نموذج حالة أزمة الأقصى الأخيرة إدارة الأزمات في جماعة الإخوان المسلمين بين التَّكتيكيِّ والإستراتيجيِّ!...



أزمة الأقصى الأخيرة كانت فرصة لاختبار آليات تعاطي الجماعة مع الأزمات
-    الجماعة تلقت ضرباتٌ قاصمةٌ؛ حيث تمَّ حلها في ديسمبر 1948م، ثُمَّ تمَّ اغتيال الإمام المُؤسَّس في فبراير 1949م
-    هناك إلزامٌ على الجماعة للتحرُّك نصرةً لقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة، باعتبار أنَّ ذلك أحد جوانب مصداقيَّتها
-    الجماعة بحاجةٍ إلى إطارٍ أكثر مهنيَّةٍ وفاعليَّة للتَّعامُل مع الأزمات المُفاجئة

كتب: أحمد التلاوي وعبد العظيم الأنصاري
في رأي كثيرٍ من المراقبين، فإنَّ سياسات جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الأزمات تتأثر بعواملٍ تتأرجح في طبيعتها ما بين ما هو إستراتيجيِّ وما هو تكتيكيُّ، تبعًا لحجم الأزمة، ومدى قدرة الجماعة على مواجهتها، بالإضافة إلى طبيعة الظروف القائمة والتي تدفع أو لا تدفع إلى الحركة.
وقد تعرَّضت آليَّات عمل الجماعة خلال الفترة الأخيرة إلى اختبارٍ نوعيٍّ منذ يوم الأحد 27 سبتمبر 2009م، عندما وقعت محاولة لاقتحام المسجد الأقصى من جانب أعدادٍ من المستوطنين اليهود في حماية أعدادٍ من قوات الأمن الإسرائيليَّة، لتأمين احتفالات اليهود بما يُعرَف في العقيدة اليهوديَّة بعيد الغفران.
وفي الإطار تبنَّت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي بعض البلدان الأخرى بعض التَّحرُّكات إزاء ما جرى، وتنوَّعت اتِّجاهات الحركة الإخوانيَّة ما بين ما هو إعلاميٌّ وما هو سياسيٌّ عن طريق تبنِّي مواقفًا من خلال البيانات أو في الشَّارع.
وفي هذا الشَّأن، هناك مجموعةٌ من المُلاحظات سواءً على الحَدَث أو حول ما استتبعه تحرُّكاتٍ من جانب الإخوان المسلمين، إلا أنَّه وقبل التَّعرُّض لهذه الملاحظات ذات الطَّابع التَّقييميِّ، فإنَّه لفهم طبيعة حركة الإخوان المسلمين في الأزمة الأخيرة، يجب أولاً وضع إطارٍ عامٍ للنَّظر في الكيفيَّة وفي العوامل التي تؤثِّر على تعاطي الجماعة مع العديد من الأحداث والتَّطوُّرات.
مُحدِّداتٌ أوليَّةٌ وتاريخيَّةٌ
تتَّسم سياسات جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الأزمات بعدَّةِ سماتٍ تتعلَّق بالأساس بطبيعة الجماعة نفسها وطبيعة ما واجهته وتواجهه من مخاطر.
أولاً: فيما يتعلَّق بطبيعة الجماعة:
تُعتَبر جماعة الإخوان المسلمين أم الجماعات الإسلاميَّة في العالم الإسلاميِّ بأسره، بعد انهيار الخلافة الإسلاميَّة العثمانيَّة في العام 1924م، ممَّا يجعلها أقرب ما تكون إلى الرَّمزِ السِّياسيِّ للمسلمين بعد انهيار الرَّمز الأكبر المُتمثِّل في الخلافة.
وفي هذا الإطار حافَظَتْ الجماعة على النَّهج الحداثيِّ للإسلام، وأخذت تُطوِّر في العديد من المفاهيم والأُطُر الشَّكليَّة، مع الحفاظ على جوهر القَالَب الأيديولوجيِّ الإسلاميِّ، وقَبِلَ جناحٌ من الجماعة بنوعٍ من المرونة تجاه بعض الأفكار الِّليبراليَّة.
وعلى الساحة السياسية المصرية لا توجد جماعةٌ سياسيَّةٌ معارضةٌ، إسلاميَّةٌ أو غير إسلاميَّةٍ، تُضاهي جماعة الإخوان المسلمين في قوَّتِها التَّنظيميَّة أو الجماهيريَّة، رغم أنَّها من وجهة نظر النِّظام هي "الجماعة المحظورة".
ولكن الجماعة "المحظورة" يبدو أنَّها لم تُلم بكلِّ مقاصد الوصف في ظلِّ ما تتمتَّع به من مساحةٍ للحركة؛ وقبلت أنْ تلعب لعبة "التَّوظيف المُتبادَل"، مع النِّظام، أي استخدام النِّظام لها- أحيانًا- كعامل ضغطٍ على الغرب للاستمرار في مساندته، وأحيانًا لإثبات ديمُقراطيَّتِه، في مقابل استخدام الجماعة للمساحة المسموح لها بالتَّحرُّك داخلها لكسب المزيد من الشَّعبيَّة على حساب الحزب الوطني الحاكم.
وذلك "لحين ميسرة"، أي لحين حدوث تغيُّرٍ في ميزان القوى على المستوى الدَّاخليِّ أو الإقليميِّ أو الدَّوليِّ، يصب في مصلحتها ويمنحها حق استخدام مساحةٍ أكبر على المسرح السِّياسيِّ المصريِّ، وهو ما لم يحدث طوال ما يربو على الأربعين عامٍ منذ عودتها إلى العمل العام.
ثانيًا: فيما يتعلَّق بطبيعة التَّهديدات والمخاطر:
منذ البَدْء، أدركت جماعة الإخوان المسلمين حجم التَّهديدات والمخاطر التي يُمكن أنْ تتعرَّض لها في سبيلها لتحقيق أهدافها التي تأسَّست من أجل تحقيقها، وعلى رأسها إقامة دولة الإسلام؛ وهذا كان السَّبب في تقدُّم الجماعة بخطىً ثابتةٍ نحو تكوين قوَّةٍ لا يُستهان بها، يُفكَّر أيُّ عدوِّ ألف مرَّةٍ قبل أنْ يُهدِّدُها.
ولا تقف هذه القُوَّة عند مُجرَّد الرَّدع، وإنَّما تتقدَّم نحو تنفيذ الأهداف، وهذا كان لب تفكير الإمام الشَّهيد المُؤسِّس حسن البنا- رحمه الله- الذي نجح في أقلِّ من عقدٍ في تأسيس الجماعة، وبناء قوَّتِها، ثُمَّ الانتقال بها من مرحلة "البناء" إلى مرحلة "التَّنفيذ"، التي كانت تمهيدًا لمرحلة "الانتصار"، وكل ذلك تحت وطأة الاستعمار البريطانيِّ في مرحلةٍ انتقاليَّةٍ صعبةٍ وحالكةٍ في تاريخ الأُمَّة المصريَّة.
إلا أنَّ الجماعة تلقت ضرباتٌ قاصمةٌ؛ حيث تمَّ حلها في ديسمبر من 1948م، ثُمَّ تمَّ اغتيال الإمام المُؤسَّس في فبراير من العام 1949م.
إلا أنَّ الأفكار لا تموت، ومن هذا المُنطلق بقيت الجماعة وحافظت على وجودها، رغم حلها مرة أخرى في العام 1954م، وتلقيها العديد من الضَّربات بعد ذلك.
الجماعة ومُواجهة الأزمات أمام النِّظام
سُمِحَ للجماعة بممارسة العمل العام لأهدافٍ سياسيَّةٍ خاصة بالرَّئيس المصريِّ الرَّاحل محمد أنور السَّادات، ولكن مع عدم الاعتراف بقانونيَّتها وبقائها جماعةٍ "محظورةٍ"، وتوجيه الضربات لها من حينٍ إلى آخرٍ، حتى لا تخرج عن المسار المرسوم.
وفي هذا الإطار، صارت الجماعة أمام أزمةٍ مستعصيةٍ؛ فهي لا تُريد المُغامرة التي يمكن أنْ تجعلها تخسر الكثير، وفي نفس الوقت تسعى للاحتفاظ بكلِّ مكسبٍ تمَّ تحقيقه من خلال المسموح به، وبهذه الطَّريقة تقوقعت الجماعة في محاولةٍ لاكتساب أكبر قدرٍ من التَّأييد الشَّعبيِّ والقوَّة الجماهيريَّة.
وهكذا اكتفت الجماعة ولمدة تقارب النِّصف قرن بمرحلة "البناء" وإرجاء مرحلة "التَّنفيذ" إلى أجلٍ غير معلومٍ.
ولذلك تمرُّ الجماعة الآن بأزمةٍ بالغة الخطورة؛ حيث إنَّها تتعرَّض لحملةٍ شرسةٍ من قِبَلِ النِّظام في إطار تهيئة الأجواء في مصر لاستقبال مشروع التَّوريث بدون أدنى مُعوِّقات.
وفي مواجهة هذه الأزمة لا تطفو على السَّطح أيَّة مظاهر نحو الحسم، بل على العكس يبدو أنَّ الجماعة تسعى إلى إبقاء الحال على ما هو عليهـ ومحاولة التَّركيز على المجتمع المدنيِّ لتعزيز قوَّتها الجماهيريَّة والاجتماعيَّة في ظل تكهُّناتٍ بالتَّخطيط للحدِّ من مُشاركتها في الانتخابات البرلمانيَّة القادمة في 2010م، وإجراء مفاوضاتٍ على اتِّفاقٍ مع الحزب الوطنيِّ تنسحب بموجبه من استطلاعات الرَّأي في العام 2010م، مقابل إطلاق سراح العديد من أعضائها المحتجزين.
على مستوىً آخر، فإنَّ هناك إلزامٌ على الجماعة للتحرُّك نصرةً لقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة، باعتبار أنَّ ذلك أحد جوانب مصداقيَّتها أما الجمهور العام، وتقوم الجماعة في الغالب بذلك عن طريق تحريك الرَّأي العام، واستخدام العديد من الوسائل في هذا الصَّدد، ومنها المظاهرات، وجميع المنابر المُتاحة سواءً أكانت سياسيَّةً أو إعلاميَّةً.
ولا يتوقف دعم الجماعة لقضايا الأُمَّة عند هذا الحدِّ، وإنَّما يمتد إلى جمع التَّبرُّعات، وإيصال الدَّعمِ بكلِّ الوسائل المُتاحة، وهذا ما حدث على سبيل المثال في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، وفي أزمة الاقصى الأخيرة.
وفي مواجهة أزمة المسجد الأقصى، أصدرت الجماعة البيانات المنددة بالاعتداءات الإسرائيليَّة على القدس الشريف المحتل، وعلى المسجد الأقصى الشَّريف، ودعت إلى انتفاضة الأُمَّة بكافَّة فئاتها وطوائفها، مع تحرُّك الشُّعوب في كلِّ المسارات الدَّاعمة لقضيَّة القدس والمسجد الأقصى، بالإضافة إلى إقامة المؤتمرات والنَّدوات والمظاهرات التي جابت شوارع وميادين العديد من المدن في مصر، وخارجها، وقُوبلت بالعديد من الاعتقالات من قبل النِّظام الحاكم في مصر، وتعاملٍ متفاوتٍ في دول العالم العربي الأخرى التي شهدت تَحرُّكاتٍ إخوانيَّةٍ.
ولكن، وفي واقع الأمر، فإنَّ الجبهة الرَّئيسيَّة لحماية المسجد الأقصى هي القاهرة، وسوف تمضي مُخطَّطات إسرائيل في تهويد القدس قُدُمً،  رغم كل الجهود التي تقوم بها الجماعة وغيرها من الحركات الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة المناهضة للحركة الصُّهيونيَّة.
والشَّيء الوحيد الذي سيقلب طاولة المُخطَّطات الصُّهيونيَّة في هذا المُقامن هو التَّغيير الحاسم في القاهرة، فالخطر الحقيقيِّ على القُدس والمسجد الأقصى لا يقبع في تلِّ أبيب، وإنَّما في القاهرة؛ حيث إنَّ الواقع يؤكد أنَّ النِّظام المصريَّ هو أكبر داعمٍ لإسرائيل، وأنَّ هذا الدَّعم أضعاف أضعاف الدَّعم المُوجَّه إلى القضيَّة الفلسطينيَّة.
وفي حالة نجاح الإخوان المسلمين أو غيرهم هذا الدعم، سوف تنكشف إسرائيل، وتصبح بلا حمايةٍ حقيقيَّةٍ في المنطقة؛ حيث يرى العديد من المراقبين أنَّ ما تُقدِّمه واشنطن من مساندةٍ لإسرائيل، لا يرقى إلى ما تأخذه من مكاسبٍ من النِّظام المصريِّ، ومن هنا يكون التَّحدي الأكبر لبقاء إسرائيل هو إحداث تغييرٍ ما في القاهرة يصب في صالح جماعة الإخوان المسلمين خاصَّة، أو أيٍّ من القوى المُعارضة المُناوئة للصهيونيَّة عامَّة.
وثمة بعض التَّصريحات والمواقف في إسرائيل التي لها دلالةٌ في شأن إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة، ومن بينها تصريحات لآفي ديختر الرَّئيس السَّابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شاباك)، في محاضرةٍ ألقاها قبل فترةٍ في معهد الأمن القوميِّ الإسرائيليِّ، والتي تحدث فيها عن ضرورة احتفاظ واشنطن بقوَّةٍ للتَّدخُّل السَّريع من مشاة البحريَّة الأمريكيَّة (المارينز) في المدن المركزيَّة، وبالقرب من أماكن اتخاذ القرار في مصر، للسَّيطرة على الأوضاع في حال حدوث أيِّ تغييرٍ لا ترغب فيه إسرائيل والولايات المتحدة.
الحركة في أزمة لأقصى
في هذا الجانب، وتطبيقًا على ما سبق، فإنَّ هناك مجموعةٌ من المُلاحظات سواءً على الحَدَث أو حول ما استتبعه تحرُّكاتٍ من جانب الإخوان المسلمين، نُجْمِلُها فيما يلي:
أولاً: على مستوى الحَدَث:
الحَدَث لم يكن أمرًا إستراتيجيًّا أو جديدًا، فهو في النِّهاية حَدَث ليس له تداعياتٌ مستقبليَّةٌ، ولا يمثِّل اختراقًا للسِّياسة الإسرائيليَّةِ عمومًا في هذا الإطار، أي في إطار ملف القدس المحتلة والأقصى، وبالتَّالي فإنَّ الحَدَث يُعبِّر عن نقطةٍ زمنيّةٍ مُحدَّدةٍ لا قبلها ولا بعدها، وهي "تأمين احتفالات اليهود بعيد الغفران".
وكان رد الفعل الفلسطيني نفسه كان على مستوى كون الحَدَث عبارة عن "نقطةٍ زمنيَّةٍ مُحدَّدةٍ"؛ حيث كل من استجاب لدعوات التَّصدِّي لاقتحام الأقصى ألف شخصٍ في اليوم الأوَّل، ومُصابي الاشتباكات 17 شخص فقط، وهو ما يُشير إلى أنَّ تقييم المرابطين في الأقصى للحَدَث كان باعتبار أنَّه حَدَثًا "منخفض الشِّدَّة" بلُغة العلوم السِّياسيَّة، ولا يرقَى أبدًا لمستوى الحَدَث السِّياسيِّ.
ولذلك فإنَّ هناك العديد من التّقييمات التي أشارت إلى أنَّ ما جرى لن يؤديِّ إلى اندلاع انتفاضةٍ ثالثةٍ، وذلك بخلاف الحال إبَّان اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرييل شارون، للأقصى في سبتمبر 2000م، وأدَّى لندلاع انتفاضة الأقصى، وذلك لأكثر من سببٍ، وأهمَّها:
1.    الطَّابع السِّياسيُّ للحَدَث إبان شارون، الذي كان يتزعَّم المعارضة الِّليكوديَّة في ذلك الحين، وضخامته مُقارنةً بالحَدَث الأخير؛ حيث اقتحم شارون الحرم لأهدافٍ وأسبابٍ سياسيَّةٍ، وسط مظاهرةٍ من رجال الأمن والجيش الإسرائيليُّين قُدِّرت بحوالي 3 آلاف من عناصر الأمن, كما أنَّ شخصيَّةَ شارون تختلف عن بضعة مستوطنين.
2.    وفاة ياسر عرفات، وغيابه عن السَّاحة بأجندته المختلفة إلى حدٍّ كبيرٍ عن أجندة القيادات الحالية لحركة التَّحرير الوطنيِّ الفلسطينيِّ "فتح" والسُّلطة الوطنيَّة ومُنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّتَيْن، مع كون عرفات كان قادرًا على تحريك الجماهير الفلسطينيَّة أكثر من غيره من القيادات الحالية، لافتقاد الأخيرة للطَّابع التَّاريخيِّ والجماهيريِّ الذي كان لعرفات، ووجود اتِّهاماتٍ لها بالفساد وقتل القضيَّة الفلسطينيَّة لمصالحٍ سياسيَّةٍ خاصَّةٍ.
3.    انقسام السَّاحة الفلسطينيَّة سياسيًّا وأمنيًّا وعلى مختلف المستويات، بما لا يدعم خيار الانتفاضة، بخلاف الحال في العام 1987م، والعام 2000م؛ حيث كان هناك خلافات لا انقسامات، وخصوصًا على مصير السِّلاح الفلسطينيِّ قبل إعلان الدَّولة المُستقلَّة على حدود الـ67، وبالتَّالي مصير خيار الكفاح المسلَّح في مُقابل التَّسوية.
4.    نجاح الإجراءات الأمنيَّة للسُّلطة الفلسطينيَّة، وخصوصًا التَّنسيق الأمنيِّ بينها وبين إسرائيل في تحجيم أيَّة إمكانيَّةٍ لنجاح قوى وفصائل المقاومة في الحركة، سواءً على مستوى تنفيذ عمليَّاتٍ ضد الاحتلال الإسرائيليِّ للضِّفَّة الغربيَّة أو في العمق الإسرائيلي.
5.    نجاح ترتيبات السُّلطة في تقييد يد الجماهير الفلسطينيَّة في الحركة، لتلافي تكرار نموذج سقوط غزَّة في أيدي حركة حماس في يونيو من العام 2007م.
6.    ضعف الرُّوح المعنويَّة لدى المواطن الفلسطينيِّ، بسبب ظروف الضِّفَّة سياسيًّا وأمنيًّا، وحصار غزَّة، وفقدان الصَّف الفلسطينيَِ لثقته في قيادته، وهو ما أدَّى إلى تراجُع خيار الصِّدام الشامل مع إسرائيل لدى المواطن الفلسطيني، خصوصًا في الضِّفَّة الغربيَّة.
وهو ما كان واضحًا خلال تحرُّكات الجماهير الفلسطينيَّة في عدوان غزَّة، فبجانب قيود السُّلطة على الحركة، واعتقالها مئات النُّشطاء، كانت هناك عدم رغبةٍ في تحرُّك جمهور الضِّفَّة تحرُّكًا شاملاً برغم دعوات قيادة حركة المقاومة الإسلاميَّة (حماس) في دمشق وغزَّة لذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّه في حال وقوع انتفاضةٍ جديدةٍ، فسوف يكون لها تأثيرٌ سياسيٌّ كبيرٌ في الدَّاخل الإسرائيليِّ؛ حيث الحكومة الإسرائيليَّة الحالية هي حكومةٌ متأرجحةٌ غير ثابتةٍ، ومن شأن اندلاع أيِّ انتفاضةٍ جديدةٍ أنْ يُطيح بهذا الائتلاف المُتهالك أصلاً، خاصةً بعد خروج المواطن الإسرائيليِّ من حالة الحرب الأخيرة على غزَّة مهزومًا نفسيًّا، فهو لا يتحمل وقوع المزيد من القتلى أو تراجع وانكماش الاقتصاد الإسرائيليِّ.
وفي الحالتَيْن السابقتَيْن، فإنَّ اندلاع الانتفاضة أدى لسقوط الحكومات الإسرائيليَّة السَّابقة، وهو ما تُدرِكُه حكومة رئيس الوزراء الِّليكودي الحالي بنيامين نيتانياهو، ولن تسمح بحدوثه، وسوف يتمخَّض أيُّ تصعيدٍ فلسطينيٍّ عن المزيد من الضُّغوط على السُّلطة الفلسطينيَّة، والتي سوف تقوم بالتَّالي بإجراءاتٍ أمنيَّةٍ تمنع أيَّ تحرُّكٍ مُنظَّمٍ للفصائل في الضِّفَّة الغربيَّة المُحتلَّة.
كما أنَّ إسرائيل لن تسمح للحركة الإسلاميَّة في الدَّاخل بقيادة تحرُّك فيما يخص ملف الأقصى يؤدِّي إلى اندلاع انتفاضةٍ.
ثانيًا: على مستوى التحرُّك الإخوانيُّ:
واضحٌ من التَّحرُّك الإخوانيِّ أنَّه كان سريعًا استجابةً للحَدَث، وفق قناعةٍ أنَّ الجمهور يطلب من الإخوان المسلمين تحرًّكًا في هذا المُقام، وهي وجهة نظر خاطئة بالجُملة، فجماعة الإخوان المسلمون، وخصوصًا في مصر ليس منوطًا بها أبدًا تبنِّي تحرُّكاتٍ فيما يخص هذه الوقائع الصَّغيرة، وإلا تمَّ ابتذال أيِّ تحرُّكٍ إخوانيٍّ، بما في ذلك المستوى الإعلاميِّ والسِّياسيِّ، وإضعاف الاهتمام الجماهيريِّ بمواقف وتحرُّكات الإخوان المسلمين.
كما أنَّ هذا يعني مواجهة مخاطر التَّعرُّض لمواجهةٍ أمنيَّةٍ مع الدَّولة في مصر بما لا يتناسب في تكاليفه مع الحَدَث، وقيمته.
فمستوى الحَدَث الذي يجب أنْ تتحرَّك له الجماعة في مصر يجب ألا يقل عن حَدَث "مرتفع الشِّدَّة" في وزن العدوان الإسرائيليِّ على قطاع غزَّة، كما أنَّ الجمهور في مصر لن يهتم بمواقف قويَّة للجماعة قدر اهتمامه بمواقفٍ لها في قضايا الدَّاخل التي تمسُّه وتمسُّ مستقبله.
كما كان واضحًا في مستوى التَّحرُّك الإخواني الآتي:
1.    حاول الإخوان المسلمون تبنَّى خيارًا وسطًا في التَّعامُل مع الحَدَث، ما بين الاستجابة لمطالب الصَّف والجمهور العام الضِّمنيَّة الذي ينتظر من الإخوان الحركة في هذا الإطار، وما بين اعتبارات التَّهدئة غير المُعلَنةِ من جانب الإخوان المسلمين مع الدَّولة.
لذلك كان التَّحرُّك الإخوانيُّ إمَّا من خلال البيانات والمواقف، هذا على المستوى الإعلاميِّ، أمَّا في الشَّارع فقد كان التَّحرُّك ضعيفًا، فهو حاول أنْ يكون مُستترًا في إطار تحالفات القوى السِّياسيَّة في الأقاليم والتي تضم الإخوان مع بعض الأحزاب، كما حَدَث في دمياط، أو من خلال اشتراك نوَّابٍ من الكتلة في أنشطة الأزهر، التي كانت الجماعة ذاتها تُشارك رسميًّا فيها بشكلٍ تلقائيٍِّ، وحتى المُشاركة "البرلمانيَّة" في أنشطة الأزهر يوم الجمعة الثَّاني من أكتوبر، لم يكن على مُستوى كلِّ نُوَّاب الكتلة، بل كل من شاركوا كانوا 10 من النُّوَّاب تقريبًا بحسب الموقع الإعلاميِّ الرَّسميِّ للإخوان (إخوان أون لاين).
أما في جمعة "الغضب" التَّالية، فقد كان الموقف شديد السوء، عندما لم يحدث أيِّ شيءٍ في القاهرة، سواءً في الأزهر أو في جامع الفتح أو في رابعة العدوية، وحتى ما وقع من أحداثٍ في جامع عمرو كان بسبب نشاط شباب حزب العمل وليس الإخوان المسلمين.
ولكن هذه الطَّريقة جاءت فاشلة في تحقيق أهدافها في الموائمة بين "التَّهدئة" وبين "ضرورة التَّحرُّك"، فبحسب استطلاعٍ سريعٍ للرَّأي أجرته وحدة البحوث في أوساط "10" مُختلفين من الجمهور وبعض المتعلِّمين، قال "8" منهم إنَّ "الإخوان المسلمين تحرَّكوا في الموضوع"- المقصد حَدَث الأقصى- حتى لو حاولوا "التَّستُّر" وراء أطرٍ تعاونوا فيها مع القوى السِّياسيَّة أو من خلال الكُتلة، فأمام الدَّولة "الإخوان هم من تحرَّكوا".
2.    محاولة المُوازنة هذه تحرُّك الإخوان جاءت بنتائجٍ سلبيًّةٍ؛ حيث بدا للمراقب الخارجي، وفي الصَّف "عشوائيًّا" أو "خائفًا"، فمثلاً السِّياسة الإعلاميَّة إزاء غير واضحة أو مُتكاملة، وكذلك المواقف التي أعلنتها الجماعة إزاء الحَدَث كانت على مستوياتٍ من دون مستوياتٍ، فبدا هناك فجواتٌ واسعةٌ للغاية في مواقف الإخوان في الدَّاخل، وفي مواقف الإخوان في الداخل والخارج أيضًا.
فعلى المستوى الدَّاخلي أصدر الإخوان المسلمون بيانات، ولكنها لم تُحدِّد موعدًا مُحدَّدًا للحركة العامَّة، كما لم تتحرَّك كل محافظات مصر.
وذات الحال كان في الخارج، فإخوان نيجيريا والأردن فقط هم من تحركوا، بينما غابت المواقف عن إخوان العالم العربي والإسلاميِّ تقريبًا، باستثناء إخوان سوريا الَّذين أصدروا بيانًا، والجماعة الإسلاميَّة في لبنان التي أصدرت بدورها بيانًا، بالإضافة إلى اتِّحاد المُنظَّمات الإسلاميَّة في أوروبا وبعض علماء المسلمين في مصر وخارجها؛ حيث أصدر كلٌّ منهما بيانًا.
ويبدو وكأنَّ الإخوان قد فوجئوا بالحَدَث الخاص بالأقصى، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بتفسيرَيْن، الاحتمال الأوَّل أنَّ الإخوان تلقَّوا طلبًا في مصر من حركة حماس في غزَّة أو دمشق لتحريك الموضوع، بعد وقوعه بفترةٍ ولكن الحركة راعت اعتبارات الموقف الإخوانيِّ السِّياسيِّ والأمنيِّ في مصر، وهو ما قد يتفهمه الإخوان في حماس، باعتبار أنَّ الضِّفَّة ذاتها وقطاع غزَّة لم تشهد ما هو مفترضٌ من التَّحرُّكات.
أمَّا الاحتمال الثَّاني فهو أنَّ الحَدَث منخفض الشِّدَّة الذي وقع، كان فرصةً لتحرُّكٍ إخوانيٍّ يثبت وجود الجماعة بعد الضَّربات الأمنيَّة الأخيرة، ولكن تبعًا للوضع، جاء هذا التَّحرُّك على استحياءٍ، فظهر تحرُّكًا غريبًا وغير معتادٍ من الإخوان، الَّذين في المعتاد إمَّا يتحرَّكوا بنسقٍ أفضل، أو لا يتحركون من الأساس.
تعليقاتٌ وتوصياتٌ:
يُثبت ما جرى حاجة الإخوان إلى إطارٍ أفضل لدراسة الحَدَث وتقييمه قبل الشُّروعِ في صناعة قرارات الحركة إزائها، وشكل هذه الحركة، وهذا الإطار يجب أنْ يكون مُحايدًا، وغير مبنٍ على أيَّةِ اعتباراتٍ تتعلَّق بالتَّرتيبات الإداريَّة للإخوان، أو فهم القيادات الخاص للأمور والأحداث السِّياسيَّة وغير السِّياسيَّة.
ومع وضوح أنَّ موضوع الأقصى في سبيله إلى المزيد من التَّصعيد من فترةٍ إلى أخرى، فقد كان من الَّلازم وضع رؤية خاصَّة لأيِّ حَدَثٍ يخصُّه، ومن بينها أنَّ إثارة أيِّ فعلٍ جديدٍ من جانب إسرائيل إزاء الأقصى، فإنَّ المقصود به نوع من أنواع الإلهاء، ولفت الأنظار عن القضايا الأساسيَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة.
وعلى رأسها بطبيعة الحال قضيَّة اللاجئين، ومُتطلَّبات الوضع النَّهائي، وهي: الدَّولة وتقاسم المياه والحدود، والحدود والَّلاجئين بالذَّات أكثر أهمِّيَّةٍ بكثيرٍ للمشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين من موضوع الأقصى، بكل ما في هذا المشروع من جوانبٍ قوميَّةٍ وسياسيَّةٍ.
وهو تقييمٌ له ما يدعمه من مُؤشِّراتٍ في الواقع، ومن بين هذه المٌؤشِّرات:
-    استمرار أنشطة الشَّيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلاميَّة في إسرائيل، فيما يخص موضوع الأقصى، ولو أنَّه يثير مشكلاتٍ فعليَّةً لإسرائيل في الأراضي المحتلة أو في الدَّاخل في أراضي الـ48، لجرى وقفه بأيَّة طريقةٍ.
-    لا يمكن تصوُّر إقدام إسرائيل عقلانيًّا هكذا على هدم المسجد الأقصى، وكل ما في الأمر أنَّ الحكومات الإسرائيليَّة تسمح ببعض الأنشطة "المُنضبطة" و"مُنخفضة ومتوسِّطة الشِّدَّة" لإرضاء تيَّارات اليَمين الدِّيني المؤمنة بموضوع أرض إسرائيل التَّاريخيَّة والهيكل القديم، والتي تنتقد الحكومات الإسرائيليَّة في عدم إنجازها للجوانب الدِّينيَّة من المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين.
ولكن الحكومات الإسرائيليَّة تدرك تمامًا أنَّ النواحي الأمنيَّة والسِّياسيَّة أهم بكثيرٍ من فكرة الجانب الدِّينيِّ للمشروع، والتي لو نفذِّت على هذا النَّحوِ، فإنَّها سوف تقضي على المشروع من أساسه، كما أنَّ الغرب الذي يدعم إسرائيل، وخصوصًا الولايات المتحدة، ليس في صالحه إطلاقًا؛ حيث هو يوظِّف الوجود الإسرائيليِّ توظيفًا آخرًا لأهدافٍ سياسيَّةٍ بالأساس.
في هذا الإطار، فإنَّ هناك حاجةٌ بكلِّ تأكيدٍ لإعادة صياغة الرُّؤية التي تحكم نظرة وحركة الإخوان المسلمين لملف القدس وقضيَّة الأقصى.

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح