كتب: أحمد عبد الفتَّاح
إصلاح المنظومة القضائيَّة بات قضيَّةٌ مُلحَّةٌ في مصر!!.. هكذا ببساطة، ولا تقتصر المطالبة بها على القضاة وحدهم، وإنَّما أصبحت على رأس أولويَّات دعوات الإصلاح السِّياسيِّ لكل القوى السِّياسيَّة بمختلف اتِّجاهاتها الفكريَّة، وخاصَّة بعد الشُّهرة الإعلاميَّة والأهميَّة التي اتَّخذتها تحرُّكات القضاة التي شهدتها مصر في العام 2005م.
ولعل أبرز ملامح ذلك الإصلاح المطلوب تتمثَّل في استقلال القضاء بعيدًا عن السُّلطة التَّنفيذيَّة بصفته السُّلطة التي تفصل دائمًا بين السُّلطات وبين الشَّعب، ولذلك السَّبب فانَّ كل الدَّستاتير التي تعاقبت على مصر أحتوت نصوصًا أساسيَّةً بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته، وتحظر وتؤثِّم التَّدخُّل في أيَّة قضيَّةٍ أو أيِّ شأنٍ من شئونه وشئون قضاته، من جانب أيَّة سلطةٍ أو أيِّ شخصٍ.
وبالرَّغم من ذلك، فإنَّ الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر، لم تتوقَّف طوال هذه السِّنين عن النَّص في القوانين المُنظِّمة للسُّلطة القضائيَّة وغيرهاـ على ما يُجرِّد تلك النُّصوص من مضمونها تمامًا، بل ويخالفها بنصوصٍ صريحةٍ تُصادِر بها- لحساب السُّلطة التَّنفيذيَّة- معظم أصول هذا الاستقلال وقواعده وضماناته.
كما تسند بها بعض اختصاصات القضاء الطَّبيعيِّ إلى غيره، وتصدر قراراتٌ وتصرفاتٌ واقعيَّةٌ أخرى من خلال وزارة العدل، وهي إحدى أذرع السُّلطة التَّنفيذيَّة، يسيطر بها النِّظام على إرادة رجال السُّلطة القضائيَّة وشئونهم، بل وأحكامهم!
في مبدأ الاستقلال:
المادة (64) من الدُّستور تنصُّ على أنَّ سيادة القانون أساس الحكم في الدَّولة، كما نصَّت المادة (65) منه على أنْ تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانتان أساسيَّتان لحماية الحقوق والحُرِّيَّات، ونصَّت المادة (166) كذلك على أنَّ القضاة مُستقلِّون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأيَّة سلطةٍ التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة.
ووفق هذه النُّصوص فالقضاء المصري هو مستقلُّ تمامًا عن السُّلطتَيْن التَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة، فحرَّمت عليهما التَّدخُّل في القضايا أو في شئون العدالة، وحالت بذلك بينهما وبين القضاء حتى تكون له قيمته وجدواه.
ومن ثَمَّ فقد حرصت المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء رقم (66) لسنة 1943م، على التَّنويه بأنَّ نصوص الدُّستور لم تُنشئ حقيقة استقلال القضاء، فمن طبيعة القضاء أنْ يكون مُستقلاً والأصل فيه أنْ يكون كذلك، وكل مساسٍ بهذا الأصل من شأنه أنْ يعبث بجلال القضاء، وكل تدخُّلٍ في عمل القضاة من جانب أيَّة سُلطةٍ من السُّلطتَيْن يخلُّ بميزان العدل، ويُقوِّضُ دعائم الحكم.
فالعدل كما قيل قديمًا أساس الملك، ومن الحقِّ أنْ يتساوى أمام قُدس القضاء أصغر شخصٍ في الدَّولة بأكبر حاكمٍ فيها، وأنْ ترعى الجميع عين العدالة.
وحتى على المستوى المالي، كفل القانون والدُّستور استقلاليَّة القضاء، فقد نصَّت المادة الثَّامنة من ذلك القانون، المقابلة للمادة (68) من قانون السُّلطة القضائيَّة القائم حاليًا، على أنْ تُحدَّد مُرتَّبات القضاة بجميع درجاتهم وفقًا للجدول الملحق بهذا القانون، ولا يصح أنْ يُقرَّر لأحدٍ منهم مُرتبٌ بصفةٍ شخصيَّةٍ ولا مُرتَّبٌ إضافيٌّ من أيِّ نوعٍ كان، أو يُعامَل معاملةٌ استثنائيَّةٌ بأيَّة صورةٍ.
واستهدف هذا النَّص وغيره تقنين ما هو سائدٌ في سائر القوانين المقارنة للدِّول الدِّيمقراطيَّة، من وضع نظامٍ إداريٍّ وماليٍّ خاصٍّ بالقضاة يحفظ استقلالهم ويُحقِّق المساواة فيما بينهم، ويُمكِّنُهم من مقاومة الضُّغوط التي قد تُمارَس عليهم، ويحول دون وقوعهم أسرى لمصالحهم الشخصيَّة.
كما أنَّ تشريعات الدِّول الدِّيمقراطيَّة أرست أصول النِّظام الماليِّ والإداريِّ التي تضمن استقلال القضاء، كما ردَّدت هذه الأصول نصوص المواثيق والاتِّفاقيَّات الدَّوليَّة والإعلانات العالميَّة لحقوق الإنسان، باعتبار أنَّ القضاء أحد أهمِّ حصون حماية حقوق الإنسان.
فقد نصَّت المادة العاشرة من الإعلان العالميِّ لحقوق الإنسان الصَّادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948م، على أنَّ "لكلِّ إنسانٍ، على قدم المساواة التَّامة مع الآخرين، الحقُّ في أنْ تنظُر قضيَّتَه محكمةٌ مُستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا منصفًا وعلنيًّا للفصل في حقوقه والتزاماته، وفي أيَّة تهمةٍ جزائيَّةٍ تُوجَّه إليه".
كما أكَّد الإعلان العالميُّ لاستقلال القضاء الصَّادر في مونتريال عام 1983م، ضرورة أنْ "يضمن القانون كفاية مُرتَّبات القضاة المناسبة لمسئوليَّات مناصبهم وكرامتهم وإعادة تسوية الرَّواتب والمعاشات بانتظامٍ وفق مُعدَّل ارتفاع الأسعار".
كذلك نصت القوانين في الدِّول الدِّيمقراطيَّة على أنَّه "لا يجوز أنْ يُنشَأ بين القضاة ولا بين أعضاء النِّيابة فيما يتولُّونَه من سلطات التَّحقيق، أيُّ نوعٍ من التَّبعية الإداريَّة مهما اختلفت درجاتهم أو مستويات محاكمهم، فكلُّهم قضاةٌ مستقلُّون لا يتبع أحدٌ منهم أحدًا مهما علت درجته وارتفع مقامه، إنَّما تكون التَّبعيَّة لجمعيَّات القُضاة أنفسهم، بمحاكمهم، وفي توزيع العمل فيما بينهم فحسب".
وقد عبر الإعلان العالمي لاستقلال القضاء عن تلك المعاني، بما نصَّ عليه من وجوب استقلال القضاة تجاه زملائهم وتجاه رؤسائهم، وعدم مساس أيِّ تسلسلٍ تنظيميٍّ في القضاء بحق القاضي في إعطاء قراره بحرِّيَّةٍ تامَّةٍ، وألا يكون للسُّلطة التَّنفيذيَّة أيَّة رقابةٍ على الوظائف القضائيَّة، ولا القيام بأيِّ عملٍ أو تعطيل القيام بأيِّ عملٍ يؤدِّي إلى استبعاد الحل القضائيِّ لأحد النِّزاعات، أو تعطيل التَّنفيذ السَّليم لقرار إحدى المحاكم" (المبدأ 2/231).
في مصر.. القانون ينتهك استقلال القضاء:
وبالرَّغم من أنَّ المُذكِّرة الإيضاحيَّة لقانون استقلال القضاء- رقم (66) لسنة 1943م- والتي سبق الإشارة اليها، أشارت عن أنَّ ما جاء به من ضماناتٍ تشريعيَّةٍ لاستقلال القضاء، هو مجرَّد خطوةٍ على طريق هذا الاستقلال، ولكن سوف تتبعها خطوات، إلا أنَّ الحكومات المُتعاقبة على مصر، وعلى العكس، أخذت تنتقص من هذه الضَّمانات، وتتحكَّم في شئون رجال القضاء وإرادتهم وحُرِّيَّتهم بنصوصٍ تشريعيَّةٍ وتطبيقاتٍ عمليَّةٍ مُخالفةٍ للدُّستور، سلبت بها مضمون ذلك الاستقلال وجدواه.
ومن بين هذه المخالفات [كما رصدتها دراسات أعدتها جماعة "محامون بلا قيود"]:
1- المادة (4/9) من قانون السُّلطة القضائيَّة المُعدَّل بالقانون 35 لسنة 1984م، والذي صارت بموجبه السُّلطة التَّنفيذيَّة مُمثَّلةٌ في شخص وزير العدل، تنفرد بالكلمة النَّهائيَّة في ندب وتجديد ندب من تختارهم هي وحدها من مستشاري محاكم الاستئناف ليكونوا- لأيِّ عددٍ من السِّنين- مجرَّد تابعين لها في رئاسة المحاكم الابتدائيَّة في الإشراف على الرُّؤساء والقضاة، بل وأحكامهم وقراراتهم القضائيَّة والولائيَّة وسائر العاملين في هذه المحاكم، بل وتنبيههم إلى ما يقع منهم مُخالفًا لمقتضيات وظائفهم، كما اختصَّ هؤلاء الرُّؤساء في الوقت نفسه برئاسة الدَّوائر القضائيَّة في المحكمة ذاتها.
ومع تقادم العهد بهؤلاء الرُّؤساء في مناصبهم ومزاياهم الماليَّة والعينيَّة، تنامت سلطاتهم المختلطة، سعةًَ وعُمقًا، حتى امتدت آثارها إلى العمل القضائيِّ ذاته، واهتزَّت الثِّقة العامَّة به، خاصَّة حين يتم تعيين بعضهم في مناصب المحافظين، وحين تتضمَّن محاضر توزيع العمل بالجمعيَّات العموميَّة لبعض المحاكم دعوة كافَّة القُضاة من أعضائها لما معناه ضرورة عرض الدَّعاوى الهامَّة المنظورة أمامهم على رئيس المحكمة للمداولة معه فور حجزها للحكم، وقبل الفصل فيها، وفي ذلك ما فيه من إثمٍ جنائيٍّ وقضائيٍّ بموجب أحكام الدُّستور والقانون.
2- المادة (78) من القانون ذاته، الذي أنشئت إدارة في وزارة العدل تابعةٌ لمكتب الوزير، وهي إدارة التَّفتيش القضائيِّ على أعمال القُضاة والرًُّؤساء بالمحاكم، وتقدير أهليَّتِهم وصلاحيَّتِهم ومساءلتهم وفحص وتحقيق الشَّكاوى التي تُقدَّم ضدهم، واقتراح ندبهم ونقلهم وترقيتهم أو تخطيهم..إلخ.
وبطبيعة الحال يجري تحت ذلك كلُّه تحت سيطرة الوزير، وهو ما يعني- ببساطةٍ- قضاءً على استقلال القضاء والقُضاة، وسلب إرادتهم وهز، بل وتضييع، الثِّقة العامَّة فيهم.
3- المواد (93) و(125) وما بعدها في القانون المذكور التي تُخوِّل الوزير وبعض تابعيه سلطاتٍ إداريَّةً وتأديبيَّةً على القضاة.
4- وعلى المستوى المالي تمَّ الضَّرب فيها عرض الحائط بالضَّمانات التَّشريعيَّة التي تحول دون تحكم السُّلطة التَّنفيذيَّة من خلال وزارة العدل في مرتَّبات ومُخصَّصات القضاة بالتقليص أو الإفراط، حتى أفسدت النِّظامُ الماليُّ الخاصُّ بالقضاة عبر إنشائها نظامٍ موازٍ.
وقد أطلقت وزارة العدل يدها في التَّميِّيز بين القضاء، سواءً في توزيع ما يُسمَّي بالحوافز ومكافآت العمل الإضافيِّ ودورات التَّحكيم والكسب غير المشروع، أو في سائر أنواع المعاملة الماليَّة والعلاجيَّة والاجتماعيَّة والمزايا العينيَّة الأخرى، وذلك بصورٍ شتى، وبالمخالفة لصريح نص المادة (68) من ذلك القانون، ولصريح نصوص جدول المُرتَّبات والمُخصَّصات الملحقة به.
وبلغ الأمر في ذلك إلى حدِّ احتفاظ الوزارة بدفتر شيكاتٍ رسميٍّ تصرفُ منه بإرادتها المنفردة أيَّ مبلغٍ لمن يشاء من رجال القضاء، من دون أيَّة قواعدٍ ولا رقابةٍ ولا مساءلةٍ ولا حسابٍ.
5- وبالمخالفة لنص المادة (30) من قانون السُّلطة القضائيَّة، وبموجب اختصاصات إدارة التَّفتيش القضائيِّ ورؤساء المحاكم، بل والتَّنازُل غير المشروع الذي تتضمَّنه جميع محاضر الجمعيَّات العموميَّة للمحاكم عن أهم اختصاصاتها لرؤسائها، تتحكَّم وزارة العدل في توزيع العمل أمام الدَّوائر بالهوى والاعتبارات الشَّخصيَّة التي تثير التساؤلات، وليس بقواعدٍ موضوعيَّةٍ عامَّةٍ مجرَّدةٌ، وطال ذلك محكمة النَّقض ذاتها لأوَّل مرة في تاريخها.
6- احتوت المادة (36) على انتهاكاتٍ صريحةٍ لاستقلال القضاء؛ حيث نصت على أنْ "يكون للوزير أنْ يعيد إلى الجمعيَّات العامَّة للمحاكم الابتدائيَّة ولجان الشُّئون الوقتيَّة بها ما لا يرى الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النَّظر فيها".
7- نصَّت المادة (78) وما بعدها على أنْ تتشكِّل بوزارة العدل إدارة للتَّفتيش القضائيِّ على أعمال القضاة والرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة ويضع وزير العدل لائحة للتَّفتيش القضائيِّ، وأُخرى لتفتيش النِّيابات، ويخطر وزير العدل من يقدر بدرجة متوسط أو أقل من المتوسط من رجال القضاء والنِّيابة العامَّة بدرجة كفايته، وذلك بمجرد انتهاء إدارة التَّفتيش المُختصَّة من تقرير كفايته، كما يُخطِر من حلَّ دورهم في التَّرقية ولم تشملهم، بأسباب تخطيهم.
ويختص الوزير كذلك بتعيين القضايا التي تُنظر وعدد الجلسات وأيام انعقادها ومن يقوم بالعمل في أثناء العطلة القضائيَّة (المادتان 87 و88).
كما نصَّت الفقرتان الرَّابعة والخامسة من المادة التَّاسعة من قانون السُّلطة القضائيَّة على أنْ "تكون رياسة المحكمة الابتدائيَّة بطريق النَّدب، من بين مستشاري محاكم الاستئناف بقرارٍ من وزير العدل، بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، لمدَّة سنةٍ على الأكثر قابلةٍ للتَّجديد- وليس بعد موافقة المجلس- وأنْ يكون بكلِّ محكمةٍ ابتدائيةٍ عددٍ كافٍ من الدَّوائر يرأس كل منها رئيس المحكمة أو أحد الرؤساء بها".
يدل ذلك كله على أنَّ السُّلطة التَّنفيذيَّة صارت لها الكلمة النَّهائيَّة في هذا النَّدب المختلط بما يترتَّب عليه من تخويل المستشار المختار بمعرفة الوزارة وحده ولايتَيْ الإدارة والقضاء مع رياسة دوائر المحكمة، وفي وقتٍ واحدٍ، إلى جانب ما يتولاه من اختصاصاتٍ أخرى رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وتأديبيَّةٍ على جميع القضاة والرُّؤساء بالمحكمة وسائر موظَّفيها وعُمَّالها، ناهيك عن اختصاصاته الانتخابيَّة المُستحدثة وغيرها.
كما يختص أيضًا بتنظيم الخدمات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة لرجال القضاء والنِّيابة بقرارٍ من الوزير، وللوزير حق طلب إحالة القاضي للمعاش أو نقله لوظيفة غير قضائية (المواد 91 و111 و129)، وحق الإشراف على جميع المحاكم والقضاة وأعضاء النِّيابة العامَّة (المادتان 93 و125).
وبينما لرئيس كلِّ محكمةٍ حقُّ الإشراف على القُضاة التَّابعين لها، فإنَّ للوزير طلب وقف القاضي أو عضو النِّيابة (المادة 97)، وحق تنبيه الرُّؤساء بالمحاكم الابتدائيَّة وقُضاتها وأعضاء النِّيابة العامَّة كتابةً وشفاهة، إلى ما يقع منهم مخالفًا لمقتضيات وظائفهم (المادتان 94 و126).
كما أنَّ الوزير من حقِّه يطلب من رئيس المحكمة الحق، إذا تكرَّرت المخالفة أو استمرت، رفع الدَّعوى التَّأديبيَّة، وتقام هذه الدعوى- ودعوى الصَّلاحية- بطلبٍ من الوزير بناءً على تحقيقٍ جنائيٍّ أو إداريٍّ يتولاه أحد نوَّاب رئيس محكمة النَّقض أو رئيس محكمة استئناف، يندبه الوزير أو مستشارٍ من إدارة التَّفتيش القضائيِّ التابعة للوزارة (المادة 99).
كل ذلك يضمن تخويل السُّلطة التَّنفيذيَّة سلطاتٍ رقابيَّةٍ وإداريَّةٍ وماليَّةٍ وتأديبيَّةٍ، تتدخَّل بها في صميم شئون العدالة والقضاء والقُضاة، بالمخالفة للدُّستور الذي على مبدأ استقلال القضاء والقُضاة كضمانٍ أساسيٍّ للحقوق والحُرِّيَّات.
الإشراف علي الانتخابات.. المسمار الأخير:
لعل إدراك النِّظام في مصر لقوَّة القضاة، وإدراكهم هم أنفسهم لأهمِّيَّة حركتهم في العام 2005م، والتي أدَّت لموجةٍ واسعةٍ من الحِراك السِّياسيِّ في مصر، والتَّجربة التي أعقبت انتخابات 2005م؛ حيث فاز 88 من مُرشَّحي الاخوان بعضوية مجلس الشَّعب بسبب الأشراف القضائيِّ أساسًا على الانتخابات، هو ما دفع النِّظام الحاكم إلى الدَّفع باجراء تعديلاتٍ على الدُّستور المصريِّ في العام 2007م، يُلغَى بموجبها الإشراف القضائيِّ على الانتخابات أو المبدأ الذي عُرِفَ في مصر بمبدأ قاضٍ لكلِّ صندوقٍ.
فقد كانت المادة (88) من الدُّستور تنص على أنْ يتم الاقتراع في انتخابات مجلس الشَّعب "تحت إشراف أعضاء من هيئةٍ قضائيَّةٍ"، وطلب رئيس الجمهورية تعديل هذه المادَّة بحُجَّه "ما يسمح بمواجهة التَّزايُد المطرد لأعداد النَّاخبين، وما يفرضه من زيادةٍ مُماثلةٍ في أعداد لجان الاقتراع ومراكز الفرز (...)، ويضمن في الوقت نفسه إجراء الانتخابات في يومٍ واحدٍ".
وكانت النَّتيجة الحتمية لهذا التَّعديل مشاركة هيئاتٍ غير قضائيَّةٍ في الإشراف على الانتخابات.
كما عمد النِّظام الحاكم إلى المزيد من التقييد على تيار الاستقلال في أوساط القضاة المصريِّين، والذين يمثلون نصف عدد الهيئة القضائيَّة في مصر- خمسة آلاف من بين عشرة آلاف قاضٍ- فكانت البداية بالمحاولة الفاشلة لإقصاء المستشار هشام البسطاويسي نائب رئيس محكمة النَّقض والمستشار محمود مكي نائب رئيس محكمة النَّقض، والتي انتهت بمواجهات الشَّارع الشَّهيرة بين الإخوان والدولة، وأدَّت لتراجُع النِّظام عن محاولته هذه.
ثم بدأت الدَّولة بعد ذلك في محاصرة تيار الاستقلال في المحاكم المصريَّة الرَّئيسيَّة، مثل محاكم الاستئناف والدُّستوريَّة العليا، وكذلك في أندية القضاة.
فكان- على سبيل المثال- تعيين المستشار فاروق سلطان رئيسًا للمحكمة الدستوريَّة، بعد توليه الإشراف على انتخابات نقابة المحامين مباشرةً، وهو ما دفع مراقبون في الخارج إلى إبداء دهشتهم لذلك، ومن بينهم ناتان براون الكاتب الأمريكي البارز في مقالٍ تحليليٍّ نشره في مجلة (فورين بوليسي) الأمريكيَّة المرموقة تحت عنوان "لماذا عيَّن النظام المصري رئيسًا جديدًا للمحكمة الدُّستوريَّة؟".
وقال إنَّ من بين الأسباب الحقيقيَّة لترقية المستشار فاروق سلطان رئيس محكمة جنوب القاهرة السَّابق؛ لكي يصبح رئيسًا للمحكمة الدُّستوريَّة العليا، أعلى سُلطةٍ قضائيَّة في مصر، هو كونه مقرَّبًا من النِّظام، وقال إنَّ تعيينه يهدف إلى تسهيل عملية انتقال السُّلطة لجمال مبارك أمين السِّياسات في الحزب الوطنيِّ الحاكم من دون حدوث أيَّة عقباتٍ.
وكان من بين هذه الخطوات أيضًا "إنجاح" المستشار أحمد الزِّند المعروف بأنَّه رجل النِّظام القوي في نادي القضاة في منصب رئيس النَّادي على حساب مُرشَّح تيَّار الاستقلال المستشار هشام جنينة، ويُضاف إلى ذلك الإبقاء على المستشار ممدوح مرعي في منصبه كوزيرٍ للعدل رغم كل الانتقادات الموجَّهة له.
والآن السُّؤال أو الأسئلة التي تطرح نفسها، هل القضاء المصري مُستقلٌ؟!، وما هو دوره في التَّغيُّرات القادمة في مصر؟!، وهل سوف يكون هناك إمكانيَّةٌ لتكرار ملحمة انتخابات 2005م؟!.. البعض يؤكِّد أنَّه من المستحيل التَّكهُّن بذلك الآن!!
----------------------
المصادر الرَّئيسيَّة:
1- مشروع تعديل قانون السُّلطة القضائيَّة ومُذكِّرَتَه الإيضاحيَّة الذي وضعته الجمعيَّة العموميَّة لقضُاة مصر منذ العام 1991م.
2- وثائق وتوصيات مؤتمر الجمعيَّة العموميَّة لقضاة مصر الملحقة بالكتاب الذهبي للمحاكم الأهليَّة الذي أصدره نادي القضاة عام 1991م.
...











0 تعليقات:
Post a Comment