مفهوم الأمن القومي بين الثَّابت والمُتغيِّر!!..


إعداد: أحمد التَّلاوي
مُنْذُ ظهور الدولة القوميَّة على شكلها الحالي بعد اتفاقيَّة (ويست فاليا) الموقَّعة في العام 1648م والتي أنهت مئات الأعوام من الحروب الدينيَّة والمذهبيَّة في أوروبا وتُعتَبر قضيَّة "الأمن القومي" هي الأهم بالنسبة لأيَّة حكومة أو سلطة سياسيَّة حاكمة في أيِّ إقليمٍ مُستقلٍّ وله سيادة على شعبه وأرضه، مع كون الدَّولة القوميَّة ووجودها على قيد الحياة وتفعيل سيادتها على حدودها الجغرافيَّة المعتمدة والمعترف بها- بما فيها من امتدادات في الجو والبر والبحر إنْ وُجدت للدولة حدودٌ بحريَّة- نظرًا لأن ذلك هو الضَّمانة الوحيدة للحفاظ على الأمن والسِّلم الدوليَّيْن، مع اعتماد الدَّولة القوميَّة معيارًا أساسيًّا لحركة السِّياسة العالميَّة.
وعلى أهميَّة هذه المسألة في صدد تسيير حركة السِّياسة العالميَّة وفي حالة الاستعمار الغربي المباشر لعدد كبير من بلدان القارات التي كانت الأقل تطورًا في السلم الحضاري كما في أفريقيا وآسيا وطيلة خمسة قرون كاملة (من القرن الخامس عشر منذ بدء حركة الكشوف الجغرافيَّة في أواخره وحتى القرن العشرين بأكمله) حرص المستعمر الأوروبيِّ على معرفة الحدود الجغرافيَّة أو شبه الطبيعيَّة للكيانات التي كان يحتلها، والسَّعي، إما إلى الإبقاء عليها أو تعديلها على النَّحو الذي يدعم مصالحه.
ولعل الحالة الأبرز في الاتِّجاه الأوَّل هي النَّموذج الكويتيُّ؛ حيث إنَّ الحرص على حدود دولة الكويت ووجودها- أو الأمن القومي لها كما في التَّعريف الأوَّليِّ له- هي إحدى مُسلَّمات السِّياسة الغربيَّة في المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة لأسبابٍ معروفةٍ، ليس هذا مجال تناولها، أمَّا الحالة الثَّانية التي رَسَمَ فيها الاستعمار- وبوضوح- حدودًا مغايرةً للواقع السياسي والبشري على الأرض ومتطلباته هي اتفاقيَّة "سايكس- بيكو" التي وُقِّعت في العام 1920م ورُسِم بمقتضاها مصير شعوب الجناح الشَّرقيِّ كله للعالم العربي في العراق والهلال الخصيب.
تعريفاتٌ عدَّةٌ
بوجهٍ عام يُقصد بالأمن القومي كتعريف أَوًّليٍّ أو كلاسيكي تلك الأمور والقضايا المُتعلِّقة بحماية الدَّولة وبقائها وضمانة أمن حدودها المحيطة، وكذلك الفضاء التَّابع لها جوًّا وبحرًا لو كانت هذه الدَّولة تمتلك شواطئ على البحار المفتوحة، ويُدخل بعض علماء الإستراتيجيَّة الدَّوليَّة- مثل ليدل هارت- قضيَّة الحفاظ على المصالح الحيويَّة للدولة حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل منابع نهر النِّيل بالنسبة لمصر، وتأمين مصادر المياه للدَّولة.
وهذا التَّعريف تتفق معه دائرة المعارف البريطانيَّة التي قالت إنَّ الأمن القومي هو "حمايَّة الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبيَّة" أو كما قال وزير الخارجيَّة الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر إن مفهوم "الأمن" يعني "أيّ تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء".
وهذا التَّعريف- كما يقول الدكتور‏ بهجت قرني (أستاذ العلاقات الدوليَّة والاقتصاد السياسي بجامعة مونتريال‏ الكنديَّة‏ والجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة)- يقصُر تهديدات الأمن القوميِّ على المناحي العسكريَّة البحتة والمصدر الخارجي‏ فقط، وبالتالي يقصر وسائل الدفاع عن الأمن القوميِّ على الأداة العسكريَّة فقط والتَّسليح.
إلا أنَّ هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وساهمت أحداث 11 سبتمبر في المزيد من التطوير لهذا المصطلح ومكوناته، مع تراجع التهديدات العسكريَّة للأمن القومي إلى مراتب أدنى لصالح تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصِّراعات العرقيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة التي أدَّت في الكثير من الأحوال إلى تفتُّت دولٍ بأسرها واختفائها وظهور دول أخرى محلها.
كما أنَّ التَّدخُّلات الدَّوليَّة أو الخارجيَّة في الشُّئون الداخليَّة للدَّول لم تعُد تقتصر على التَّهديد المُسلَّح، بل بات تهديد المصالح الاقتصاديَّة والسياسيَّة الإقليميَّة والدَّوليَّة على قدرِ درجة قُوَّة وانتشار نفوذ الدَّولة وبالتالي توسع مصالحها وممكنات تهديداتها؛ ولذلك فإن اللواء الدكتور زكريا حسين- أستاذ الدراسات الإستراتيجيَّة والمدير الأسبق لأكاديميَّة ناصر العسكريَّة المصريَّة- وضع تعريفًا للأمن القوميِّ للدَّولة يتضمَّن الآتي: "القُدْرَة التي تتمكَّن بها الدَّولة من تأمين انطلاق مصادر قوَّتها الدَّاخليَّة والخارجيَّة.. الاقتصاديَّة والعسكريَّة.. في شتَّى المجالات، في مواجهة المصادر التي تتهدَّدها في الدَّاخل والخارج، وفي السِّلم والحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطًا للأهداف المُخطَّطة".
وطبقًا لهذا التَّعريف فإنَّ هُناك مجموعةً من الاشتراطات المُهمَّة بالنسبة لقضيَّة الأمن القوميِّ تقوم على أساس مبدأَيْ الإدراك والتَّنمية؛ حيث الإدراك هو معرفة طبيعة مُمْكنات الخطر الدَّاخليِّ والخارجيِّ، ثُمَّ رسم سياسةٍ شاملةٍ أو إستراتيجيَّةٍ مُحدَّدةٍ لتنمية قوى الدَّولة لمواجهة هذه التَّهديدات الخارجيَّة والدَّاخليَّة وفق سيناريوهاتٍ مُحدَّدةٍ، مثل القوَّات المسلَّحة، والاقتصاد القوميِّ الشَّامل، وتأمين كافة مُرتكزات الشَّأن المعنويِّ لدى المواطنين.
وعلى ذلك فإنَّ قضيَّة الأمن القومي قضيَّة متنوعةٌ في أبعادها، فهناك المناحي الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وكذلك السياسيَّة والعسكريَّة.. وغيرها، وتهتم بهذه الأمور مجموعةٌ من الأجهزة الأمنيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة المختصة.
تنويعاتٌ على التَّعريف
من واقع مُستجدَّات الحال في السَّاحة السِّياسيَّة الدَّوليَّة والصُّعوبات التي وُضِعَت في طريق استخدام الأدوات العسكريَّة في العمل السِّياسيِّ الدَّوليِّ- باعتبار أنَّ الحرب هي السِّياسة بوسائلٍ أخرى- باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنَّ الصِّراعات الإقليميَّة والدَّوليَّة أصبحت تُثار وتُدار بطرقٍ ووسائلٍ أخرى، فهناك تهديدٌ المصالح التِّجاريَّة والمائيَّة، وهناك محاولات التَّخريب وإثارة النَّعرات الطَّائفيَّة أو التَّجسُّس.. إلخ.
كذلك هناك مجموعةٌ من مُهدِّدات الأمن القوميِّ التي باتت تحتلًّ أهميَّةً كُبرى في موازين ومُخطَّطات الدِّول الكُبرى ذات الإستراتيجيَّات بعيدة المدى، وهي تلك المُتعلِّقة بالكوارث الطَّبيعيَّة، والتي باتت في هذه الأيام ذات تأثيراتٍ ضخمةٍ للغاية على الأمن القومي للدِّول والكيانات السِّياسيَّة، بمعناه الواسع، فكارثة التسونامي- التي وقعت في أواخر ديسمبر من العام 2004م- أدَّت إلى اختفاء جزر مِن على الخارطة، وتغيير خُطَطَ التَّنمية لدى الدِّول المنكوبة، كما أنَّ إعصار كاترينا في الولايات المتحدة أدَّى إلى أزمةٍ سياسيَّةٍ لإدارة الرَّئيس الأمريكيِّ جورج بوش الابن.
بل إنَّ التَّخطيط الإستراتيجيِّ لمدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكيَّة يُعتبر نتاجًا لتنبُّؤات علماء الجيولوجيا الذين درسوا جيِّدًا صدع سان أندرياس الكبير في غرب الولايات المتحدة بعد سلسلةِ الزلازل الضخمة التي ضربت هذه المنطقة طوال عقود القرن العشرين؛ حيث توقَّعوا زلزالاً قوتُه تزيد على ثمانية درجات ونصف الدَّرجة بمقياس ريختر في السَّنوات القادمة، فتمَّ تعديل تصميم المدينة، ووضع أكواد البناء فيها طبقًا لمعايير السَّلامة في مثل هذه الحالات.
وفيما يتعلق بالشأن المصري فإننا نجد أن أجندة الأمن القومي قد شهدت الكثير من التنويعات على هذا المستوى، فمِنَ التَّحدي العسكريِّ الإسرائيليِّ الذي انتهى بورقة كامب ديفيد، فإنَّ هُناك الآن مجموعةً من الأُطُر المُتعلِّقة بالأمن القوميِّ وفق عدد من المؤشرات تُعتبر غائبةً- رُبَّما- عن وعي وتخطيط الحكومة المصريَّة في كثيرٍ من الأحوال.
فهناك مشكلة جفاف منابع النيل في إثيوبيا وبناء سد مروي في منطقة الحماداب بشمال السُّودان، والذي انتهى البناء في في العام 2008م، وهو واحدٌ من أضخم مشاريع المياه في القارة الأفريقيَّة وتبلغ تكلفته الماليَّة نحو مليارَي دولار وطوله تسعة كيلو مترات وارتفاعه 67 مترًا، وسيُقام عند الشلال الرَّابع في نهر النيل الرئيسي على بُعد 350 كيلو مترًا شمال العاصمة السُّودانيَّة الخرطوم.
وهناك كارثة زحف مياه البحر المتوسط على سواحل الدِّلتا الشماليَّة، والتي تُهدد بفعل ضعف ضخِّ مياه النيل باستيلاء مياه البحر على ثلث أراضي الدلتا، أي ثلث احتياطي مصر الإستراتيجي من أجود الأراضي الزِّراعيَّة.

0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح