يقلم- أحمد التَّلاوي
تنامى الحديث في الفترة الأخيرة عن ملف المعونة الأمريكيَّة لمصر، وازدادت إلحاحيَّة هذا الحديث في الفترة الأخيرة بعد دخول هذا الملف إلى بند المساومات السِّياسيَّة بين البلدَيْن، والتي توجها قرار الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، والخاص بفاتورة المعونة الأمريكيَّة للعام 2009م، والتي تضمَّنت الموافقة على حسم مبلغ 100 مليون دولار أمريكي من المعونة العسكريَّة الأمريكيَّة السنويَّة لمصر، ليصل إجمالي المعونة الأمريكيَّة لمصر العام الحالي حوالي 1.5 مليار دولار، بمعدل 300 مليون كمساعداتٍ اقتصاديَّةٍ، و1.2 مليار دولار مساعدةً عسكريَّةً، نزولاً من مستوىً سنويٍّ ثابتٍ، وهو 1.3 مليار دولار.
والرَّقم يقل بنسبة 12% عن قيمة المساعدات الأمريكيَّة لمصر في العام الماضي 2008م؛ حيث تلقَّت مصر مبلغًا قدره 1.71 مليار دولار، وقد بلغ حجم المعونة الأمريكيَّة لمصر مُنذ كامب ديفيد وحتى الآن، حوالي 60 مليار دولار.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ ملف المعونة الأمريكيَّة لمصر شهد العديد من المماحكات خلال السَّنوات الماضية، وكانت دوائر اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكيَّة والكونجرس الأمريكي يضغطون باتِّجاه تقليص المساعدات المُقدَّمة لمصر، التي تُعتبر ثاني أكبر متلقٍّ للمعونات الأمريكيَّة في العالم بعد الكيان الصُّهيونيِّ.
وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يفرض فيها الكونجرس والإدارة الأمريكيَّة الرَّاحلة عن البيت الأبيض لونًا من ألوان العقوبات على مصر؛ حيث إنَّ التَّناقص الموجود في المعونة الاقتصاديَّة هو متفقٌ عليه من قبل في ترتيبات كامب ديفيد؛ حيث كان من المتفق عليه سلفًا بين القاهرة وواشنطن، بأنْ يتم تقليصها سنويًّا في حدود 10% حتى يتم الاستغناء عنها تمامًا بحلول العام 2020م.
وهناك مقترحاتٌ مصريَّةٌ بتحويل هذه الأموال- المعونة الاقتصاديَّة- إلى وديعة يتم الإنفاق منها، على أنْ يُستغل عائدها لمدة عشر سنوات، وبذلك تأخذ مصر عائد الوديعة فقط، وهو الاقتراح الذي تقدَّمت به فايزة أبو النَّجا وزيرة الدَّولة للتَّعاون الدَّوليِّ في ديسمبر من العام 2007م، ورفضه الأمريكيُّون، كما أنَّ هناك اتِّجاه يدعم استبدال المعونة بإطارٍ آخر هو اتِّفاق التجارة الحرة بين مصر والولايات المُتَّحدة، وهو ما تساوم عليه واشنطن القاهرة في الوقت الرَّاهن.
أمَّا التقليص الذي شمل 100 مليون دولار من المعونة العسكريَّة له دلالة عقابية لمصر؛ لأنَّ المعونة العسكريَّة لمصر ثابتة، وهي لتحقيق مجموعة من الأهداف، ومن أهمَّها:
ضمان ثبات مستوى الجيش المصري عند حدٍّ معيَّنٍ؛ بحيث يضمن استقرار الوضع العام في مصر.
ضمان متابعة جزء من أنشطة التَّسليح والتَّدريب في القوَّات الُمسلَّحة المصريَّة، والتي يتم تنسيقها وتمويلها من أموال المعونة.
ضمان تحويل العقيدة العسكريَّة للقوَّات المصريَّة للعقيدة العسكريَّة الغربيَّة.
ضمان ولاء بعض قيادات القوَّات المسلحة للسياسات الأمريكيَّة، وكذلك ضمان تأييد القوات المُسلَّحة المصريَّة للسِّياسات الأمريكيَّة في الشرق الأوسط.
ضمان الاتِّصال بالجهاز العسكريِّ المصري، وهو جهاز كُفء بالفعل، ويعتبر مدرسةً عسكريَّةً دوليَّةً موثوقًا فيها، وتعتبر مناورات النَّجم الساطع التي كانت تنظَّم كل عامَيْن بين القوات المصريَّة والأمريكيَّة في مدينة مبارك العسكرية في شمال الجمهوريَّة- تابعة لنطاق المنطقة العسكريَّة الغربيَّة- إحدى أهم المناسبات العسكريَّة في العالم.
دعم الجهاز العسكري المصري، والذي يُعتبر أحد أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط بحسب تقديرات الخبراء الأمريكيِّين، وهو "جهاز تقدُّمي" بحسب تقارير معهد الأمن العالمي الأمريكيِّ.
ومخاطر المس بالمعونة العسكريَّة تقع في مستويَيْن، سِّياسيِّ وعسكريِّ، باعتبار أنَّ المعونة العسكريَّة جزءٌ محسوسٌ من موازنة الدِّفاع المصريَّة- نحو 20% من موازنة الدفاع في مصر بحسب ما هو معلنٌ- والحسم منها، قد يؤثِّر على خطط التَّدريب والتَّسليح في الجيش المصريِّ، كما أنَّها ستعني على المستوى السِّياسيِّ مُؤشِّرٌ على تدهور العلاقات ما بين مصر والولايات المُتَّحدة، وهو ما يمسُّ بدوره خُطَط التَّحديث والتَّدريب المشتركة، كما أنَّه سيعني بعض الضِّيق داخل الجيش نتيجة نقص التَّمويل، وقد تنقلب هذه الأمور إلى ضغوط يمارسها على النِّظام الحاكم في مصر.
ولكن لا يمكن الحديث عن وجود شبهات خاصَّة بأموال يحصل عليها كبار ضباط وقادة القوَّات المسلَّحة من وراء المعونة، أو من وراء صفقات السلاح الأمريكي.
والمستهدف الأمريكي بالطَّبع هو أمران: ملف أمن الحدود مع الكيان الصُّهيونيِّ، بجانب موضوع الإصلاح وحقوق الإنسان في مصر.
وفي الحقيقة فإنَّ الخطوة الأمريكيَّة في شأن المعونة العسكريَّة في مصر، تعود إلى ضغوط القضايا التَّالية على النِّظام المصريِّ:
حبس رئيس حزب الغد السَّابق الدُّكتور أيمن نور، والذي أفرج عنه بعد رحيل الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة.
قضيَّة الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم رئيس مركز دراسات ابن خلدون للدِّراسات الإنمائيَّة، والذي كان محكومًا عليه بالسِّجن عامَيْن، بتهمة الإضرار بالمصالح القوميَّة المصريَّة، ولكن، وعلى غرار قضيَّة أيمن نور، تمَّ إسقاط الحكم عن إبراهيم كـ"هدية مودَّة" للإدارة الأمريكيَّة الجديدة.
نجاح الدَّعاية الإخوانيَّة في الخارج، وبالذَّات في الولايات المُتَّحدة، مع وجود دورٍ مرسومٍ للإخوان المسلمين في خطط الإدارات الأمريكيَّة فيما يتصل بالتَّصدِّي للتَّنظيمات المُتطرِّفة وفكرها.
تزايد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
عدم استجابة مصر بالشَّكل الكافي للمطالب الإسرائيليَّة فيما يخص أمن الحدود.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ المعونة الأمريكيَّة قد خدمت الولايات المتحدة أكثر مما خدمت مصر طيلة العقود الثَّلاثة التي ظلَّت فيها الولايات المتحدة تدفع لمصر فيها المعونة سنويًّا، فأصول المعونة الماليَّة لا يتم إنفاقه مُباشرة من جانب الحكومة المصريَّة، بل توضع في حسابٍ جارٍ باسم الحكومة المصريَّة يتم السَّحب والإنفاق منه بإشرافٍ وتوجيه من هيئة المعونة الأمريكيَّة الدَّوليَّة، التي تبحث أوجه الإنفاق والمشروعات التي تطلب الحكومة المصرية أموال المعونة لأجلها، اقتصاديَّة وعسكريَّة.
وفي هذا الإطار يتم صرف جزء من المعونة في شراء معدات أمريكيَّة ودفع رواتب للخبراء الأمريكيِّين والموظَّفين الفيدراليِّين الَّذين يأتون لمصر للرقابة والإشراف.
كما أنَّ الولايات المُتَّحدة تحصل على ثمن سياسي وأمني يتمثَّل في مساعدة واشنطن دبلوماسيًّا وأمنيًّا في سياساتها ضد الإرهاب، ورعاية المصالح والسياسات الأمريكيَّة في منطقة الشَّرق الأوسط، مثل الضَّغط على الدِّول العربيَّة لقبول بعض السياسات الأمريكيَّة، ولا سيما التطبيع مع إسرائيل، كما تمَّ استخدام أموال المعونة الأمريكيَّة في تغيير مناهج التعليم، ولا سيما في الأزهر الشريف، مع إعطاء امتيازات خاصة للمنتجات الأمريكيَّة في السوق المصري، مع الاشتراط ألا تُستَخدم المعونات والمساعدات الأمريكيَّة ضد إسرائيل وحلفاء الولايات المُتَّحدة وأصدقائها بصفةٍ عامةٍ.
كما يتم استغلال المعونة في نشر القِيَم الِّليبراليَّة الغربيَّة عن طريق برامج التَّمكين الاجتماعيِّ للفتيات والمرأة في الصعيد والوجه البحري، وكذلك العبث في مناهج التَّعليم كما سبق القول.
ووفق الأرقام الصادرة عن مجلس الوزراء، فإنَّ 80% من المعونات تعود إلى الدِّول المانحة، والمعونة الأمريكيَّة لمصر ليست استثناءً منها.
أهمِّيَّة المعونة الأمريكيَّة
ليست القضيَّة في موضوع الاستغناء عن المعونة في ضآلة المبلغ، ولكن القضيَّة هي أنَّ المعونة الأمريكيَّة هي جزء من العلاقات السِّياسيَّة والاستراتيجيَّة المصريَّة- الأمريكيَّة، التي تصب لصالح الدَّولتَيْن.
فالمعونة الأمريكيَّة تقلَّصت بأكثر من 20% في غضون العقود الماضية، كما أنَّها الآن لا تُشكِّل أكثر من 2% من الناتج القومي المصريِّ الإجماليِّ، وخاصَّة بعد زيادة قدرة مصر الاقتصاديَّة من حيث الاستثمارات ومن حيث زيادة حجم الصَّادرات، وعلى ضوء مُعدَّل النُّمو الذي وصل إلى أكثر من7%، وزيادة احتياطي النَّقد الأجنبيِّ في مصر إلى مستواه القديم القريب من 30 مليار دولار.
لكن المعونة لا تحسب بالكم، ولكن تحسب بأهمِّيَّة تلك العلاقات، فعلى الجانب الاقتصاديِّ هذه المعونة ليس لها شكلٌ واحدٌ من أشكال المساهمة الأمريكيَّة في الاقتصاد المصري، ولكن هناك مساهمات أخرى في شكل معونات فنيَّة، أو في شكل تدفُّقٍ للاستثمارات، والمساعدة على النَّفاذ للأسواق، فالاستثمارات الأمريكيَّة في مصر تبلغ حوالي 11 مليار دولار، بينما حجم التِّجارة البينيَّة وصل إلى مستوى الخمسة مليارات دولار، كما أنَّ الولايات المتحدة تملك مفاتيح نفاذ السِّلع المصريَّة للأسواق الأوروبيَّة.
على المستوى السِّياسيِّ من الممكن أنْ يتعرَّض النِّظام المصريِّ لمُضايقات كثيرة أبسطها ضغوط القوَّات المُسلَّحة، وتنشيط المعارضة المصريَّة ضد الدولة، ومساعدتها على إسقاط النِّظام، أو إضعافه على الأقل، وإغراق البلاد في فوضى سياسيَّة، وليست أمنيَّة؛ لأنَّ إغراق مصر في فوضى أمنيَّة ليس من مصلحة أحد.
كما أنَّه من الممكن ممارسة بعض الضُّغوط في ملفَّاتٍ تتعلَّق بالأمن القومي المصري مثل العلاقات مع الكيان الصُّهيونيِّ، وكذلك العلاقات الاستراتيجيَّة بين مصر والاتحاد الأوروبيِّ، وعلى الجانب الآخر فإنَّ البديل غير كُفء، فلا يُمكن في ظل الخبرة السُّوفيتيَّة مع مصر وسوريا، والخبرة الرُّوسيَّة مع إيران التَّعويل على موقفٍ روسيٍّ بديلٍ، كما لا يُمكن القول إنَّ روسيا لديها ذات مُميزات العلاقات مع الولايات المُتَّحدة، فلا روسيا لديها القدرات الاقتصاديَّة أو التَّأثير السِّياسيِّ للأمريكيِّين، وذات الشَّيء يُقال على الصِّين والهند، وكلها بلدان بدأت أصلاً في التَّوجُّه في مصالحها إلى الولايات المُتَّحدة، فالولايات المُتَّحدة مثلاً الآن شريكٌ تجاريٌّ أساسيٌّ للصِّين، وتدعم البرنامج النَّووي والعسكري الهندي.
وفي نقاط نُشير إلى الآتي:
الكلام عن "منع المعونة الأمريكيَّة"، سيناريو افتراضي وغير مقبول، فالمعونة ليست شيئًا شخصيًّا ومعطيات اتخِّاذ القرار في أي ملفٍّ من ملفات الأمن القومي، تختلف عن معطيات رؤية الأفراد والجماعات السِّياسيَّة، على قصور ما هو مُتاحٍ لديها من معلوماتٍ.
القول بأنَّ المعونة الأمريكية "مِـنحة أو عطية أو هِـبة" من الولايات المُتَّحدة لمصر، أمرٌ باطلٌ وفق ما تقدَّم، كما أنَّ المعونة جاءت طِـبقًا لمعاهدة السَّلام المُوقعة بين مصر وإسرائيل، وذلك لأنَّ الإدارة الأمريكية كانت تُـزوِّد إسرائيل بشكل مُـستمرٍ بالسِّلاح والمعونات، ممَّا يُتيح لها تكرار العدوان على مصر، ومن خلال المعونة الأمريكيَّة تمَّـت المحافظة على توازن الرّدع بين مصر وإسرائيل بالحدّ المعقول والمقبول.
ورفض المعونة لا يعني نقض الاتفاقيَّة، ولكن المعونة هي تكمِـلة للاتِّفاقية، ولذلك فإنَّ فتح ملف المعونة سيعني بدوره المساس بملف اتِّفاقيَّة كامب ديفيد، لذلك فإنَّ قرار الرَّفض غير منطِـقي، كما أنَّ واشنطن- بدورها- لا تستطيع اتِّخاذ قرار بوقف المعونة بكاملها؛ لأنَّ ذلك يعني خسارة مصر كحليفٍ استراتيجيٍّ هو الأهم في المنطقة وربَّما من الأهم عالميًّا.
المساس بالمعونة يعني البحث عن مصدر جديد للسِّلاح، وسوق التَّسليح في العالم مرتبطة بالعلاقات السِّياسيَّة أساسًا، والسِّلاح الشَّرقي حاليًا باستثناء السِّلاح الرُّوسي ضعيف، وغير كُفء في مواجهة السِّلاح الأمريكيِّ لدى إسرائيل، وتوجُّه مصر تجاه روسيا بالكامل الآن ليس في مصلحة أحد.
كيف يتم التَّعامُل.؟!
أثارت عدد من القوى السِّياسيَّة في مصر ملف المعونة، وضرورات العمل على تحجيم قدرتها على التأثير على القرار السياسي والاقتصادي المصري، وفي هذا الإطار، لا يمكن لإستراتيجيَّة أحادية الجانب أو الطَّبيعة التَّعامُل في هذا الملف.
ولذلك، فإنَّ طرح ملف المعونة أمام أمام مُمثِّلي الخارجيَّة والأمن القومي والقوات المسلحة المصريَّة، ومُؤسَّسات الدَّولة الأخرى، يجب أنْ يكون متعدد الأبعاد، على النَّحو التَّالي:
اقتصاديًّا:
1. البحث عن مدى لمساومة الأمريكيِّين في أموال المعونة، وإظهار أنَّ مصر ليست في حاجة للأموال الأمريكيَّة [بديل قناة السويس/ البحث عن استثمارات صينيَّة، وبخاصَّة في مجالات النَّفط والطَّاقة/ المزيد من مشروعات الطَّاقة مع سوريا وفلسطين [مُهمَّة جدًّا للاعتبارات الخاصَّة بحركة حماس] ودول الجوار الأخرى/ فتح أسواق للمنتجات المصريَّة في الشرق الأقصى واستقطاب الاستثمارات المُحايدة سياسيًّا مثل الماليزيَّة والإندونيسيَّة].
2. تعديل وجهات إنفاق المعونة الأمريكيَّة إلى مجالات هامشيَّة أو غير محوريَّة؛ بحيث لا يكون سحبها مؤثِّرًا على قطاعاتٍ اقتصاديَّةٍ هامَّةٍ، متى تمَّ سحبها، وهو ما سوف يفهم الأمريكيِّين جيِّدًا دلالاته.
سياسيًّا:
التَّوجيه أو الاقتراح ببعض التَّحوُّل المدروس في السِّياسة المصريِّ، بشكلٍ يُقلق، ولكنَّه لا يستدعي رد فعل الطَّرف الآخر: تحسين العلاقات مع حركة حماس دون التَّطبيع الكامل/ زيارات لروسيا والصِّين، وتحسين مستوى العلاقات مع القوى الدَّوليَّة الأخرى الرَّاغبة في لعب دورٍ في الشرق الأوسط وأفريقيا/ تقليص مساحة التَّطبيع الاقتصاديِّ مع إسرائيل.. إلخ
وهنا يجب ملاحظة أمر، وهو أنَّ نجاح الوساطة المصريَّة في موضوع الحوار الوطني الفلسطينيِّ، يصب في اتِّجاه معاندة إسرائيل والولايات المُتَّحدة؛ حيث إنَّ ذلك معناه اعتراف وتثبيتٍ مصريٍّ وفلسطينيٍّ رسميٍّ لوضعية حماس كجزء من معادلة السِّياسة الفلسطينيَّة لا يمكن حذفه.
والملاحظ أنَّ تولِّي جهاز المخابرات العامَّة المصريَّة لهذا الملف يعني أمام إسرائيل والولايات المُتَّحدة دلالاتٌ بالغةُ الأهمِّيَّةُ، في أنَّ أعلى مُؤسَّسة في نظام الحكم هي التي تتولَّى تثبيت أعداء إسرائيل في أماكنهم، فالمشروع المصري ينص على انتخابات جديدة مثلاً، يمكن لحماس الفوز بها، ولم يقل مثلاً على حماس ترك مواقعها، والعودة إلى مرحلة ما قبل انتخابات يناير 2006م.
عسكريًّا:
إفهام الأمريكيِّين أنَّ المساس بالمعونة العسكريَّة لا يضر مصر بقدر ما يضر الأمن القوميِّ الأمريكيِّ والصُّهيونيِّ، والمصالح الأمريكيَّة العامَّة في المنطقة، مع العمل على إيجاد بدائل تسليح جيِّدة وسرِّيَّة.
خلاصة:
تظل هذه الرُّؤى في النَّهاية كلها مجرَّد اجتهادات مطروحةٌ أمام صانع القرار المصريِّ، كما أنَّها تخضع في الكثير من جوانبها لتقييماتٍ تكنوقراطيَّة أو فنِّيَّة؛ حيث يظل للجانب السياسي وقراره القول الفضل في نهاية الأمر في هذا المقام.
وإنْ كان من المُرجَّح أمام كثيرٌ من المراقبين أنْ يتراجع ملف المعونة الأمريكيَّة في أدوات السِّياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة تجاه مصر في المرحلة المقبلة، لعددٍ من العوامل، من بينها تحسُّن العلاقات الأمريكيَّة المصريَّة مع مجيء إدارةٍ أمريكيَّةٍ جديدةٍ، راجعت أولويَّاتها في الشرق الأوسط والعالم، ونحَّت جانبًا ملف حقوق الإنسان والإصلاح في مصر لحساب ملفَّاتٍ أخرى، من بينها مكافحة ما يُعرف بـ"الإرهاب"، وتحسين مستوى الأمن على الحدود بين مصر وكلٍّ من قطاع غزة وإسرائيل.
وفي كلا الملفَيْن، مكافحة "الإرهاب" وأمن الحدود، فإنَّ الحكومة المصريَّة ناجحةٌ للغاية، كما هو واضحٌ من مؤشراتٍ من بينها ازدياد التَّنسيق الأمنيِّ بين القاهرة وواشنطن فيما يخص مُتابعة العناصر والتَّنظيمات الأصوليَّة، وتزايد مساحة الزِّيارات المسموح للمسئولين الدِّبلوماسيِّين والعسكريِّين الأمريكيِّين القيام بها عند الحدود مع قطاع غزة والكيان الصهيوني، وتشديد السُّلطات المصريَّة لإجراءاتها الأمنيَّة على الحدود، وخصوصًا فيما يتعلق بالأنفاق التي تربط ما بين رفح المصريَّة وشقيقتها الفلسطينيَّة في قطاع غزة، والاستمرار في إغلاق معبر رفح، كجزءٍ من إجراءاتٍ تطالب بها إسرائيل والولايات المتحدة، القاهرة لمنع إدخال السِّلاح إلى قطاع غزة.
ولذلك فإنَّ الخارجيَّة الأمريكيَّة قرَّرت إلغاء التَّمويل السَّنوي الذي كان يُمْنَح لبعض منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني في مصر، كما كانت زيارة الرَّئيس المصري حسني مبارك الأخيرة إلى واشنطن خاليةً تمامًا من أيَّة "مُنغِّصاتٍ ديمقراطيَّة" تُقلق ذهن النِّظام المصري الحاكم!!...











0 تعليقات:
Post a Comment