إعداد: سامر إسماعيل
نشأ مصطلح "البراجماتيَّة" في الولايات المتحدة الأمريكيَّة في أواخر القرن التَّاسع عشر؛ حيث ظهرت هذه الَّلفظة للمرَّة الأولى في مقالٍ لتشارلز بيرس عام 1878م، وهي عبارة عن مذهبٍ أو مُعتَقَدٍ فلسفيٍّ يتميَّز بالتَّركيز على مبادئ النَّفعية والعمليَّة، ويعتبرها المُكوِّنات الحيويَّة للحقيقة في فكر الفلاسفة.
اشتقت كلمة "البراجماتيَّة" من الَّلفظ اليوناني "براجما"، وتعني "العمل"، ويُعرّفها قاموس "ويبستر" الشامل على أنَّها تيَّارٌ فلسفيٌّ أنشأه تشارلز بيرس ووليام جيمس، يدعو إلى "حقيقة" أنَّ كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتَّجرُبة العمليَّة.
ويمكن اختصار تعريف البراجماتيَّة فيما يلي: "البراجماتيَّة فكرٌ ينظر إلى الواقع على أنَّه المصدر الذي يُقرِّر ما هو حقٌّ، بمعنى أنَّ الفكر يتشكَّل بحسب معطيات الواقع، من دون محاولةٍ تغيير الواقع ليتلاءم مع أصل الفكر (أيًّا كان هذا الفكر سواءً أكان دينيًّا أو غير دينيٍّ)".
ولكن علينا أنْ نُميِّز بين عددٍ من مدارس البراجماتيَّة التي جعلت مفهومها القديم يختلف من مدرسةٍ لأخرى، فمثلاً المدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة تنظر للحقيقة على أنَّها مُتطوِّرةٌ مُتشكلةٌ بحسب الواقع، فما تراه اليوم صحيحًا قد يكون خطأً غدًا، وبهذا فالحقيقة ليست قيمةً مستقلَّةً، وإنَّما منهجٌ للتَّفكير.
أما مدرسة البراجماتيَّة الحديثة فتختلف كثيرًا عن المدرسة الأولى، وهي مدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة، فهي تنقض كثيرًا ممَّا جاء به الفلاسفة البراجماتيُّون الأوائل في محاولةٍ لعمل تزاوجٍ بين البراجماتيَّة النَّظريَّة والحياة العمليَّة بمحاولة مزج البراجماتيَّة بأصول الأديان، وبوجود قيمٍ مطلقةٍ ربَّانيَّةٍ، وذلك لأنَّ المدرسة البراجماتيَّة الحديثة ترى أنَّ الحقيقة قيمةٌ مُطلَقَةٌ لا تتغيَّر، وإنَّما تصوُّرنا العقليِّ للحقيقة هو القابل للتَّغيُّر.
فما يراه البعض صحيحًا من منظورٍ يراه الآخرون خطأً من منظورٍ آخرٍ، ولذلك علينا إعادة صياغة للمفاهيم بحسب تصوُّراتنا وفق ما يقول به الفلاسفة البراجماتيُّون المُحدَثون.
وبوجهٍ عامٍ، فالمدرسة البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة والبراجماتيَّة الحديثة، تنظر للدِّين على أنَّه إحدى الطُّرق المؤدية لنفع البشر، فالدين إذًا عندهم أيديولوجيَّةٌ غير معصومةٍ يجري عليها الخطأ، كأيِّ أيديولوجيَّةٍ وضعيَّةٍ، وإنْ كانت المدرسة الحديثة أقرب للدِّيانات، وأقرب للفطرة السَّويَّة بالتَّالي، من المدرسة الكلاسكيَّة.
البراجماتيَّة التَّطبيقيَّة
وهناك نوعٌ ثالثٌ من البراجماتيَّة، وهي البراجماتيَّة التَّطبيقيَّة، التي تضع قيودًا كُلِّيَّةً ثابتةً لا تتغيَّر على الفكر، وهذه القيود الكُلِّيَّة تختلف بين كلِّ فئةٍ من النَّاس، وهذه القيم هي- من وجهة نظرِ كلِّ فريقٍ- قيودٌ لابد من تحقيقها لمنفعة النَّاس، بينما التَّخلِّي عنها قد يَنْتُج عنه نفعٌ قريبٌ، إلا أنَّه سيؤدي حتمًا إلى ضررٍ على المدى البعيد، وبالتَّالي، فالتَّخلي عن هذه القيم يُضاد حتى البراجماتيَّة النَّظريَّة.
وتضع البراجماتية التَّطبيقيَّة القيم والاعتقادات المسبقة على مائدة البحث، فما فشل منها في تحقيق المنفعة، فهي قيمٌ فاسدةٌ، وما حقَّق منفعةً لأشخاصٍ في واقعٍ مُعيَّنٍ دون آخرٍ، فهي قيمٌ نسبيَّةٌ، وما حقَّق المنفعة للأشخاص في كلِّ العصور، فهي قيمٌ مُطلَقةٌ وحقائقٌ ثابتةٌ.
ومن هنا يتضح أنَّ الفلسفة البراجماتيَّة الكلاسكيَّة، هي منهجيَّةٌ تسعى لتحقيق منفعةً بعيدة المدى، لأكثر عددٍ من البشر، مع عدم اعترافها بحقائقٍ أو قيمٍ مطلقةٍ.
أمَّا البراجماتية الحديثة فهي تحاول تحقيق منفعةٍ بعيدة المدى، لأكثر عدد من البشر، مع اعترافها بحقائقٍ وقيمٍ مطلقةٍ.
والبراجماتيَّة التَّطبيقيَّة تتردَّد بين هذا وذاك، فهي تتَّفق على وجوب التَّجرُبة العمليَّة لتقييم الفكر، لكنَّها تارةً تضع قيودًا، وتارةً لا تضع، وتارةً تقصُر النَّفع على أشخاصٍ بعينهم، أو حتى على شخصٍ واحدٍ، وتارةً على البشريَّة، وهكذا.
من هنا نستنتج أنَّ البراجماتيَّة الكلاسيكيَّة الأولى، التي ظهرت في الولايات المتحدة تتناقض مع الإسلام بشكلٍ عامٍ، لأنَّها تقوم على مبدأ "الغاية تُبرِّر الوسيلة"، بينما يحترم الإسلام الحدود والقواعد الموضوعة لتنظيم حياة البشر فيما بينهم، مع وضع حدودٍ ضيِّقةٍ لتجاوز هذه القواعد، وفق مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات" الذي يختلف كليَّةً عن "الغاية تُبرِّر الوسيلة".











0 تعليقات:
Post a Comment