كتب: سامر إسماعيل
شهدت أفغانستان يوم 20 أغسطس الجاري انتخاباتٍ رئاسيَّةً اختلف كثيرٌ من المُحلِّلين في تقييمها، فالبعض وصفها بالانتخابات الدِّيمُقراطيَّة، والبعض وصفها بالمزوَّرةن وهناك من اعتبرها لعبةً لاختيار رئيسٍ بلا سلطةٍ في دولةٍ تقع تحت الاحتلال الأجنبي، وتغوص في بحرٍ من الفساد المستشري في كافَّة مُؤسَّساتها التي لم تنجح الولايات المتحدة وحلفائها المُحتلِّين لأفغانستان حاليًا من تحقيق أيِّ تقدُّمٍ يُذكَر في بناء تلك المُؤسَّسات بسبب انشغالهم بقتال حركة طالبان التي أسقطت عقب الغزو الأمريكي الأطلنطي لهذا البلد في أكتوبر من العام 2001م.
بعد انهيار حكم طالبان في أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، التي هزت الولايات المتحدة، والتي اتهم فيها تنظيم القاعدة، الذي كان يحظى برعاية حركة طالبان، حينها بالمسئولية عن تلك الأحداث، على يد القوات الأجنبيَّة بقيادة الولايات المتحدة، فكَّرت واشنطن في إقامة سلطةٍ محلِّيَّةٍ تحكم أفغانستان، ولكنها تفتقد إلى الأهليَّة الكاملة باعتبار أنَّها سُلطة في ظل الاحتلال الأجنبي.
ولكن الحقيقة أنَّ الولايات المتحدة وحلفائها أقدموا على هذه الخطوة في محاولةٍ منهم لنقل الحرب في أفغانستان من حربٍ بين الأفغان والقوَّات الأجنبيَّة إلى حربٍ بين الأفغان أنفسهم بين السُّلطة مُمثَّلةٍ في الحكومة المُنتخبة وبين المقاومة التي تسعى لطرد المحتل، ممثلةٌ في حركة طالبان بالأساس.
انتخاباتٌ جداليَّةٌ
في العام 2004م قرَّرت الولايات المتحدة السَّماح بإجراء أوَّل انتخاباتٍ رئاسيَّةٍ في أفغانستان بعد سقوط حكم طالبان، شارك فيها 23 مرشحًا من بينهم إمراةٌ واحدةٌ، وهي ظاهرة لم تعهدها أفغانستان من قبل؛ أنْ تترشَّح إمرأةٌ لمنصب رئيس البلاد، وصوَّت في هذه الانتخابات حوالي 70% ممَّن يملكون حق التَّصويت وعددهم 12.5 مليون من بين 32 مليون أفغاني، كما شارك بالتَّصويت في هذه الانتخابات مليونَيْ أفغانيُّ يعيشون في باكستان وإيران.
واستطاع الرئيس الحالي حامد قرضاي، وكان وقتها مرشَّحٌ مُستقلٌّ ينتمي لعرقيَّة البشتون الذين يشكلون ما نسبته 65% من تعداد سكان أفغانستان الفوز بهذه الانتخابات من الجولة الأولى، ليصبح أوَّل رئيسٍ لأفغانستان بعد سقوط حكم طالبان، وذلك بحصوله على 4443029 صوتًا أي ما نسبته 55.4% في حين حصل أقرب منافسيه، وهو يونس قانوني على 1306503 صوتًا أي ما نسبته 16.3%.
أمَّا في الانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانية التي جرت مُؤخَّرًا فقد اختلفت عن سابقتها بكثيرٍ، فقد تمَّ تأجيلها من موعدها المحدَّد في مايو الماضي إلى 20 اغسطس الجاري، وذلك بعد توصيةٍ من الَّلجنة المشرفة على الانتخابات، والتي أكدت استحالة إجراء الانتخابات الرَّئاسيَّة في مايو، بسبب الوضع الأمنيِّ المتدهور، وعدم توفُّر المال الَّلازم لإجراء الانتخابات والإشراف عليها.
وأصرَّت الولايات المتحدة وحلفائها الموجودون حاليًا بقواتهم في أفغانستان، على إتمام العمليَّة الانتخابيَّة واختيار رئيسٍ لأفغانستان مهما كلَّفهم ذلك من مالٍ وعتادٍ وأفرادٍ، وهو ما تمَّ بالفعل؛ حيث تمَّ استقدام عشرات الآلاف من الجنود التَّابعين لدول حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، للمُشاركة في تأمين مراكز الاقتراع لإقناع الأفغان بالمشاركة في اختيار رئيسهم في ظلِّ التَّهديدات المُستمرَّة لحركة طالبان، بأنَّها لن تسمح بإجراء هذه الانتخابات، وستهاجم مراكز الاقتراع، بل وتعهدت الحركة بقطع أصابع من سيصوت في الانتخابات، وهو التَّهديد الذي نفَّذَته الحركة بالفعل مع عدد ممَّن صوَّتوا في الانتخابات في ولاياتٍ أفغانيةٍ مُختلفةٍ.
وتنافس في الانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانيَّة التي جرت يوم 20 أغسطس 37 مرشحًا رئاسيًّا، من بينهم إمرأتَيْن بعد انسحاب أربعة مرشَّحين.
واعتبر مراقبون الرَّئيس الأفغاني الحالي حامد قرضاي ووزير الخارجية السابق الدكتور عبد الله عبد الله، ووزير المالية السَّابق أشرف غاني، ووزير التَّخطيط السَّابق رمضان بشار دوست، أبرز المتنافسين على منصب رئيس أفغانستان؛ حيث ينتمي قرضاي لعرقية البشتون التي تمثِّل غالبيَّة سُكَّان أفغانستان، بينما ينتمي عبد الله لعرقية الطاجيك، وهم يمثلون 15% من الأفغان، في حين ينتمي غاني إلى عرقية البشتون التي ينتمي لها قرضاي، وبشار دوست إلى عرقية الهزارة، وهؤلاء يمثلون 5% فقط من الأفغان.
وشهد يوم إجراء الانتخابات الخميس 20 أغسطس 2009م، أعمال عنفٍ في مناطقٍ مختلفةٍ في أفغانستان راح ضحيتها 50 قتيلاً، بعد استهداف حركة طالبان لمراكز الاقتراع في محاولة منها لتعطيل الانتخابات الرَّئاسيَّة أو إفشالها من خلال منع الأفغان من المشاركة بالتَّصويت فيها.
ولكن مع كل هذا تمكَّن الأفغان من الوصول لمراكز الاقتراع، وأدلوا بأصواتهم، ولكن بنسبةٍ أقلُّ بكثيرٍ عمَّا كانت عليه عام 2004م، فقد صوت في هذه الانتخابات ما بين 40% إلى 50% من الأفغان الذين يملكون حقَّ التَّصويت، وهي نسبةٌ أقلُّ ممَّا كانت عليه انتخابات الرَّئاسة الأفغانيَّة عام 2004م، والتي شارك فيها بالتَّصويت 70% ممن يملكون حق الإدلاء بأصواتهم.
وما أنْ انتهى التَّصويت في الانتخابات، حتى أعلنت قوات التحالف أنَّها نجحت في تأمين 6200 مركز اقتراع من بين 6500 مركز اقتراعٍ في 34 ولايةً أفغانيَّةً، أي أنَّ قوَّات التَّحالُف تمكَّنت من تأمين 95% من مراكز الاقتراع.
وبعد مرور أيامٍ قليلةٍ على انتهاء عمليَّة التَّصويت، وبداية فرز الأصوات ظهرت أصواتٌ من بين المُرشَّحين الرِّئاسيِّين تقول بأنَّ هناك حالاتُ تزويرٍ كبيرةٍ لصالح الرَّئيس الأفغانيِّ والمُرشَّح للفوز بالانتخابات حامد قرضاي، وتزعم هذه الأصوات أكبر منافس لقرضاي وهو عبد الله عبد الله، كما ظهرت أصواتٌ أخرى تقول بأنَّ التَّصويت في بعض مراكز الاقتراع، تمَّ تحت التَّهديد بالسلاح من قبل عناصرٍ من الأمن الأفغاني لصالح قرضاي.
ومنذ اللحظة الأولى، كان "الالتباس" هو اسم الُّلعبة، فبعد أنْ أعلن كلٌّ من قرضاي وعبد الله فوزه، ظهرت توقعاتٌ وتقاريرٌ تتحدث عن فوز قرضاي بالرئاسة الأفغانية لفترةٍ ثانيةٍ مُدَّتها خمس سنوات بحصوله على 70% من أصوات النَّاخبين إلى أنْ جاء بيانٌ صادرٌ عن الَّلجنة المُشرفة على الانتخابات يوم الثلاثاء 25 أغسطس يؤكِّد أنَّ عمليَّة فرز 10% من الأصوات أظهرت تقدم الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على منافسه الرئيسي عبد الله عبد الله بفارق 2% فقط.
ثم جاء بيانٌ آخرٌ يوم الأربعاء صادرٌ عن الَّلجنة يؤكِّد تقدُّم قرضاي بفارقٍ كبيرٍ على عبد الله، بما نسبته 9%، بعد فرز 17% من الأصوات.
الَّلجنة المُشرفة على الانتخابات أكَّدت أنَّ النَّتائج النَّهائيَّة للانتخابات الرَّئاسيَّة الأفغانيَّة ستصدر يوم 17 سبتمبر المُقبلة، ومعها سيتم إعلان نتائج انتخابات مجالس الأقاليم الـ34 والتي جرت في نفس يوم الانتخابات الرَّئاسيَّة، وتنافس فيها ثلاثة آلاف مُرشَّحٍ.
انتخاباتٌ كاشفةٌ
سواءٌ أفاز قرضاي بفترةٍ رئاسيَّةٍ ثانيةٍ أو فاز عبد الله عبد الله بالرَّئاسة، أو أحدٌ غيرهما، فإنَّ هذه الانتخابات كشفت عن كثيرٍ من الحقائق، أهمَّها أنَّ الأفغان لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع حُبًّا في الدِّيمُقراطيَّة، إنَّما ذهبوا لتأييد مرشَّحٍ عرقيَّتِهم ضد مُرشَّح عرقيَّةٍ أخرى.
كما كشفت هذه الانتخابات عن هشاشة الوضع الأمنيِّ في أفغانستان بعد مرور 8 سنوات على غزو ما يُعرف بقوَّات التَّحالُف لأفغانستان، فقد شارك في تأمين يوم الانتخابات أكثر من 300 ألف عنصر أمنٍ أفغانيٍّ وأجنبيٍّ، ومع ذلك تمكَّنت طالبان من تعطيل الانتخابات في 5% على الأقل من مراكز الاقتراع، وتسبَّبت في إحجام الأفغان عن المشاركة في التَّصويت بعد تهديد طالبان للمشاركين في التَّصويت بقطع أصابعهم.
بالإضافة إلى ذلك تراجعت نسبة المُصوِّتين في هذه الانتخابات؛ حيث تؤكِّد الإحصائيَّات التي تحدَّثت عن انتشار الفساد في أفغانستان في كافَّة مُؤسَّسات الدَّولة، وانشغال الحكومة والقوات الأجنبيَّة بمحاربة طالبان عن تطوير البنية التَّحتيَّة في أفغانستان وإقامة المشاريع التَّنمويَّة.
خلاصة القول أنَّ هذه الانتخابات أكَّدت فشل الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان في القضاء على حركة طالبان التي صَعَّدت من هجماتها على قوات الاحتلال الأجنبي، وأصبحت الحرب في أفغانستان تُهدِّد إدارات وحكومات الدِّول التي لها قواتٌ في أفغانستان بعد سقوط المزيد من القتلى كل يومٍ في صفوف القوات الأجنبيَّة.
كما تؤكِّد هذه الانتخابات على فشل الأحزاب الأفغانيَّة؛ حيث لم تستطع التَّواجُد على السَّاحة السِّياسيَّة، بما أدى إلى غيابها الفاعل عن الانتخابات الرَّئاسيَّة، مع كون المرشَّحين الرَّئيسيِّين قرضاي وعبد الله وغاني وبشار دوست، وهم أقوى المُرشَّحين، مُصنَّفين كمستقلِّين.
وفي الأخير، فإنَّ هذه الانتخابات كانت اختبارًا لشعبيَّة طالبان من جهةٍ، ولمدى نجاح قوات الاحتلال والحكومة الأفغانيَّة من جهةٍ أخرى، أكثر من كونها انتخابات بين أفرادٍ متنافسين على الرَّئاسة الأفغانيَّة، وتراجُع نسبة التَّصويت في هذه الانتخابات عن نسبة التَّصويت في انتخابات عام 2004م دليلٌ على انتصار طالبان وهزيمة الحكومة الأفغانيَّة وقوَّات التَّحالُف التي تحتل أفغانستان...
--------------------
(*) أفغانستان: دولةٌ آسيويَّةٌ تقع في وسط آسيا يبلغ تعداد سكانها ما بين 33 مليون نسمةٍ إلى 44 مليونًا، وأغلب سكانها من المسلمين السنة وتتراوح نسبتهم مابين 74% إلى 80% من المسلمين، في حين تبلغ نسبة المسلمين الشِّيعة حوالي 5% من المسلمين، أما باقي السكان فهم من الهندوس والسِّيخ، وتبلغ مساحة أفغانستان حوالي 647.5 ألف كيلومترًا مربَّعًا، وبها 34 ولاية، وتعتبر اللغة الأورديَّة هي الُّلغة الرَّسميَّة تليها لغة البشتو..











0 تعليقات:
Post a Comment