لأمم المُتَّحدة وحقوق الإنسان في العالم باتت أداة ولبست فاعلاً
- على أي مقياسِ هناك تشابُهٍ بنسبة 80% ما بين سياسات أوباما وسياسات سلفه الجمهوريِّ
- حديث أوباما عن التَّغيير يجب وضعه في إطار المصالح الأمريكيَّة
- لا يمكن إغفال تأثيرات إسرائيل واللوبي الصُّهيونيِّ في أمريكا على قرارات البيت الأبيض
كتب: عبد العظيم الأنصاري
عايش الرَّأي العام العربي والعالمي في الآونةِ الأخيرة الجدال الذي ثار حول تأجيل مجلس حقوق الإنسان التَّابع للأمم المتحدة للتقرير الذي أعدَّته لجنة تقصِّي الحقائق التي شكلتها المُنظَّمة الدَّوليَّة برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حول العدوان الإسرائيليِّ على قطاع غزَّة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن.
وقد أثار التَّأجيل، بجانب الغضب الشَّعبيِّ والحقوقيِّ، العديد من التَّساؤلات حول واقع المُؤسَّسات الدَّوليَّة، وخصوصًا المُؤسَّسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وطبيعة الأدوار التي تقوم بها، ومدى قدرتها على أداء المهام التي يُفْتَرَض أنَّها تقوم بها، بمعزلٍ عن طبيعة التَّنظيم الدَّوليِّ وتوزيع منظومة أو بنية القوَّة فيها.
وكلها أسئلةٌ مشروعةٌ لمن يبحثون عن العدالة في هذا الإطار، على اعتبار أنَّ القانون هو الأداة الرَّئيسيَّة المُتاحة أمام الضُّعفاء للحصول على حقوقهم، وخصوصًا عندما اعترف رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة المنتهية ولايته محمود عباس، وأوساطٌ دبلوماسيَّةٌ عربيَّةٌ وإسلاميَّةٌ أنَّ طلب تأجيل نظر التَّقرير إلى الاجتماع الدَّوريِّ القادم للمجلس في مارس المقبل، جاء بسبب ضغوطٍ أمريكيَّةٍ هائلة، بحسب تعبير الباكستانيِّين.
وهي الضُّغوط التي تُسْفِرُ في كلِّ مرَّةٍ عن عرقلة إدانة إسرائيل بفعل الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدَّوليِّ، أو الضُّغوط الأمريكيَّة على الأطراف المعنيَّة كما جرى في الحالة الأخيرة.
وفي حقيقة الأمر يرتبط مصطلح "حقوق الإنسان" والمنظومة العالميَّة التي تندرج تحته بَدْءًا من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان بالإطار الحضاريِّ الغربيِّ، وليس فقط "حقوق الإنسان" التي ارتبطت بهذا الإطار، وإنَّما النِّظام الدَّوليُّ الذي تمَّت صياغته بعد الحرب العالميَّة الثَّانية لضمان التَّفوُّق للدِّول المنتصرة في الحرب وهيمنتها على العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة بطبيعة الحال.
وقد ساهمت مُحاكمات جرائم الحرب النَّازية في نورمبرج عام 1945م في فتح الطَّريق أمام فكرة محاكمة المسئولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيَّة، وبعد إثارة مسألة "حقوق الإنسان" في أروقة الأمم المتحدة، التي كانت لا تزال وليدةً في ذلك الحين؛ تبَّنت الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة، الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان، وأُعْلِنَ في حينه أنَّ الطَّريقة التي تُعامِل بها الدِّول مواطنيها هي "مثار اهتمامٍ دوليٍّ مشروعٍ".
ولكن، وأثناء الحرب الباردة كانت واشنطن تتجاهل أيَّ انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان في الدِّول التي تدور في فلكها، وكذلك كان يفعل الاتحاد السُّوفيتي السابق، وفي هذه الحقبة ولظروف الحرب الباردة كانت سيادة الدَّولة تقف في الكثير من الأحيان أمام أيِّ محاولةٍ للتَّدخُّل في شئونها من بوابة حقوق الإنسان.
وفي منتصف السَّبعينيَّات من القرن الماضي أُدْخِلَت "حقوق الإنسان" في المسار الرَّئيسيِّ للسِّياسات الخارجيَّة للدِّول، سواءٌ في المسارات أو الأُطُر المُتعدِّدة الأطراف أو الثنائية.
ومع نهاية الثَّمانينيَّات، أوشكت حقبة الحرب الباردة على الأفول، وضِمْن مُنظَّمة الأمم المُتَّحدة صاغت لجنة حقوق الإنسان التي أُعيد تنشيطها بقيادة كندا وهولندا ودولٍ أخرى، معاهداتٍ جديدةً حول حقوق المرأة في العام 1979م، والتَّعذيب في العام 1984م، وحقوق الطِّفل في العام 1989م، وتمَّ تعيين خبراءٍ لدراسة وإعداد تقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان في عددٍ متزايدٍ من الدِّول.
وقد شهدت مرحلة السَّبعينيَّات من القرن العشرين بروز المُنظَّمات غير الحكوميَّة المُهتمَّة بحقوق الإنسان كقوَّةٍ سياسيَّةٍ دوليَّةٍ ملحوظةٍ؛ حيث تمَّ منح جائزة نوبل للسَّلام إلى منظمة العفو الدَّوليَّة عام 1977م، والتي بدأت عملها عام 1961م، بسبب المساعدات التي قدَّمتها إلى السُّجناء السِّياسيِّين.
وبحلول العام 1980م كان هناك حوالي 200 منظَّمةٍ غير حكوميَّةٍ تعمل في الولايات المتحدة وحدها، تُعالِج مسائل تتعلَّق بحقوق الإنسان وحوالي نفس العدد من هذه المُنظَّمات في بريطانيا، كما برزت الكثير من المُنظَّمات المعنيَّة بحقوق الإنسان في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيَّة.
وتباينت الأهداف الحقيقيَّة لكلِّ مُنظَّمةٍ من هذه المُنظَّمات بتبايُن مرجعيَّتها الثَّقافيَّة، وما تمَّ توفيقه منها مع الإطار الحضاريِّ الغربيِّ الذي ألبس معظم هذه المُنظَّمات زيًّا مُوحَّدًا غربيَّ الرُّوح، أمريكيُّ الهوى؛ حيث إن غالبيَّة هذه المُنظَّمات عبر العالم يتم دعمها من جهاتٍ أمريكيَّةٍ وغربيَّةٍ، وهو ما يُضفي عليها طابعًا سياسيًّا يتستر خلف شعارات الدِّفاع عن حقوق الإنسان.
وبعد انهيار سور برلين في العام 1989م، أصبح العالم يسير في اتجاهٍ واحدٍ تقوده واشنطن، وأيًّا ما كان هذا الاتجاه صحيحًا أم خاطئًا، فعلى من يعترض أنْ يلقى آثامَ، كما عبَّر عن ذلك جليًّا فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التَّاريخ"، عندما قال في عبارةٍ مُتناقضةٍ أنَّ قاطرة الحداثة والدِّيمقراطيَّة سوف تدهس كلَّ من يقف أمامها!!
إلا أنَّ الاتجاه العام لتطوير التَّعامُل مع ملف "حقوق الإنسان" انحرف عن مساره؛ حيث برع الغرب في استخدام "حقوق الإنسان" كأداةٍ من أدوات الإمبرياليَّة الجديدة، ولكن لا شك أيضًا أنَّ هامش المساحة التي أتاحته مُنظَّمات حقوق الإنسان على تنوُّعِها من حرِّيَّة التَّعبير إلى كشف المستور من الحقائق المُروِّعة عن انتهاكات حقوق الإنسان استُخْدِمَ في كثيرٍ من الأحيان في إدانة الغرب نفسه.
وهنا تكمُن أشدُّ نقاط ضعف الحضارة الغربيَّة، ألا وهي التَّناقُض بين مفرداتها ومصالحها في الكثير من الأحيان، فكما كانت الدِّيمقراطيَّة أداةٌ لنجاح حركة حماس في الانتخابات التَّشريعيَّة الفلسطينيَّة في يناير 2006م، والتي تحوَّلت إلى كابوسٍ يقُضُّ مضجعِ الدَّولة العبريَّة، وبالتَّالي الغرب، كانت أيضًا مُنظَّمات حقوق الإنسان أداةٌ لإدانة جرائم الغرب في العراق، ووجوانتانامو وأفغانستان وغيرها.
وكما كان سيحدث- أيضًا- من إدانةٍ دوليَّةٍ لإسرائيل، صنيعة الغرب، لو تمَّت مناقشة تقرير جولدستون، رغم أنَّها تتعرَّض بالفعل للإدانة من العديد من المُنظَّمات الدَّوليَّة.
ورغم التَّاكيد على استقلاليَّة الكثير من مُنظَّمات حقوق الإنسان إلا أنَّ هناك شكوكًا حول هذه المسألة، فمثلاً، يُفتَرَض أنَّ منظمة هيومان رايتس ووتش، هي إحدى المُنظَّمات العالميَّة المُستقلَّة الأساسيَّة والمعنيَّة بالدِّفاع عن حقوق الإنسان، إلا أنَّ هناك جدلٌ يدور حول أنَّها وُجِدَت من أجل مساعدة الولايات المتحدة الأمريكيَّة على بسط سيطرتها ونفوذها، ولاستخدامها كأداةٍ للضَّغط على الشُّعوب والأنظمة لتحقيق أهدافها.
وتبقى في النَّهاية المُنظَّمات الدَّوليَّة لحقوق الإنسان، أداةٌ في يد الدِّول الكبرى التي تستطيع استغلالها الاستغلال الأمثل!!











0 تعليقات:
Post a Comment