الفوضى الخلاقة وعلاقتها بوضع العالم العربيِّ والإسلاميِّ الحالي...


دراسة من إعداد: أحمد عبد الفتاح

لم يكن العالم قبل العام 2005م يسمع عن مصطلح الفوضى الخلاقة، ولم تذكر أيٌّ من مراجع العلوم السِّياسيَّة أيَّ تعريفٍ حول هذا المصطلح قبل هذا التَّاريخ إلى أنْ خرجت وزيرة الخارجيَّة الامريكيَّة السَّابقة كوندريزا رايس في العام 2005م وفي حديثٍ لها لصحيفة (الواشطن بوست) الأمريكيَّة، وصفت فيه ما يحدث على أرض العراق من أعمال عنفٍ وعنفٍ متبادلٍ، بأنَّها فوضى خلاقة


وفي حوارها هذا أسهبت رايس في إيضاح أنَّ أعمال العنف في العراق هي نوعٌ من أنواع الفوضى التي ستُفضي إلى دولةٍ الدِّيمُقراطيَّة المنشودة في العراق، وحصرت رايس الفوضي الخلاقة بالفوضى التي تنتجها عمليَّة تحولٍ ديمُقراطيٍّ، كاحتلال الولايات المتحدة للعراق، على حد وصفها.
ومنذ هذا التَّاريخ أصبح مصطلح "الفوضى الخلاقة" هو المصطلح الرَّسميِّ الذي تستخدمه الإدارة الأمريكيَّة ومسئوليها لوصف الحالة في العراق وشبَّهه بعض الكُتَّاب بمصطلح" النِّيران الصَّديقة" وغيرها من المصطلحات التي وضعتها الإدارة الأمريكيَّة السَّابقة لتُداري بها عجزها على مختلف الصُّعُد في العراق وأفغانستان.
ويرى أغلب المحللين السياسيين أنَّ مُصطلح "الفوضى الخلاقة" هو تغطيةٌ للفشل الأمريكيِّ الذَّريع في المنطقة لدرجة أنَّ "الفوضى" أصبحت مصلحةً أمريكيَّةً مؤقتةً، فالفوضى لم تكن يومًا ولن تكون يومًا بنَّاءة بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي دائمًا هدَّامة، والمقصود بالبنَّاءة هنا التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة، وبذلك تكون بنَّاءة للولايات المتحدة ولكن هدَّامة للجميع(1).
وأجمع المحللين السياسيين على أنَّ "الفوضي الخلاقة" هو مصطلحٌ وُضِعَ لوصف أيِّ نوعٍ من أنواع الفوضى تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وليس أدلَّ على ذلك من مقال الباحث الامريكي مايكل ماكفيل في أحد أعداد دوريَّة (البوليسي ريفيو)، قال فيه إنَّه "لم يعد في وسع الولايات المتحدة الحفاظ على الوضع الرَّاهن فقط، فهي تسعى إلى التَّغيير، وهذه المهمة يجب أنْ تكون عدوانيَّة بطبيعتها، لأنَّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مجرد الانتظار ثم القيام بردِّ فعلٍ على الهجوم التَّالي، وأصبح عليها أنْ تُبادر هي بالهجوم".
وحدَّد ماكفيل فيما بعد خطوط "الفوضى البنَّاءة" التي يجب اتباعها في الشَّرق الأوسط، وهي: التزام الإدارة الأمريكيَّة بـ"مبدأ الحرِّيَّة" والتَّرويج لها، على أنْ يتم توسيع الحريَّات الفرديَّة وإزالة القوى المُعارِضة للحرِّيَّة، سواءً أكانوا أفرادًا أو منظماتٍ أو أنظمةً، فيجب أنْ يتضمن مصطلح الإدارة عن "الفوضى الخلاقة" معنيَيْن: الأول التَّدمير، والثَّاني البنَّاء، وأنَّ العدو الذي يجب تدميره هو أيديولوجيٌّ بالدَّرجة الأولى، وهو "الشُّموليَّة الإسلاميَّة" وليس الإسلام نفسه.
ولكن في حقيقة الأمر هذا مجرَّد تغطية، فالجميع يعلم أنَّ الإسلام محارَب، ويستمر ماكفيل بالقول إنَّ نشر الدِّيمُقراطيَّة في الشَّرق الأوسط سيكون للمصلحة الأمريكيَّة، بما يتضمنه ذلك في شأن التركيز على الحرِّيَّة الفرديَّة، ثمَّ تطبيق الدِّيمُقراطية لاحقًا(2).
ويعلق أستاذ العلوم السِّياسيَّة المصريِّ الدُّكتور حسن نافعة على مصطلح "الفوضى الخلاقة" قائلاً: "ليست هذه هي المرة الأولى التي يتحفنا فيها الأكاديميُّون المتخصِّصون وصُنَّاع السِّياسة الأمريكيَّة بمصطلحاتٍ من هذا النوعن فقد أصبح صك المصطلحات السِّياسيَّة غير المألوفة حرفةً أمريكيَّةً خالصةً، ومجالاً محجوزًا لا يقدر أحدٌ على الدُّخول إلى حلبة المنافسة فيه!".
ويبدو أنَّ هذه الحرفة تحوَّلت إلى صناعةٍ تطرح منها في سوق السِّياسة ما تشاء بين الحين والآخر، وسيكون من السَّذاجة بمكان الاعتقاد بأنَّ هذا النَّوْع من المصطلحات الغريبة يأتي من وحي الخاطر مصادفةً، فالواقع أنَّها مصطلحاتٌ مدروسةٌ بعنايةٍ، ويُقْصَدُ بها أداء وظائفٍ مُحدَّدةٍ للتَّضليل وإخفاء حقيقة النِّيَّات وتجميل العيوب الظَّاهرة في المواقف والسِّياسات، فالأوضاع التي يدركها النَّاس على أنَّها تنطوي على قدرٍ ما من "عدم الاستقرار" أو "الغموض" أو "الفوضى" هي بطبيعتها أوضاعٌ سلبيَّةٌ، لكنَّها حين تأتي مقترنةٌ بأوصافٍ أخرى، ويصبح عدم الاستقرار "منضبطًا"، والغموض "بناءً"، والفوضى "خلاقة"، فمن الطَّبيعي أنْ تتبدَّل الأمور وتتحوَّل صورةُ السَّلبيِّ إلى إيجابيٍّ والقبيح إلى حسنٍ.
ويضيف نافعة: "ولأنَّنا لا نسأل أنفسنا عادةً ذلك السُّؤال البديهي حول صاحب المصلحة، فغالبًا ما يقع بعض مثقَّفينا بحسن النِّيَّة، أو يتعمدون الإيقاع بنا بسوء نيَّةٍ، في مصيدة هذه المصطلحات الأمريكيَّة المضلِّلة(3).
وفي حقيقة الأمر فمصطلح "الفوضى الخلاقة" هو الشَّقيق الأصغر لسلسةٍ طويلةٍ من المصطلحات التي اعتادت الإدارة الأمريكيَّة علي اختراعها مثل "الغموض البنَّاء"، على سبيل المثال، تمَّ صكُّه في نهاية عقد التِّسعينيَّات الماضية، لتبديد القلق من الغموض الذي اكتنف اتفاقات أوسلو، خصوصًا بعد بداية تعثر تنفيذها على الأرض.
هل يوجد- حقًّا- فوضي خلاقة؟:
علمنا مما سبق أنَّ "الفوضى الخلاقة" هي الفوضى التي تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، ولكن السُّؤال: "هل هناك فوضى تصب في مصلحة الشُّعوب عامَّةً؟".
بالتاكيد إنَّ الإجابة على هذا التَّساؤل بـ"لا"؛ حيث إنَّه لا يوجد مثل هذا النَّوع من الفوضى لأسبابٍ عدَّة، أهمها أنَّ الفوضى في تعريفها هي حالة من اللا نظام ووفق جميع النَّظريات السياسيَّة، ولذلك فلا يمكن لحالةٍ من اللا نظام أنْ تُنْتِج نظامًا ديمُقراطيًّا أو تُنْتِج شيئًا لصالح الشُّعوب حتى الثَّورات الشَّعبيَّة- كالثَّورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة- بالرَّغم من كونها تحرُّكٍ عفويٍّ من الشَّعب.
إلا أنَّه لا يمكن إطلاق مصطلح الفوضة الخلاقة عليه لسببٍ بسيطٍ، أنَّه كان هناك من يُحرِّك الجموع الغاضبة، كما أنَّ كل الجموع اتَّحدت على هدفٍ واحدٍ، وهو الإطاحة بنظام شاه إيران السَّابق، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد الفوضى، وهي عدم اتِّحاد الاتِّجاه والوجهه.
وقبل الخوض في الوضع المصري وتداعياته وعلاقته بمصطلح "الفوضى الخلاقة"، يجب علينا المرور سريعًا على بعض أهمِّ البؤر التي أطلقت عليها الإدارة الأمريكيَّة- بصفتها مبتكِر المُصطلح- وضع "الفوضى الخلاقة"، فبالرُّجوع إلى ما قاله الباحث الامريكي مايكل ماكفيل، وعندما ننظر إلى هذه النِّقاط الثَّلاث التي حدَّدها في بحثه، نجد أنَّ لبنان كان ساحةً مُهيَّأةً لتقبُّل مثل هذا الواقع الجديد بعد سقوط العراق وأفغانستان.
فلبنان كان دائمًا يوصَّف على أنَّه واحةٌ للدِّيمُقراطيَّة في المنطقة، وفيه قوىً مسيحيةٌ تتخوَّف بشكلٍ دائمٍ مما ذكره الباحث وأسماه بـ"الشُّموليَّة الإسلاميَّة"، وبالتَّالي فالهدف كان البدء من لبنان على أنْ يتمَّ جر البلدان الأخرى، كلٌّ في وقته.
وفي هذا الإطار، يستعرض مدير معهد واشنطن روبرت ساتلوف في تقريرٍ له نُشِرَ عام 2005م، سياسة الإدارة الأمريكيَّة تجاه لبنان، وهي تدخل في إطار التَّحوُّل من الاستقرار إلى الفوضى، وتحتاج إلى آليَّةٍ، وهي بحسب التَّقرير:
-  تركيز جهود الإدارة والرَّئيس الأمريكي السَّابق جورج بوش الابن شخصيًّا على بندٍ واحدٍ من القرار الدَّوليِّ رقم (1559)، وهو بند الانسحاب السُّوريِّ من لبنان، خاصَّةً بعد مقتل رئيس الوزراء الِّلبنانيِّ الأسبق رفيق الحريري في فبراير من العام 2005م، والتَّداخُلات الدَّوليَّة التي حصلت عقب ذلك.
-  إخضاع الانتخابات الِّلبنانيَّة للمرَّةِ الأولى لإشرافٍ دوليٍّ وتحت سيف الضُّغوط والتَّدخُّلات الدَّوليَّة لا سيما الفرنسيَّة والأمريكيَّة.
- طَرَحَ عددٌ من السِّيناريوهات للتَّعامُل مع البنود الأخرى من القرار (1559) القاضية بسحب سلاح الميليشيَّات الِّلبنانيَّة والسِّلاح الفلسطيني في المخيمات لتنفيذها في الزَّمان والمكان المناسبَيْن.
وبناءً على ما سبق وبالنَّظر إلى الوضع الحاليِّ في لبنان، فإنَّنا نلاحظ أنَّ لبنان كما العراق وأفغانستان، هي السَّاحات الثَّلاثة التي تتجلى فيها معاني مصطلح "الفوضى الخلاقة" كما تعرفه الإدارة الأمريكيَّة، وكما عرَّفته رايس في حوارها في العام 2005م.
ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الوضعَيْن الِّلبنانيِّ والعراقيِّ يمكن اعتبارهما "فوضى خلاقة" للنِّظام الإيرانيِّ كما هما بالنِّسبة للإدارة الأمريكيَّة، فالمُتابِع للسَّاحتَيْن العراقيَّة والِّلبنانيَّة، يُلاحَظ أنَّ كلاهما تلعب فيه إيران بأصابعٍ خفيَّةٍ من أجل تأجيج الأوضاع بهما.
ونرى التَّدخُّل من جهة الحرس الثَّوريِّ الإيراني في العراق بوجهٍ خاصٍّ وتجيشه لميليشات الموت بل ان البعض يري ان الفوضي في العراق ولبنان تصبُّ في المصلحة الإيرانيَّة أكثر ممَّا تصبُّ في المصلحة الأمريكيَّة.
ففي العراق استطاع النِّظام الإيرانيِّ ردُّ ثأره في حربه مع العراق في عهد الرَّئيس العراقيِّ الرَّاحل صدَّام حسين، وفي لبنان، فإيران استطاعت بدعمها لحزب الله الِّلبنانيِّ في حربه على الكيان الصُّهيوني، ومن بعدها دعم حزب الله في معركته مع الأغلبيَّة البرلمانيَّة الِّلبنانيَّة.
وقد نتج عن ذلك كله وضعٌ سياسيٌّ في الشَّارع العربيِّ، وأصبحت الشُّعوب العربيَّة ترى أنَّ إيران الدَّولة الوحيدة التي تستطيع مواجهة الكيان الصُّهيوني، وتغاضت الأغلبيَّة العظمى من هذه الشُّعوب عن الجرائم الإيرانيَّة على السَّاحة العراقيَّة.
"الفوضى الخلاقة" في مصر:
وِفْق التَّعريف الأمريكيِّ للفوضى الخلاقة، فإنَّ ما يجري الآن على أرض مصر، هو "الفوضى الخلاقة" في صورتها المثاليَّة، فما يحدث الآن على أرض مصر يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على نظام الرئيس المصريِّ حسني مبارك، ومن بعده نجله جمال- أمين السِّياسات في الحزب "الوطني" الحاكم- في الحكم لضمان عدم وصول التَّيَّار الإسلاميِّ مُمثلاً في الاخوان المسلمين إلى الحكم.
وفي نفس الوقت يظهر للمُشاهِد أنَّ الإدارة الأمريكيَّة تُسانِد التَّغير الدِّيمُقراطي في مصر، وأنَّها المدافع الأوَّل عن الحُرِّيَّات فيها، وهو ما يكفل للإدارة الأمريكيَّة الحفاظ على صورتها في العالم كراعٍ للسَّلام والدِّيمُقراطيَّة، وفي نفس الوقت الحفاظ على مصالحها في مصر التي تأتي على رأسها أمن الكيان الصُّهيونيِّ.
البعض من المُتابعين للشَّأن المصريِّ ربط بين تفجيرات دهب وشرم الشيخ التي حدثت قبل سنواتٍ، وبين نظريَّة "الفوضى الخلاقة" الأمريكيَّة، إلا أنه وبالنَّظر إلى الأمر من منظورٍ أوسعٍ، وليس فقط من منظورٍ أمنيٍّ ومنظور التَّفجيرات وأعمال العنف، نرى أنَّ الفوضى التي تجتاح مصر على الصُّعد الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة.. إلخ، كلها لا تصب إلا في مصلحة الإدارة الأمريكيَّة.
ومن دون الخوض في تفاصيلٍ تزج بنا في نظرية المؤامرة، نُلاحظ أنَّ الإدارة الأمريكيَّة راضيةٌ عن كلِّ ما يحدث في مصرن ففي الوقت التي كانت تضغط الإدارة الأمريكيَّة لإطلاق سراح السِّياسيِّ المعارض الدُّكتور أيمن نور، وهو فردٌ واحدٌ، لم نسمع أيِّ صوتٍ ينادي بحريَّة أكثر من 40 من قيادات الإخوان الذين حوكموا امام محكمةٍ عسكريَّةٍ في قضيَّةٍ أقل ما تُوصف بأنَّها هزليَّةً.
وفي الوقت الذي نرى فيه معارضة الإدارة الأمريكيَّة للمشروع النَّوويِّ الإيرانيِّ وغيره من المشاريع النَّوويَّة لـ"الدول المارقة"، نرى من الإدارة الأمريكيَّة رضىً غير عاديٍّ عن المشروع النَّوويِّ المصريّ "المزمع إقامته"، والذي وصفه أغلب المحلِّلين السِّياسيِّين بأنَّه آخر إبداعات النِّظام المصريِّ لخلق مشروعٍ قوميٍّ له ليضمن التفاف الشَّعب من حوله، كما فعل الرئيس الرَّاحل جمال عبد النَّاصر في مشروع السَّد العالي.
حتي الحركات الاحتجاجيَّة الأخيرة التي ظهرت في مصر، وعلى رأسها الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير (كفاية)، والتي تُعاني اليوم من حالة انهيارٍ داخليٍّ، فقد ضمنت حالة الفوضى الموجودة في المجتمع المصريِّ، أنْ تظل هذه الحركة حركةً نخبويَّةً، وضمنت أيضًا ألا يتفاعل معها سوى أعدادٌ قليلةٌ يمكن السَّيطرة عليها وقت الُّلزوم.
وهو ما لوحظ في السَّنوات الأخيرة؛ حيث بلغت الحركة أوجها في العام 2005م، مع مظاهرات القضاة، ولكن ومع نفاذ صبر النِّظام المصريِّ وإعلانه ضمنيًّا انتهاء فترة السَّماح بالحراك السِّياسيِّ، استطاعت الأجهزة الأمنيَّة وقف أيِّ تحرُّكٍ في الشَّارع للحركة، بالرَّغم من زيادة أعداد المنتمين لها عن العام 2005م.
هل يمكن للفوضى في مصر أنْ تُنْتِج شيئًا خلاقًا للمجتمع المصري؟:
وفق النَّظريَّات السِّياسيَّة، وطبقًا لما يجري علي أرض الوقع، فلا يمكن وبايِّ حالٍ من الأحوال أنْ تُنْتِج حالة الفوضى التي يعيشها المجتمع المصري حاليًا، أيَّ نوعٍ من أنواع الفوضى الخلاقة بالنسبة له.
فالبعض يراهن على أنَّ الشَّعب المصريَّ بلغ مرحلةً من الضَّغط أوشك فيها على الانفجار، ‘لا أنَّ هذا الانفجار تأخَّر كثيرًا، ويرى الأغلبية العظمى من المتابعين أنَّ الشَّعب المصريَّ لن يثور في ظلِّ هذه الأحوال التي يعيشها إلا في حالة حدوثِ معجزةٍ.
فبالرَّغم من زيادة الضُّغوط كل يومٍ عن الذي سبقه على رجل الشَّارع، وتضاعُف الاسعار كل يومٍ تقريبًا، وغيرها من الضُّغوط، ألا أنَّ المُتابِع للشَّارع يُلاحِظ أنَّ الشَّعب في حالة خمولٍ واستكانةٍ غريبةٍ، ولعلنا لا نجد تفسيرًا لذلك إلا من خلال نظريات الفوضى في علم الفيزياء وليس في العلوم السِّياسيَّة!!
إلى أين تسير الفوضى بمصر؟:
تسير الفوضى بمصر إلى مزيدٍ من الفوضى ومزيدٍ من التَّدهُور على مختلف الأصعدة، فلا يمكن اعتبار حوادث العبَّارات والقطارات، وأنفلونزا الطيور والخنازير، وتدهور أحوال حقوق الإنسان بالرَّغم من تضاعف أعداد جمعيَّات حقوق الإنسان في مصر، إلا مظاهرٌ من مظاهر الفوضى التي يعيشها المجتمع المصريُّ، وهو ما نلاحظة على مختلف الأصعدة.
فعلى سبيل المثال، وعلى الصَّعيد الاجتماعي، يمكن اعتبار اختفاء ما كان يسمَّى بالطبقة المتوسطة لصالح الطَّبقة الفقيرة ومحدودة الدَّخل، وتضخُّم ثروات الطَّبقة الثَّريَّة بالمجتمع المصري، هو المظهر الأبرز للفوضى الاجتماعيَّة في مصر.
أمَّا على الصَّعيد الاقتصاديِّ، فلم تشهد دولة في العالم فوضى كالتي تعانيها مصر في الفترة الأخيرة، فبالرغم من انخفاض أسعار صرف الدولار الأمريكيِّ، وهو ما نتج عنه انخفاض أسعار الكثير من السِّلع في مختلف دول العالم، إلا أنَّه وفي مصر فقط، تضاعفت أسعار الكثير من السِّلع بالرَّغم من أنَّ الجنيه المصري مرتبطٌ بالدُّولار الأمريكيِّ حتي وصل الأمر ببعض السِّلع كزيت الطَّعام لأنْ يتضاعف ثمنه بمقدار 100%.
وعلى الصَّعيد السِّياسيِّ استطاع النِّظام المصريُّ فَرْض نوعٍ من أنواع الفوضى التي غيَّبت كل القوى السِّياسيَّة عن السَّاحة، فالاخوان المسلمون مشغولون بمعتقليهم في السُّجون، وعلى رأسهم مجموعة المهندس خيرت الشاطر وإخوانه والدُّكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإخوانه، وتراجعت عن تحرُّكها في الشَّارع الذي هز أركان مصر منذ العام 2004م.
بينما حزب الغد، والذي كان المنافس الرَّئيسي للرَّئيس مبارك في انتخابات الرِّئاسة، زُجَّ به في مشاكلٍ داخليَّةٍ لا نهاية لها، ودعمت فيه الحكومة جبهة المنشقِّين ضد جبهة مؤسسه أيمن نور، بمختلف الوسائل.
وعلي هذا المنوال تسير الأمور في أغلب الأحزاب السِّياسيَّة المصريَّة والقوى السِّياسيَّة، ولكن يثور تساؤلٌ شديد الأهمِّيَّة في هذا الإطار، وهو ما دور الإصلاحيِّين ضد ما يحدث من فوضى في مصر؟!.
يطل علينا هذا السُّؤال برأسه، ويلحُّ علي كل إصلاحيي المجتمع، وألوان طيفه؛ حيث يتساءلون: "ما الحل؟!"
ومن وجهة نظر الكثيرين، فإنَّ الحل الوحيد لما تعانيه مصر من فوضى هو محاربتها بضدها، وهو النِّظام، ولا نقصد هنا النِّظام الحاكم، فالمقصد الحراك المُنظَّم والشَّامل، فالمجتمع المصريُّ يحتاج ومنذ زمنٍ إلى حركةٍ شعبيَّةٍ مُنظَّمةٍ ذات هدفٍ واحدٍ، وهو التَّغيير من دون التَّقيُّد بتيَّارٍ سياسيٍّ معينٍ أو فئةٍ مُعيَّنةٍ أو طائفةٍ مُعيَّنٍة، واختلال شرطٌ واحدٌ من هذه الشُّروط يؤدِّي إلى فشل هذه الحركة.
فعلي سبيل المثال لا توجد حركةٌ منظمةٌ في مصر سوى حركة الإخوان المسلمين، إلا أنَّ الاخوان ليست بالحركة الشَّعبيَّة، ومُقيَّدةٌ بنوعيَّاتٍ مُعيَّنةٍ من فئات المجتمع المصريِّ، كما أنَّ طبيعتها الدِّينيَّة- كما يقول اسمها- يمنع التفاف باقي فئات وطوائف الشعب حولها.
الحال نفسه بالنِّسبة للحركات الاحتجاجيَّة مثل (كفاية)، فحركة (كفاية) حركةٌ شعبيَّةٌ ذات هدفٍ يتعلَّق بالتَّغيير، وغير مُقيَّدةٍ بتيارٍ سياسيٍّ؛ حيث حوت بين أفرادها أُناسًا من كلِّ التَّيَّارات، إلا أنَّها لم تكن حركةٌ مُنظَّمةٌ بالمرَّة.

-----------------------
(1) مجلة العصر- 26 أغسطس 2005م- إستراتيجيَّة "الفوضى الخلاقة" في لبنان- علي حسين باكير
(2) Police review – Michelle Makvel – 5\2005
(3) حسن نافعة- إسلام أون لاين: "كوندي و"الفوضى الخلاقة" في المنطقة العربية".. 9 أبريل 2005م.


0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح