زوجات الأسرى الفلسطينيِّين.. رموز تضحية وصمود.. ولكن في الظِّلِّ
- إنَّ قصص البطولة التي أبدتها المرأة الفلسطينيَّة في كلِّ الميادين، وبالذات ميدان الأسر كثيرٌ وكبيرٌ
- هناك من نساء فلسطين من قبلت أنْ ترتبط بشابٍّ أسيرٍ خلف القضبان، في دلالة على نضوج المرأة الفلسطينيَّة
كتب: فؤاد الخِفْش
أفْرَجَتْ السُّلطات الإسرائيليَّة مؤخرًا عن 20 أسيرة فلسطينيَّة ضمن ما عُرِفَ إعلاميًّا بصفقة الشَّريط؛ حيث أعطت حركة حماس إسرائيل عن طريق الوسيط المصري والألماني شريط فيديو يُثبت أنَّ الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليط على قيد الحياة.
وتحدثت وسائل الإعلام بأكملها عن بطولات وتضحيات المرأة الفلسطينيَّة الأسيرة، إلا أنَّ هناك جانبًا آخرًا من جوانب تضحيات المرأة الفلسطينيَّة لا يلتفت إليه الإعلام، وهو الجانب المُتعلِّق بتضحيات زوجات الأسرى الفلسطينيِّين في السُّجون والمعتقلات الصُّهيونيَّة.
وفي هذا الإطار نجد نماذجًا نسائيَّةً تقف إلى جانب أبطال المقاومة من الرِّجال لتكمل حكاية الصُّمود والبطولة والتَّحدِّي والصَّبر، الذي جعلهُنَّ في مقدمة الصُّفوف.
فداءٌ وتضحيةٌ
في مكانٍ هناك.. بالقرب من مقبرة الشُّهداء بجوار جبل جرزيم الشَّاهد على صمود مدينه نابلس المحتلَّة، وفي أيام الصَّيف بأشعتها الَّلاهبة جلست أم عمر زوجة الأسير سائد ياسين في حديقة منزلها بعد أنْ سقت ورود الدَّار، وذلك بعد أن غاب صاحب البيت عن بيته عنوةً وقسرًا، بسبب سجن زوجها في سجون الاحتلال.
أم عمر تتحدث بشوقٍ وحنينٍ عن زوجها، الذي ما إنْ يخرج من أسره إلا ويُعاد اعتقاله، لدرجة أنَّها باتت تنظر إلى النُّجوم لتتذكَّر معالم وجه زوجها الأسير، وتثبته في ذاكرتها التي امتلأت بتواريخ اعتقال أبو عمر وشذى، ابنيهُمَا.
وتتابع أم عمر في حديثها لنا: "من اليوم الأوَّل لارتباطي بسائد ياسين، أدركت أنَّ الطَّريق طويلةً، وأنَّ الدَّرب صعبٌ، وأنَّ الأشواك قبل الورود ستكون في جنبات الطَّريق".
أم عمر تحمل شهادة الصَّيدلة، وكانت قبل زوجها تسكن بلدة حواره، تعلم حينما تقدَّم لها سائد أنَّ الاحتلال له بالمرصاد، فهو لا يستطيع أنْ يخرُج من نابلس لزيارة بيت أباها لطلب يدها، ومع ذلك وافقت على الارتباط بسائد، وقالت: "إنْ لم نقبل بمثل هؤلاء الفرسان، وإنْ لم نكن لهم السَّتر والغطاء فمن يكون؟".
ومنذ ذلك التَّاريخ قبل 4 أعوام وأم عمر ياسين تتنقل خلف زوجها من سجنٍ لآخرٍ، وتنتظر كل أربع أو ستَّة أشهرٍ خبر تمديد اعتقاله الإداريِّ صابرةً محتسبةً، تُربِّي ولدَيْها شذى وعمر، وتزرع في نفوسهم معاني الحُب والوفاء، تحفظ الغيبة وتسد الفراغ الذي خلفه لها سائد ياسين باعتقاله.
هُنَّ قدوةٌ
ليس بعيدًا عن أمِّ عمر ياسين، تقطن أم عبد الرَّحمن حشَّاش زوجه الأسير وائل حشَّاش، وبالتَّحديد في أزقَّة مخيم بلاطة للاجئين، تقول بعد تجديد الاعتقال الإداري لزوجها وائل الذي يحمل شهادة الماجستير في الشَّريعة، إنَّها تعلَّمت الصَّبر والثَّبات، ومن تلاوته لآيات القرآن قبل الفجر تعلَّمت- أيضًا- أنَّ الحياة ابتلاءات وبها من المحن ما يُوجب الصَّبر والثَّبات.
وقالت أم عبد الرَّحمن: "كان في كلِّ يومٍ يقول لي هذه الدُّنيا ليست لنا هي سجن المُؤمن، ونحن قد شاء الله لنا أنْ نُقيَّد في الدُّنيا، ولكن بإذنه لن نُقيَّد يوم القيامة، وهناك فقط الحُرِّيَّة".
وتتابع أم عبد الرحمن: "نحن بشرٌ، ولنا مشاعرٌ، وشوقنا لأزاوجنا وأولادنا في السُّجون كبيرٌ، ولكن حب الأوطان أكبر، وقد تعلَّمت من وائل معاني الصَّبر والثَّبات وأنا أقول له نحن على الدَّرب لن نحيد، واصبر يا زوجي وللَّيل ساعاتٌ ويرحلٌ".
بفارغ الصبر.. ننتظر عودتهم
بهذه الكلمات عبَّرت أم محمد معطان زوجة الأسير عبد الباسط معطان المعتقل قبل أكثر من أربعة أشهرٍ في سجن النَّقب، حينما سألناها عن زوجها عبد الباسط الذي سجَّل باعتقاله الأخير عشر اعتقالاتن وأمضى بذلك ما يزيد عن عشر سنواتٍ في سجون الاحتلال أمضاها بين أقبية التَّحقيق ومراكز التَّوقيف ووسائل النَّقل.
وتتابع أم محمد وهي تحمل بين جنبيها ولدها الوحيد محمد، والذي لم يكمل عامَه الثَّاني، أنَّ أيَّة امرأةٍ تفتقد زوجها، وهي أحوج ما تكون له، ففي كل يومٍ توجد مُناسبةٌ توجب وجوده، ومن دونه لا يكون لهذه المناسبة أيُّ طعمٍ أو خصوصيَّةٍ.
وتضيف أم محمد: "من يوم زواجي قبل ثمانية أعوامٍ لم أمض مع زوجي إلاَ رمضان واحد، ففي كل رمضان يكون عبد الباسط في السِّجن، وكذلك الأعياد، فالاحتلال لم يدع له فرصةٌ للرَّاحة، وأنا أقوم بواجباتي كاملة، أذهب لعملي؛ فأنا مُدرِّسة، وأقوم بمتابعة أمور ابني، وأبرُّ أهل زوجي بمتابعة أمورهم، وأجهِّزُ نفسي لزيارة زوجي وتوفير حاجياته، ومُتابعة أمور المحامي، وإرسال ما يلزم له، وأذهب لزيارته وأرفع من معنويَّاته، وأربط على قلبه، ولا أنقل له إلا كل ما هو سارٌّ ومُفْرِحٌ".
نعد السَّاعات والأيام
إخلاص صويص زوجة الأسير عباس السَّيِّد تقول: " صحيح أنَّنا صابراتٌ محتسباتٌ، ولكن لا يعني هذا أنَّنا لا نحتاج إليهم، فغياب الزَّوج يترك فراغًا كبيرًا، كما أنَّ تربية الأبناء بحاجة لتضافر جهود الأب والأم معًا ولكن وفاءًا مِنَّا لنُبل ما أُسِرُوا من أجله، يجعلنا نتحمل ونصبر ونصابر".
وتُضيف أنَّ "المحنة التي وُضِعْنا بها بسبب غياب أزواجنا فجَّرت فينا طاقاتٍ كبيرةً، وجعلتنا أكثر قدرةٍ على التَّحمُّل والصَّبر، ومواجهة مثل هذه المحن، فلن نستسلم للسَّجَّان ولن نخذل أزواجنا، وسنحصن بيوتهم التي بنوها بعرقهم وجهادهم وصبرهم".
وفي كلِّ يومٍ، ومع كلِّ صباحٍ تقول صويص: "أواجه من مودَّة وعبد الله بذات السُّؤال: هل أبي سيخرج قريبًا؟، ولا أجد ما أقوله إلا كلمة "إنْ شاء الله"، عبد الله الصغير لا يفهم معنى الكلمة، ويقول لماذا لا يريد الله أنْ يُخرِجَ أبي، أليس والدي يصلي؟، فأمسح وجنتَيْه وأضمه لصدري، وأقول له ومن أجل ذلك أُسر أبوك".
وتتابع أم عبد الله السَّيِّد الذي يواجه زوجها حكماً بالمؤبد مدى الحياة 47 مرَّةً: "لم أعد أجد ما أُصبِّر به أولادي سوى المزيد من الوعود بالمزيد من الهدايا والرَّحلات".
نموذج في الصَّبر والفداء
"هكذا تربَّينا، وها نحن نموذجٌ في الصَّبر والفداء".. بهذه الكلمات أجابت نعمة بدران "أم عماد" زوجة حسام بدران المحكوم عليه بالسَّجن 19 عامًا، حينما سُئِلَت عن سرِّ صمودها وتحمُّلها غياب زوجها، وتتابع قائلةً: "لم أدرس الشَّريعة من باب التَّرف، ولم أعمل في وزارة شئون الأسرى من باب الحاجة، فقد اكتسبت من دراستي الكثير، وتعلَّمت معاني الصَّبر، ودومًا أنا أُقارن تضحيتي مع تضحية نساء غزَّة الصَّابرات.. الواحدة منهنَّ تُودِّع زوجها وولديها شهداء، وتتبعهم بزغرودةٍ، وتطلب منهم الشَّفاعة".
وتُضيف: "هذه بلادٌ احتُلَّت، وعلينا أنْ نُقدِّم الغالي والنَّفيس من أجل تحريرها، وها نحن قدَّمنا أزواجنا في سبيل الله، ولا يظن أحد أنَّنا نقول ذلك من باب التَّرف ولا الإعلام.. هذه حقائقٌ تربَّينا عليها، ونزرعها في قلوب أولادنا".
وتتابع أم عماد بالقول إنَّ ولدها عماد قد طلب منها العام الماضي أنْ يحضر والده حفل تخرُّجه من الصَّف الأوَّل، وقالت له بإذن الله سيكون والدك معنا العام القادم، وها هو قدم العام بسرعة، وأعاد ذات السُّؤال ولم أستطيع أنْ أُمنِّيه للعام الذي سيأتي "حتى لا أكون في نظره كاذبةٌ".
وتقول: "نحن لسنا أقل من الرَّجُل.. نحن في خندقٍ آخرٍ، نصبر ونصابر وندفع وندافع، وبإذن الله تعالى سنضرب أجمل الصُّور في البطولة والعطاء".
نماذج مشرفة
مما سبق نتأكَّد أنَّ المرأة الفلسطينيَّة بصبرها وثباتها ضربت أروع وأجمل الصُّور في الصُّمود والنِّضال، وأنَّ خلف كلِّ قصَّةٍ مُناضلٌ فلسطينيٌّ، وفي الظِّل، ومن دون أنْ يكون بادي للعيان، توجد امرأة قد تكون الزَّوجة أو الأخت أو الأم.
إنَّ قصص البطولة التي أبدتها المرأة الفلسطينيَّة في كلِّ الميادين، وبالذات ميدان الأسر كثيرٌ وكبيرٌ، فكثيرٌ من النِّساء اعتقل زوجها ليلة الزَّواج أو بعد الزَّواج بأيامٍ، وهي برضاها، ومن دون ضغوطٍ، آثرت الصُّمود وعدم التَّخلِّي، وبقِيَت تنتظر زوجها، ومنهنَّ من كانت في مرحلة الخطوبة، ورفضت أنْ تترك خطيبها، وبقيت على العهد تنتظره وتصبره وتشد من عضده.
كما أنَّ هناك من نساء فلسطين من قبلت أنْ ترتبط بشابٍّ أسيرٍ خلف القضبان، في دلالة على نضوج المرأة الفلسطينيَّة والفتاة الفلسطينيَّة، وإكبارهنَّ للنِّضال الفلسطينيِّ والمضحين من أجل الوطن من الأسرى.
--------------------------------
(*) باحثٌ ومُتخصِّصٌ في شئون الأسرى الفلسطينيِّين











0 تعليقات:
Post a Comment