ثمن الدِّيمُقراطيَّة


بقلم: حسن القباني(*)

دَفَعَ العالم الحر والأحرار ثمنًا غاليًا من أجل ترسيخ الدِّيمُقراطيَّة في بعض بلدان العالم، حتى صارت هذه البلدان مثلاً عظيمًا في الحُرِّيَّة والعدالة وسيادة القانون والدُّستور، ومدرسةً تهفو اليها قلوب وعقول مُحبِّي العدل لنيل شرف التَّواجُد بها وإعادة تجربتها، الا أنَّ المُستبدِّين في العالم العربي لهم رأيٌ آخرٌ أفسد كل محاولات الشُّعوب لنيل حقوقها رغم استمرار هذه المحاولات.
ولعل التوقف مع مشهد جماعة بحجم حركة حماس، وهي تسعى لاقرار قوة القانون في رفح الفلسطينية ضد محاولات بعض المنلفتين رغم ضراوة الحصار على قطاع غزة، أو مشهد جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهي تُجري انتخابات مجالس شورى الجماعة في المحافظات، رغم ضرورة الاعتقالات ضد اعضائها وقياداتها، يطرح بُعدًا جديدًا في التفكير في أهميَّة مُساندة الاتِّجاه الدِّيمُقراطيِّ للحركات الاسلاميَّة، خاصَّة إذا كانت بحجم مثل حجم الإخوان المسلمين.
إنَّ المستبدين يُجبرون أوطانهم على الخسارة مرَّتَيْن في هذه المرحلة الحرجة، فهم بمواصلتهم سياساتهم يُرَسِّخون للتَّضييق والاحتقان وقتل الحُرِّيَّات، ويمنعون الحركات الاسلاميَّة من نقلةٍ نوعيةٍ تصل بهم إلى قناعاتٍ جديدةٍ في طريقة الحكم، أو على الأقل تُحفِّزُهم على مواصلة اجتهاداتهم التي تطوِّر من قراءاتهم وقراراتهم السِّياسيَّة، بما يصبُّ في صالح البلاد والعباد، وبطرقٍ ديمُقراطيَّةٍ لا يعلو عليها فكرٌ مُتجمِّدٌ، ولا تنسفها تحرُّكاتٍ غير إبداعيَّةٍ.
المشكلة هنا والتي يجب أنْ نتصارح بها جميعًا، ونقف معها لندرسها من جديد، هي ما لخَّصه المُفكِّر والقانونيُّ المستشار طارق البشري، النَّائب الأسبق لرئيس مجلس الدَّولة المصريِّ؛ حيث قال إنَّ الدِّيمُقراطيَّة- بشكلٍ عامٍ- لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة، وإنَّ الإصلاحات التي تطالب بها أمريكا في فلسطين والعالم العربي على عكس معنى الدِّيمُقراطيَّة الحقيقيِّ على طول الخط!
هذه المشكلة كشفها بصراحةٍ- أيضًا- أحد أقطاب النِّظام المصري، والذي يجيد الخطاب مع الغرب؛ حيث أكد الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجيَّة بمجلس الشَّعب المصري، أنَّ أيَّة انتخاباتٍ نزيهةٍ ستُخرِج 22 نظامًا عربيًّا معارضًا لأمريكا ومصالحها، وهو ما اعتبره القيادي بجماعة الاخوان المسلمين في مصر الدكتور جمال حشمت- في ندوةٍ سياسيَّةٍ بنقابة المحامين الفرعيَّة بمحافظة البحيرة- أنَّ النِّظام بذلك قد اختار شعار "التَّزوير هو الحل" أمام كل محاولات الإصلاح، وبالتَّالي يُغلِق الأُفُق نحو المستقبل لإجراء انتخاباتٍ نزيهةٍ، مشددًا في نفس الوقت على أنَّ الاخوان والقوى السياسية الأخرى في مصر لا يعولوا على الخارج في مساعدتهم، وأنَّه لا مفرَّ سوى أنْ تَحدُث حالةً من التَّنسيق والتَّوافُق حول المطالب الرَّئيسيَّة لإصلاح نظام الحكم وتغييره من أجل الاتِّفاق على حدٍّ أدنى للحوار.
هذا المشهد لابد أنْ يضعنا أمام حالةِ مفارقةٍ عجيبةٍ وحالةٍ من الدَّهشة وسيلٍ عارمٍ من التَّساؤلات، لأنَّه إذا كُنَّا نريد فعلاً كعالمٍ حرٍّ ومُثقَّفين أحرار توطين الدِّيمُقراطيَّة ومُحاربة الاستبداد، لا يجوز الصمت على هذا العوار الحادث لأنَّنا ببساطةٍ سنكون مشاركين في جريمة قتل الأجيال القادمة خاصة من الحركات الإسلاميَّة صاحبة الشَّعبيَّات العريضة في هذه الأوطان.
إنَّ استمرار تقويض الدِّيمُقراطيَّة واحتكار المصطلح على بعض القوى من دون السَّماح بإقراره على أرض الواقع، يفتح الباب لمزيدٍ من اليأس، وهذا أمرٌ شديد الخطورة على مستقبل الأوطان، ويعني أنَّ الدِّيمُقراطيَّة يجب أنْ يُصر عليها الجميع، بمن فيهم ضحاياها رغم كونها كالجمر في أيدي الضَّحايا.
إنَّ ثمن الدِّيمقراطيَّة غاليًا، وإقراره يحتاج لوقتٍ وعقلٍ مبدعٍ وجهدٍ جهيدٍ مخلصٍ وشريفٍ ووطنيٍّ لمواجهة كارهي العدالة والحُرِّيَّة في هذه الأوطان من أجل مستقبلٍ أفضل يحمل الخير للجميع.
------------------------------
(*) صحفي مصري

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح