إعداد: سامر إسماعيل
لم يكُن لأحدٍ أنْ يتصوَّر أنْ يثير هذا الشَّخص صاحب الوجه الهادئ كل هذه الضَّجَّة.. معالم وجهه المندهشة قليلاً ممَّا شاهده عبر سنوات عمله الطَّويلة كمُفوِّضٍ دوليٍّ في مجال حقوق الإنسان، والتَّحقيقات التي أجراها في أكثر من موضعٍ في العالم عن الفظائع التي ارتُكِبَت هناك، لا توحي أبدًا بأنَّه هو ذلك الرَّجُل، حديث العالم كلِّه الآن.. إنَّه القاضي اليهودي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون.. رئيس لجنة التَّحقيق التي شكلتها الأمم المتحدة للتَّحقيق جرائم الحرب المُرتَكَبَة في قطاع غزَّة في عدوان "الرَّصاص المصبوب" في ديسمبر ويناير الماضيَيْن.
كان تقريره الصَّادر في سبتمبر من العام 2009م، بشأن العدوان الصُّهيوني على قطاع غزة، أحد أهم التَّقارير الصَّادرة رُبَّما في تاريخ الصِّراع العربيِّ- الإسرائيليِّ؛ حيث يُعتبر ما جاء فيه أقوى إدانة لإسرائيل تأتي من جهةٍ تابعةٍ للأمم المتحدة.
ولذلك كان التَّقرير في حدِّ ذاته أزمة، ولذلك- أيضًا- أثار طلب السُّلطة الفلسطينيَّة والمجموعة العربيَّة والإسلاميَّة تأجيل نظر التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أزمةً أُخرى.
التقرير مكوَّنٌ من 574 صفحة، بالإضافة إلى مُلخَّصٍ تنفيذيٍّ زاد عن العشرين صفحةٍ، وقال بالحرف الواحِد إنَّ العمليَّة العسكريَّة الإسرائيلية استهدفت شعب غزَّة بأكمله"، واستهدف "مُعاقبة سُكَّانه"، كما اعتبر أنَّ استمرار الحصار الإسرائيليِّ على القطاع، وإغلاق المعابر بمثابة "عقوبةٍ جماعيَّةٍ، تُمثِّل جريمةً ضد الإنسانيَّة".
وفي توصياته دعا التَّقرير مجلس الأمن الدَّوليِّ إلى مطالبة إسرائيل بإجراء تحقيقاتٍ مستقلة تتَّفق مع المعايير الدَّوليَّة بشأن الجرائم التي ارتكبها الجيش في غزة، وأشار إلى أنَّه إذا لم تقبل إسرائيل بذلك "فيجب على مجلس الأمن أنْ يُحيل الوضع في غزة إلى مُدَّعي المحكمة الجنائيَّة الدَّوليَّة [لويس مورينو أوكامبو] في لاهاي" بموجب القانون الأساسيِّ للمحكمة الجنائيَّة الدَّوليةَّ".
جولدستون الذي أثار هذه الضَّجَّة الكبرى بحياديته التَّامَّة في تقريره، هو قاضِ يهوديٍّ من جنوب أفريقيا، وهو من مواليد 26 أكتوبر من العام 1938م، تخرَّج في كلية الحقوق بجامعة وايت ووتر سراند في العام 1962م، وعمل لفترةٍ في سلك المحاماة والقضاء، وكان أعلى منصبٍ تولاه هو قاضي المحكمة العليا في جنوب أفريقيا في العام 1980م؛ حيث خدم تسع سنوات، أُنِيطَ به خلالها مهمة تفسير الدُّستور الجديد لجنوب أفريقيا، الذي رتَّب مرحلة ما بعد انتهاء الحكم العنصري الأبيض، والإشراف على الانتقال السِّلمي للسُّلطة في البلاد إلى الأغلبيَّة السَّوداء، وظلَّ في منصبه هذا حتى العام 2003م.
وفي التِّسعينيات، وتحديدًا في الفترة ما بين العام 1994م وحتى العام 1996م، عُيِّن مدعيًا عامًّا رئيسيًّا في المحكمة الدَّوليَّة لجرائم الحرب في كلٍّ من يوغسلافيا السابقة ورواندا، وفي أغسطس من العام 1997م، عُيِّنَ جولدستون عضوًا في الفريق الدَّوليِّ الذي شكلته الحكومة الأرجنتينيَّة لمراقبة التَّحقيق في الأنشطة النَّازيَّة للجمهوريَّة الأرجنتينيَّة التي تأسَّست في العام 1938م.
وفي العام 1999م، ترأَّس لجنة التَّحقيق الدَّولية المُستقلَّة في إقليم كوسوفا، ثم، وفي العام 2004م عيَّنه الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الحين كوفي عنان في الَّلجنة الدَّوليَّة المُستقلَّة التي رأسها الدبلوماسي الأمريكي بول فوكر، والخاصَّة بالتَّحقيق في عمليَّات الفساد التي شابت منظومة "النَّفط مُقابل الغذاء" الخاصَّة بالعراق.
وقد كرَّمت الحكومة الجنوب أفريقيَّة جولدستون بتعيينه في منصب رئيس مجلس إدارة معهد حقوق الإنسان لجنوب أفريقيا، ورئيسًا للجمعيَّة الوطنيَّة والمعهد الوطنيِّ لمنع الجريمة وإعادة تأهيل المجرمين.
ولكن جولدستون أصبح حديث وسائل الإعلام العالميَّة منذ اختياره في 3 أبريل الماضي رئيسًا للَّجنة الأُمَميَّة لتقصِّي الحقائق في قطاع غزة،
وفي النِّهاية، حتى لو يتم المصادقة على تقرير جولدستون عن غزة، إلا أنَّه تبقى له أهميته الكاشفة؛ حيث شف عن جرائم إسرائيل في غزَّة، كما كشف المتآمرين على حقوق الشَّعب الفلسطيني ودماء الشُّهداء!!
......











0 تعليقات:
Post a Comment