موائد غزة في رمضان.. على أنقاض المنازل المدمرة وذكريات الشهداء!!...


غزَّة- كارم الغرابلي

يعيش ذوو الشُّهداء والأسرى في قطاع غزة مشاعر الحزن والألم في كلِّ مناسبةٍ، وخاصَّة شهر رمضان، الذي عادة ما يفتح الجروح بفقدان الأحبة مستذكرين "الجَمْعَة" على مائدة الافطار.
وتزداد قتامة الوضع ومأساويَّته مع الأطفال، ففي حالة الأطفال الذين فقدوا الأهل والعائلة، سواءً بفعل الحصار أو بفعل الحرب الصُّهيونيَّة المجنونة في ديسمبر ويناير الماضيَيْن، نجد معالم نضجٍ مُبكِّرٍ يعصف بضمير الإنسان، ويذكِّرُه في كلِّ وقتٍ بواقع المأساة التي يعيشها الغزاويون وخصوصًا أطفالهم.

(اتِّجاهات) جالت في أنحاء القطاع، وحاولت رصد بعض من معالم هذه المأساة.. بعضها فقط، وليس كلَّها!!
الطفلة ألماظة السَّمُّوني التي فقدت جميع أفراد عائلتها بعدما تعرَّضت للقصف إبَّان الحرب الصُّهيونيَّة الأخيرة، تقضي معظم وقتها في خيمةٍ مُمزَّقةٍ فوق ركام منزلها الذي دمره الاحتلال، وهي تستذكر مع والدها الجريح أمها وأخوتها الستة الذين قتلوا في الحرب.
تقول ألماظة وقد امتزج صوتها بمشاعر الحزن: "لن أنسى أمِّي وإخوتي.. رمضان صعبٌ من دونهم.. أنا حزينةٌ لأنَّ أمِّي لا تُعدُّ لنا الإفطار والسحور، وأبي جريحٌ لا يقدر على العمل.. أُمِّي وإخوتي ذهبوا شهداء.. الله يرحمهم".
ويأمل والد ألماظة، لإبراهيم السموني الذي أُصيبَ بشظايا قذيفةِ دبابةٍ قتلت زوجته وأولاده، وهدمت بيته، إلى جانب عشرات المنازل المُهدَّمة في منطقته في حي الزَّيتون شرق غزة، في أنْ تبدأ عمليَّة إعادة إعمار غزة ليعيد بناء بيته، كما يأمل في أنْ يتمكَّن من تعليم ابنته لتصبح محاميةً تدافع عن حقوق المظلومين.
الوالد أحمد عبد ربه من سكان جباليا يقول مستذكرًا عائلته التي فقدها بالكامل: "شهر رمضان يفتح الجرح ويذكرنا بمصيبتنا.. زوجتي وأولادي وإخوتي وأعمامي وأولادهم.. كلهم استشهدواأ وبيوتهم دُمِّرَت.. الأيام الحلوة راحت".
ويضيف: "لا طعم لشهر رمضان ولا لأي شيءٍ بعد الحرب في غزة.. الحصار دمَّرنا ولا توجد أجواءٌ رمضانيةٌ.. في السوق لا بضائع ولا حاجات الشهر الفضيل، وإذا وجدت بضائع فهي بأسعارٍ جنونيَّةٍ".
وتقضي المئات من العائلات الغَزيَّة شهر رمضان من إفطارٍ وسحورٍ فوق أنقاض منازلها التي دمرها الاحتلال الصهيوني إبَّان الحرب الأخيرة، بينما تعرقل إسرائيل إعادة إعمار غزة منذ انتهاء الحرب؛ حيث تفرض حصارًا مشدَّدًا على قطاع غزة، وتمنع دخول مواد البناء الَّلازمة لإعادة الإعمار.
الحاج توفيق عبد ربه "62عامًا" يجلس بجانب أنقاض منزله المُدَمَّر، ورغم مرور سبعة أشهر لا يستطيع تفسير منطلق رغبته في القدوم لمشاهدة الرُّكام.
وتتملك عبد ربه حالة اليأس هو وكافة أصحاب البيوت المُدمَّرة في عزبة عبد ربه إذا ما طرح موضوع إعادة الاعمار، خاصَّة وأنَّه لا حلولَ تلوح في الأفق منذ انتهاء الحرب.
يستذكر الحاج عبد ربه أجواء شهر رمضان في السَّابق قائلاً: "كنا نستقبل رمضان، وكلنا فرحةٌ وأملٌ، لأنَّنا بلغنا هذا الشَّهر، أمَّا اليوم فهذه المناسبة تُجدِّد أحزاننا".
ويتابع: "منذ أيامٍ قليلةٍ عادت إلى ذاكرتي صورة أبنائي وأحفادي، ونحن نجلس على سُفرةٍ رمضانيَّةٍ واحدةٍ، نأكل، ثُمَّ نصلي المغرب جماعةً، ونتسامر، ونشاهد التلفاز، لقد كانت أيامٌ رائعةٌ، ولا اعتقد أنِّي سأعيشها مجدَّدًا.. ما ظل بالعمر قدر ما راح".
وأكد أنَّ أسرته تعيش الآن مُشتَّتةٌ فى بيوتِ الإيجار وبيوت الأقارب، وأضاف أنَّ رمضان سيكون هذا العام من أصعب الأوقات التي مرَّت عليهم.
المواطن محمد الشاعر لم يتخيل يومًا أنْ تتحوَّل حياتُه إلى كابوسٍ بعد أنْ تحوَّل منزله إلى جزءٍ من الماضي، ويضيف الشاعر وقد بدت على وجهه ملامح الحزن والحسرة الممزوجة بالصَّبر والصُّمود: "رمضان سيكون قاسٍ جدًّا، وسيُجدِّد أحزان أُسرتي بمجملها فقد كانت زوجتي تُعدُّ الولائم وأجمل الأكلات الرمضانيَّة، وتهتم بكافَّة التَّفاصيل ابتداءً من الأثاث، وانتهاءً بأدوات الطَّعام".
وتابع بصوتٍ ملؤه الحزن: "كان رمضان مناسبةً تُضفي على بيتي الكثير من التَّغيير والحيويَّة، أمَّا الآن فزوجتي لا تجد شيئًا مناسبًا لتقديم الطعام، سنحتفل بمزيدٍ من الدُّموع والحسرةِ على تعب سنواتٍ طويلةٍ من الغُربة حطَّمها الاحتلال بصواريخه".
فى حين تستقبل أم محمد السلطان أحد ساكني مخيم العزَّة للإيواء رمضان في ظروفٍ حياتيَّةٍ لا تُطاق وتفتقد الحد الأدنى من وسائل الحياة المعروفة.
وتقول أم محمد لـ(اتِّجاهات) إنَّها تضطر يوميًّا لقضاء جزءٍ كبيرٍ من نهارها في منزل أقاربها، ولا تدرك ماذا ستفعل خلال شهر رمضان، ولا كيف سيكون شكل حياتها، بعد أنْ فقدت كل ما تملك في بيتها المدمر.
وتضيف لن أستطيع شراء فوانيس لأبنائي، فالحالة الماديَّة التي تحياها أُسرتي في غاية الصُّعوبة، فقد جرَّفوا الأراضي الزِّراعيَّة التي كنا نعيش من خيرها، ومنذ انتهاء الحرب لم يدخل إلى جيب زوجي مليمٌ واحدٌ!
وبحسب تقاريرٍ فلسطينيَّةٍ ودوليَّةٍ متطابقةٍ، فإنَّ قوات الاحتلال الصهيوني دمرت نحو أربعة آلاف منزلٍ بشكلٍّ كليٍّ، من بينها 500 منزلاً تمَّ تدميرها بواسطة الصواريخ الجوية، والبقيَّة تمَّ تجريفها، فيما أصيب أكثر من 16 ألفَ منزلٍ أخرى بأضرارٍ متفاوتةٍ...

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح