلا عن دفع الحزب الحاكم والسَّاحة العامَّة في مصر باتِّجاه حراكٍ سياسيٍّ.
كما أنَّه- وبحسب مراقبين- فإنَّ هذه الإضرابات المتوالية أعطت مساحةً كبيرةً من التَّفاؤُل لدى النُّخبة السِّياسيَّة المصريَّة بسبب التُّحرُّكات العُمَّاليَّة الواسعة، ورأت فيها دلالةً إيجابيَّةً في اتِّساع المُطالبة بالحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
وفي هذا الإطار يُلاحَظ أنَّ ردَّ فعل الدَّولة كان في البداية غير صداميٍّ بسبب اتِّساع الحركة العُمَّاليَّة، وحاولت من خلال أدواتها التَّسويف والمُماطلة في مطالب العُمَّال، ثُمَّ حاولت إيقاف عدوى هذه الاحتجاجات سواءً من خلال الضُّغوط الأمنيَّة أو تحقيق بعض المطالب المحدودة، مع حساسيةٍ شديدةٍ في التَّعامُل بسبب أنَّ أغلبيَّة مثل هذه الاحتجاجات تقع في مناطقٍ آهلةٍ بالسُّكَّان، ومن الممكن أنْ يتحوَّل المشهد إلى صراعٍ دمويٍّ مريرٍ، النِّظام في غنىً عنه، على الأقل لحين تمرير مُخطَّطات التَّوريث.
ثانيًا: رصدٌ عامٌ للظَّاهرة
لم تتوقَّف "المقاومة العُمَّاليَّة"- إنْ جاز التَّعبير- للسِّياسات الحكوميَّة، ولا تعود فقط إلى الأعوام الأخيرة في عقد الألفيَّة الجديدة الأوَّل، فوفقًا للبيانات الصادرة عن مركز الأرض لحقوق الإنسان، فإنَّ العمَّال في مصر قاموا بـ114 احتجاجٍ عام 1998م، و164 عام 1999م، و135 عام 2000م، و138 عام 2001م، و96 عام 2002م، و86 عام 2003م، وقاموا بـ266 احتجاجٍ في عام 2004م، و202 احتجاجٍ عام 2005م، و222 احتجاجٍ عام 2006م، وارتفعت إلى ألف في العام 2007م، وأكثر من ألفَيْن عام 2008م.
وكانت جميعها ما بين تجمهُرٍ واعتصامٍ وإضرابٍ واحتجاجٍ، وبجانب أنَّ هذه الاحتجاجات ترصد حجم المقاومة العُمَّاليَّة، فإنَّها تعكس أيضًا حجم مُعاناتهم اليوميَّة المعيشيَّة.
وكان من أهم الإضرابات العُمَّاليَّة خلال السَّنوات الماضية إضراب غزل المحلة؛ حيث ثار 27 ألف عاملٍ من عُمَّال شركة "مصر للغزل والنَّسيج"، وأعلنوا الإضراب العام في 7 ديسمبر 2006م، مطالبين بصرف الأرباح تنفيذًا لقرار رئيس الوزراء رقم "467" لسنة 2006م، والذي أقرَّ زيادةَ الحدِّ الأقصى لما يُخصَّص للعاملين، وطالبوا بوقف الفساد في الشَّركة وعزل رئيس مجلس الإدارةن وسحب الثِّقة من الَّلجنة النَّقابيَّة.
وتبقى شركة مصر للغزل والنَّسيج بالمحلة، إحدى أهم معاقل الخبرة النَّقابيَّة والعُمَّاليَّة المصريَّة القادرة على إحداث التَّوازُن في العلاقة بين الدَّولة والعُمَّال في مصر.
ثم جاء إضراب عمال شركة القناة للتَّرسانة النِّيليَّة في 17 ديسمبر 2006م، احتجاجًا على عدم تحديد درجاتٍ وظيفيَّةٍ لهم، ولعدم اعتماد لائحة العاملين بالشَّركة، واستمر الإضراب 9 أيام.
وفي 19 ديسمبر 2006م، اعتصم عُمَّال شركة "أسمنت حلوان" احتجاجًا على إهدار الَّشركة الإيطاليَّة التي اشترت جزءًا من الشَّركة لوعودها معهم بشأن نظام الحوافز الذي تمَّ الاتِّفاق عليه في مفاوضات اتِّفاقيَّة العمل الجديدة، وفي اليوم التَّالي اعتصم عمال "أسمنت طرة" والتَّابعة لنفس الشَّركة تضامنًا مع مطالب زملائهم بشركة "أسمنت حلوان".
