حاورته لـ(اتِّجاهات): الزَّهراء عامر
- نحاول أنْ نُلغي نظام الكفيل المعمول به في معظم دول الخليج.
- التَّعذيب يتمُّ في السُّجون وأقسام الشُّرطة على أُسسٍ منهجيَّةٍ.
صَدَرَ خلال الأيام القليلة الماضية تقريرَيْن لحقوق الإنسان في مصر، الأوَّل تقدمت به الحكومة إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان؛ حيث تقدَّمت بملفٍّ حول الأوضاع الحقوقيَّة في مصر، ذلك الملف الذي تمَّ إعداده بمشاركة عددٍ من الوزارات والهيئات، منها وزارات الخارجية والعدل والقوى العاملة والتَّضامُن الاجتماعيِّ.
ومن المفترض أنَّ هذا الملف يتضمَّن "الانجازات" التي قامت بها الحكومة لحماية حقوق الإنسان في مصر.
وفي ذات التَّوقيت تقريبًا تقدَّمت المُنظَّمة المصريَّة لحقوق الإنسان بتقريرها إلى مكتب المُفوِّض السَّامي لحقوق الإنسان بجنيف، ضمن تقرير المراجعة الدولية، والذى يتضمَّن ملف مصر، والمزمع مناقشته في شهر فبراير من العام 2010م المقبل.
وتضمَّن تقرير المُنظَّمة صورة حول الانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان قي هذا البلد، وخصوصًا لمنظومة الحقوق السِّياسيَّة والمدنيَّة، بالإضافة إلى منظومات الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
مجله (اتِّجاهات) قامت بإجراء حوارٍ مع حافظ أبو سعدة رئيس المنظَّمة، لمعرفة رأيه في واقع الأوضاع الحقيقيَّة لملف حقوق الإنسان في مصر، ورؤيته هو الخاصَّة عن التَّقرير الذي تقدَّمت به منظمته إلى الأمم المتحدة في هذا الشَّأن.
(*) بدايةً نودُّ أنْ نعرف ما هو الاستعراض الدَّوري الشَّامل لحقوق الانسان؟، وما هي آلياته؟
(**) الاستعراض الدوريِّ الشامل هو عبارة عن عمليَّةٍ مُتفرِّدةٍ تشمل مراجعة سجلات حقوق الإنسان لـ192 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، ويجري هذا الاستعراض مرةً واحدةً كل أربع سنواتٍ، ويعتبر الاستعراض الدَّوريِّ الشَّامل هو أحد مستحدثات مجلس حقوق الإنسان، ويستند على مبدأ المعاملة المتساوية لكلِّ الدِّول، ويمنح هذا الاستعراض الفرصة لجميع الدِّول للإعلان عن الإجراءات التي اتخذتها لتحسين أوضاع حقوق الإنسان لديها، وللتغلُّب على التَّحديات التي تعوق التَّمتُّع بحقوق الإنسان، ويعدُّ الهدف النَّهائي للاستعراض الدَّوري الشَّامل هو تحسين أوضاع حقوق الإنسان داخل كلِّ بلدٍ ممَّا يخلف وراءه نِعمَّ الأثر على شعوب العالم.
(*) وما هو تقييمكم للبنية التَّشريعيَّة الحقوقيَّة في مصر؟
(**) لم تشهد البنية التَّشريعيَّة المصريَّة أيَّة تعديلاتٍ جوهريَّةٍ بما يتَّفق مع المواثيق الدَّوليَّة لحقوق الإنسان، فبالتَّالي ما زالت مليئةٌ بالعديد من القوانين المُقيِّدة للحقوق والحُرِّيَّات العامَّة، مثل قانون الطَّوارئ رقم (162) لسنه 1985م، الذي قرَّر مجلس الشَّعب في مايو 2008م، مد العمل بهذا القانون لتمتد حاله الطَّوارئ حتى يونيو 2010م، وهذا القانون هو الأداة التي تستخدمها السُّلطة التَّنفيذيَّة للعصف بالحقوق والحُرِّيَّات التي يكلفها لهم الدستور المصري.
بالإضافة إلى ذلك هناك قانون الإرهاب الذي تتَّجه الدَّولة في الفترة القادمة إلى إصداره.. هذا يعمل أيضًا على زيادة انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن وفقًا للمعايير الدَّوليَّة المُتَّفقُ عليها.
بجانب هذا، يتم انتهاك الحقِّ في التَّجمُّع السِّلميِّ على نطاقٍ واسعٍ من خلال قانون التَّجمُهر رقم (10) لسنة 1914م، وهو قانونٌ استثنائيٌّ أقرب للأحكام العرفيَّة، وقانون التَّظاهُر رقم (14) لسنة 1923م، والذي يُشكِّل قيدًا على حُرِّيَّة الأفراد في الاجتماع بمنح الشُّرطة الحق في منع الاجتماع قبل عقده، وكذلك الحق في حضور الاجتماعات وحلها إذا تطلَّب الأمر.
الدَّاخليَّة مُدانة
(*) ما هو تقيمكم لحالة حقوق الإنسان في السُّجون المصريَّة وفي أقسام الشُّرطة؟
(**) الأوضاع في السُّجون المصريَّة بالغة الخطورة، وتحتاج إلى تعديلاتٍ فوريةٍ للقوانين والتَّشريعات التي تحكم السُّجون، وهناك بعض العوامل التي لها دورٌ كبيرٌ في تردِّي أوضاع السُّجناء، من بينها التَّكدُّس داخل الزَّنازين ممَّا يساهم في انتشار الأوبئة والأمراض الصَّدريَّة، ناهيك عن سوء التَّغذية وعدم توافر الأطباء الأخصائيِّين داخل السُّجون.
وقد رصدت المُنظَّمة في الفترة من العام 2007م إلى أبريل 2009م، 54 حالة سوء رعايةٍ صحيَّةٍ و5 حالات وفاةٍ، و23 حالة سوء معاملة، وحالتَيْن تمَّ منعهم من حقِّهم في مُمارسة العمليَّة التَّعليميَّة.
وأيضًا هناك انتهاكات لحقوق المعتقلين السِّياسيِّين، فأغلب المعتقلين يعانون من الاعتقال المُتكرِّر بشأنهم، رغم صدور أحكامٍ قضائيَّةٍ تبرئهم من الاتهامات التي تنسب إليهم، ويتم تجديد حبسهم، وقد تصل مدة بقاء بعضهم داخل السُّجون بدون حكمٍ قضائيٍّ يُدينهم، إلى ما يقرب من عشرين عامًا، وهذا بخلاف ما يُعانيه المعتقلين من سوء المعاملة ووضعهم مع السُّجناء الجنائيِّين.
أمَّا فيما يتعلَّق بأقسام الشُّرطة نجد هناك انتهاكاتٌ واضحةٌ داخل غُرَف الحجز المؤقَّتة في القسم، حتى يتمَّ عرض المُتَّهمين على النِّيابة، وخاصَّة في عدم الفصل بين الرِّجال البالغين وبين النِّساء والأطفال القُصَّر، كلهم داخل مكانٍ واحدٍ، بالإضافة إلى صِغَرِ حجم الغرفة، وأحيانًا تقوم بعض الحملات وتقبض على ما يقرب من 300 فردٍ في نفس الَّليلة، فأين ستضع الشرطة هؤلاء النَّاس؟!.
وأحيانا يكون الوضع أكثر سوءٍ، وإهانةٍ للكرامة، ولا يحتاج الوضع إلى تشريعٍ قانونيٍّ فحسب، ولكن يحتاج قوةً رادعةً للحدِّ من ذلك.
وهناك جانبٌ آخرٌ لا يمكن إغفاله، وهو انتشار التَّعذيب على نطاقٍ واسعٍ في مصر خلال السَّنوات الثَّمانية التي مضت علينا في مجال رصد أوضاع حقوق الإنسان في المُؤسَّسات الأمنيَّة والعقابيَّة، فالتَّعذيب يتمُّ على أسسٍ منهجيَّةٍ داخل أقسام الشُّرطة والسُّجون، والمادة رقم (126) من قانون العقوبات خير دليلٍ على ذلك؛ حيث لا توفِّر الحماية الجنائيَّة الَّلازمة والفعَّالة لحقِّ الإنسان في السَّلامة البدنيَّة والذِّهنيَّة، ولكن تواجه فقط حالة التَّعذيب الواقع على المُتَّهم لحمله على الاعتراف، وتضمن هذه المادة للجاني الإفلات من العقوبة.
وجاءت في توصيات التَّقرير الذي أُرسِلَ إلى مكتب المُفوِّض السَّامي بضرورة تعديل المادة رقم (126) لقانون العقوبات ومحاكمة من يقوم بالتَّحريض على ارتكاب مثل هذه الجرائم، وسيجعل ضُبَّاط الشُّرطة يُفكِّرون ألف مرَّةٍ قبل ارتكاب جرائم التَّعذيب.
المصريُّون في الخارج
(*) بعد أنْ سمعنا عن زيادة أحكام الإعدام بحق المواطنين المصريِّين في لبيبا، ومقتل مروة الشِّربيني في ألمانيا.. كيف ترون أوضاع المصريِّين في الخارج، وهل هناك محاولة لتحسين أوضاعهم؟
(**) نحن الآن نحاول أنْ نُلغي نظام الكفيل المعمول به في معظم دول الخليج، والذي هو السبَّب في تعريض المصريِّين هناك لانتهاك حقوقهم ويجعلهم مثل العبيد، مُسخَّرين تحت أيديهم، ليس لهم الحقُّ في ممارسة الحياة بحرِّيَّةٍ، بالإضافة إلى ضياع حقوقهم المادِّيَّة وحرمان المصابين منهم من العمل.
أمَّا تزايد أحكام الإعدام ضد المواطنين المصريين في لبيبا فهو نتيجة تراخي وزارة الخارجيةَّ وعدم تدخُّلها في منع هذه الأحكام التَّعسُّفيَّة ضد المصريِّين في الخارج، وتدعوا المنظمة الوزارة بسرعة التَّدخُّل وحماية مواطنيها بالخارج، والعمل على إرجاع حقوقهم التي سُلِبَت منهم.
(*) وماذا عن الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للمواطن المصريِّ؟
(**) شهدت الفترة الماضية حزمة من الانتهاكات فما زال هناك زحامٌ في المواصلات وفي الشَّوارع، وغيابٌ للرَّعاية الصِّحِّيَّة، وضعفٌ وسوءٌ للخدمات داخل المُنشآت الصِّحِّيَّة العامَّة الخاضعة لإشراف الدوَّلة.
ولعل غياب العمل بأسلوب الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، تسبَّب في كثرة الإضرابات في بعض المُؤسَّسات الحكوميَّة لزيادة دخول المواطنين، ليواكب غلاء الأسعار للاحتياجات الأساسيَّة له.
إصلاحاتٌ تشريعيَّةٌ
(*) علمنا أنَّكم طالبتم الحكومة بإصدار تشريعٍ يضمن احترام "حقوق المواطن".. فما هي معالم هذا التَّشريع؟، وما الهدف منه على المستوى القريب والبعيد؟
(**) المادة الأولى من الدُّستور تضمن للمواطن حقَّ المواطنة، وحق المواطن في الحصول على وظيفةٍ، ونُطالب بضرورة وجود قانون أو آلية تضمن له الحقَّ في التَّعبير عن رأيه، وحقِّه في التَّظاهُر والتَّجمُّع السِّلميِّ، وإذا صدر هذا التَّشريع سينكسر حاجز الخوف عند المواطن.
(*) وما هو الهدف من وراء طلبكم تعديل قانون الإدارة المحلِّيَّة؟
(**) هذا القانون سيُحقِّق إيجابيَّاتٍ عديدةٍ؛ حيث سيتم التَّحكُّم في الميزانيَّات الخاصَّة بكلِّ محافظةٍ، فكل مدينةٍ لها رسومها التي يتم تحصيلها من المواطنين ومن كلِّ قريةٍ موجودةٍ داخل نطاق المحافظة، وهذه الأموال لا يتم استغلالها الاستغلال الأمثل، ويتم صرف هذه الأموال على تجميل الميادين الرَّئيسيَّة للقرى فقط، بينما يتم نهب باقي الأموال، ولهذا السَّبب كانت الفكرة تعديل هذا القانون.
وتعديل القانون يهدف أساسًا استغلال هذه الأموال في بناء المدارس وتجديدها وبناء المُستشفيات والعمل على تطويرها بدلاً من تزيين الميادين!!
(*) في النَّهاية هل ترى أنَّ هناك أملاً في أنْ يتحقَّق تغييرًا جذريًّا في أوضاع حقوق الإنسان في مصر؟، وفي أي مدى؟
(**) نحن نعلم جيِّدًا أنَّ التَّغيير دائمًا يأخذ زمنًا طويلاً، وأنا أرى أنَّ السُّلوك الرَّسميَّ القائم على حقوق الإنسان سيظل مستمرًّا، ولكنَّنا بدأنا تحت شعار "المواطن له حق"، وهذه المرَّة هناك آليَّاتُ مراقبةٍ جديدةٍ تجبر الحكومة على أنْ تكون مُلتزمةٌ بالمعايير الدَّوليَّة، وهذا الوضع إلى حدٍّ ما مُطمئنٌ باحتماليَّة تحقيق التَّوصيات التي جاء بها التقرير الذي قدمناه للأمم المتحدة.











0 تعليقات:
Post a Comment