أمن مصر المائي وضرورة إنقاذ النِّيل من إسرائيل!!...

بقلم: ياسر حسن

لا مجالَ للفهم الخاطئ.. هذا هو ما يجب أنْ تكون عليه قناعة أيِّ مراقبٍ وهو يتابع التَّحرُّكات الراهنة لإسرائيل في مناطق منابع حوض النِّيل ودِوَلِه الرَّئيسيَّة، مع عدم اقتصار الأمر على زيارة وزير الخارجية الصهيوني أفيجدور ليبرمان إلى هناك، بل تجاوز ذلك إلى وصول جنرالات عسكريِّين إسرائيليِّين إلى رواندا وتنزانيا، لبحث ما أسموه بـ"تنمية موارد" تلك الدول، ومساعدتها على ادخار المياة "المستنزفة"، وتخزينها في خزاناتٍ وبحيراتٍ صناعيَّةٍ فيها.
وبطبيعة الحال فإنَّ مصر وأمنها القومي هي الطَّرف الأوَّل المُعرَّضة مصالحه للخطر بسبب هذه التَّحرُّكات الإسرائيليَّة، وفي هذا الإطار فإنَّ هناك أهميَّةٌ بالغةٌ لإيجاد إطارٍ بحثيٍّ معمَّقٍ لدراسة هذه الإشكاليَّة ومستجداته، بعد أنْ دخلت إسرائيل مع مصر "معركة الماء وتجفيف المنابع".
الحرب القادمة
راج في السَّنوات الأخيرة الحديثُ عن أزمة المياه في العالم وكونها أحد أسباب الحروب القادمة في المنطقة العربيَّة، وكان من أهم الأسباب التي دعت إلى قول ذلك:
-    تناقُص المخزون المائيِّ العربيِّ، وتدنِّي مُعدَّل المياه المُتاحة إلى ما دون المعدل العالمي بالنِّسبة للفرد.
-    الاستيلاء والاستغلال غير الشَّرعي وغير الرَّشيد لموارد المياه العربيَّة.
-    تزايُد الطَّلب على الماء نظرًا لتزايد أعداد السُّكَّان، وتنامي الاحتياجات الإنسانيَّة والتَّنمويَّة.
وتزداد أبعاد المشكلة قتامةً، وجود منابع المياه الرَّئيسيَّة للدِّول العربيَّة خارج حدود المنطقة العربيَّة؛ حيث إنَّ ثماني دولٍ مجاورةٍ للدِّول العربيَّة تتحكَّم في أكثر من 85% من منابع المياه الدَّاخلة إلى العالم العربي، والتي أصبحت مُهدَّدةٌ بسبب إنشاء مشروعاتٍ مائيَّةٍ تُشكِّل تعديًا على الحقوق العربيَّة في المياه المشتركة.
مع عدم وجود أو تقادم الاتفاقيات الدَّوليَّة التي تُنظِّم العلاقة بين دول المنابع غير العربيَّة المجاورة ودول المجرى والمصب العربيَّة.
ولم تعد هذه الأمور بمثابة "هواجس" داخليَّة في العالم العربي؛ حيث إنَّ الإعلام الغربي بدوره بدأ في تسليط الضَّوء على هذه المشكلة، فعلى هامش الجولة التي قام بها أفيجدور ليبرمان إلى بعض الدول الأفريقية في سبتمبر الماضي، ذكرت صحيفة (اللوفيجارو) الفرنسيَّة أنَّ هذه الجولة تُشكِّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل مصر، موضحةً أنَّ هذا التَّحرُّك، وهو الأول منذ 25 عامًا، يُعتَبَر تمهيدًا لحرب المياه في الشَّرق الأوسط، والتي سوف تبدأ في قلب القارة الإفريقيَّة.
وأضافت أنَّ الوزير الإسرائيلي زار إثيوبيا وكينيا وأوغندا لأنَّها تُشكل دول منبع النِّيل، مشيرة إلى أنَّه ضغط على إثيوبيا لبناء سدودٍ على نهر النِّيل، مع الوضع في الاعتبار أنَّ 85% من حجم مياه النَّهر التي ترد إلى مصر تأتي من النِّيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا.
واستطردت الصحيفة في تحليلها للأمر: "مصر تُموِّل حفر الآبار في كينيا لتنظيف البحيرات الأوغنديَّة، ولكن إسرائيل تُساهم في الوقت ذاته في بناء السُّدود في إثيوبيا وثلاثة مشاريع جديدة في أوغندا.. هذه الإغراءات التي تمارسها إسرائيل تتجاوز حدود المُنافسة الدِّبلوماسيَّة مع مصر، لأنَّ الموضوع بالنِّسبة لإسرائيل هو الوصول إلى مياه النِّيل".
وانتهت الصَّحيفة إلى القول إنَّ إسرائيل ومُنذ تأسيسها تحاول أنْ تحصل على مياه النِّيل، وقد سبق أنْ طرحت في عام 1974م فكرة إعادة القدس المُحتلَّة إلى الفلسطينيِّين، مُقابل نقل 840 مليون مترٍ مكعَّبٍ من مياه النِّيل سنويًّا إلى إسرائيل، وهذه الكمِّيَّة كافيةٌ لتغطي احتياجاتها من المياه، غير أنَّ المشروع اصطدم بمعارضة إثيوبيا والسُّودان في حينه.
النِّيل يجّف!!
ولعل المشكلة الإسرائيليَّة فيما يخص مطامع الدَّولة العبريَّة في مياه النِّيل، ترتبط بمشكلةٍ أخرى تتهدَّد مياه النَّهر، وهو تعرُّض النِّيل إلى الجفاف!!.
وفي هذا الإطار حذَّر تقريرٌ صدر مؤخَّرًا عن مركز "الأرض" لحقوق الإنسان من تأثيرات مشاريع المياه الإسرائيليَّة على مياه النِّيل، ومن بينها مشاريعٌ تتم عبر حفر آبارٍ جوفيَّةٍ بالقرب من الحدود المصريَّة مع إسرائيل.
وذكر التَّقرير أنَّ إسرائيل قامت بحفر آبارٍ جوفيَّةٍ بالقرب من الحدود المصريَّة، وتعمل من خلال مشروع "أليشع كالي" على نقــل ميـــاه النِّيل إلى إسرائيل، عن طريــق سحــارةٍ أسفل قناة السُّويس.
كما يقوم مشروع "يؤر" بنقــل مياه النِّيل إلى إسرائيل عبر شق ستِّ قنواتٍ تحت مياه قناة السُّويس، وبإمكان هـذا المشروع نقل مليار مترٍ مكعَّبٍ، لريِّ صحراء النَّقب، منها 150 مليون متر مكعَّب، لقطاع غزة، وهو ما يؤثِّر على موارد مصر المائيًّة مُستقبلاً.
كما حذّر من قضيَّة إعادة توزيع حُصص مياه النِّيل، التي تفجَّرت مرَّةً أخرى وبقوَّةٍ خلال اجتماع نيروبي عام 2004م لدول حوض النِّيل، وذلك بعد أنْ أطلقت برلمانات كلٍّ من كينيا وتنزانيا وأوغندا في ديسمبر من العام 2003م دعوتها بضرورة إعادة النَّظر في توزيع حُصص مياه النِّيل، وعدم الاعتراف بالاتفاقيَّات التَّاريخيَّة المُنظِّمة للعلاقة بين دول المنبع ودولة المصب.
وأوضح التَّقرير الصَّادر بعنوان: "مشكلات المياه في مصر"، النِّسب المختلفة لاستخدامات المياه في مصر، حيث يُستخدم لري الأراضي الزِّراعية نحو 49.7 مليار مترٍ مُكعَّبٍ، و1.3 مليار مترٍ مُكعَّبٍ في الاستخدامات المنازلية، و4.6 مليار مترٍ مُكعَّبٍ في الصِّناعة، و8.2 مليار مترٍ مُكعَّبٍ لضمان احتياجات الملاحة والكهرباء أثناء السَّدة الشِّتويَّة، و2 مليار مترٍ مُكعَّبٍ فاقدٍ بالبحر من شبكة الرَّيِّ.
واستنادًا إلى التَّقارير العلميَّة، فإنَّ استهلاك الفرد في مصر من المياه بلغ في المتوسط 140 لترًا يوميًّا، وأنَّ القاهرة وحدها تستهلك ما يعادل من 57% من جملة استهلاك مدن مصر مجتمعةٍ من المياه، و46% من جملة استهلاك القُطر كله.
اتفاقيَّة مياه النِّيل
اتفاقيَّة مياه النِّيل أو مبادرة حوض النِّيل، هي اتفاقيَّة أبرمتها الحكومة البريطانيَة، بصفتها الاستعماريَّة، نيابةً عن عددٍ من دول حوض النِّيل، وهي أوغندا وتنزانيا و كينيا، في العام 1929م مع الحكومة المصريَّة، وتتضمَّن إقرار دول الحوض بحِصَّةِ مصر المكتسبة من مياه‏ النِّيل، وأنَّ لمصر الحق في الاعتراض في حال إنشاء هذه الدِّول مشروعاتٍ جديدةٍ على النَّهر أو روافده.
وتبع هذه الاتفاقيَّة أخرى مصريَّة سودانيَّة في العام 1959م، تُعطي لمصر حق استغلال 55 مليار مترٍ مُكعَّبٍ من مياه النِّيل من أصل 83 مليار مترٍ مُكعَّبٍ تصل إلى السُّودان، ليتبقى للخرطوم 18 مليار متر مكعب من مياه النِّيل.
وتضمَّنت اتفاقية العام 1959م، بندًا يُعرَف ببند الأمن المائيِّ، الذي يقضي بعدم السَّماح بإقامة مشروعاتٍ على حوض النِّيل، إلا بعد الرجوع إلى دولتَيْ المصب.
وقد أكَّدت محكمة العدل الدَّوليَّة على إلزاميَّة هذه الاتفاقيَّات لدول حوض النِّيل؛ حيث كانت قد قضت في العام 1989م بأنَّ اتفاقيَّات تقاسم المياه شأنها في ذلك شأن اتِّفاقيَّات الحدود، ولا يجوز تعديلها.
وتضم مبادرة حوض النِّيل كلاًّ من مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الدِّيمقراطيَّة وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا واريتريا.
وفي فبراير من العام 1999م تمَّ توقيع مبادرة حوض النِّيل بين دول حوض العشر، بهدف تدعيم أواصر التَّعاوُن الإقليمي في مختلف المجالات بما في الجوانب الاجتماعيَّة بين هذه الدِّول، وقد تمَّ توقيعها في تنزانيا.
أطماعٌ إسرائيليَّةٌ
في تصريحٍ لوزير الموارد المائيَّة المصريِّ السَّابق المهندس محمود أبو زيد في 11 مارس 2009م، في بيانٍ له حول أزمة المياه في الوطن العربي، ألقاه أمام لجنة الشُّئون العربيَّة، حذَّر من تزايُد النُّفوذ الأمريكيِّ والإسرائيليِّ في منطقة حوض النِّيل من خلال "السَّيطرة على اقتصاديَّات دول الحوض، وتقديم مساعداتٍ فنِّيَّةٍ وماليَّةٍ ضخمةٍ" لهذه البلدان.
ومن بين أخطر المقترحات التي تمَّ طرحها بإيعازٍ إسرائيليٍّ من جانب دول حوض النيل فكرة "تدويل المياه" أو تدويل مياه الأنهار من خلال هيئةٍ مشتركةٍ من مختلف الدول المتشاطئة في نهرٍ ما، وكان الهدف منه هو الوقيعة بين مصر ودول حوض النِّيل.
وقد ألمح أبو زيد في فبراير 2009م إلى وجود مُخطَّطٍ إسرائيليٍّ أمريكيٍّ للضَّغط على مصر لإمداد تل أبيب بالمياه، بالحديث عن قضيَّة "تدويل الأنهار" هذه.
وترجع خطورة الخلاف الحالي بين دول منابع النِّيل ومصر إلى تصاعُد التَّدخُّل الإسرائيليِّ في الأزمة، وذلك عبر إغراء دول المصب بمشاريعٍ من بينها جسورٍ وسدودٍ بتسهيلاتٍ غير عاديَّةٍ تشارك فيها شركاتٌ أمريكيَّةٌ، بحيث تبدو إسرائيل وكأنَّها إحدى دول حوض النِّيل المتحكمة فيه، أو بمعنىً أخر الدَّولة "رقم 11" في منظومة دول حوض النِّيل.
والهدف بطبيعة الحال هو إضعاف مصر، التي لا تكفيها أصلاً كميَّة المياه الحالية، بسبب تزايُد عدد السُّكَّان.
وقد رفضت مصر أكثر من مرَّةٍ فكرة مد تل أبيب بمياه النِّيل عبر أنابيبٍ؛ حيث لا يمكن ذلك عمليًّا، حتى لو أردت مصر لأنَّها- كما سبق القول- تُعاني من قلَّة نصيب الفرد من المياه، كما أنَّ خطوةٍ كهذه تتطلَّب أخذ أذن دول المنبع.
والحقيقة أنَّ الدَّور الإسرائيليِّ في أزمة مياه النِّيل له أبعادٌ تاريخيَّةٌ قديمةٌ؛ حيث ظهرت الفكرة بشكلٍ واضحٍ في مطلع القرن العشرين عندما تقدَّم الصحفي اليهودي تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونيَّة في العام 1903م إلى الحكومة البريطانيَّة بفكرة توطين اليهود في سيناء، واستغلال ما فيها من مياهٍ جوفيَّةٍ، وكذلك الاستفادة من بعض مياه النِّيل، وقد وافق البريطانيُّون مبدئيًّا على هذه الفكرة على أنْ يتم تنفيذها في سرِّيَّةٍ تامَّةٍ.
ثم رفضت الحكومتان المصريَّة والبريطانيَّة مشروع هرتزل الخاص بتوطين اليهود في سيناء ومدهم بمياه النِّيل لأسبابٍ سياسيَّةٍ تتعلق بالظُّروف الدَّوليَّة والاقتصاديَّة في ذلك الوقت.
مشاريعٌ إسرائيليَّةٌ
في الوقت الرَّاهن يمكن القول إنَّ هناك أربعةَ مشاريعٍ أساسيَّةٍ يتطلَّع إليها الإسرائيليُّون بهدف استغلال مياه النِّيل، وهي:
1.    مشروع استغلال الآبار الجوفيَّة:
قامت إسرائيل بحصر عددٍ من الآبار الجوفيَّة بالقرب من الحدود المصريَّة، وترى أنَّه بإمكانها استغلال انحدار الطَّبقة التي يوجد فيها المخزون المائيِّ باتجاه صحراء النَّقب.
وكشفت ندوةٌ لمهندسين مصريِّين عُقِدَت في عقد التِّسعينيَّات الماضي أنَّ إسرائيل تقوم بسرقة المياه الجوفيَّة من سيناء، من على عمق 800 مترٍ، من سطح الأرض، كما كشف تقريرٌ أعدَّته لجنة الشُّئون العربيَّة بمجلس الشَّعب المصري في يوليو من العام 1991م، أنَّ إسرائيل تعمَّدت خلال السَّنوات الماضية سرقة المياه الجوفيَّة في سيناء عن طريق حفر آبارٍ ارتوازيَّةٍ قادرة- باستخدام الآليات الحديثة- على سحب مصادر المياه المصريَّة.
2.    مشروع إليشع كالي:
في العام 1974م طرح أليشع كالي- وهو مهندسٌ إسرائيليٌّ- تخطيطاً لمشروعٍ يقضي بنقل مياه النِّيل إلى إسرائيل، ونُشِرَ المشروع تحت عنوان: "مياه السَّلام"، ويتلخَّص في توسيع ترعة الإسماعيليَّة لزيادة تدفق المياه فيها، ونقل كميَّاتٍ من هذه المياه عن طريق سحَّارة أسفل قناة السُّويس بعد اتفاقيَّات السَّلام لتنفيذ المشروع.
3.    مشروع يؤر:
قدَّم الخبير الإسرائيليُّ شاؤول أولوزوروف النَّائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيليَّة مشروعًا للرَّئيس المصري الرَّاحل أنور السَّادات خلال مباحثات كامب ديفيد، ويهدف المشروع إلى نقــل مياه النِّيل إلى إسرائيل عبر شقِّ ستِّ قنواتٍ تحت مياه قناة السُّويس، وبإمكان هـذا المشروع نقل 1 مليار متر مُكعَّب لري صحراء النَّقب منها 150 مليون مترٍ مٌكعَّبٍ لقطاع غزة.
ويرى الخبراء اليهـود أنَّ وصول المياه إلى غزة يُبقي أهلها رهينةَ المشروع الذي تستفيد منه إسرائيل، فتتهيب مصر من قطع المياه عنهم.
4.    مشروع ترعة السَّلام (1):
هو مشروع اقترحه السادات في حيفا عام 1979م، وقالت مجلة (أكتوبر) المصريَّة وقتها: "إنَّ الرَّئيس السَّادات التفت إلى المُختصِّين وطلب منهم عمل دراسةٍ عمليَّةٍ كاملةٍ لتوصيل مياه نهر النِّيل إلى مدينة القدس، لتكون في مُتناول المُتردِّدين على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وحائط المبكى".
وإزاء ردود الفعل على هذه التَّصريحات سواءً من إثيوبيا أو المعارضة المصريَّة ألقى مصطفى خليل رئيس الوزراء المصريِّ آنذاك بيانًا أنكر فيه هذا الموضـوع قائلاً: "عندما يُكلِّم السَّادات الرَّأي العام يقول: أنا مستعدٌّ أعمل كذا فهو يعني إظهار النِّيَّة الحسنة، ولا يعني أنَّ هناك مشروعًا قد وضــع وآخذٌ طريقه للتَّنفيذ".
التَّأثير على حصَّة مصر
وتطمع إسرائيل في أنْ يكون لها بصورةٍ غير مباشرةٍ، اليد الطُّولى في التَّأثيــر على حُصَّة مياه النِّيل الواردة لمصر، وبدرجةٍ أقل السُّودان؛ وذلك كورقة ضغطٍ على مصر للتَّسليم في النهاية بما تطلبه إسرائيل.
بل إنَّ للخبراء الصَّهاينة لغةً في مخاطبة السُّلطات الإثيوبيَّة تتلخَّـص في ادعـــاءٍ خبيثٍ يقول إنَّ حُصَصِ المياه التي تقرَّرت لبلدان حوض النِّيل ليست عادلة؛ وذلك أنَّها تقرَّرت في وقـتٍ سابــقٍ على استقلالهم، وأنَّ إسرائيل كفيلةً بأنْ تُقدِّم لهذه الدِّول التِّقنية التي تملكها من ترويض مجرى النِّيل وتوجيهه وفقاً لمصالحها.
من أجل ذلك تتوارد الأنباء والأخبار عن مساعداتٍ إسرائيليَّةٍ لإثيوبيا لإقامة السُّدود وغيرها من المنشآت التي تُمكِّنُها من السَّيطرة والتَّحكُّم في مياه النَّهر.
ولقد دأبت العواصم المعنيَّة بدءًا من أديس أبابا مرورًا بالقاهرة وانتهاءً بتل أبيب، على نفي هذه الأنباء، والاحتمال الأرجح هو تورط إسرائيل في المشاركة في مساعدة إثيوبيا في إنشاء السُّدود على النِّيل الأزرق.
وقد بدأ الدَّور الإسرائيليِّ في النَّشاط في السَّنوات الخمس الماضية، إذ بدأت سلسلةً نشطةً من الاتِّصالات مع دول منابع النِّيل، خصوصًا إثيوبيا، التي قام رئيس وزراءها ميليس زيناوي بزيارة تل أبيب في أوائل يونيو من العام 2004م، وأوغندا لتحريضهما على اتفاقيَّة مياه النِّيل القديمة المبرمة عام 1929م بين الحكومة البريطانيَّة بصفتها الاستعماريَّة نيابةً عن عددٍ من دول حوض النِّيل.
ومع أنَّ هناك مطالباتٌ منذ استقلال دول حوض النِّيل بإعادة النَّظر في هذه الاتِّفاقيات القديمة، بدعوى أنَّ الحكومات القوميَّة لم تُبرمها، ولكن أبرمها الاحتلال نيابة عنها، وأنَّ هناك حاجةً لدى بعض هذه الدِّول خصوصًا كينيا وتنزانيا لمواردٍ مائيَّةٍ مُتزايدةٍ؛ فقد لوحظ أنَّ هذه النَّبرة المُتزايدة للمُطالبة بتغيِّير حُصَصِ مياه النِّيل.
وقد تعاظمت هذه المطالب بالتَّزامُن مع تزايُد التَّقارُب الإسرائيليِّ مع هذه الدِّول، وتنامي العلاقات الأفريقيَّة مع إسرائيل.
وهكذا عادت المناوشات بين دول حوض النِّيل للظُّهور مع مصر، خاصَّة بين مصر وتنزانيا، وانضمَّت إلى هذا المبدأ أوغندا وكينيا، وطلبت الدِّول الثَّلاث من مصر التَّفاوُض معها حول الموضوع، ثم وقَّعت تنزانيا مع رواندا وبوروندي اتفاقيَّة نهر كاجيرا عام 1977م، التي تتضمَّن بدورها عدم الاعتراف باتِّفاقيَّات 1929م، بل وطلبت حكومة السُّودان بعد إعلان الاستقلال أيضًا من مصر، إعادة التفاوض حول اتِّفاقيَّة 1929م.
كذلك أعلنت إثيوبيا رفضها لاتفاقيَّتَيْ 1929م و1959م، في جميع عهودها السِّياسيَّة منذ حكم الإمبراطور هايلي سلاسي، ثُمَّ النِّظام الماركسيِّ بقيادة مانجستو هايلي ماريام، وحتى النِّظام الحالي، التذي يقوده زيناوي.
وفي العام 1981م سعت لاستصلاح 227 ألف فدان في حوض النِّيل الأزرق بدعوى "عدم وجود اتفاقيَّاتٍ بينها وبين الدِّول النِّيليَّة الأخرى"، كما قامت بالفعل عام 1984م بتنفيذ مشروع سد "فيشا"- أحد روافد النِّيل الأزرق- بتمويلٍ من بنك التَّنمية الأفريقيِّ، وهو مشروعٌ يُؤثِّر على حُصَّة مصر من مياه النِّيل بحوالي 0.5 مليار مترٍ مُكعَّبٍ، وتدرس ثلاثة مشروعات أخرى يُفترض أنَّها سوف تؤثِّر على مصر بمقدار 7 مليارات مترٍ مُكعَّبٍ سنويًّا.
أيضًا أعلنت كينيا رفضها وتنديدها- منذ استقلالها- بهذه الاتِّفاقيَّات القديمة لمياه النِّيل لأسبابٍ جغرافيَّةٍ واقتصاديَّةٍ، مثل رغبتها في تنفيذ مشروع استصلاحٍ زراعيٍّ، وبناء عددٍ من السُّدود لحجز المياه في داخل حدودها.
وكانت جبهة السُّودان هي الأهم، لأسبابٍ عدَّةٍ، في مُقدِّمتها أنَّها تُمثِّل ظهيرًا وعُمقًا إستراتيجيًّا لمصر، التي هي أكبر دولةٍ عربيَّةٍ، وطبقا للعقيدة العسكريَّة الإسرائيليَّة، فإنَّ مصر تُمثِّل العدو الأوَّل والأخطر لها في المنطقة، ولذلك فلإنَّ التَّركيز عليها قويًّا للغاية في الخُطَط الإسرائيليَّة.

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح