خارطة الطَّريق نحو جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ...



كتب: أحمد عبد الفتَّاح
فًتَحَتْ (اتِّجاهات) في أعدادها الأخيرة ملف مقترح تأسيس جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، والذي أُثير على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، ففي العدد الخامس، وتحت عنوان "هل راهن الإخوان على الجواد الخاسر في إفطارهم؟"، رُصِدَت محاولة الإخوان الأخيرة لإنشاء جبهةٍ وطنيٍةٍ جديدةٍ على غرار العديد من الجبهات الوطنيَّة التي قامت في الفترة الأخيرة، وكان مصير أغلبها هو الفشل.
ولعل القوى الوطنيَّة المصريَّة لم تجتمع على هدفٍ مشتركٍ قدر اجتماعها هذه الأيام على فكرة ضرورة إنشاء جبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، تضمُّ كافَّة قوى وألوان الطَّيف السِّياسيِّ المصريِّ من أجل مواجهة سيناريو التَّوريث المنتظُر والمُتسارِع في خطواته، والوصول إلى نتيجةٍ في ملفِّ الإصلاح والتَّغيير في مصر، والذي لم يحدث فيه أيُّ تقدُّمٍ تقريبًا منذ أنْ فُتِحَ هذا الملف.
(اتِّجاهات) تفتح من جديد ملف التَّحالُف الوطنيِّ، وتحاول أنْ ترصًد هذه المرة "خارطة طريقٍ" للوصول لكيفيَّة الوصول التَّحالف الوطنيِّ الجديد أو الجبهة الجديدة، التي أصبحت وبلا شك أمل مصر الوحيد لتخرج ممَّا هي فيه الآن.
ولكن وقبل الخوض في هذه الإشكاليَّة يتطرَّق سؤالٌ لابدَّ من الإجابة عليه قبل أيِّ شيءٍ، وهو.. لماذا جبهةٌ وطنيَّةٌ، وما هو دورها؟
لماذا الآن جبهةٌ وطنيَّةٌ؟
يُجْمِع السِّياسيِّين في مصر بدايةً من أقصى اليمين الِّليبراليِّ إلى يمين الوسط الإسلاميِّ، وحتى أقصى اليسار الشُّيوعيِّ، أنَّ مصر أصبحت في أمسِّ الحاجة إلى تحالُفِ كافَّة قُواها الوطنيَّة في جبهةٍ جديدةٍ لإنقاذ "ما يمكن إنقاذه" في مصر ومن مصر.
فمصر تُواجه هذه الأياَّم العديدَ من التَّحدِّيات، لعلَّ أبرزها تسارُع ملفِّ التَّوريث، ووصل الأمر إلى حدِّ ظهور جمال مبارك نجل الرَّئيس في زياراتٍ ميدانيَّةٍ إلى قُرى ونجوع مصر، وفي صحبته عددٌ من الوزراء يُلقي إليهم الأوامر لحلِّ مشاكل سُكَّان تلك القرى والنُّجوع، في صورةٍ ذهنيَّةٍ تُعيدنا إلى سنينَ عدَّةٍ خلت، عندما كان يتكرَّر نفس ذلك المشهد مع اختلافٍ بسيطٍ، وهو أنَّ بطله الرَّئيسي كان الرَّئيس حسني مُبارك نفسه، لا نجله جمال.
وكما قلنا في رهان الإخوان على الجواد الخاسر، فمع تسارُع وتيرةِ سيناريو التَّوريث، لا يوجد حلٌّ أمام القوى السِّياسيَّة المصريَّة إلا التَّصدِّي لذلك السِّيناريو بكافَّة الطُّرق، وهو ما يتطلَّب تحالفها فيما بينها في كيانٍ ضخمٍ يمكن له أنْ يُهدِّد ذلك النِّظام العجوز، وهو الأمر الصَّعب، فالنِّظام المصري هو نظامٌ راسخٌ في الحكم لعواملٍ عدَّة لا مجال لذكرها هنا.
أمَّا علي باقي الأصعدة سواءٌ الاقتصاديِّ منها أو الاجتماعيِّ أو الصِّحيِّ أو التَّعليميِّ، فمصر تُعاني وبشدَّة في كافَّة تلك المجالات، فجميع التَّقارير الدَّوليَّة أو حتى المحلِّيَّة، حتى بما فيها تلك التي تُُصْدِرُها جهاتٌ حكوميَّةٌ مصريَّةٌ، تبرهن بالدَّليل القاطع علي مدى تدهور الوضع في مصر على كافة المستويات.
وبعيدًا عن التَّقارير، تكفي جولةٌ في أيِّ شارعٍ في مصر لمُدَّة ساعةٍ واحدةٍ، للوقوف علي الوضع المأساوي في مصر.
فقدان الأمل لدى المصريِّين هو المُشكلة الأكبر التي تُواجه البلاد، فسيناريو التَّوريث وكافَّة المشاكل التي تُعاني منها البلاد حاليًا يمكن مواجهته في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهي تصدِّي المصريين لها.
وبغضِّ النَّظر عن كلِّ ما فات، فإنْ قامت جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ لها هدفٌ واحدٌ فقط، يجب أنْ يكون هذا الهدف هو إعادة بثِّ الأمل في المصريِّين من جديدٍ، بعد حالة اليأس القياسيَّة التي وصولوا إليها.
في منطق الأهداف
بعد أنْ طوَّفنا سريعًا في الأسباب التي يجب بمقتضاها أنْ تقوم جبهةٌ وطنيَّةٌ جديدةٌ الآن، وليس بعد ساعةٍ، يظهر السُّؤال التَّالي: ما هي أهداف هذه الجبهة؟
التَّجرُبة تُؤكِّد أنَّ الأهداف المُباشِرة والمُركَّزة هي دائمًا الطَّريق الأسهل والأقصر والأوقع للنَّجاح، فعلى مرِّ الأعوام الأخيرة أثبت العُمَّال أنَّهم الوحيدون الذين استطاعوا ليَّ يَدِ النِّظام، والحصول على حقوقهم منه بالقوَّة، ولنْ نكون مُبالغين إنْ قُلنا إنَّ العمال هم أوَّل من فاز في معركة أمام هذا النَّظام القمعيِّ.
وبإلقاء نظرةٍ على معارك العُمَّال مع النِّظام، نلاحظ أنَّها كانت دائمًا معاركٌ بأهدافٍ صغيرةٍ مرحليَّةٍ سهلة التَّنفيذ، ومع تحقيق الهدف تنتقل المعركة إلى الهدف التَّالي، وهكذا.
فالعمال مثلاً كانوا يبدءون مطالبهم بطلب صرف بدلٍ لا يتجاوز بضعة جُنيهات عن كلِّ شهرٍ، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم بعد الحصول على هذا البدل إلى معركةٍ على بدلٍ لآخر محرومين منه، ثُمَّ تتطوَّر مطالبهم إلى مطالبتهم برعايةٍ صحيَّةٍ وسكنٍ ملائمٍ.... الخ.
وبدراسة هذه الحالة الفريدة يُمكن أنْ نستنتج أنَّ أيَّ تحالفٍ ناجحٍ لابد أنْ يبحث عن هدفٍ واحدٍ يلتف حوله الجميع، ويحاربون من أجل تحقيقه، ثم الانتقال إلى هدفٍ مرحليٍّ آخرٍ بعد تحقيق الهدف الأول.
ولعل الأهداف المرحليَّة يمكن أنْ تتنوَّع وتختلف، كما أنَّ المشكلة الأهم أنَّ لكلِّ فصيلٍ سياسيٍّ في مصر أهدافه الخاصَّة التي يراها عاجلةً، ولهذا يجب البحث عن هدفٍ لا يختلف عليه أحدٌ.
التَّوريث مفتاح النَّجاح!!
وبدراسة الواقع المصريِّ الحاليِّ نستنج أنَّ مُفتاح نجاح أيِّ تحالفٍ وطنيٍّ جديدٍ هو التَّوريث، فالنِّظام من جهةٍ أصبح يحثُّ الخُطى من أجل تنصيب النَّجل خلفًا لوالده، بينما تُجْمِع كلُّ قوى المُعارضة المصريَّة سواءٌ أكانت أحزاب- حقيقيَّةً وليست كرتونيَّةً من قَبيل حزب الأمة الذي صوَّت رئيسه للرَّئيس مبارك رئيسًا لمصر، رغم أنَّه كان أحد مُنافسيه في الانتخابات- والقوى والجماعات الوطنيَّة المصريَّة والحركات الاجتماعيَّة وفرد الشارع العادي على وجوب التَّصدي لملف التَّوريث، ويرفضون وصول جمال مبارك إلى كُرسيِّ رئاسة الجمهوريَّة، لا لشيءٍ إلا لأنَّه نجل الرَّئيس.
إذًا فالهدف المُرشَّح وبقوَّةٍ لأَنْ يكون الهدف الرَّئيس لأيِّ تحالفٍ جديدٍ هو مُواجه ملف التَّوريث وبقوَّةٍ، ولعل فُرص النَّجاح في هذا الملفِّ كبيرةٍ جدًّا، وأكثر من فُرص النَّجاح في أيِّ ملفٍّ لآخر كملفِّ إطلاق الحُرِّيات أو ملفِّ المُعتقلين السِّياسيِّين؛ لأنَّ ملف التَّوريث هو تقريبًا الملفُّ الوحيد الذي لا يُلاقي إجماعًا من أركان النِّظام.
فوفق ما يتسرَّب من داخل أروقة قُصور الحكم في مصر، فهناك أطرفٌ قويَّةٌ في مصر ترفض تصعيد جمال مبارك خلفًا لوالده، لأنَّه من ناحيةٍ ليس من أبناء المُؤسَّسة العسكريَّة، ومن ناحيةٍ أخرى فهو رافضٌ لقيادات الحرس القديم  في الحزب الوطنيِّ.
وباستغلال هذا الرفض استغلالاً جيِّدًا، فمن السَّهل جدًّا لأيِّ حركة احتجاجٍ مصريٍّ جديدةٍ أنْ تفوز وبضربةٍ قاضيةٍ على النِّظام في هذه المعركة.
من هم أعضاء التَّحالُف؟
لعلَّ أحد أهم أسباب انهيار التَّحالُفات السَّابقة هي أمرَيْن، الأوَّل هي تشتُّتها في أهدافها، وعدم توحُّدها على هدفٍ واحدٍ واضحٍ بسبب اختلاف أيديولوجيَّات مُكوِّنات التَّحالُف، أما السَّبب الثَّاني فهو مُكوِّني التَّحالُف نفسه.
هناك حقيقةٌ مُؤسفةٌ في مصر، وهي أنَّ نسبة 2% فقط من سكَّان مصر هم أعضاءٌ في أحزابٍ سياسيةٍ، وأغلبهم هم أعضاءٌ في الحزب الوطنيِّ الدِّيمُقراطيِّ الحاكم، وبإضافة عدد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها أكبر فصيلٍ سياسيٍّ في مصر، إلى الرَّقْم السَّابق، لن نجد أكثر من 5% من المصريِّين هم من لهم نشاطٌ سياسيٌّ ضمن جماعةٍ سياسيَّةٍ في مصر.
وهذا الرَّقْم من المُمْكِن أنْ يُؤشِّر لنا وبقوَّةٍ عن سبب فشل أغلب التَّحالُفات القديمة التي قامت على الأحزاب، وفي بعض الأحيان على جماعة الإخوان المسلمين والحركة المصريَّة من أجل التَّغيير "كفاية"، بجانب تلك الأحزاب حتى أصبح طقسًا عند تكوين أيِّ جبهةٍ جديدةٍ أنْ يتمَّ التَّشاوُر بين هذه القوى، وفقط ويكون الاختلاف في نوعيَّة المُنضمِّين.
ففي بعض الحالات ينضم الإخوان وفي حالاتٍ ثانيةٍ لا ينضموا بسبب رفض بعض القُوى التَّعاون معهم، إلا أنَّ المُحصلِّةَ دائمًا في النَّهاية هي تحالفٌ يُدور في أحسن الأحوال في رقم 3% من سكان مصر.
وحتى جماعة الإخوان المسلمين نفسها، وفي إفطارها السَّنويِّ الأخير الذي وضعوا له هدفٌ عريضٌ، وهو الخروج بجبهةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ، فشلت في تحقيق هذا الهدف، لأنَّ الجماعة راهنت على الَّلاعبين "الطَّبيعيِّين" الذين يلعبون على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة منذ سنينَ عدَّة، بعضهم قياداتٌ سياسيَّةٌ تاريخيَّةٌ، وبعضهم ظهر مع الحراك السِّياسيِّ الأخير في مصر والذي بدأ في العام 2005م واستمر حتى العام 2007م تقريبًا، من دون التَّفكير بالدَّفع بدماءٍ جديدةٍ في التَّحالف الجديد.
نعود هنا إلى ذات الفكرة التي سبق وأنْ تمَّ التأكيد عليها من قبل؛ حيث إنَّ أيَّ تحالُفٍ وطنيٍّ ينجح في تحقيق أهدافه في مصر، وعلى رأسها هدف التَّغيِّير، يجب أنْ يضمَّ الحركات والأُطُر الشَّعبيَّة القادرة على تحريك النِّظام والتَّأثير فيه، ومن بينها الاحتجاجات العُمَّاليَّة.
ولكن ثَمَّة مشكلةٍ ها هنا، وهي أنَّه صحيحٌ أنَّ هناك تأثيرًا سياسيًّا للحركات العُمَّاليَّة، بطبيعة حركاتها، ولكن هل الحركات العُمَّاليَّة راغبة في تحويل اتِّجاهها من حزمة أهدافها الاجتماعيَّة والمعيشيَّة إلى قائمة أهداف ذات طابعٍ سياسيٍّ؟.
إنَّ ما تُدركه هذه الحركات أنَّ سرَّ نجاحها يعود إلى أنَّها بعيدةٌ عن العمل السِّياسيِّ، وغير مرتبطةٍ بفصيلٍ بعينه، ولكنَّها قد تنأى بنفسها عن أيِّ محاولةٍ لانتزاعها من هذا الإطار إلى إطارٍ آخرٍ تفشل فيه.
إذن فإنَّ المُهمَّة الأولى لأيِّ تحالُفٍ وطنيٍّ جديدٍ في مصر ليست في جذب الحركات العُمَّاليَّة، ولكنها في "إقناع" هذه الحركات وقياداتها، بقائمة الأهداف والحركة الجديدة!!

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح