بالرغم من أن أغلبهم شباب في العشرينيات، اختار التَّعبير عن رأيه عبر صفحةٍ مجانيَّةٍ على شبكة الإنترنت، إلا أنَّ النِّظام رأي أنَّهم يشكلون تهديدًا يطال الأمن القومي- (!!)- فأخذ يتابعهم ويترصد لهم ويعتقلهم ويعذبهم، بل وأنشاء لهم وحدةً خاصَّةً داخل وزارة الدَّاخليَّة تُسمَّى بوحدة مباحث الإنترنت، بالإضافة الي قسمٍ خاصٍّ داخل جهاز مباحث أمن الدولة
إنَّهم المُدوِّنون.. الظاهرة الأكبر في الإعلام المصريِّ والعربيِّ منذ العام 2005م، بسبب جُرأة القضايا التي يتناولونها، وبسبب جرأتهم هم أنفسهم في التَّعبير عن آرائِهم الشَّخصيَّة عبر مُدوَّناتهم.
مائة مدون وناشط إنترنت وصحفيٍّ شعبيٍّ تعرضوا للملاحقة والقمع عام 2008م في مصر، ذلك هو إجمالي الانتهاكات التي رصدتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الأنسان "ANHRI" في تقريرها التي نشرته في القاهرة قبل عدة أشهرٍ.
ظواهرٌ غريبةٌ رافقت تلك الانتهاكات لحقوق المُدوِّنين، وكان أبرزها أنَّ عدد القضايا القانونيَّة التي باشرتها النِّيابة، والتي تمَّ تلفيقها لنشطاء الإنترنت والمُدوِّنين يُعدُّ قليلاً نسبيًّا، فالمُدوِّن الوحيد الذي صدر في حقِّه حكمٌ قضائيٌّ بسبب ما كان يكتبه علي مُدوَّنَتِه هو المُدوِّن كريم عامر، صاحب مُدوَّنة (يوميات كريم)، والذي حُكِمَ عليه بالسَّجن أربعة أعوامٍ بتهمة إهانة الرَّئيس وازدراء الأديان.
إلا أنَّ الملاحقات والاختطاف والاعتقالات بحقهم كانت كثيرة، ورافق ذلك ظاهرةٌ ثانيةٌ، وهي أنَّ اعتقال المُدوِّن أو ناشط الإنترنت من دون تحريك قضيَّةٍ بحقِّه، وأثناء وجوده في السِّجن، يتحوَّل لمتهم فيٍ قضيَّة أمن دولة، وتقرر النِّيابة العامَّة حبسه احتياطيًّا، فيظل قرار الحبس قائمًا، حتى تُقرِّر وزارة الدَّاخليَّة أنْ تُسقِط قرار الاعتقال، ليتحوَّل النَّاشط إلى محبوسًا احتياطيًّا على ذِمَّة القضيَّة الجديدة.
الظَّاهرة الثَّالثة والأحدث فهي تعطيل المُدوِّنين في المطارات وتوقيفهم والتَّضييق عليهم عند السَّفر والعودة للوطن، فخلال الشَّهر الماضي فقط، تمَّ توقف ثلاثةِ مُدوِّنين في مطار القاهرة، كان على رأسهم المُدوِّن وائل عباس صاحب مُدوَّنة (الوعي المصري)؛ حيث تمَّ توقيفه مرَّتَيْن، وتمَّ في إحدى المرتَيْن الاستيلاء علي حاسبه المحمول الشَّخصيِّ.
كما تمَّ توقيف مجدي سعد صاحب مدونة (يللا.. مش مهم)، وعبد الرَّحمن عيَّاش صاحب مُدوَّنة (غريب)، وكلاهما من المُدوِّنين المحسوبين على تيَّار الإخوان المسلمين، وذلك في أثناء عودتهم من رحلةٍ إلى تركيا.
وفي هذا الإطار تنوعَّت الانتهاكات ضد المُدوِّنين في مصر، فحسب تقرير الشَّبكة العربيَّة المُشار إليه، اتَّخذت تلك الاعتداءات ثمانية أشكالٍ رئيسيَّةٍ، وهي:
1. الاعتداءات البدنيَّة وسُوء المعاملة.
2. تلفيق القضايا السِّياسيَّة.
3. استمرار التَّوسُّع في استخدام قانون الطَّوارئ بحقِّهم.
4. استمرار قضايا السَّب والقذف.
5. انتهاك الحقِّ في الخصوصيَّة.
6. عودة سياسة حجب المواقع.
7. وصول الانتهاكات إلى داخل الجامعات؛ حيث يدرس نُشطاء الإنترنت.
8. الاحتجاز بدون سندٍ قانونيٍّ لفتراتٍ مُتفاوتةٍ.
يضاف الي ذلك الاعتداءات سالفة الذكر، وما أشرنا إليه من توقيفٍ للمُدوِّنين في المطارات والموانئ المصرية.
لماذا يُلاحق المُدوِّنون؟!:
السُّؤال قد يبدو غريبًا بعض الشَّيء، فالمراقب أو حتى من لديه معلوماتٌ ولو بسيطةٌ عن النُّظم القَمْعيَّة في الشَّرق الأوسط بشكلٍ عامٍّ، والنِّظام المصريِّ بشكلٍ خاصٍّ، يعرف جيدًا أنَّ كلَّ من يُعارِض النِّظام هو مستهدفٌ بالملاحقة والاعتقال والاحتجاز والتَّعذيب.. إلخ.
إلا أنَّ السُّؤال قد يبدو منطقيًّا عندما نعرف جزءًا من إجابته، فبمراجعة كافَّة الحالات التي تعرَّض فيها المُدوِّنون لانتهاك حقوقهم، نُلاحظ أنَّ أغلبهم تمَّ الاعتداء عليه، لا بسبب ما يكتب على الإنترنت، ولكن بسبب نشاطه في الشَّارع وعلي أرض الواقع بعيدًا عن شبكة الإنترنت، أو ما يُسمِّيه المُدوِّنون بـ"الفضاء السَّيبريِّ".
فعلي سبيل المثال لم يتم اعتقال علاء سيف صاحب مدونة (علاء ومنال)، إلا بعد مُشاركته في مظاهرات القُضاة في العام 2006م، ولم يتم إعتقال محمد الشرقاوي صاحب مدونة (كتابات) إلا بعد مشاركته في المظاهرات نفسها، بالرغم من أنَّ الاثنَيْن كانا دائمي توجيه الانتقادات للحكومة والنِّظام والرئيس حسني مبارك ذاته على مُدوَّناتهم قبل ذلك التَّاريخ بأكثر من عامٍ!!
وحتي في حالة وائل عباس الأخيرة حين تم توقيفه في مطار القاهرة، فهو نفسه حسب ما يقول على مُدوَّنَته تمَّ توقيفه بسبب توجيهه الانتقاد للنِّظام المصريِّ في أحد المؤتمرات الحقوقيَّة بالخارج؛ حيث كان يحضر المؤتمر مُمثِّلين للحكومة المصريَّة.
نفس القاعدة تقريبًا تنطبق على أغلب المُدوِّنين، فحالاتٌ نادرةٌ جدًّا تمَّ فيها اعتقال المُدوِّنين بسبب ما يكتبونه على الإنترنت، الَّلهم إلا حالة كريم البحيري سالفة الذِّكر؛ حيث لم يكن البحيري ناشطًا سياسيًّا بالمعني المعروف علي الأرض وفي الشَّارع.
المثال يتَّضح أكثر في حركة شباب 6 أبريل، فقبل يوم 6 أبريل 2008م، وبالرغم من ارتفاع أصوات المجموعة التي تشكَّلت على الإنترنت، بالدَّعوة للإضراب، لم تكن هناك أيَّة ملاحقاتٍ أمنيَّةٍ للمجموعة، إلا أنَّه، وبمجرَّد خروج أفراد المجموعة في مظاهرات يوم 6 أبريل، تمَّ اعتقال أعدادٍ منهم، ووصل الأمر إلى حدِّ تعذيبهم.
القاعده نفسها تنطبق على أغلب النُّشطاء، فطالما المُدوِّن يكتفي بما يكتب على مُدوَّنته، ولا يتحول بنشاطه من الشَّبكة العنكبوتيَّة إلى الشَّارع، فهو في أمانٍ نسبيٍّ، فلا أحد في أمانٍ تامٍّ داخل دولةٍ بوليسيَّةٍ، أما في حالة النُّزول إلى الشَّارع والعمل الجماهيريِّ تبدأ المشاكل الأمنيَّة الحقيقيَّة.
كما يمكننا أنْ نُلاحظ وبسهولةٍ أنَّ أغلب المُدوِّنين الذين وقعت في حقِّهم انتهاكاتٌ أمنيَّةٌ هم أعضاءٌ وناشطون في أحزابٍ أو قوىً سياسيَّةٍ.
البعض يرى في ذلك أنَّ الحكومة ترى أنَّ الإنترنت أصبح يمثل أحد أهم وسائل "التنفيس" عن الشَّعب، فعلى الإنترنت يمكن للمواطنين قول ما يشاءون، ويمكن لهم أنْ يقرأوا أشدَّ الانتقادات التي تُوجَّه إلى رأس الدَّولة مباشرةً، وهو ما يراه النِّظام شيءٌ صحيٌّ جدًّا- بالنِّسبة له- طالما لم يُفكِّر هؤلاء الخروج بحدود انتقاداتهم من فضاء الإنترنت اللا نهائي!!











0 تعليقات:
Post a Comment