المصدر: صحيفة (الهاآرتس) الإسرائيليَّة
التَّاريخ: 22 سبتمبر 2009م
المُؤلِّف: شلومو أفينيري
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
مُبادرة السَّلام الصَّادرة عن جامعة الدِّول العربيَّة اختلف عليها المُحلِّلين الإسرائيليِّين، فالبعض يعتبرها أساسًا للمفاوضات، ويعتقدون أنَّ إسرائيل عليها أنْ تقبل بها وتعتمد عليها، بينما آخرون ينظرون إليها على أنَّها مُجرَّد إعادةِ صياغةٍ للمواقف العربيَّة التَّقليديَّة التي على إسرائيل أنْ تقبل بها قبل مناقشة بقيَّة المواضيع، كمسألة التَّطبيع وقضيَّة الَّلاجئين التي يُمكن معالجتها بالتَّفاوُض.
حتى لو قبلنا بالرَّأي الأخير الذي يعتبر أنَّ المُبادرة العربيَّة مُجرَّد إعادة صياغةٍ للمواقف العربيَّة التَّقليديَّة فعلينا أنْ نُؤكِّد كذلك على أنَّ المُبادرة تُمثِّل إنفراجةٍ كبيرةٍ في المواقف العربيَّة لأنَّها تتحدَّث بشكلٍ واضحٍ عن رغبة العرب في إقامة سلامٍ مع إسرائيل.
ولكن مع كل هذا فالمُبادرة ليست عبارة عن فتح صفحةِ تفاوضٍ مع إسرائيل، ولكنَّها عبارة عن إملاءاتٍ كضرورةِ قبول إسرائيل أولاً بإقامة دولةٍ فلسطينيَّةٍ عاصمتها القدس، والعودة إلى حدود عام 1967م، وتفكيك المستوطنات.
الآن، وفي 12 سبتمبر، نشرت صَحيفة (النيويورك تايمز) في افتتاحيَّتها مقالاً للأمير تُركي الفَيْصَل من المملكة العربيَّة السَّعوديَّة.. يُمكن من خلال مقاله معرفة أيِّ التَّفسيرات التي سبق ذكرها عن المبارة العربيَّة يمكن قبولها، فالأمير تركي يُعتَبَر من أهم القوى التي تقف وراء مبادرة السَّلام العربيَّة.
أيُّ شخصٍ التقى بتركي الفَيْصَل، المُدير السَّابق لأجهزة الاستخبارات السَّعوديَّة، والسَّفير السَّابق للسَّعوديَّة لدى واشنطن، والآن رئيس مركز الملك فَيْصَل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، والمؤثِّر جدًّا في صنع واتِّخاذ القرارات، يعرف جيِّدًا أنَّ الأمير تركي يتمتَّع بصفاتٍ كثيرةٍ، فهو رجلٌ ذو أسلوبٍ ساحرٍ ومثيرٍ للإعجاب، ويُمثِّل وجهة النَّظر المُعتدلة في السَّعوديَّة، والرِّياض تسعى حاليًا لقيادة العالم العربيِّ للسَّلام مع إسرائيل، لذلك فتعليقاته لها وزنها ومكانتها، والإسرائيليُّون الَّذين يتجاهلون تعليقاته هم في الحقيقة يدفنون رؤوسهم في الرِّمال.
تُركي الفَيْصَل في بداية مقاله يُوضِّح لماذا ليس من المعقول بالنِّسبة للدِّول العربيَّة أنْ تنضم لفكرة بناء الثِّقة مع إسرائيل، فتُركي الفَيْصَل يرى أنَّه مع استمرار إسرائيل في بناء المُستوطنات بالضِّفَّة الغربيَّة، وتجاهلها للنِّداءات الدَّوليَّة فمن المستحيل أنْ يمدَّ العرب جسور الثِّقة مع إسرائيل.
والحقيقة أنَّ وجهة نظره تبدو منطقيَّةً حتى بالنِّسبة لأيِّ شخصٍ لا يتَّفق معه في التَّفاصيل، فهو يصف أساس المُبادرة العربيَّة، ويشرح فوائدها ملمِّحًا إلى إمكانيَّة أنْ تُسْهِم هذه المُبادرة في عزل المتطرِّفين أو بعبارةٍ أخرى حركة حماس.
تُركي يؤكِّد على أنَّ إسرائيل لابد وأنْ تكون مستعدةً لتقديم تنازلاتٍ، كما تريد أنْ تحصل على تنازلاتٍ من قِبَلِ الدِّول العربيَّة، والأمير تُركي يُوضِّح النِّقاط الرَّئيسيَّة للخُطَّة بشكلٍ واضحٍ، وتقوم أولاً على قيام إسرائيل بإزالة كافَّة المستوطنات التي أُقيمَت بالضِّفَّة الغربيَّة، وهذا وحده من شأنه أنْ يُظِهر للعالم أنَّ إسرائيل جادَّةً في عمليَّة السَّلام، هذا بالإضافة إلى قضيَّة الَّلاجئين التي يجب حلُّها بالتَّوافُق بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين.
لا يوجد أيُّ غموضٍ، فقضيَّة المستوطنات ليست مفتوحةً للتَّفاوُض، وإسرائيل عليها أنْ تقوم بإخلائها أولاً، كما يُوضِّح الأمير تُركي أنَّ هذه الخُطوة ستجعل جيران إسرائيل العرب يريدون السَّلام، فهم (العرب) لا يمكن أنْ يتسامحوا مع من سرقهم، ولن يسمحوا لأحدٍ كي يضغط عليهم لتقديم منحٍ لإسرائيل التي يجب عليها أنْ تُعيد الأرض التي استولت عليها (إسرائيل).
من الممكن أنْ نتجاهل ما أثاره الأمير تُركي عمَّا سمَّاه بسرقة أراضي الفلسطينيِّين، لكنَّنا نُريد أنْ نُلقي الضَّوء على نقطةٍ مُهمَّةٍ، وهي أنَّ المُبادرة لا تتحدث عن المُفاوضات، وتُطالب إسرائيل بأنْ تنسحب أولاً من جميع الأراضي، بما فيها القدس الشَّرقيَّة، بما يعني إجلاء ما يزيد على ربع مليونِ إسرائيليٍّ، وأنْ تقتصر المُفاوضات فقط على قضيَّة تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، وكذلك قضيَّة الَّلاجئين ممَّا يعني أنَّ اقتراح المُبادرة ليس اقتراحًا جادًّا.
لا يهمنا الآن الانطباع الذي أعطاه المُحلِّلين الإسرائيليِّين تجاه المُبادرة العربيَّة للسَّلام فقد فسَّرها لنا الأمير تُركي، الذي يُعتَبَر من أبرز الشَّخصيَّات التي تقف خلف المُبادرة.
والحقيقة التي يجب أنْ تبقى واضحةً أمام أعيُنِنَا أنَّ المُبادرة لا يُمكن تجاهلها، لأنَّها تُؤكِّد على استعداد العرب للمُضيِّ قُدُمًا نحو السَّلام.
وحتى نكون مُنصفين في تقييم المُبادرة، فهي تعني أنَّ العرب غير مستعدِّين في هذه المرحلة إلى التَّفاوُض، لأنَّ الموقف العربيَّ يُصرُّ على ضرورة قبول إسرائيل غير المشروط بنصوص المُبادرة، وهذه هي العقبة الرَّئيسيَّة أمام قبول المُبادرة من وجهة النَّظر الإسرائيليَّة.
التَّاريخ: 22 سبتمبر 2009م
المُؤلِّف: شلومو أفينيري
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
مُبادرة السَّلام الصَّادرة عن جامعة الدِّول العربيَّة اختلف عليها المُحلِّلين الإسرائيليِّين، فالبعض يعتبرها أساسًا للمفاوضات، ويعتقدون أنَّ إسرائيل عليها أنْ تقبل بها وتعتمد عليها، بينما آخرون ينظرون إليها على أنَّها مُجرَّد إعادةِ صياغةٍ للمواقف العربيَّة التَّقليديَّة التي على إسرائيل أنْ تقبل بها قبل مناقشة بقيَّة المواضيع، كمسألة التَّطبيع وقضيَّة الَّلاجئين التي يُمكن معالجتها بالتَّفاوُض.
حتى لو قبلنا بالرَّأي الأخير الذي يعتبر أنَّ المُبادرة العربيَّة مُجرَّد إعادة صياغةٍ للمواقف العربيَّة التَّقليديَّة فعلينا أنْ نُؤكِّد كذلك على أنَّ المُبادرة تُمثِّل إنفراجةٍ كبيرةٍ في المواقف العربيَّة لأنَّها تتحدَّث بشكلٍ واضحٍ عن رغبة العرب في إقامة سلامٍ مع إسرائيل.
ولكن مع كل هذا فالمُبادرة ليست عبارة عن فتح صفحةِ تفاوضٍ مع إسرائيل، ولكنَّها عبارة عن إملاءاتٍ كضرورةِ قبول إسرائيل أولاً بإقامة دولةٍ فلسطينيَّةٍ عاصمتها القدس، والعودة إلى حدود عام 1967م، وتفكيك المستوطنات.
الآن، وفي 12 سبتمبر، نشرت صَحيفة (النيويورك تايمز) في افتتاحيَّتها مقالاً للأمير تُركي الفَيْصَل من المملكة العربيَّة السَّعوديَّة.. يُمكن من خلال مقاله معرفة أيِّ التَّفسيرات التي سبق ذكرها عن المبارة العربيَّة يمكن قبولها، فالأمير تركي يُعتَبَر من أهم القوى التي تقف وراء مبادرة السَّلام العربيَّة.
أيُّ شخصٍ التقى بتركي الفَيْصَل، المُدير السَّابق لأجهزة الاستخبارات السَّعوديَّة، والسَّفير السَّابق للسَّعوديَّة لدى واشنطن، والآن رئيس مركز الملك فَيْصَل للبحوث والدِّراسات الإسلاميَّة، والمؤثِّر جدًّا في صنع واتِّخاذ القرارات، يعرف جيِّدًا أنَّ الأمير تركي يتمتَّع بصفاتٍ كثيرةٍ، فهو رجلٌ ذو أسلوبٍ ساحرٍ ومثيرٍ للإعجاب، ويُمثِّل وجهة النَّظر المُعتدلة في السَّعوديَّة، والرِّياض تسعى حاليًا لقيادة العالم العربيِّ للسَّلام مع إسرائيل، لذلك فتعليقاته لها وزنها ومكانتها، والإسرائيليُّون الَّذين يتجاهلون تعليقاته هم في الحقيقة يدفنون رؤوسهم في الرِّمال.
تُركي الفَيْصَل في بداية مقاله يُوضِّح لماذا ليس من المعقول بالنِّسبة للدِّول العربيَّة أنْ تنضم لفكرة بناء الثِّقة مع إسرائيل، فتُركي الفَيْصَل يرى أنَّه مع استمرار إسرائيل في بناء المُستوطنات بالضِّفَّة الغربيَّة، وتجاهلها للنِّداءات الدَّوليَّة فمن المستحيل أنْ يمدَّ العرب جسور الثِّقة مع إسرائيل.
والحقيقة أنَّ وجهة نظره تبدو منطقيَّةً حتى بالنِّسبة لأيِّ شخصٍ لا يتَّفق معه في التَّفاصيل، فهو يصف أساس المُبادرة العربيَّة، ويشرح فوائدها ملمِّحًا إلى إمكانيَّة أنْ تُسْهِم هذه المُبادرة في عزل المتطرِّفين أو بعبارةٍ أخرى حركة حماس.
تُركي يؤكِّد على أنَّ إسرائيل لابد وأنْ تكون مستعدةً لتقديم تنازلاتٍ، كما تريد أنْ تحصل على تنازلاتٍ من قِبَلِ الدِّول العربيَّة، والأمير تُركي يُوضِّح النِّقاط الرَّئيسيَّة للخُطَّة بشكلٍ واضحٍ، وتقوم أولاً على قيام إسرائيل بإزالة كافَّة المستوطنات التي أُقيمَت بالضِّفَّة الغربيَّة، وهذا وحده من شأنه أنْ يُظِهر للعالم أنَّ إسرائيل جادَّةً في عمليَّة السَّلام، هذا بالإضافة إلى قضيَّة الَّلاجئين التي يجب حلُّها بالتَّوافُق بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين.
لا يوجد أيُّ غموضٍ، فقضيَّة المستوطنات ليست مفتوحةً للتَّفاوُض، وإسرائيل عليها أنْ تقوم بإخلائها أولاً، كما يُوضِّح الأمير تُركي أنَّ هذه الخُطوة ستجعل جيران إسرائيل العرب يريدون السَّلام، فهم (العرب) لا يمكن أنْ يتسامحوا مع من سرقهم، ولن يسمحوا لأحدٍ كي يضغط عليهم لتقديم منحٍ لإسرائيل التي يجب عليها أنْ تُعيد الأرض التي استولت عليها (إسرائيل).
من الممكن أنْ نتجاهل ما أثاره الأمير تُركي عمَّا سمَّاه بسرقة أراضي الفلسطينيِّين، لكنَّنا نُريد أنْ نُلقي الضَّوء على نقطةٍ مُهمَّةٍ، وهي أنَّ المُبادرة لا تتحدث عن المُفاوضات، وتُطالب إسرائيل بأنْ تنسحب أولاً من جميع الأراضي، بما فيها القدس الشَّرقيَّة، بما يعني إجلاء ما يزيد على ربع مليونِ إسرائيليٍّ، وأنْ تقتصر المُفاوضات فقط على قضيَّة تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل، وكذلك قضيَّة الَّلاجئين ممَّا يعني أنَّ اقتراح المُبادرة ليس اقتراحًا جادًّا.
لا يهمنا الآن الانطباع الذي أعطاه المُحلِّلين الإسرائيليِّين تجاه المُبادرة العربيَّة للسَّلام فقد فسَّرها لنا الأمير تُركي، الذي يُعتَبَر من أبرز الشَّخصيَّات التي تقف خلف المُبادرة.
والحقيقة التي يجب أنْ تبقى واضحةً أمام أعيُنِنَا أنَّ المُبادرة لا يُمكن تجاهلها، لأنَّها تُؤكِّد على استعداد العرب للمُضيِّ قُدُمًا نحو السَّلام.
وحتى نكون مُنصفين في تقييم المُبادرة، فهي تعني أنَّ العرب غير مستعدِّين في هذه المرحلة إلى التَّفاوُض، لأنَّ الموقف العربيَّ يُصرُّ على ضرورة قبول إسرائيل غير المشروط بنصوص المُبادرة، وهذه هي العقبة الرَّئيسيَّة أمام قبول المُبادرة من وجهة النَّظر الإسرائيليَّة.











0 تعليقات:
Post a Comment