ماذا كان يقول أوباما وهو أمام أبو الهول؟!!
- على أي مقياسِ هناك تشابُهٍ بنسبة 80% ما بين سياسات أوباما وسياسات سلفه الجمهوريِّ
- حديث أوباما عن التَّغيير يجب وضعه في إطار المصالح الأمريكيَّة
- لا يمكن إغفال تأثيرات إسرائيل واللوبي الصُّهيونيِّ في أمريكا على قرارات البيت الأبيض
بقلم: أحمد التَّلاوي
جَاء الرَّئيس الأمريكيُّ باراك أوباما إلى العالم الإسلاميُّ، وخاطبه من مصر، ومن قبل مصر كان قد جاء إلى تركيا، ثم قادته طائرته الرَّئاسيَّة الخاصَّة التي تحمل اسم "يو. إس. إير فورس- 1"، أو الطَّائرة رقم واحد في سلاح الجوِّ الأمريكيِّ، إلى المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، طارحًا مجموعةً من الشَّعارات والمطالب والنَّوايا التي وصفها البعض بالحسنة.
ولئن كان هناك أمرًا إيجابيًّا في ذلك كله، فهو فقط أنَّ الرئيس الأمريكيِّ قد اعترف بهزيمة مشروع بلاده الإمبراطوريِّ في العالم الإسلاميِّ طيلة السَّنوات الثَّماني الماضية، بالرَّغم من فارق القوَّة الكبير بين كلا الطرفَيْن، والاختلاف القِيَمي بينهما.
وبوجهٍ عامٍ، فإنَّ المرحلة الماضية، وفي ظلٍّ التَّغيُّرات التي شهدتها دوائر الحُكم في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، شهدت المنطقة، وتشهد مجموعة من الزِّيارات والتَّحرُّكات المركزيَّة، كانت زيارة أوباما لمصر في يونيو الماضي من بينها، ثم باتت زيارات مبعوثه للسَّلام في الشَّرق الأوسط السيناتور جورج ميتشل المتواصل- من دون فائدةٍ تُذْكَر- عنوانًا للمرحلة الحالية.
هذه الزِّيارات والتَّحرُّكات ذات أهدافٍ عدَّةٍ تتعلَّق، بالتَّنوير المُتبادَل، وتُحسُّس الأقدام، بالإضافة إلى محاولة كل طرفٍ معرفة ما لدى الآخر وإلى أيِّ مدىً يمكنه أنْ يتوائم أو لا يتوائم مع السِّياسات الأمريكيَّة الجديدة، وأنْ يتعامل مع الحكومة الإسرائيليَّة الجديدة، بتشكيلها اليمينيِّ الحالي.
ولم تبدأ هذه المُتغيِّرات، كما يبدو للبعض منذ تولِّي أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو للحكم، ولكنها بدأت منذ انتهاء الحرب الإسرائيليَّة الأخيرة على قطاع غزَّة؛ حيث شهدت المنطقة تقاطر العديد من المسئولين الدَّوليِّين، والغربيِّين بالذَّات، في جولات استكشافٍ وتحديد مواقفٍ.
وفي حقيقة الأمر، فإنَّ التَّقارير وتقديرات الحالة والموقف التي ترد من وقت لآخر لا تبشِّر بخيرٍ، ويعود مكمن الخطر في هذا المشهد إلى أمرَيْن أساسيَّيْن، الأول هو أنَّ هذه التَّرتيبات يدفع العرب والمسلمون ثمنها من دمائهم وثرواتهم، والفترة الماضية أبلغ دليلٍ على ذلك، والتَّرتيبات الجديدة لا تقول إنَّ هناك تغييرًا كبيرًا سوف يحدث في هذا الإطار، بل قد تبدو الأمور تسير من سيءٍ إلى أسوأٍ.
فعلى الجانب الأمريكي، فإنَّ الرَّئيس باراك أوباما الذي رفع كلمة "التغيير" كشعار لحملته الانتخابيَّة، نكص على كل وعوده التي تخص العالم العربيِّ الإسلاميِّ، كما سوف نرى، بينما نتنياهو لم يترك مجالاً للتخمين في نواياه إزاء العرب وإيران واستحقاقات التَّسوية.
فهناك أكثر من ثلاثة آلاف مسلمٍ سقطوا قتلى في الصِّراع في أفغانستان في العامين 2007م، و2008م الماضيَيْن، من دون حساب عدد الضحايا في صفوف حركة طالبان أو تنظيم القاعدة والتَّنظيمات المُسلَّحة الأخرى هناك، أمَّا في العراق فالأرقام بعشرات الآلاف، وكذلك في فلسطين والصُّومال والسُّودان، وغيرها من بلدان العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
الأمر الثَّاني أنَّ هذه التَّرتيبات سوف تؤدِّي إلى تغيير بنية الهُويَّة الجيوسياسيَّة في المنطقة بأسرها، فالعراق- على سبيل المثال- مقسَّمٌ فعليًّا بين شمالٍ كرديٍّ ووسطٍ وجنوبٍ عربيٍّ سُنِّيٍّ- شيعيٍّ مُتناحرٍ، وتحوَّل العراق القوميُّ المُوحَّد القويُّ إلى بلدٍ ضعيفٍ مأزومٍ يدور في فلك السِّياسات الأمريكيَّة.
وبالمثل الأوضاع في فلسطين ولبنان والسُّودان والصُّومال وباكستان؛ حيث الصُّورة واحدةٌ، وإنْ اختلفت الألوان والإطار؛ حيث هناك أطرافًا متنازعةً، مختلفة في أجنداتها، بعضها له تبعيةً في قراراته ومرجعيَّاته للغرب، وتحديدًا للولايات المتحدة، وبهضها له علاقاته المباشرة مع إسرائيل، وبدلاً من الحديث عن تقسيمٍ جغرافيٍّ له نتائجه وعواقبه الأمنيَّة والسِّياسيَّة على المصالح الغربيَّة، فإنَّ البديل كان هو الانقسام السِّياسيِّ الدَّاخليِّ بين أحزابٍ أو قوىً سياسيَّةٍ مُختلفةٍ.
وبعض هذه الصِّراعات والانقسامات، تلعب فيها الاعتبارات القبليَّة والطَّائفيَّة دورها، بينما هناك أزماتٌ بين قوىً وأحزابٍ سياسيَّةٍ تدين بذات الدِّين والمذهب، ولكن هناك اختلافاتٌ عدَّةٌ ما بينها على الأولويات والسِّياسات.
وفي الآونة الأخيرة ثارت تساؤلاتٍ عدَّةٍ عن موقف الإدارة الأمريكيَّة الجديدة من قضايا الشَّرق الاوسط، وخصوصًا القضيَّة الفلسطينيَّة، بعدما فشلت الإدارة الأمريكيَّة في فرض أيِّ تغييرٍ على السِّياسات الإسرائيليَّة، في المقابل نجحت الوساطة المصريَّة وإصرار فصائل المقاومة الفلسطينيَّة في تنفيذ صفقة أسرى نوعيَّة، اشتملت على الإفراج عن 20 أسيرة فلسطينيَّة في مقابل شريط فيديو يثبت أنَّ الجنديَّ الإسرائيليَّ الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليط لا يزال حيًّا.
وفي هذا الإطار، فإنَّه من المهمِّ في إطار التَّطوُّرات الأخيرة رصد معالم من طبيعة السِّياسات الأمريكيَّة في عهد أوباما، وخصوصًا إزاء القضيَّة الفلسطينيَّة، وطبيعة تلاقيها مع سياسات إدارة المُحافظين الجُدُد الأمريكيَّة السَّابقة، وطبيعة تأثيرات إسرائيل على القرار الأمريكيِّ.
أولاً: سياسات يمين أمريكي!!
على الرَّغم من الخطاب الجيِّد الذي تبنَّاه الرَّئيس الأمريكيِّ أوباما، حتى من قبل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، إلا أنَّ العِبْرة في السِّياسة ليست بالأقوال والنَّوايا الطَّيِّبة، ولكن بالأفعال والتَّأثيرات والسِّياسات المُطبَّقة على أرض الواقع.
وعند وضع سياسات الرئيس الأمريكي على المقاييس الإحصائيَّة العلميَّة التي وضعها كبار أساتذة العلوم السِّياسيَّة ومُنظِّري السِّياسة في مصر والوطن العربي والعالم، فإنَّنا سوف لا نجد فيها الكثير من التَّغيُّيرات عن سياسات سلفه السَّابق جورج بوش الابن، باستثناء التَّغيير في التَّعبيرات المُستخدمة في العمل الخارجيِّ.
وقد تم تكوين الأحكام والتَّقييمات الخاصة بهذه السِّياسات من خلال مُتابعةٍ لكافَّة ما صدر من مواقفٍ وتصريحاتٍ رسميَّةٍ عن رموز الإدارة الأمريكيَّة، وكذلك سلسلة القرارات المتعاقبة التي صدرت في غضون الأشهر التي تلت تولي أوباما الحكم، وهو ما يبرزه العرض التَّالي:
1. فلسطين والصِّراع في الشَّرق الأوسط:
لأوباما مواقفٌ معلنةٌ، مثل الدَّعوة إلى حلِّ الدَّولتَيْن بين الفلسطينيِّين وإسرائيل، ووقف بناء وتوسيع المستوطنات في الضِّفة الغربيَّة المُحتلَّة، إلا أنَّ أوباما عجز حتى الآن عن فرض مواقفه على إسرائيل، ولا يعتبر موقفه في هذا الإطار بجديد، فقط سبقه إليه الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق جورج بوش الاب الذي بدأت عمليَّة مدريد في عهده ووزير خارجيته جيمس بيكر.
كما أنَّ أوباما، وخلال حملته الانتخابيَّة، مُعترِفٌ بشكلٍ واضحٍ بأنَّ القدس عاصمة أبديَّة ومُوحَّدة لإسرائيل، كما يُؤيِّد أوباما موقف إسرائيل من أنَّ إقامة دولةٍ فلسطينيَّة مرتبطٌ بإنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، واعتراف المقاومة بإسرائيل ويهوديتها، وإلقاء السِّلاح، والاعتراف بالاتفاقيَّات المُوقَّعة بين مُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة وإسرائيل؛ حيث إنَّ مرجعيَّة إدارة أوباما في الملف الفلسطيني هي خطَّة خارطة الطريق، ومقررات الرُّباعيَّة الدوليَّة التي أقرَّتها إدارة سلفه بوش الابن.
كما أنَّ الرَّئيس الأمريكي الجديد لم يتحرك خطوة واحدة زائدة عن موقف إدارة سلفه بوش الابن فيما يخص ملف جرائم الحرب الإسرائيليَّة في حرب غزة، بل إنَّ إدارة أوباما ضغطت لتأجيل نظر تقرير لجنة تقصِّي الحقائق التي شكلتها الأمم المتحدة برئاسة القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيليَّة في القطاع في الحرب الأخيرة أمام مجلس حقوق الإنسان التَّابع للأمم المتحدة حتى مارس المقبل.
كما أنَّ إدارة أوباما لا تزال تشارك في جريمة إغلاق المعابر وعدم رفع الحصار الخانق عن قطاع غزة، بل إنَّ الكونجرس الذي يسيطر عليه الدِّيمقراطيُّون أقرُّوا مشروع قانونٍ يضع خمسين مليون دولار إضافيَّة بغرض إحكام الحصار على قطاع غزة.
وفيما يخص الصِّراع في الشرق الأوسط بشكلٍ عامٍ، وما يُسمَّى بعمليَّة التسويَّة، تبنَّى أوباما سلسلةً من المواقف الإيجابيَّة في هذا الشأن، لكن على مستوى الموقف الإعلاميِّ فحسب، فلا يوجد موقفٌ واضحٌ لأوباما فيما يخص قضايا التَّسوية مع سوريا أو حول مصير الجولان، ومن الواضح أنَّ سياسات أوباما سوف تستكمل ما بدأته إدارة بوش الابن السَّابقة في صدد حصار مشروع الممانعة في الشَّرق الأوسط.
والإيجابيَّة الوحيدة هنا هو تعيين جورج ميتشل كمبعوث لأوباما في الشرق الأوسط، وهو الذي أدان إسرائيل في مجازر جنين والضفة والغربيَّة في العام 2002م، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى الثَّانيَّة في سبتمبر من العام 2000م، ولكن تظل يديه مُقيَّدة بالمواقف الإسرائيليَّة.
2. العراق:
هناك أحاديثٌ عن تأجيل الانسحاب من العراق خلافًا لما نصت عليه الاتفاقيَّة الأمنيَّة المُوقَّعة في خريف العام الماضي، وذلك بعد تصاعُد أعمال العنف في العراق في الفترة الأخيرة، كما أنَّ هناك مُؤشِّراتٌ على استمرار التَّعاون الأمريكيِّ- الإيرانيِّ في الملف العراقيِّ.
3. أفغانستان وباكستان:
أمر أوباما بزيادة عدد القوات الأمريكيَّة في أفغانستان إلى 68 ألفًا من 32 ألفًا، كما أنَّه بصدد الموافقة على رفع عدد القوات الأمريكيَّة أيضًا بمقدار 40 ألف جنديٍّ إضافيٍّ، كما طلب قائد القوات الدَّوليَّة في أفغانستان الميجور جنرال ستانلي ماكريستال، كما أمر باستمرار سياسات سلفه بقصف مواقعٍ مدنيَّةٍ وتنظيميَّةٍ تابعةٍ لطالبان والقاعدة في داخل الأراضي الباكستانيَّة بواسطة طائراتٍ من دون طيارٍ، وكثيرًا ما تؤدِّي هذه العمليَّات إلى سقوط ضحايا مدنيِّين من بين المواطنين الباكستانيِّين.
كما ضغطت الإدارة الأمريكيَّة الحالية على إسلام أباد لنقض اتفاقيَّة تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة مع طالبان باكستان وجماعة تطبيق الشريعة المحمديَّة، بما أدَّى إلى اندلاع أزمة وادي سوات التي أدَّت إلى نزوح 3 ملايين مسلمٍ، ومقتل حوالي ألفي مسلمٍ من طالبان والجيش الباكستانيِّ في معارك سوات الدَّمويَّة صيف العالم الحالي.
بالإضافة إلى ذلك لم يبدُ أنَّ هناك سياسة بعينها ينوي أوباما بها حسم مشكلة الفساد والاتهامات بالاتجار في المخدرات الموجهة لحكومة الرَّئيس الأفغانيِّ حميد قرضاي، ولقرضاي ذاته.
4. حقوق الإنسان وملف الديمقراطيَّة عبر العالم:
أوباما اختار مصر لإلقاء خطابه للعالم الإسلامي، بالرغم من سجل حقوق الإنسان السَّلبيِّ والدِّيكتاتوريَّة التي يتمتع بها النظام المصري، وفي عددها الصَّادر في التاسع من أكتوبر الجاري، نشرت صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكيَّة تقريرًا لها من القاهرة لمراسلها سودارسان راجافان، ذكرت فيه أنَّ ذلك يعود إلى ازدياد اعتماد إدارة الرَّئيس أوباما على مصر في محاولة بَدء مفاوضات السَّلام بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين، وفي احتواء الجماعات الأصوليَّة، مثل حماس في فلسطين وحزب الله اللبناني.
وأشارت الصَّحيفة إلى أنَّ أوباما التقى مع مُبارك ثلاث مرَّاتٍ، مُعيدًا بذلك مصر إلى مكانتها كحليفٍ استراتيجيٍّ رئيسيٍّ للولايات المتحدة فى العالم العربي، وهذا يعني انتهاء مرحلة جورج بوش الابن التى شهدت توتُّرًا بين القاهرة وواشنطن بسبب سياسة الولايات المتحدة في الشَّرق الأوسط وغزو العراق والانتقادات الأمريكيَّة لمصر سياسيًّا ولسجل حقوق الإنسان فيها.
ولعل أوضح دليلٍ على التَّحوُّل في السِّياسة الأمريكيَّة إزاء مصر، هو قطع التَّمويل عن مُنظَّمات المجتمع المدنيِّ وجماعات حقوق الإنسان في مصر، ففي العام الماضي، خصصت الولايات المتحدة مبلغ 54.8 مليون دولار لبرامج الدِّيمُقراطيَّة، منها 27.85 مليون دولار ذهبت إلى برامج المجتمع المدني والتي تُعدُّ همزة الوصل بين "القاعدة الشَّعبيَّة للنِّضال من أجل الدِّيمُقراطيَّة"، وفى هذا العام تقلَّص المبلغ إلى 20 مليون دولار، منها 5 ملايين دولار فقط ذهبت إلى المجتمع المدني.
كما تراجع الرئيس الأمريكي عن قراره السَّابق بإلغاء المحاكم العسكريَّة للمعتقلين بصفة الإرهاب، كما تراجع أوباما عن قراره بالكشف عن صور تعذيبٍ جديدةٍ مسئولٌ عنها موظَّفين وقادة عسكريِّين في الإدارة السَّابقة.
ولم تتحسَّن حالة الأقليات في الولايات المتحدة في عهده عن عهد سلفه، وأدَّت عوامل من بينها الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة إلى كون المُهاجرين هم الأكثر بطالة في الولايات المتحدة، وكان التَّحسّن الوحيد في هذا الملف في عهد أوباما هو التَّعهُّد بإغلاق معتقل جوانتنامو، كما أنَّه أعاد العلاقات مع كوبا جزئيًّا؛ حيث سمح لأهالي المهاجرين في الولايات المتحدة بالعودة لزيارة ذويهم، لكنَّه لم يرفع العقوبات المفروضة على كوبا.
5. إيران والملف السُّوريُّ الِّلبنانيُّ:
في هذا المجال جدَّد أوباما العقوبات المفروضة على سوريا، وتراجعت إدارته عن سياسات الحوار التي كانت قد بدأتها مع دمشق، عن طريق وفودٍ برلمانيَّةٍ ومن مجلسَيْ النواب والشيوخ، ترأس بعضها رموز ديمُقراطيَّة، مثل زعيمة الأغلبيَّة في مجلس النُّوَّاب نانسي بيلوسي ورئيس لجنة العلاقات الخارجيَّة في مجلس الشُّيوخ السِّيناتور جون كيري، مُرشَّح الديمقراطيِّين في رئاسيَّات 2004م.
بالإضافة إلى ذلك تراجع أوباما عن فكرة الحوار مع إيران حول ملفها النَّووي وقضايا الشَّرق الأوسط، بعد ضغوطٍ من إسرائيل، وقال إنَّ هناك مهلة لقبول فكرة الحوار حول البرنامج النووي الإيراني حتى أكتوبر الجاري، بعدها سوف يتم تشديد العقوبات المفروضة على إيران.
وخلال زيارة نتنياهو الأولى إلى واشنطن مايو الماضي، اتَّفق أوباما ونتنياهو على منح إيران مهلة سنة، وقال أوباما في لقائه مع رئيس الحكومة الإسرائيليَّة في واشنطن "بعد ذلك كل الخيارات مفتوحة"، كما عيَّن أوباما يهوديًّا كمستشارٍ لسياساته في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران، وهو دينيس روس.
6. قضايا القارَّة الأفريقيَّة:
لم يتحرَّك أوباما خطوةً واحدةً في ملف الصُّومال، بالرَّغم من أنَّ الوضع الإنسانيَّ مُدمَّرٌ تمامًا هناك، كما تستمر واشنطن في دعم العمليَّة السِّياسيَّة التي بدأتها الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة في الصُّومال، وترعاها الأمم المتحدة، وأتت بشيخ شريف شيخ أحمد للحكم في الصُّومال.
أمَّا في الملف السُّوداني، فلا جديد في السِّياسة الأمريكيَّة، فواشنطن وتل أبيب مستمرتان في دعم فصائل التَّمرُّد في دارفور، ولم يتم الضَّغط على حكومة تشاد لوقف تدخُّلاتها في الشَّأن السُّوداني، والتي تتم بدعمٍٍ فرنسيٍّ.
في المقابل عين أوباما الدِّبلوماسيَّة الأمريكيَّة سوزان رايس برتبة وزيرٍ، كمندوبةٍ للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وهي معاديَّةٌ لنظام الرَّئيس السُّوداني عمر البشير، ومُتشدِّدةٌ في فرض العقوبات عليه، وكانت هناك أحاديثٌ عن اتجاه واشنطن للتَّعامُل مع الخرطوم، ولكن لم يتم مواصلة الجهد الذي بدأه في هذا الصدد السِّيناتور جون كيري، والجنرال المتقاعد جوناثان جريشان مبعوث أوباما الخاص في السُّودان.
وتزداد مخاطر السِّياسات الأمريكيَّة في عهد أوباما، مع كونها سلبيَّة، ولكنها تجيء في إطارٍ إعلاميٍّ متفاءلٍ وإيجابيٍّ، و"حزمةٍ" من سياسات العلاقات العامَّة التي سوف تفرض سياسات أوباما عن طريق "القوَّة النَّاعمة"، وليس عن طريق "القُوَّة الصُّلْبَة" التي تؤدِّي بدورها إلى تصلُّب المواقف والآراء.
ثانيًا: تأثيرات الدَّورِ الإسرائيليِّ
لا توجد أحكامٌ قيميَّةٌ في توصيف سياسات الإدارة الأمريكيَّة الجديدة، فهذه الملاحظات مبنيَّة على قرارات وتصريحات رسميَّة ومؤكدة، ولكن تجب الإشارة إلى أنَّ تأثيرات طبيعة الحكومة الإسرائيليَّة الحالية لها وزنها في تراجُع أوباما عن الكثير من وعوده السَّابقة، خصوصًا مع لجوء إسرائيل إلى الهيئات التَّابعة له والشَّخصيَّات المُؤيِّدة له في الولايات المتحدة، وخصوصًا الكونجرس؛ حيث مركز صناعة القرار الحقيقي في الولايات المتحدة.
الحكومة الإسرائيليَّة الجديدة مكوَّنةٌ من كل ألوان الطَّيف اليَمينيِّ الإسرائيلي، ومرجع ذلك إلى حصول الأحزاب اليمينيَّة في الانتخابات العامة المبكرة التي جرت في 10 فبراير الماضي على 62 مقعدٍ من إجمالي عدد مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدٍ، ولذلك تمَّ تكليف نيتانياهو بتشكيل الحكومة، على الرَّغم من حصول حزب الِّليكود الذي يرأسه على 27 مقعدًا فقط مقابل 28 لحزب كاديما الذي ترأسه وزيرة الخارجيَّة الإسرائيليَّة السَّابقة تسيبي ليفني، والتي فشلت في خريف العام الماضي 2008م، في تشكيل حكومةٍ وحدةٍ وطنيَّةٍ.
وفي ظل حكومةٍ كهذه لا نتوقع أي تغييرٍ في سياسات الحكومة الإسرائيليَّة تجاه القضايا العربيَّة والإسلاميَّة، ونقول لا تغييرٍ، ولا نقول نتوقع تراجعًا، لأنَّ في إسرائيل الكل صهيونيٌّ ومُتطرِّفٌ، فقط يختلفون في طبيعة الخطاب، كما أنَّ حزب كاديما الذي يُصنَّف على أنَّه يمين- وسط، أصوله تعود إلى الِّليكود الذي كان يرأسه رئيس الوزراء الأسبق إرييل شارون، وأسسه الإرهابي مناحيم بيجين، كما أنَّ كاديما هو من قتل 1500 فلسطيني في عدوان غزة الأخير.
وتضم حكومة نيتانياهو أحزاب: "الِّليكود"، و"إسرائيل بيتنا"، و"العمل"، و"شاس"، و"البيت اليهودي"، وكلها باستثناء "العمل"، أحزابٌ يمينيَّةٌ مُتطرِّفةٌ، وقد حدد نيتانياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان ووزير داخليته إيلي يشاي خطوطًا عامةً لسياسات الحكومة الإسرائيليَّة إزاء مختلف الاستحقاقات، وكلها مواقفٌ ضاغطةٌ على القرار الأمريكيِّ.
وعلى الجانب الفلسطينيِّ فقد "تعهَّد" نتنياهو بإغلاق باب المفاوضات السياسيَّة مع الفلسطينيين، خصوصًا حول اللاجئين والأراضي المحتلة في القدس والضفة الغربيَّة، والتَركيز على التَّعاون الأمنيِّ مع السُّلطة الفلسطينيَّة في رام الله، وكذلك الحديث عن التنميَّة الاقتصاديَّة للمناطق الفلسطينيَّة، بدلاً من مناقشة قضايا اللاجئين والأراضي المحتلة.
وذلك بطبيعة الحال مع وضع القدس خارج دائرة التَّفاوُض، إذا ما استؤنفت، فالقدس "عاصمةٌ أبديَّةٌ موحدةٌ لإسرائيل"، وفي حال العودة للمفاوضات، سيتم استبدال البلدة القديمة، بأراضٍ في صحراء النَّقب تُعطى للفلسطينيِّين، مع المُضيِّ قُدُمًا في مشروعات توسيع مستوطنات القدس والضِّفَّة الغربيَّة، وبناء أخرى جديدة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم في القدس، وكل ما من شأنه تهويد المدينة المُقدَّسة، وتكريس الوجود اليهودي في الخليل وغور الأردن، بشريًّا وعسكريًّا.
كما تمَّ تقديم مشروع قانون في الكنيست لاعتبار الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيين، مع طرح خيار التَّرانسفير لعرب الداخل في أراضي الـ48، إما لدويلةٍ فلسطينيَّة في قطاع غزة، أو إلى الأردن، بعد رفض مرجعيَّات أنابوليس، والمبادرة العربيَّة للسَّلام، مع التَّأكيد على أنَّ استئناف المفاوضات مع الفلسطينيِّين رهينٌ بإزالة حُكم حماس عن قطاع غزة، وتوحيد جهة التَّخاطُب الفلسطينيَّة، على أنْ تعترف حركات المقاومة بمرجعيَّات الَّلجنة الرباعيَّة الدوليَّة.
أما عل مستوى سوريا ولبنان، فقد رفضت الحكومة الإسرائيليَّة الانسحاب من الجولان السُّوريِّ المُحتل، مع الموافقة على استئناف التَّفاوُض مع سوريا، لا يكون نهايتها بالضَّرورة عودة الجولان.
في مقابل ذلك تم تأجيل الانسحاب الإسرائيليِّ من قريَّة الغجر اللبنانيَّة المحتلة في حرب صيف العام 2006م، مع إرجاء الانسحاب من مزارع شبعا لحين التَّسوية النَّهائيَّة مع سوريا، وتكثيف الوجود الاستخباريِّ الإسرائيليِّ في لبنان، والاستمرار في إثارة القلق الداخلي عن طريق المناورات العسكريَّة على الحدود والطلعات الجويَّة فوق الأجواء الِّلبنانيَّة.
ما التَّفسير؟:
هذا الإطار الذي يحكم السِّياسات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة الرسميَّة في الشرق الأوسط، وإزاء الملفات الرَّئيسيَّة في المنطقة، يجعل من المستحيل توقُّع حدوث تغييراتٍ إيجابيَّةٍ، رغم كل كلام أوباما، ولعل التَّفسير الوحيد المطروح لهذا الأمر هو أنَّ أوباما يسعى إلى تكريس نوعٍ من أنواع الانفصال بين جمهور المسلمين مع الحركات التي تُعادي الولايات المتحدة، بالحديث عن أنَّه لا عداء بين الولايات المتحدة والمسلمين، وإنما مع جماعاتٍ منها توصف بـ"الإرهابيَّة" وهي في حقيقة الأمر جماعات تقاتل الوجود الاحتلالي الأمريكيِّ في العراق وأفغانستان والاحتلال الإسرائيليِّ في فلسطين.
في المقابل يحاول أوباما تلافي تكرار هجمات سبتمبر 2001م على قلب الأرض الأمريكيَّة، والتي حدثت بسبب تغوُّل الأمريكيِّين في العراق وفي دماء المسلمين وثرواتهم في أماكنٍ عديدةٍ، وبفعل السِّياسات الأمريكيَّة الدَّاعمة للكيان الإسرائيليِّ بكل ما يرتكبه من جرائمٍ في فلسطين وما حولها، ولذلك هو يتبرَّأ من معاداة أمريكا للمسلمين، ويحاول أنْ يظهر بمظهر من يعارض سياسات إسرائيل إزاء الفلسطينيِّين.
وفي النِّهايَّة لا يمكن بحالٍ من الأحوال فهم خطاب أوباما وسياساته من وجهة النَّظر المثاليَّة، من أنَّه "رجلٌ صالحٌ" أو لاعتبارات جذوره الإسلاميَّة، فما تعرفه علوم النُّظم وتاريخ السِّياسة عن الأمريكيين وسياسات الولايات المتحدة، هو أنَّ الولايات المتحدة بلد مُؤسَّساتٍ، والمصالح القوميَّة الأمريكيَّة فقط هي ما تحكم سياساتها وسياسات الإدارات المُتعاقبة في الدَّاخل والخارج، وهو ما كان أوباما واضحًا فيه سواءً في خطاب التَّنصيب في 20 يناير الماضي، أو في خطابه من جامعة القاهرة.. المصلحة القوميَّة الأمريكيَّة فقط هي الحاكمة!!











0 تعليقات:
Post a Comment