وفي العشرين من يناير من العام 2007م، أعلن سائقي القطارات بهيئة السِّكَّة الحديديَّة إضرابهم عن العمل احتجاجًا على استمرار العمل بالمادة "108" من قانون العمل، والتي تنصُّ على أنَّه عندما يُصاب السَّائق بمرضٍ مُزمنٍ يُنْقَل إلى وظيفةٍ أخرى، ولو أقل من وظيفته الأصليَّة، ويحصل على أجره كاملاً لمُدَّة عامَيْن، ثم بعد ذلك يحصل على الأجر الأساسيِّ فقط، مما يُؤدِّي في الحقيقة لتخفيض أجر العامل.
علما بأنَّ أيَّ سائقٍ يخضع لاختبارات طبِّيَّة قبل تعيينه، وهو ما يعني أنَّ التَّغيُّرات الصِّحِّيَّة التي طرأت عليه، وأدَّت إلى عدم لياقته طبِّيًّا هي من نتيجة العمل، وهو ما يستدعي تعويضه عن هذه الإصابة، وليس مجازاته بخصم نصف أجره تقريبًا.
وكان أهم ما يُميِّز إضراب عُمَّال السِّكَّة الحديد، أنَّ السَّائقين تمتَّعوا بتنظيمٍ رفيعٍ للإضراب كان خلفه جميع سائقي القطارات ومترو الأنفاق، وتواترت تكتيكات العمال ما بين تصعيد التَّهديد، ومنع القطارات من الحركة، والنَّوم على قُضبان السِّكك الحديديَّة، والإضراب التَّضامنيِّ لسائقي مترو الأنفاق، ومنْح مهلة للإدارة والتَّفاوُض مع جميع الجهات، ثم منح مهلة للوزير، ثم انحازوا في المفاوضة لتطبيق الشُّروط التي يستفيد منها جميع السَّائقين وليس جزءًا منهم فقط، وهو ما يعكس حجم ودقَّة تنظيمهم وخبرة قيادات رابطة سائقي القطارات، وبالفعل انتهت مفاوضاتهم واضرابهم بإصدار قرارٍ وزاريٍّ يتضمَّن ما تمَّ الاتِّفاق عليه في مفاوضات العُمَّال.
وفي يوم 3 فبراير 2007م، دخل عُمَّال شركة "القاهرة للدَّواجن" في إضرابٍ عن العمل؛ حيث امتنع ما يقرب من ثلاثة آلاف عاملٍ من صرف رواتبهم اعتراضًا على عدم استجابة الإدارة لمطالبهم بصرف بدلات عمل وغلاء معيشة وإضافي لتحسين ظروفهم المعيشيَّة.
ثم بعد ذلك جاء إضراب عمَّال شركة "غزل شبين الكوم" في 4 فبراير من العام 2007م؛ حيث رفض العُمَّال تسليم المصنع للمستثمر الهندي الذي اشتراه، إلا بعد تلبيه مطالبهم المُتمثِّلة في صرف أرباح 133 يوم، وصرف 45 يوم أخرى قرَّرها رئيس الوزراء، وانتهى الاحتجاج بصدور قرارٍ من الوزيرة عائشة عبد الهادي بصرف 45 يوم كمنحةٍ للعُمَّال و133 يوم أرباحٍ، واحتساب أيام الإضراب أيام عملٍ ورفع بدل الوجبة الغذائية من 32 إلى 43 جنيه، وهو مامثل انتصارًا للعُمَّال، ونجاحًا لاضرابهم الذي استمر 10 أيام.
وفي إضراب عُمَّال شركة "الغزل والنَّسيج الرفيع" بكفر الدَّوَّار، طالب العُمَّال بزيادة صرف الأرباح لهم من 15 يوم فقط إلى 45 يومٍ أسوة بُعمَّال "غزل المحلة"، وفيه بلغ عدد المضربين 12 ألف عامل.
بالإضافة إلى تلك الإضرابات، حدثت إضراباتٌ أخرى في نفس العام، منها إضراب عُمَّال مصنع زفتى للغزل، وعمال الزِّراعة بأسوان، وعُمَّال الشَّركة المصريَّة للغزل اسبينكو وبلانكو بالإسكندرية، وعُمَّال غزل ميت غمر، وعُمَّال مصنع وبريَّات سمنود، ومُشرفي النَّظافة بمجلس مدينة كفر الدَّوار، وعُمَّال شركة غزل السُّيوفي، وعُمَّال مصنع المُعدَّات التِّليفونيَّة بالمعصرة، وعُمَّال شركة بولفار للغزل والنَّسيج، وعُمَّال شركة إيديال الِّلذين قاموا باحتجاجٍ على استيلاء الشَّركة على أرضٍ ملكٍ للعُمَّال.
وترصُد مُؤسَّسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان أنَّه في شهر مارس الماضي فقط وقعت 10 اعتصامات و7 إضرابات و3 مظاهرات، وتمثَّلت فيه خسائر الحركة العُمَّالية في فصل 972 عاملاً، ومقتل 4 عُمَّال، من بينهم اثنَيْن قاما بالانتحار لعدم قدرتهما علي توفير مُتطلَّبات الحياة.
نقص الدُّخول وراء الإضرابات:
في رأي الكثير من المُراقبين، فإنَّ المجتمع المصري يجني في الوقت الرَّاهن ثمار السِّياسات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المعمول بها في السَّنوات الأخيرة، والمُعبِّرة عن سياسة السُّوق المفتوح وقانون العرض والطَّلَبَ لكل السِّلَع بما فيه السِّلع الضَّروريَّة لكل المواطنين، بما أدَّى إلى تراجع مستوى المعيشة وعدم الاهتمام بأوضاع العُمَّال.
وذلك بالإضافة إلى البطالة المتنامية في المجتمع، وزيادة التَّضخُّم وارتفاع الأسعار وقِلَّة الدُّخول والتَّفاوُت الشَّاسع بين الفُقراء والأغنياء، ممَّا جعل القُوَّة الفقيرة، وفي طليعتهم العُمَّال، غير قادرةٍ على الوفاء باحتياجاتها الأساسيَّة، ممَّا زاد من حجم الاحتقان الاجتماعي، خصوصًا مع عجز المُنظَّمات النَّقابيَّة عن حماية حقوقهم، والسَّعي لحلِّ مشاكلهم أو تحقيق الحدِّ الأدنى من مطالبهم الضَّروريَّة والمشروعة.
وبطبيعة الحال، فإنَّ كلَّ ذلك يؤدِّي في النَّهاية إلى انفجاراتٍ اجتماعيةٍ مثل الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات، وكافة ألوان الاحتجاج الأخرى، ولذلك فإنَّه ما لم تقُم الحكومة بمعالجة الأسباب الحقيقيَّة لهذه الظَّواهر، فإنَّه من المحتم استمرار هذه الإضرابات، بل وتزايُدها، ممَّا يُعرِّض السِّلم والأمن الاجتماعيِّ والأهليِّ إلى خطرٍ حقيقيٍّ.
وفي هذا الإطار ترى بعض التَّحليلات أنَّ هذه الاحتجاجات تمثل فرصة لتقويم مسار السِّياسات الحكوميَّة، وكشفت عن الأخطاء المتراكمة منذ عقودٍ، ومن بينها سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة، والتي أدَّت إلى انهيار الاقتصاد المصري، بما في ذلك العمليَّة الإنتاجيَّة.
كما كشفت الإضرابات العُمَّالية عن حجم الفساد، والتَّردِّي الذي وصل إليه البناء الهيكليِّ للتَّنظيم العُمَّالي الرَّسميِّ، مع إصرار النِّظام الحاكم على السيطرة الكاملة على اتِّحاد عمال مصر والاتحادات والتَّنظيمات النَّقابيَّة، الأخرى، مع قدوم معظم الِّلجان والتَّنظيمات في الشَّركات بطريقةٍ غير ديمقراطيَّةٍ؛ حيث جاءت في معظمها بالتَّزكية، وهي تنظيماتٌ لا علاقة لها بعُمَّالها؛ حيث تُمثِّل طبقةً عازلةً بين العُمَّال والإدارة، بالمخالفة لمنطق هذه التَّشكيلات التي يجب أنْ تكون تعبيرًا صادقًا عن رغبات العُمَّال.
عوراتٌ تشريعيَّةٌ:
من ناحيةٍ أخرى، تُعاني الحركة العُمَّاليَّة من عوراتٍ تشريعيَّةٍ، فقانون النَّقابات العُمَّاليَّة، وفي شأن الانتخابات النقابيَّة، لا يوجد إلا ثلاث موادٍّ فقط تتعلَّق بالانتخابات، هي:
-    المادَّة "36"، والتي تُحدِّد شروط التَّرشيح.
-    المادَّة "41" التي تُحدِّد مُدَّة الدَّورة النَّقابيَّة، وتاريخ بدايتها ونهايتها وطريقة إشراف القضاء على الانتخابات، وحتى تلك المادة، تُخَوِّل وزير القوى العاملة سلطة إصدار القرار الذي يُحدد مواعيد انتخابات العُمَّال واجراءات التَّرشيح والانتخاب بعد موافقة اتِّحاد العُمَّال.
-    المادَّة "44" التي تُحدِّد مواعيد الطَّعن على نتيجة الانتخابات بـ15 يومًا من تاريخ إعلان النَّتيجة أمام المحاكم الجزئيَّة.
هكذا جاءت نصوص القانون بشأن انتخابات العُمَّال؛ مُجرَّد نصوصٍ عامَّةٍ وقليلة العدد، ووضعت التَّفاصيل الجوهريَّة تحت سُلطة الوزير، فالوزير هو الذي ينفي أو يثبت توافر الشُّروط المُقرَّر لانتخاب العامل، ويُحدِّد الِّلجان المُشرفة على عمليَّة التَّرشيح ومكانها، ويُحدِّد قواعد الدَّعاية، وكيف يتم الانتخاب، وغيرها من تفاصيل الانتخابات.
كما أنَّه على مستوى الممارسة، فإنَّ من أهم إجراءات النِّظام الحاكم للسيطرة على هذه الانتخابات، إصدار قرار ينظِّم انتخابات كل دورةٍ انتخابيَّةٍ على حدة، وبالتَّالي يتم تفصيل نصوص القرار في كلِّ دورةٍ من أجل تحقيق نتيجةٍ معينةٍ!!
وبطبيعة الحال، فقد كان من الأولى أنْ يكون مثل هذه القرارات دائمةٌ، وبمثابة لائحةٍ انتخابيَّةٍ لا يتغير منها إلا تلك القواعد التي يصدر بشأنها أحكامٌ من القضاء، وحتى هذه، فإنَّ بطء إجراءات التَّقاضي  تدخِل العُمَّال في دوامةِ التأخير، وبالتَّالي إجراء الانتخابات تحت سيف القرارات الوزاريَّة وتجاوزات السُّلطة التَّنفيذيَّة.
فبالرَّغم أنَّ القانون ينص على ضرورة إشراف القضاة على الانتخابات، إلا أنَّه لم تتم أيِّ عمليَّةٍ انتخابيَّةٍ تحت إشرافٍ قضائيٍّ كاملٍ، ولكن يتم إنشاء لجنةٍ عامَّةٍ بدائرةِ كلِّ محافظةٍ، بالإضافة إلى ستةِ مناطقٍ ذات تجمُّعٍ عُمَّاليٍّ، هي شبرا وكفر الدَّوار وكفر الزَّيات والمحلة والأقصر، يرأسها أحد أعضاء الهيئات القضائيَّة، وبعضوية اثنَيْن من وزارة القوى العاملة وعضوٌ ممثِّلٍ عن اتِّحاد عُمَّال مصر.
وتتولى هذه الَّلجنة إعلان النَتيجة، أمَّا لجنة الانتخابات التي تتواجد في أكثر من 1800 مصنعٍ وشركٍة، فهي التي تباشر أعمال الانتخابات وتقوم بالفرز وتجميع الأصوات وارسال النَّتيجة للقوى العاملة، ومن ثمَّ يكون جوهر العمليَّة الانتخابيَّة في قبضة القوى العاملة.
ثالثًا: انتخاباتٌ فارقةٌ
في تقريرٍ صادر عن مركز هشام مبارك القانونيِّ بشأن انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة الأخيرة (2006- 2011م)، يقول إنَّ تلك الانتخابات تميَّزت بعدَّة أشياءٍ، وهي:
-    كثافة ترشيحات العمال؛ حيث شهدت هذه المعركة اقبالاً مُتزايدًا من العُمَّال راغبي التَّرشيح على مقاعد الِّلجان النقابية وهو ماعكس تغيير المزاج العمالي في الاهتمام بالانتخابات العُمَّاليَّة.
-    شهدت هذه الانتخابات تنوُّع القوى السِّياسيَّة التي خاضت الانتخابات من مُرشَّحين للحزب الوطنيِّ والشُّيوعيِّين والنَّاصريِّين والوفديِّين، بينما انضم الإخوان المسلمون لأوَّل مرةٍ، وبشكل علنيٍّ في هذا الصِّراع.
وقال التقرير إنَّه لتعيين عائشة عبد الهادي وزيرةً للقوى العاملة أثره على الانتخابات العُمَّاليَّة؛ حيث زاد الاقتتال الدَّاخليِّ بين قيادات التَّنظيم الرَّسمي من اتباع الحزب الوطنيِّ، وقد عملت الوزيرة على مطاردة وتصفية خصومها، وتمكين العناصر التَّابعة لها من السَّيطرة على مقاليد التَّنظيم النَّقابيِّ.
وأيضًا جاءت هذه الانتخابات في ظلِّ ظروفٍ سياسيَّةٍ مُختلفةٍ، وهي بعد أنَّها جاءت بعد التَّعديلات الدَّستورية التي غيرت من طريقة اختيار رئيس الجمهوريَّة، وما صاحب ذلك من احتجاجاتٍ جماهيريَّةٍ على استمرار الرَّئيس حسني مُبارك في الحكم، كذلك انتخابات مجلس الشَّعب وما شهدته من مواجهةٍ بين المواطنين والقوى السِّياسيَّة من ناحيةٍ، وبين الشُّرطة وبلطجيَّة وأنصار الحزب الحاكم من ناحيةٍ أخرى.
فجميع الأشكال الاحتجاجيَّة التي استخدمتها القوى السِّياسيَّة خلال العامَيْن الماضيَيْن كان لها انعكاساتها على السُّلوك العام للمواطنين؛ حيث كُسِرَت هيبة الحزب الحاكم، وفي نفس الوقت لفتت الأنظار إلى أدوات التَّظاهر والإعتصام كأدواتٍ فاعلةٍ في التَّعبير عن الرَّأي.
ورغم أنَّ الحزب الحاكم تمكَّن من إنهاء الانتخابات وفرض رجاله على التَّنظيم النَّقابيِّ، إلا أنَّ هذه الانتخابات شهدت عددًا من النَّتائج التي اشتملت على تغيُّرٍ في تكتيكات الحزب، قابله تغييرٌ في تعامل العُمَّال معها.
لذلك فإنَّ انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة في هذه الدَّورة (2006- 2011م)، تعكس إرهاصات تصاعد "المُقاومة العُمَّاليَّة"، ليس فقط على مستوى كثافة المُشاركة، لكن على مستوى تطوُّر أدوات التَّعبير عن الرَّأي وتنظيم وترتيب أولويَّات المُواجهة، كما مهَّدت السُّبل لسلب الشرعية من قيادات التَّنظيم الرَّسميِّ الموالية للحزب الحاكم.
وهذه "المُقاومة العُمَّاليَّة" فضحت الاتِّحاد العام لنقابات العُمَّال، وكشفت عن عجز قياداته، وضعف إمكانيَّاتهم الشَّخصيَّة أو السِّياسيَّة، كما كشفت هذه الاحتجاجات هشاشة التَّنظيم النَّقابيِّ المصريِّ، بحسب تقرير مركز هشام مُبارك.
ويقول التَّقرير إنَّ الحكومة تحت ضغط الفزع من الاضرابات العُمَّاليَّة، أنْ تلصق أسبابها بـ"أيدٍ خفيَّةٍ"، فقالت تارةً إن الإخوان المسلمين وراء هذه التَّنظيمات العُمَّاليَّة، وخاصَّة أنَّ تزايد الإضرابات جاء بعد انتخابات مجلس الشَّعب في العام 2005م، والتي فاز فيها الإخوان بـ20% من عدد مقاعد المجلس، كما قالت بعض الأوساط الحكوميَّة أن وراء هذه الإضرابات تنظيمٌ شيوعيٌّ أو منظمات حقوق الإنسان، وأخيرا زعموا أنَّ وراء هؤلاء من استُبْعِدُوا من انتخابات النَّقابات العُمَّاليَّة.
كما حاولت الحكومة إيقاف هذه الاحتجاجات بأيَّةِ طريقةٍ، ففي أثناء إضرابات عُمَّال السِّكك الحديديَّة قامت حشودٌ أمنيَّةٌ- أغلبها من فرق الكاراتيه التي تردي عناصرها الزِّيِّ المدنيِّ- في الانتشار داخل محطة مصر استعدادًا لأوامر الإنتشار لفض اضراب السَّائقين.
وأخيرًا، وتحت وطأة هذه الأوضاع، بدأت وزيرة القوى العاملة عائشة عبد الهادي تعترف بأنَّ العُمَّال لهم مطالبٌ حقيقيَّةٌ ومشروعةٌ.
رابعًا: الإضرابات والحراك السِّياسيِّ في مصر
عندما ما بدأ ما يُعرَف بالحراك السِّياسيِّ في مصر، والذي نَشَطَ في العام 2005م، استجابةً لمطالبٍ سياسيَّةٍ إصلاحيَّةٍ، تبنَّت بعضها حكومة الحزب الوطني الحاكم بالتَّزامُن مع ضغوطٍ أمريكيَّةٍ ضمن "خطة نشر الدِّيمُقراطيَّة"، اتَّضح أنَّ القُوى التي دعت له وخرجت في الشَّارع لدعمه كانت قوىً حزبيَّةٌ سياسيَّةٌ وإسلاميَّةٌ، إلا أنَّ من نجح في توظيف هذا الحراك والاستفادة منه كانوا هم العُمَّال.
ويتضح ذلك في أنَّه بعد أن نشط هذا الحراك السِّياسيِّ" في أعقاب خروج التَّيَّار السِّياسيِّ الأكثر قُدرةٍ على الحشد الجماهيريِّ، وهو الإخوان المسلمون، إلى الشَّارع في العام 2005م، إلى جانب مظاهرات حركة "كفاية" الأقل عددًا، وعندما انحسر بعد توقُّف الإخوان عن الخروج للشَّارع؛ فإنَّه أفسح المجال أو أضاء الطَّريق لفئةٍ أخرى للحركة والعمل، وهي العُمَّال، الذين أثبتوا أنَّهم هم القُوَّة الحقيقيَّة غير المُسيَّسة القادرة على تحريك الشَّارع، ودفع السُّلطة للاستجابة لمطالبهم.
وقد كشف التَّعامُل الأمني والسِّياسيِّ الرَّسميِّ مع حركة العُمَّال في الشَّارع المصريِّ، عن اختلافٍ هامٍّ بين مدى قوَّة وتأثير المُظاهرات السِّياسيَّة ذات المطالب الإصلاحيَّة عمومًا، وقوة المظاهرات والإضرابات العُمَّاليَّة، واختلاف قُوَّة الدَّفع الذَّاتيِّ التي تدير حركة كلا الطَّرفَيْن، القوى السِّياسيَّة والعُمَّاليَّة، والتي تتعاظم في حالة العُمَّال، في مُقابل فقدان الزَّخم في حالة القوى والأحزاب السِّياسيَّة.
وهناك رأيٌُّ يقول إنَّ هذا الزَّخم العُمَّاليِّ جاء لأنَّ مطالب العُمَّال لم تقتصر فقط على المطالب الماليَّة من حوافزٍ ورفع رواتبٍ وغيره، وإنْ بدا هذا هو الظَّاهر في مطالبهم الرَّئيسيَّة، إلا أنَّها- أي هذه المطالب- تعدَّت ذلك لفضح الفساد والتَّزوير في الانتخابات، بما فيها الانتخابات العماليَّة، وانتقاد التَّعديلات الدُّستوريَّة الأخيرة.
هذا أدَّى إلى ظهور تقديراتٍ تُشير إلى أنَّ العُمَّال ربما يكونون هم "رأس الحربة" أو قاطرة حراك شعبيٍّ عامٍ بهدف إلى تحقيق الإصلاح الاقتصاديِّ والسِّياسيِّ الحقيقيِّ، وقوة ضغطٍ مستمرةٍ، مع كون العُمَّال هم الفئة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في قطاعات الدَّولة المختلفة.
كما أنَّه بصرف النَّظر عن التَّكهُّنات التي أُثيرت حول سعي قوىً سياسيَّة مثل الإخوان واليسار لتحريك مظاهرات وإضرابات عُمَّال النَّسيج والمطاحن والنَّقل وغيرهم في عشرات المُؤسَّسات العامَّة المصريَّة، فلم يثبت أنَّ هذه الإضرابات تقف وراءها بشكلٍ مباشرٍ أيَّة قوَّةٍ سياسيَّةٍ، كما أنَّها جرت في العديد من المدن المصريَّة خارج العاصمة، ومن المعروف أنَّه إذا تحرَّكت الأقاليم فإنَّه على العواصم أنْ تقلق.
وفي هذا الإطار، فإنَّ هناك تحليلاتٌ حاولت رصد أسباب تعاظُم تأثير العُمَّال عن القوى السِّياسيَّة، ومن بين ما وصلت إليه هذه التَّحليلات والتَّقديرات:
1.    أنَّ مُظاهرات العُمَّال جاءت على خلفيَّة "لقمة العيش" ورواتب العُمَّال وأوضاعهم الماليَّة والإداريَّة، وهي كلها أمورٌ ذات إلحاحيَّةٍ في ظل الارتفاع المُتتالي في الأسعار والتَّضخًُّم المُتزايد، وهو ما مس الحاجات الرَّئيسيَّة للمواطن، وهو ما دفع النِّساء العاملات للخروج لأوَّل مرَّةٍ وبكثافةٍ، ويفسر تظاهرهن واعتصامهن، بل قيادتهن لبعض المظاهرات كما حدث في مظاهرات عمال وموظفي المطاحن، بعكس السِّياسيِّين الَّذين يرفعون مطالبَ سياسيَّةً عامَّةً، تمس الحكم أحيانًا فيتم رفضها.
2.    تستند المطالب العُمَّاليَّة إلى قاعدةٍ جماهيريَّةٍ واسعةٍ، وحضور مضمونٌ في المظاهرات أو الإضرابات، وتكون هذه المطالب مُوحَّدةٌ، وبالتالي تكون مؤثرة في الدَّولة؛ لأنَّها تعطِّل الإنتاج، بعكس مظاهرات السِّياسيِّين التي تختلف وفق المزاج العام للمُشاركين فيها، وتكون متباينةٌ ومُتضاربةٌ في مطالبها أحيانًا.
3.    كما سبق القول لا تقتصر التّحرُّكات العُمَّاليَّة على العاصمة والمدن الرَّئيسيَّة، شأن غالبيَّة الفعاليَّات السِّياسيَّة، وهو ما يجعل تأثيرها أقوى ويشمل كل مصر، كما أن أماكن التظاهر تكون غالبًا داخل العنابر والمصانع، ما يُصعب من مُهمَّة فضها أمنيًّا لو صدر قرار بذلك، خصوصًا وأنَّ هناك عُمَّالاً هددوا في بعض الإضرابات بحرق أنفسهم مع الماكينات لو تدخَّل الأمن، وعلى العكس فإنَّ التَّضييق الأمني على مظاهرات السِّياسيِّين- القليلة العدد في الأصل- أمرًا سهلاً، وحصرها في "هايد بارك" الحُرِّيَّات في مصر، وهي سلالم نقابة الصَّحفيين، وميدان طلعت حرب حيث مقار أحزاب التَّجمُّع والنَّاصري والغد.
4.    نجاح إضرابات سابقةٍ للعمال- خاصَّة عُمَّال المحلة- في الحصول على حقوقهم الماليَّة دفع الآخرين للجوء لذات الخيار، حتى في مصانع القطاع الخاص، مع ضعف خيارات الأمن في التَّعامُل مع هذا الحراك.
وربما كان هذا العامل الأخير أحد أسباب التوجس الأمني، خصوصًا في القطاعات الحسَّاسة، مثل النَّقل العام وعمال المترو، ما يفسر ضرب بعض عمال النقل في إضرابهم الأخير والتهديد باعتقالهم، بيد أنَّ الأمر انتهى بالاستجابة لمطالبهم أيضًا.
وفي النَّهاية، فإنَّ ما يُزيد هذه الإضرابات والاعتصامات قوَّة ويُزعج النِّظام، هو استمرار المطالب العُمَّالية وتصاعُدها، وأنَّ توقُّفها يكون بشكلٍ مؤقَّتٍ فقط؛ لإعطاء الحكومة فرصة للاستجابة...

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح