الخريطة السِّياسيَّة في مصر: معالمٌ مُتداخلةٌ!!

إعداد- أحمد التَّلاوي

كانت الفترة الماضيَّة حافلةٌ بالعديد من المُتَغيِّرات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، وربما الاجتماعيَّة، ويمكن القول بكلِّ اطمئنانٍ إنَّ الانتخابات التَّشريعيَّة التي جرت في خريف وشتاء العام 2005م، كان لها سواءً على مستوى الإخوان المسلمين أو على مستوى النظام السياسي والحالة السياسيَّة العامة في مصر، وطبقًا للعديد من المُحَلِّلِين السَّياسيِّيْن، فإنَّ السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة حاليًا، بما في ذلك الشَّارع المصري قد باتت مُوَزَّعَةٌ بين قوَّتين أساسيتين، الأولى هي الدَّولة بأجهزتها السياسيَّة والأمنية- وخصوصًا الحزب الوطني الديمقراطي والحكومة- والثَّانيَّة هي الإخوان المسلمين كجماعة سياسيَّة أثبتت حضورها الجماهيري الواضح، وقدرتها السياسية، وأبرزت أنيابها الحقيقيَّة في معركة الانتخابات التشريعيَّة الماضية، وما قبلها وما بعدها من معاركٍ سياسيَّة أخرى.
وتُقْبِلُ مصر في الفترة المقبلة على العديد من الاستحقاقات السِّياسيَّة، مثل انتخابات 2010م التَّشريعيَّة، والتجديد النِّصفي لمجلس الشورى في صيف العام المُقبل أيضًا، والانتخابات الرَّئاسيَّة في العام 2011م، وغيرها من الاستحقاقات.

ومن هنا، وجب على الَّلاعبين السِّياسيِّين الأساسيِّين، معرفة بعض من ملامح البيئة والخريطة التي سوف تتحرَّك في إطارها، وعوامل القُوَّة والضَّعف التي تملكها، لكي تتمكَّن من اتِّخاذ قراراتها بشكلٍ سليمٍ، وتُحدِّد طبيعة تحالفاتها في المرحلة القادمة على الأقل.

وفي هذه الورقة نحاول عرض بعض ملامح من هذه الخريطة، اعتمادًا على مبدأٍ أساسيٍّ، وهو التَّقسيمة التَّقليديَّة ما بين الحكم والمعارضة.
أولاً: النِّظام السِّياسيِّ الحاكم..؛؛

عند النَّظر إلى خريطة مصر السِّياسيَّة من زاويَّة الدَّولة ومؤسساتها، فإنَّنا نستطيع أنْ نُميِّز ما بين عددٍ من القوىً الرَّئيسيَّة التي تتحكَّم في حركة الدَّولة العامَّة على مختلف المُستويات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والعامَّة وهي على النَّحو التَّالي:

مجموعة المُؤسَّسات السِّياسيَّة:

1-مُؤسَّسة الرَّئاسة والجهات المُرتبطة بها أولاً، وبشخص الرَّئيس حسني مبارك ثانيًا.
2-الحزب الوطني الدِّيمُقراطيِّ الحاكم، وعلى وجه الخصوص مُؤسَّسَتَي الأمانة العامَّة التي يرأسها حاليًا الدكتور محمد صفوت الشريف رئيس مجلس الشُّورى في ذات الوقت، ولجنة السياسات التي تتحكَّم في الاتجاهات العامَّة لسياسة الحكومة.
3-المُؤسَّسات التَّشريعيَّة؛ وهذه يتولَّى أمين عام الحزب الحاكم مسئوليَّة إحداها، كما سبق القول، فيما يتولى الدكتور أحمد فتحي سرور، وهو أحد أهم أقطاب الحزب الحاكم، وأمين التَّنظيم فيه رئاسة مجلس الشعب.
4-الحكومة أو السُّلطة التَّنفيذيَّة، ويترأسها حاليًا الدكتور أحمد نظيف، وفيها مجموعةٌ من رجال الأعمال ممَّن يسيطرون على عددٍ من الوزارات السِّياديَّة ومجموعة الوزارات والاقتصاديَّة والخدميَّة، ومن بينهم الدكتور حاتم الجبلي وزير الصِّحَّة، والمهندس محمد منصور وزير النَّقل، وغيرهم.

5-المحلِّيَّات والجهاز الإداري للدَّولة، ويعمل فيها نحو 17 مليونًا من المواطنين، مرتبطين بشكلٍ أو بآخرٍ في رواتبهم ومعايشهم بالحكومة مباشرةً (حوالي 5 ملايين مُوظَّف)، أو بالدَّولة ومُؤسَّساتها بشكلٍ عامٍ.

المُؤسَّسة العسكريَّة والأمنيَّة:

وهذه ذات وضعيَّة خاصَّةٌ في النظام السياسي المصري إذ رغم أنَّه طبقًا للدستور فإنَّ رئيس الدولة هو في الوقت ذاته رئيس مجلس الدفاع الأعلى- الذي يضم في عضويته وزير الدفاع ومدير المخابرات العامَّة ووزير الدَّاخليَّة وعددٍ آخر من كبار المسئولين الأمنيِّين والعسكريين في مصر- والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك القائد الأعلى لجهاز الشُّرطة، إلا أنَّ التجربة السِّياسيَّة في مصر أثبتت أنَّ هناك جهازَيْن غايَّة في الأهمِّيَّة، وهما بمثابة أهم أركان استقرار أي نظام سياسي حاكم وهما: الجيش أو القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة، وهما أهم أجهزة الدَّولة التَّنفيذيَّة ذات السَّيطرة.

وحتى في وسائل الإعلام المصريَّة المعارضة فإنَّه قد يكون من المسموح التَّوجُّه بالنَّقد لرئيس الوزراء أو حتى لرئيس الدولة كما هو الوضع حاليًا، ولكن لا يمكن التَّعرُّض البتَّة لأيٍّ من القوَّات المُسلَّحة أو المخابرات العامَّة، طبقًا لثلاثة أنواعٍ أو مجموعات من القوانين.

المجموعة الأولى منها: قانون العقوبات في المواد "80" والتي تعاقب على إفشاء الأسرار لأي دولةٍ أجنبيَّة أو مَن يعملون لمصلحتها، و"80 أ" والتي تعاقب على إفشاء أسرار الدِّفاع، و"85" والتي تُفصِّل ماهيَّة الأسرار ويعتبر من أسرار الدفاع كل الأخبار والمعلومات المُتعلِّقة بالقوَّات المُسلَّحة وتشكيلاتها وتحرُّكاتها وعتادها وتموينها وأفرادها وكل ما له مساس بالشئون العسكرية..

أمَّا المجموعة الثَّانيَّة منها، فتتمثَّل في القانون رقم "14" لسنة 1967م، والذي يحظر نشر أو إذاعة أيَّة أخبارٍ عن القوات المُسلَّحة دون الحصول على موافقةٍ كتابيَّة منها.

أما المجموعة الثَّالثة فهي التي تخص القانون رقم "100" لسنة 1971م، والذي أُضيفَت إليه مادة برقم "70 مُكرَّر" بالقانون رقم "1" لسنة 1989م، ويُحْظَر بموجبها نشر أيَّة معلوماتٍ عن المُخابرات العامَّة من دون إذنٍ كتابيٍّ من رئيس المخابرات، على أنَّه يجب ملاحظة أنَّه بموجب القانون رقم "14" لسنة 1967م المشار إليه سلفًا، أو هذا القانون- "100"- فإنَّ القضاء العسكري يكون هو المختص بالمحاكمة عن جرَّاء إفشاء الأسرار حتى لو وقعت من مدنيين.

وهناك حدودًا أو خطوطًا حمراء لسياسات الدَّولة تمليها مصالح الجيش، وتقديرات جهازٍ أمنيٍّ كجهاز المُخابرات العامَّة، لا يمكن حتى للرَّئيس تخطِّيها أو التَّغافُل عنها عند رسم أيَّة سياسةٍ أو اتِّخاذ الكثير من القرارات.

ويُضاف إليها في مرتبةٍ أقل جهاز الأمن السِّياسي الدِّاخلي ممثلاً في مباحث أمن الدولة، ولكن هذا الجهاز في الأغلب الأعم هو عبارة عن أداةٍ تنفيذيَّةٍ، ولا دور فعَّال له في رسم السِّياسات أو صناعة القرار، فقط التَّنفيذ، مع مهمة جمع المعلومات، ولقد تطوَّر دور الجهاز ليكون مع قوات الأمن المركريِّ شبه العسكريَّة، والتي يبلغ عددها حوالي 250 ألف فرد، أبرز رموز القمع السِّياسيِّ في مصر.

وتسيطر مُؤسَّسة الرَّئاسة على مختلف مفاصل المُؤسَّسات الرَّسميَّة، عن طريق رئيس الدَّولة، الذي هو في الوقت ذاته رئيس السُّلطة التَّنفيذيَّة بموجب الدُّستور، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ آخرٍ من الصَّلاحيَّات، كما تُسيطر مُؤسَّسة الرئاسة على المجالس المحلِّيَّة عن طريق الحكومة والحزب الحاكم.

مُؤسَّسة رجال الأعمال:

المجموعة أو القوة الثَّالثة التي تعمل في مصر الآن هي مجموعة رجال الأعمال الجدد الذين أفرزتهم سياسات الانفتاح الاقتصادي غير المُرشَّد من مطلع العام 1975م وحتى الآن، وإلى جوار قوتهم الاقتصاديَّة فإنَّ هؤلاء عملوا عبر الثلاثة عقود الماضيَّة من الزَّمن على تطوير أدوات عملهم، حتى استطاعوا أن يكونوا قوَّةً سياسيَّة واجتماعيَّة مؤثِّرةً في مصر؛ حيث استطاعوا دخول مجلسَيْ الشَّعب والشُّورى، وكذلك الحزب الوطني الحاكم، والسَّيطرة على المحلِّيَّات في كثيرٍ من مناطق القاهرة الكبرى ومحافظات مصر.

كما دخل هؤلاء إلى معترك الاقتصاد السِّياسيِّ أي التَّحكُّم في السِّلع والخدمات ذات التَّأثير في حياة المواطن، بحيث يمكن السَّيطرة على كثيرٍ من مفاصل الحياة اليوميَّة والقرار السِّياسيِّ في مصر، مثل قطاعات الاتِّصالات والحديد والصُّلب والإسمنت والصِّناعات الغذائيَّة الأساسيَّة كالسكر؛ حيث جرى تكوين احتكاراتٍ كبيرةٍ تُسيطر على أسواق هذه السلع والخدمات.

هذا الوضع أعطى رغبات هؤلاء ومطالبهم صبغة "الأمر السِّياسيِّ"؛ حيث أدَّت مطالبهم ومتطلبات مصلحتهم الخاصة إلى إصدار قوانين تخفيض الجمارك والضرائب على الدَّخل التي اتخذت في العام 2004م والعام 2005م في مصر، رغم أنَّها أثَّرت كثيرًا على مصادر الدَّخل السِّياديَّة للدَّولة، وهو ما تحمله المواطن العادي في صورة رسومٍ إضافيَّة على الخدمات الممنوحة له كالمياه والصرف الصحي والكهرباء وغير ذلك، ومن المرجح أن يسعى هؤلاء إلى تدعيم مراكزهم السِّياسيَّة عبر التَّفكير في شغل منصب كبير كمنصب رئاسة الوزراء أو رئاسة الدولة في ظل المتغيرات الجديدة وما أفرزته السِّياسات الأمريكيَّة في المنطقة، كما أنَّ سياسات رجال الأعمال أدَّت إلى التَّحكُّم في قطاعاتٍ اقتصاديَّة واجتماعيَّة شديدة الأهمِّيَّة مثل البناء والتَّشييد والعلاج.

المؤسَّسة الدِّينيَّة:

وتشمل هذه المُؤسَّسة المُؤسَّسات الدِّينيَّة الرَّسميَّة التي تُمثِّل الطَّوائف الدِّينيَّة الرَّئيسيَّة في مصر، وهي:
1-الأزهر الشَّريف، بما فيه مُؤسساته الجامع والجامعة، ومن بينها مجمع البحوث الإسلاميَّة.
2-دار الإفتاء المصريَّة.
3-الكنيسة الأرثوذكسيَّة.
4-المجمع الملِّي للطوائف المسيحيَّة في مصر.
5-أقباط المهجر، وهؤلاء منقسمين على نفسهم، بعد اختراق الدولة لهم، ولهم قياداتٌ ما بين أوروبا؛ حيث يوجد المحامي عدلي أبادير، والولايات المتحدة؛ حيث يقيم مايكل منير وقيادات أخرى لها صلة بالكونجرس الأمريكي وبعض المُؤسَّسات الرَّسميَّة الأخرى هناك.
ثانيًا: المعارضة المصريَّة..؛؛

يواجه الباحث المدقق مشكلةً كبرى في وضع تعريفٍ محددٍ وقاطعٍ للمعارضة المصريَّة مع أهمِّيَّة هذا التَّحديد لصياغة رؤيَّة أكثر جدِّيَّة وفاعليَّة للحوار والتَّنسيق فيما بينها لإيجاد جبهة قويَّة وموحدة في مواجهة سلطة حاكمة لا تزال قويَّة وتملك مفاتيح قوة وتأثير كثيرة في البلاد؛ وذلك في سياق معركة التغيير والإصلاح التي أصبح من الواجب الوطني على كل مصري أيًّا كان انتماؤه السياسي أو الطبقي أو هويته الدينيَّة أنْ يخرج فيها.

ويعود جزء من مُشكلة الهويَّة هذه إلى عددٍ من العوامل، من بينها عدم جدِّيَّة بعض القوى فيما تطرحه من خطابٍ للإصلاح، وتحوُّل قلوب وعقول بعضها عن انتماءاتها الرَّئيسيَّة في العمل المعارِض، وتذبذبها ما بين النِّظام والمعارضة لتحقيق مصالح ذاتيَّة، أو بحسب اتجاه الرِّيح الخاص بها، كما أنَّ الفساد الذي طبع الحياة السِّياسيَّة والعامَّة في مصر، انتقل بسبب ممارسات الدَّولة ومساعيها لتحجيم أيِّ نشاطٍ للعمل المعارض في مصر، إلى المُعارضة، خاصَّة مع لجوء الحكم إلى أساليب الرِّشوة السِّياسيَّة لاستمالة بعض أطراف المُعارضة.

ولكن عند تحليل الخريطة السِّياسيَّة في مصر، بمكن تقسيم الخريطة السِّياسيَّة للمعارضة في مصر، إلى السِّتَّة مكوناتٍ التَّالية:

1-أولاً الأحزاب المصريَّة المُعارِضَة للنِّظام، وأهمَّها تحديدًا سبعة أحزاب: أحزاب اليسار الرَّئيسيَّة الثَّلاثة "العربي النَّاصري" و"التجمع" و"الكرامة" (تحت التَّأسيس)، وحزبا يمين الوسط الرَّئيسَيْن المحافظ "الوفد" والإسلامي الاتِّجاه "العمل" (المُجمَّد)، ثم حزب "الغد" الجديد المنقسم على أمره، والذي يرأسه رسميًّا موسى مصطفى موسى، والذي يُعبِّر عن الاتِّجاه الحزبيِّ لتيَّار الِّليبراليِّين الجُدد في مصر بعد حالة الشَّيخوخة التي أصابت ليبراليي حزب "الوفد" لاعتبارات السِّن ومًستجدَّات الزمن والحالة السِّياسيَّة والعامَّة في مصر، وأخيرًا حزب الجبهة الدِّيمقراطيَّة بقيادة الأكاديمي الدُّكتور أسامة الغزالي حرب وفيه بعض الرُّموز التي خرجت من الحزب الوطني الحاكم.

ويعتبر الدكتور أيمن نور الرَّئيس السَّابق لحزب الغد تيَّارًا سياسيًّا بذاته، وأعطته تجربته السَّابقة في الانتخابات الرَّئاسيَّة زخمًا جماهيريًّا، وقد أعلن استعداده لخوض الانتخابات القادمة، وأطلق إشاراتٍ بعينها عن الإخوان المسلمين في تصريحاته الأخيرة، ويجب استغلالها، ولكن بعد دراستها جيِّدًا.

وقد تدخَّلت الدَّولة كثيرًا لتعطيل أنشطة الأحزاب المصريَّة، ونجحت بالفعل في شقِّ صفِّ كثيرٍ منها، مثل حزب الغد وحزب الأحرار وحزب الوفد، وتجميد أنشطة أحزاب أخرى إمَّا بقرارٍ أو عن طريق عدم الاستجابة لطلبات التَّأسيس مثل العمل والكرامة والوسط الإسلامي.

2-النَّقابات المهنيَّة التي استطاعت جماعة الإخوان المسلمين- عبر الوصول إلى كثير من مجالسها العامَّة- إعادة الحياة لها كواحدة من أهم منافس ومنافذ العمل السياسي والاجتماعي في مصر، ومن بين أهم النَّقابات النَّاشطة سياسيًّا في مجال قضيَّة الإصلاح والتَّغيير نقابات "المحامين" و"الصَّحفيين" و"المهندسين" و"الأطباء".

3-مُؤسَّسات المجتمع المدني، ومن بينها جمعيَّات حقوق الإنسان والمراكز الإعلاميَّة والبحثيَّة والقانونيَّة العاملة في هذا القطاع، والجمعيَّات الأهليَّة ذات الطابع الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ، ويمكن رصد مجموعةٍ من أهم الأسماء في هذا الشأن، وهي نحو 18 مركزًا قانونيًّا بحثيًّا وإعلاميًّا وجمعيَّاتٌ حقوقيَّة ونذكرها بالاسم: "المنظمة المصريَّة لحقوق الإنسان"، "مركز الأرض"، "المركز العربي لاستقلال القضاء والمحامين"، "مركز هشام مبارك للقانون"، "مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان"، "ملتقى هيئات المرأة"، "دار الخدمات النقابيَّة والعماليَّة"، "مركز دراسات وبرامج التَّنمية"، "مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء"، "مركز النَّديم لعلاج ضحايا التَّعذيب"، "مركز الدِّراسات بجامعة حلوان"، "المركز المصري لحقوق المرأة"، و"المكتب الاستشاري العربي"، "المبادرة المصريَّة للحقوق الشَّخصيَّة"، "مركز دراسات الدول الناميَّة بجامعة القاهرة"، "مركز الدِّراسات الاشتراكيَّة"، "مركز (الأهرام) للدِّراسات السِّياسيَّة والإستراتيجيَّة"، و"مركز الدراسات المستقبلية"، وهناك غيرها بطبيعة الحال، إلا أنَّ هذه بعضها.

4-جماعة الإخوان المسلمين، والتي تحتل وحدها مكانةً خاصةً في هذا المجال؛ حيث تمثل نموذجًا لحركات الإسلام السِّياسيِّ التي أجبرت الولايات المتحدة- القوة العظمى في عالم اليوم- على الطلب في الدخول في حوارٍ معها، سواء في مصر أو في العالم الإسلاميِّ والمنطقة العربيَّة والأوسطيَّة، كما بدا في ملتقى الحوار الإسلامي- الأمريكي الثاني المنعقد في العاصمة القطريَّة الدوحة في أبريل 2005م، وهو الحوار الذي رفضته قوى الإخوان وممثلوها في الأردن ومصر وغيرها، باعتبار أنَّ الولايات المتحدة تمثل الاحتلال الصهيوني لفلسطين والقدس والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وتمثل "جوانتانامو"؛ حيث دُنِّس "المصحف الشريف".. وغير ذلك.

وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين أكبر قوى المعارضة في مصر الآن وأكثرها جماهيريَّة واتصالاً بهموم المواطن، انطلاقًا من تجربتها السِّياسيَّة والاجتماعيَّة منذ عقد العشرينيَّات من القرن الماضي بعد تأسيسها على يد الإمام الشَّهيد حسن البنا؛ ولذلك كان قرار خوض الجماعة لمعركة الإصلاح في مصر- منذ أول ظهور علني جماهيري لها في الشَّارع قبل بضعة أشهر- أحد أهم التطورات السياسيَّة التي عرفتها مصر خلال السنوات الماضية؛ لأن تيار الإسلام السِّياسيِّ- وبالذات جماعة الإخوان- هو الأقدر على طرح بديل للسلطة الحاكمة في مصر بخلاف الأحزاب الورقيَّة الأخرى التي أدَّت سياسات النظام الحاكم إلى شلها عن الحركة.

5-التَّحالفات أو التَّجمُّعات السِّّياسيَّة البديلة، وهي مجموعاتٌ ذات طابعٍ غير مؤسسيٍّ تعمل في الشارع السِّياسيِّ المصريِّ، وظهرت نتيجة لعددٍ من العوامل، من بينها عدم وجود منافذ أخرى للعمل السِّياسيِّ، وتعطيل الدَّولة للعمل السِّياسيِّ المُؤسَّسي، وغياب الأحزاب عن الصُّورة، وعدم رغبة الكثيرين في العمل السِّياسيِّ مع الحزب الحاكم والإخوان المسلمين معًا، وكذلك استجابة لبعض القضايا الفئويَّة والسِّياسيَّة الخاصَّة.

ومن بينها الحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، بالإضافة إلى بعض الحركات التي ظهرت من رحم الإخوان المسلمين أو تأثرًا بخطابهم العام، مثل "مهندسون ضد الحراسة" و"محامون ضد الفساد"، و"الحملة الشَّعبيَّة لوقف تصدير الغاز إلي إسرائيل"، و"حركة شباب 6 أبريل".

وفي هذا السِّياق عمدت هذه التَّجمُّعات وغيرها على النُّزول إلى الشَّارع مع عدم جدوى التَّعاطي مع النِّظام الحاكم، وحمله على الاستجابة لمطالبها الخاصَّة والعامة فيما يخص ملف التَّغيير والإصلاح في مصر، ومن أهم ما يميز حركة المعارضة المصريَّة الجديدة هو قدرتها على خلق شعارات جديدة أيضًا، ولها القدرة على تكثيف مطالبها في عباراتٍ أو كلماتٍ سهلةٍ، والتَّحرُّك بعيدًا عن الاعتبارات السِّياسيَّة وقيودها والتَّعقيدات الأمنيَّة ومشكلاتها.

ومن بين هذه التَّجمُّعات أيضًا "التَّحالُف الوطني من أجل الإصلاح في مصر"، والذي دعا الإخوان المسلمين إلى تأسيسه بالتَّعاون مع شخصيَّاتٍ من ألوان الطيف السِّياسيِّ والفكريِّ في مصر، من أحزاب "الوفد" و"الغد" و"العمل" والحزب "العربي الناصري" وحركة "كفاية" وأحزاب أخرى رفضت الدولة في مصر إشهارها أو تأسيسها مثل حزب "الشريعة".

6-الحركة الطُّلابيَّة والشَّبابيَّة، وهي حركة مؤثِّرة بالرَّغم من سيطرة الدَّولة عن طريق الأدوات الأمنيَّة والإداريَّة على الجامعيَّة في مصر، ولكن وجود التيار الإسلامي، وعلى رأسه تيار جماعة "الإخوان المسلمون" داخل الجامعات والكليَّات في مصر، أنعش الحركة الطلابيَّة في السَّنوات الأخيرة، كما يمكن وضع نوادي أعضاء هيئات التدريس في الجامعات المصريَّة، وحركات مثل "9 مارس" ضمن هذه الحركة، مع بدءها في أنشطةٍ معارضة لوجود الدَّولة وسيطرتها على الحياة الأكاديميَّة في مصر، وتخوض حاليًا معركةً قضائيَّة لإخراج الأمن من حرم الجامعات المصريَّة.

وهناك أهمِّيَّة للدور الذي يمكن أنْ يلعبه الشَّباب في ملف التَّغيير والإصلاح، باعتبارهم القوة الأقدر على الحركة والفعل داخل المجتمع، خاصةً إذا ما ارتبطوا بأيَّة جماعات أو أحزاب سياسيَّة لها أجندةٌ مخالفةٌ لأجندة النِّظام السِّياسي الحاكم، ولذلك سعت الدَّولة، ومن البدايَّة إلى السَّيطرة على جميع المنافذ التي يتحرك من خلالها الشَّباب لا سيما شباب الجامعات مثل الأسر والاتحادات الطُّلابيَّة والأنديَّة الرِّياضيَّة والاجتماعيَّة ومراكز الشَّباب؛ حيث إنَّ تاريخ الجامعات والحركة الطلابيَّة في مصر عبر العقود الماضيَّة كان حافلاً بالعديد من حركات الاحتجاج ذات الطَّابع الوطنيِّ والسِّياسيِّ وذات التَّأثير العميق في الحياة السِّياسيَّة في مصر؛ حيث إنَّه منذ تأسيس نادي المدارس العليا في مصر عام 1906م انطلقت البدايَّة الحقيقيَّة للحركة الطًّلابيَّة ودورها الوطني الذي اتسع، وامتدَّ حتى أصبح هو القوة الفاعلة والمؤثرة في عدد من كبار الحوادث السِّياسيَّة في مصر.

يُضاف إلى هذه المكونات السِّت الأساسيَّة على المستوى الدَّاخلي من المعارضة المصريَّة مجموعةٌ من الأطراف الأخرى التي لا يمكن إدراجها في التَّصنيفات أو التقسيمات السالفة الذكر وعلى رأسها مجموعة من الصُّحف ذات الدَّور البارز في العمل الإعلاميِّ المعارض في مصر بغض النَّظر عن الاتِّفاق أو الاختلاف مع تيارها الفكريِّ والسِّياسيِّ وأساليب عملها الصَّحفي، ومن بينها (الأسبوع) و(صوت الأمة) و(الدستور).

كما أنَّ المدونين في مصر صاروا قوَّةً، مع دخول جماعة الإخوان المسلمين إلى هذا المجال، بحيث صار التَّدوين أحد أهم وسائط التَّعبير عن الرَّأي في مصر، وإنْ كانت حركات مثل "شباب 6 أبريل" وبعض المدونين المستقلِّين مثل كريم عامر ووائل عباس قد انحرفوا عن رسالة العمل الإصلاحي، وبدأوا في التَّرويج لأفكارٍ غير متوافقة مع هويَّة المجتمع المصري، وتلقِّي أموالٍ من الولايات المتحدة.

يُضاف لهذا مجموعة من الشخصيات المستقلة التي تعمل على موضوع الإصلاح والتغيير الديمقراطي في مصر، مثل المهندس كمال خليل وكمال أبو عيطة أحد قياديي حركة الكرامة النَّاصريَّة، بجانب مجموعة من رموز الفن المحترم في مصر مثل "عبد العزيز مخيون بسبب عضويته في "كفاية".

وعبر تاريخ مصر السِّياسي الحديث يُلاحظ أن أهم فئتين كانتا وراء أي تغيير سياسي أو نظمي عميق ومؤثر هما الجيش والجماعات الإسلاميَّة أو علماء الدِّين بوجه عام منذ أنْ وقف السَّيِّد عمر مكرم والشَّيخ حسن العطَّار والشَّيخ السَّادات ورجال الأزهر في وجه المستعمر الفرنسي، ثم توليتهم الحكم لمحمد علي باشا الكبير عام 1805م، وحتى اغتيال خالد الإسلامبولي للرَّئيس أنور السادات في العام 1981م، مرورًا بتجربة الإمام الشهيد "حسن البنا" وغيره من رجال الدَّعوة، أما على مستوى الجيش فثورة أحمد عرابي ورفاقه كانت في الأساس ثورة الجيش، وثورة يوليو 1952م كانت مشاركة بين الجيش والإخوان المسلمين.

وقد قامت كل هذه القوى بعدة محاولات لتنسيق جهودها في مواجهة نظام لا يزال يمتلك الكثير من مكامن القوة في المجتمع المصري وعلى رأسها الأداتان الإعلاميَّة والأمنيَّة، ولكن التنافر في الأجندات والهويَّات الفكريَّة، بجانب عسف النِّظام وممارساته ضد قوى المعارضة الوطنيَّة أفشل مثل هذه المحاولات، والتي كان من بينها "لجنة الدفاع عن الديمقراطية"، و"لجنة التوافق الوطني من أجل الإصلاح السيِّاسيِّ والدُّستوريِّ في مصر"، وتضم مجموعةً من الأحزاب المصريَّة المعارضة.

ثالثًا: المُؤسَّسة القضائيَّة..؛؛

تُعتَبر المُؤسَّسة القضائيَّة في مصر مُؤسَّسةٌُ فريدةٌ من نوعها في الحياة السِّياسيَّة المصريَّة، فلا يمكن حسابها على الحكم ولا على المعارضة في مصر.

وتتنازع المُؤسَّسة مجموعةٌ من التَّيَّارات والاتجاهات، على أهميتها، وتخوص المعارضة المصريَّة ممثلةٌ في الإخوان المسلمين والدَّولة معركةً كُبرى على قلب وعقل هذه المُؤسَّسة.

وهناك داخل العديد من الجهات داخل المُؤسَّسة القضائيَّة يدور فيها الصِّراع السِّياسيِّ بشكلٍ أساسيٍّ، ومن بينها أنديَّة القُضاة الرَّئيسيَّة في القاهرة والإسكندريَّة وطنطا وغيرها، ومجلس الدَّولة والنَّادي الخاص به، بالإضافة إلى المحاكم الرَّئيسيَّة في مصر مثل الدستوريَّة العليا والنقض والإداريَّة العليا، والتي تكون في الغالب مسئولةٌ عن القضايا المُهمَّة وبعض الأمور السِّياسيَّة بموجب صلاحيَّاتها الدُّستوريَّة، مثل البت في مدى صلاحيَّة القوانين وغيرها.

وبجانب تدخلات الدَّولة في أنديَّة القُضاة سياسيًّا، فهناك أدوات عديدة للتَّدخُّل، مثل التَّعيينات في المناصب العليا، والسيطرة على مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل التي لها تبعيَّة القضاة ماليًا وإداريًّا.



0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح