أبو ظبي: خاص لـ(اتجاهات)
بهدوءٍ ومن دون ضجةٍ يتعرَّض الفلسطينيُّون في دولة الإمارات "العربيَّة" المتحدة لفصلٍ جديدٍ من فصول مأساتهم من دون سببٍ واضحٍ؛ حيث طُرِدَ المئات منهم بغير رجعةٍ من الإمارات في الأشهر الأخيرة، بالرَّغم من أنَّ منهم من كان قد عاش في الإمارات قرابة السِّتِّين عامًا، وذهب بعضهم إلى ماليزيا، أمَّا البعض الآخر فقد حاول العودة إلى حيث صدر جواز سفر لجوءه في مصر أو الأردن.
وفي التَّفاصيل التي تناقلها بعض هؤلاء الفارِّين من جحيم الإمارات،
تقوم السُّلطات الأمنيَّة هناك منذ أكثر من شهرٍ بإبلاغ آلاف الفلسطينيين من ذوي الأصول الغزاويَّة، من حملة الجوازات الفلسطينيَّة أو الأردنيَّة والوثائق المصريَّة بمغادرة الدَّولة؛ حيث يتم إبلاغ الشَّخص بأنْ يُنهي أعماله ومتعلَّقاته والمغادرة خلال يومَيْن أو أسبوعٍ أو أسبوعَيْن أو شهرٍ، وهي مددٌ لا تكفي لشيءٍ، من دون ذِكْر أيَّة أسبابٍ سوى أنَّ الإبعاد لأسبابٍ أمنيَّةٍ، وربما سُمِعَت عبارة "بتوجيهاتٍ وأوامر عليا".
ومن بين الإجراءات التي تتم بحقِّ هؤلاء أخذ بصمة عيونهم ويصورون من جميع الجهات كالمجرمين، ويعرضون على شاشةٍ بيضاء وسوداء يراها الجميع في مقار وزارة الدَّاخليَّة، وتلغى إقامة الفلسطيني، ويُطالَبُ بعدها بالمغادرة، ويُحرَم عليه أيضًا دخول دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، حتى الديار المقدسة.
بينما لا توجد دولةٌ في العالم تقبل دخول الجواز الفلسطينيِّ أو الوثيقة المصريَّة للاجئين الفلسطينيِّين من دون وجود إقامة له في بلده الأصليِّ، وإذا ما رفض المغادرة بحجة عدم وجود بلدٍ يقبله فإنَّ البديل هو "السجن"، بعد أنْ كان يتوقع بأنْ يُمْنَح إقامةٌ دائمةٌ أو الجنسيَّة، ويُفاجَئ بإبعاده بصورةٍ مخالفةٍ لجميع الأعراف والقوانين الدَّوليَّة، وحتى الأخلاق والإنسانيَّة، وبطريقةٍ مَهينةٍ.
ويتم إبلاغ الشَّخص بأنَّ الأمر صادرٌ بحقِّه من جهاز أمن الدَّولة الإماراتيِّ، حتى يتم الإبعاد بصمتٍ ومن دون شوشرةٍ، فيظن المُبْعَد بأنَّه مذنبٌ!!
والجدير ذكره أنَّ أحدًا لا يجرؤ على المطالبة بمظلمته عن طريق الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان، أو حتى عن طريق إدارة رعاية حقوق الإنسان بالقيادة العامة لشرطة دبي، والمنشأة مؤخرًا، إمَّا لعدم كفاية الوقت الذي تستغرقه إجراءات الشَّكوى، والذي يتجاوز المهلة الممنوحة للمغادرة، وإمَّا خوفًا على نفسه من أنْ يتردَّد اسمه في الدَّوائر الأمنيَّة للدِّول الأخرى، ويصبح عرضةً للملاحقة الأمنيَّة، ويكتفي بهذا القدر من الإبعاد، فيُفضِّل الرَّحيل بصمتٍ من البلد الذي أفنى فيه عمره وشبابه!!
فبعض هؤلاء جاوز السبعين من العمر، وأقام في الإمارات 50 عامًا، والبعض وُلِدَ فيها وتزوج منها وله من الأولاد والأحفاد الكثير، ولا يمكن له بحالٍ من الأحوال أنْ يُفكِّر في الإخلال بأمن البلد.
ومن بين الحالات ذات الوقع الخاص في هذه القضيَّة، إنهاء خدمات 350 مدرسًا حكوميًّا فلسطينيًّا في أبو ظبي والعين والمنطقة الغربيَّة في شهر يونيو 2009م، وأغلبهم من قطاع غزة؛ حيث يتم تداول هذه الحادثة بما يسمى "مجزرة غزة في الإمارات"، في ظل الظُّروف الصَّعبة الحالية التي يمرُّ بها الشَّعب الفلسطينيِّ، وفي ظل عدم وجود مأوىً يستطيع اللاجئ الرُّجوع له.
هذا فضلاً عن مدارس وشركاتٍ خاصَّةٍ أنهت خدمات معلمين وموظفين متميزين من قطاع غزة، وحين سئل مديرو تلك المدارس والشركات كانت الإجابة بأنَّ الأوامر جاءتهم من جهاز أمن الدَّولة الإماراتي.
وسواءٌ أتمَّ الأمر بإنهاء الخدمات أم بالإبعاد الأمنيِّ، فلا فارق بينهما، لأنَّه لم يتم حتى الَّلحظة أخذ موافقةٍ أمنيَّةٍ واحدةٍ، لنقل إقامة أحد من المُنهاة خدماتهم إلى مدرسةٍ أو شركةٍ أخرى؛ حيث إن الأمر لا يتم إلا بعد موافقة جهاز أمن الدَّولة هناك.
ولم تظهر هذه القرارات بحق أولئك إلا بعد اجتماع وزراء الخارجيَّة العرب الأخير، والذي انتهى بالاتِّفاق على حلِّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيِّين، فكان الجواب هو الإبعاد أو إنهاء الخدمات.
ومن بين الإجراءات الأمنيَّة التَّعسُّفيَّة المتبعة بحق الفلسطينيِّين حاليًا في الإمارات أنَّ أيِّ غزاويٍّ يحاول الوصول الى سبب الإبعاد او إيجاد من يساعده أو يحاول سؤال الجهات الأمنيَّة، يتم تضيق الخناق عليه، أو تهديد بشكلٍ مباشرٍ، حتى يتوقَّف عمَّا يفعله نتيجة الخوف على عائلته أو بقية إفراد أسرته وأقربائه، خوفًا عليهم من أنْ يتم إبعادهم هم الآخرين.
حيث يتم الاتِّصال بالشخص المُبْعَد من جانب إدارة الجوازات، وتُسمَّى في الإمارات بـ"إدارة الإقامة والجوازات"، عن طريق مقر عمله، ويقولون له بأنَّ عليه مُراجعة قسم التَّحقيق والمتابعة في إدارة الجوازات التَّابعة للمنطقة التي يسكنها أو الإدارة التي صدرت منها الإقامة الإماراتيَّة في جواز سفره، وعند حضور الشَّخص المُبْعَد يتم إبلاغه بأنَّه قد صدر أمرٌ من مدير إدارة الجوازات بتسفيره خارج الإمارات، هو وكل من هم على كفالته من إفراد أسرته (زوجته وأبناءه وحتى والده أو والدته)، وهنا تبدأ المأساة، وعندما يسأل موظف الجوازات لماذا صدر هذا القرار، يرد عليه الموظف بالقول: "والله هذه أوامر وصلتنا، ونحن نبلغك بها، وعليك الاستعداد لمغادرة الدَّولة في أقرب وقتٍ"!!
وحسب المعلومات التي وصلت، فإنَّ أغلبيَّة المبعدين من الفلسطينيِّين من أبناء قطاع غزة، ومنهم مدرسين أو من يقومون هم أو زوجاتهم بتحفيظ للقرآن الكريم لأبناء الوافدين، ومنهم من تقدم للجهات المعنيَّة للحصول على الجنسيَّة الإماراتيَّة؛ حيث تجاوزت مدة إقامتهم في الدَّولة ما يزيد على الـ25 عامًا، وبالتَّالي فهم يستحقون الحصول على الجنسيَّة الإماراتيَّة بحسب القانون الدَّوليِّ.
وقد تعلَّلت الحكومة الإماراتيَّة في هذا الصَّدد بمسألة تداعيات الأزمة الماليَّة العالميَّة، وتأثيراتها على سوق العمل وقطاع الشَّركات بالإمارات، إلا أنَّ الإعلام الإماراتي أثبت بطلان هذه المزاعم بحديثه عن الحالة الجيدة التي يمر بها الاقتصاد الإماراتيِّ، كذلك فإنَّ نسبة الفلسطينيِّين في الإمارات تُعتبر من النِّسب القليلة قياسًا بالجاليات الأخرى.
....،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في الفترة السابقة التي حكم فيها الشَّيخ زايد بن سلطان آل نهيان- رحمة الله عليه- الإمارات، كان الفلسطيني هو آخر من يتمُّ إنهاء خدماته، واليوم هو أول من يتم استهدافه وترحيله، وكذلك عندما أمر الشيخ محمد بن راشد المكتوم رئيس وزراء الإمارات وحاكم دبي ابان الحرب على غزة بعدم تسفير أيِّ فلسطينيٍّ مهما كانت الأسباب، واليوم يعتبر أول من يتم تسفيره هو الفلسطيني من أصلٍ غزاويٍّ، بما يثير تساؤلات حول سبب هذا الموقف الجديد.











0 تعليقات:
Post a Comment