يقلم- علاء عياد
شهدت العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة مرحلةً من التَّوتُّرات والانقسامات، والشَّدِّ والجذبِ غير المعهود في العلاقات بين البلدَيْن بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م، وقد بدأ هذا التَّوتُّر منذ السَّنوات الأولى لإدارة الرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، بعد تبنِّيه أجندة نشر الدِّيمقراطيَّة ولو بالقوة في العالم- مع تحفظنا على الفكرة ومدى مصداقيَّة الإدارة الأمريكيَّة فيها- مع ما صاحب ذلك في صدد ربط جزءٍ من المعونة الأمريكيَّة لمصر بمدى التزامها بتنفيذ المطالب الأمريكية فيما يخص الدَّاخل والخارج، الفلسطيني تحديدًا، ليتوقف الرئيس المصري عن زيارة العاصمة الأمريكية منذ العام 2005م.
وتدهورت العلاقات أكثر مع إلقاء القبض على الدكتور أيمن نور مُؤسِّس حزب الغد، ومرَّشح الرَّئاسة في انتخابات العام 2005م، وأحد منتقدي الرَّئيس؛ حيث أجلت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة في ذلك الحين كوندوليزا رايس زيارةً كان من المقرر أن تقوم بها إلى مصر، وعندما زارت القاهرة في يونيو 2005م، ألقت خطابًا سياسيًّا حول الدِّيمُقراطيَّة.
وزاد هذا التَّوتُّر مع موافقة الكونجرس الأمريكي، في ديسمبر 2007م، على مشروع قانون لتجميد 100 مليون دولار من المساعدات العسكريَّة السَّنويَّة المُقدَّمة لمصر؛ إلى أنْ تستجيب مصر لثلاثة طلباتٍ أساسيَّةٍ هي:
- أولاً: إغلاق الأنفاق على الحدود المصرية مع قطاع غزة، والتي يتم من خلالها تهريب الأسلحة إلى غزة وإسرائيل.
- ثانيًا: إعادة تأهيل وتدريب الشُّرطة المصريَّة للتَّعامُل مع مسائل حقوق الإنسان.
- ثالثًا: الفصل بين ميزانيَّة وزارة العدل والقضاء المصريِّ.
ومع تولي إدارة الرَّئيس الدِّيمقراطيِّ باراك أوباما زمام الأمور، اتخذت مصر اجراءات تؤكد رغبتها في فتح صفحةٍ جديدةٍ مع الادارة الجديدة، بدأتها مصر بتنفيذ مطالب أمريكية قديمة بالإفراج عن أيمن نور وإسقاط الاتهامات الموجهة ضد الناشط المصري الأمريكي الدُّكتور سعد الدِّين إبراهيم، كخطوةٍ تسبق استقبال الرئيس المصري حسني مبارك في البيت الأبيض.
وقد أكَّدت دوائرٌ إعلاميَّةٌ وسياسيَّةٌ أمريكيَّةٌ ذلك؛ حيث جاء في افتتاحيَّة جريدة (واشنطن بوست)- المُقرَّبة من البيت الأبيض- في 16 فبراير الماضي: "إنَّه (الرئيس المصري حسني مبارك) سيكون موضع ترحيبٍ في البيت الأبيض فور إسقاط الاتهامات المُوجَّهة إلى سعد الدِّين إبراهيم، والإفراج عن مرشح الرئاسة السَّابق أيمن نور، هذه هي الخطوات البسيطة والصَّغيرة التي ينبغي على مبارك أنْ يتبعها إذا ما أراد أنْ يحظى بمقابلة الرئيس الجديد".
وأفرجت السُّلطات المصريَّة عن أيمن نور بعد يومَيْن من نشر الافتتاحيَّة، كما ألغى الحكم الصَّادر عن محكمة أوَّل درجةٍ، بمعاقبة سعد الدِّين إبراهيم بالحبس سنتَيْن مع الشُّغل، وكفالة 10 آلاف جنيه في قضيَّة تشويه سمعة مصر والإضرار بمصالحها القوميَّة، وكان ذلك في نفس يوم زيارة كل من أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري والوزير عمر سليمان مدير المخابرات العامَّة لواشنطن، والتي كانت تُعْتَبر أول زيارةٍ لمسئولٍ عربيٍّ لواشنطن بعد تولى إدارة الرئيس أوباما.
في المقابل كشف تقرير صادر عن برنامج الديمقراطية في الشرق الأوسط، نشره معهد الأمن العالمي، أنَّ قضيَّة الدِّيمقراطيَّة والحُكم في مصر لم تعد أولويَّةً في العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة، ودلَّل على ذلك بانخفاض مستوى التَّمويل الأمريكي للديمقراطية والحكم الرشيد الموجهة إلى مصر في ميزانيَّة العام المالي الحالي 2009م من 54.8 مليون دولار في العام المالي 2008م إلى 20 مليون دولار في العام المالي 2009م.
وانعكس هذا الانخفاض على الأموال المُخصَّصة لمُؤسَّسات المجتمع المدني، والتي كانت تُقدَّر بــ31.75 مليون دولار في ميزانية العام المالي 2008م، ولكنَّها انخفضت في ميزانيَّة العام الماضي إلى 7.3 مليون دولار، وتصل في ميزانية العام المالي القادم إلى 7 مليون دولار فقط.
وهذا وقد طلبت الحكومة المصرية من نظيرتها الأمريكيَّة عدم تقديم الدَّعم إلى المُنظَّمات غير المُسجَّلة من قِبَلِ الحكومة المصريَّة على أنَّها منظماتٌ غير حكوميَّةٍ، منها منظماتٌ محليَّةٌ ودوليَّةٌ غير مُسجَّلةٍ من قِبَلِ الحكومة المصريَّة على أنَّها منظماتٌ غير حكوميَّةٍ مثل "بيت الحُرِّيَّة" أو "الفريدوم هاوس" و"المعهد الجمهوريِّ الدَّوليِّ"، و"المعهدُ الدِّيمُقراطيُّ القوميُّ للشُّئون الدَّوليَّة".
ومنذ أنْ وصل أوباما إلى البيت البيض في العشرين من يناير الماضي، وقبل زيارة مبارك الأخيرة إلى واشنطن، التقى الرئيسان المصري والأمريكي مرتَيْن، الأولى في القاهرة عندما استقبل الرَّئيس مبارك الرَّئيس الأمريكي بقصر القبة بالقاهرة، خلال زيارة أوباما لمصر في الرَّابع من يونيو الماضي، أمَّا الِّلقاء الثَّاني الذي جمع بينهما، فكان في يوليو الماضي في مدينة لاكويلا الإيطاليَّة على هامش قمة مجموعة الثماني، وتعد زيارة الرئيس مبارك لواشنطن أغسطس الجاري ثالث لقاء لهما.
ويستند اهتمام أمريكا في فتح صفحةٍ جديدةٍ في العلاقات مع مصر إلى الرَّغبة في حل الصِّراع العربيِّ- الإسرائيليِّ؛ لأنَّه لا يُمثِّل تهديدًا لمنطقة الشرق الأوسط فقط، ولكن للعالم أيضًا، فمصر من خلال نشاطها في التَّوسُّط بين الفصائل الفلسطينيَّة تُعتَبَر أفضل شريكٍ لأمريكا لإنهاء هذه الملف المُعلَّق منذ عقودٍ.
كما أنَّ استقرار منطقة الخليج العربي، لما تذخر به من احتياطاتٍ نفطيَّةٍ، واحتواء الثَّورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة والحد من تَمدُّدها خارج حدودها، فرض على واشنطن البحث عن طرفٍ يلعب دورٌ حيويٌّ في وقف تمدُّد النُّفوذ الإيرانيِّ في المنطقة وتهديد المصالح الأمريكيَّة.
ولا يعني تحسن العلاقات الأمريكية- المصرية على الوجه المنظور الآن، استمرار ذلك خلال إدارة أوباما، فقد يشوبها بعض حالات التَّوتُّر، نظرًا لدور الُّلوبيِّ الصُّهيونيِّ ذي التأثير الكبير على صانعي القرار الأمريكي، لاسيما لجنة الشُّئون العامَّة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة (AIPAC)، والسَّاعي إلى ربط التَّحسُّن في العلاقات الأمريكيَّة- المصريَّة بعددٍ من الإجراءات، أهمُّها وقف تهريب الأسلحة من الأراضي المصريَّة إلى الأراضي الفلسطينيَّة عبر الأنفاق "السِّرِّيَّة".
وقبل زيارة الرئيس المصري للعاصمة الأمريكية وقَّع 71 سيناتور بمجلس الشيوخ الأمريكيِّ الذي يضم مائة سيناتور، على خطابٍ دعوا فيه الرئيس أوباما إلى الضَّغط على القادة العرب من أجل التَّطبيع مع إسرائيل، والى إنهاء مقاطعتهم لإسرائيل، وأنْ يتقابلوا علنًا مع المسئولين الإسرائيليِّين وإصدار تأشيرات لدخول المواطنين الإسرائيليِّين للدول العربية، بجانب دعوة الإسرائيليِّين إلى المشاركة في المؤتمرات والنَّدوات الأكاديميَّة وفي الأنشطة الرِّياضيَّة، وغير ذلك من مظاهر التَّطبيع.
رأي المحافظين الجُدُد
كان ملف الدِّيمُقراطيَّة وحقوق الإنسان هو الملف الطاغي على نقاشات المجموع السِّياسيِّ في الولايات المتحدة خلال زيارة مبارك الأخيرة إلى هناك، وكانت هناك انتقاداتٌ جمهوريَّةٌ لإدارة الرَّئيس الأمريكيِّ باراك أوباما وصلت لدرجة أنْ أحد رموز المحافظين الجدد قالوا إنَّ أوباما "نَسِيَ الدِّيمُقراطيَّة" عند زيارة مبارك.
هذا المسئول هو إليوت أبرامز، الذي كان مستشارًا للأمن القوميِّ لشئون الشَّرق الأوسط في البيت الأبيض في إدارة الرئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن، وفي تصريحاته قال إنَّ إدارة أوباما ربطت أجندة الدِّيمُقراطيَّة ودعم حقوق الإنسان في العالم العربي خصوصًا في مصر والسعودية وسوريا بالرئيس السَّابق بوش الابن "لذا يرفضونها".
وقال إنَّ إدارة أوباما لا تمتلك سياسةً حقيقيةً لنشر الاحترام لحقوق الإنسان في العالم و"إنَّ الإدارة تضع حقوق الإنسان في منزلةٍ ثانويَّةٍ لأهدافٍ أُخرى"، مثل القضيَّة الفلسطينية؛ حيث قال أبرامز وهو يهودي في الأصل، إنَّه في الشَّرق الأوسط على سبيل المثال، "قرروا (إدارة أوباما) أنْ يسعوا إلى اتفاقٍ إسرائيليٍّ فلسطينيٍّ بأيِّ ثمنٍ".
وأضاف أبرامز في تصريحاته التي نشرتها مجلَّة (فرونت بيدج ماجازين) الأمريكيَّة، المُقرَّبة من دوائر المُحافظين الجُدُد أنَّ "هذا يعني أنَّ علاقاتنا بمصر معنيةٌ فقط بالشئون الإسرائيليَّة الفلسطينيَّة، وليس بمصر في حد ذاتها كبلدٍ"، مؤكدًا أنَّ "حقوق الإنسان والدِّيمُقراطيَّة في مصر تحوَّلت (لدى إدارة أوباما) لمسألةٍ صغيرٍة، مسألةٍ هامشيَّةٍ"، مضيفًا أنَّ "أوباما نَسِيَ أمر الدِّيمُقراطيَّة إلى حدٍ كبيرٍ".
وتابع أبرامز أنَّ الرئيس الأمريكي "لم يتفوه بكلمة "الحُرِّيَّة" أو كلمات مثل الدِّيمُقراطيَّة وحقوق الإنسان والانتخابات الحُرَّة، بينما كان يجلس في البيت الأبيض في مواجهة مبارك".
ويعارض المحافظون الجدد في الولايات المتحدة أنْ تكون إسرائيل في موضع ضغطٍ من جانب إدارة أوباما لتعزيز أجندة أهداف الرَّئيس الأمريكي في الشَّرق الأوسط، خصوصًا في موضوع الاستيطان في الضِّفة الغربيَّة الفلسطينيَّة المُحتلَّة، ويُؤكِّدون على أنَّ إسرائيل من حقِّها أنْ تحيا كدولةٍ يهوديَّةٍ في الشرق الأوسط.
وينتقدون في الوقت ذاته مساعي أوباما لإيجاد مسافة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لصالح علاقاتٍ أفضل مع العالم الإسلامي، ومصر في القلب منه بطبيعة الحال.
وبشكلٍ عامٍ يرى المراقبون إنَّ حالة الهدوء التي تمر بها العلاقات المصريَّة الأمريكيَّة مُرشَّحةٌ للاستمرار في غضون العامَيْن القادمَيْن، انتظارًا لما سوف تسفر عنه التَّغييرات المقبلة في مصر بعد انتخابات 2010م التَّشريعيَّة وانتخابات 2011م الرَّئاسيَّة.!!...











0 تعليقات:
Post a Comment