في عيون الغرب...
المصدر: صحيفة (الإندبندنت) البريطانيَّة
التَّاريخ: 29 أغسطس 2009م
المُؤلِّف: روبرت فيسك
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
الآن هنا قصَّةٌ غريبةٌ من القاهرة، أو بالأحرى من جنيف؛ حيث يوجد العقيد السَّابق محمد الغانم، الذي كان أحد كبار الضباط بوزارة الدَّاخليَّة المصريَّة.
منذ 9 سنوات فقط التقينا به خلف فندق الماريوت القديم على النِّيل، وكان قد أصبح حينها صديقٌ جديدٌ لكل مُحبِّي الحديث ومعرفة الحقائق، ولكن كانت لديه مشكلةٌ صغيرةٌ، هي أنَّه كلما أراد الخروج من مصر عبر مطار القاهرة، يُفاجَئ برجال الشُّرطة في المطار، وكانوا من تلامذته في كلية الشُّرطة، ليخبروه بأنَّه ممنوعٌ من السَّفر.
إنَّه أراد كما ترى الحصول على الُّلجوء السِّياسيِّ.. حاول ذلك أولاًَ في إيطاليا ثم بعد ذلك سويسرا... لقد حصل على الدُّكتوراه في القانون من روما، ونشر كتابًا عن القانون والإرهاب عام 1991م، وقال بأنَّه شكَّل الأساس القانوني للتَّشريعات المصريَّة الأخيرة.
لقد كان يشغل منصب رئيس قسم الشُّئون القانونيَّة بوزارة الدَّاخليَّة لكن تستطيع أنْ تقول إنَّه كان غاضبًا من فساد الحكومة المصريَّة، وسياسات المحسوبيَّة، وإلصاق الاتِّهامات المُلفَّقة بالصَّحفيين المصريِّين، والتَّعذيب داخل السُّجون، وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
كما كان غاضبًا من رفض السُّلطات المصريَّة السَّماح للأقباط ببناء كنائسٍ جديدةٍ لهم في بلد الأغلبيَّة المسلمة.. وقال لي هل يمكنك أنْ تطلب من منظمة العفو الدَّوليَّة مساعدتي؟.
كنت قد نشرت تقريرًا مُطوَّلاً عن الحملة التي يقودها ضد الحكومة المصريَّة، ووضعت صورته بجانب التَّقرير؛ لأنَّه يبدو وكأنَّه رجلٌ شجاعٌ، ولكني فقدت الاتِّصال به.. لقد ظل عامًا مختفيٍ، ثم عاود الاتِّصال بي ليخبرني أنَّ سويسرا منحته حق الُّلجوء السِّياسيِّ المُؤقَّت، واعتقدتُ أنَّه أمرٌ جيِّدٌ وطيبٌ.
ولكن حدث أمرٌ غريبٌ، وهو أنَّه اتَّصل بي في بيروت عام 2003م، ليخبرني بأنَّ الشُّرطة السُّويسريَّة السِّرِّيَّة كانت تحاول إجباره على اختراق تنظيم القاعدة والمجتمع العربيِّ في سويسرا، ولكنه رفض لذلك كانت الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة تُهدِّدُه.
الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة.. أنا أسمع القُرَّاء يتساءلون: الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة؟!.. كأنك تقول لي إنَّ جهاز مخابرات لوكسمبورج ينتهك حقوق الإنسان، ولكني فكَّرتُ قليلاً، وتذكَّرت أنَّه منذ سنواتٍ قليلةٍ تمكَّنت الشُّرطة السُّويسريَّة من إلقاء القبض على خليَّةِ تجسُّس إسرائيليَّة في جنيف كانت تعمل على اختراق منزل عضوٍ مزعومٍ بحزب الله، ولكن المخابرات الإسرائيليَّة لم تكن في غاية الذَّكاء؛ لأنَّها أرسلت رجلاً وامرأةً لمراقبة منزل عضو حزب الله المزعوم، ولكن تصرفهما داخل سيَّارتهما جعل إمرأةً سويسريَّةً تشكُّ فيهما، وقامت بإبلاغ الشُّرطة التي ألقت القبض عليهما.
الإسرائيليُّون سمح لهم بالعودة بهدوءٍ إلى تلِّ أبيب، ولكن بشرط عدم العودة مرَّةً أخرى إلى سويسرا، ولكن أحدهم عاد مرَّةً أخرى متنكِّرًا في صورة رجل أعمال، ورتَّب حزب الله عمليةً مُدبَّرةً لإقناعه للذَّهاب إلى بيروت لإنقاذ الجُنديَّيْن الإسرائيليَّيْن المختطفَيْن، وانتهى به الأمر في السَّجن، حتى تم تسليمه في صفقةٍ لتبادل للأسرى [المقصود ضابط الموساد الحنان تيننباوم].
نعود إلى عقيدنا المصري، فبحلول العام 2005م، كان من المفترض أنْ يُؤلِّف مقالاً بعنوان "سويسرا الأحقر من بين أعداء الإسلام"، لأنَّها أيَّدت الاحتلال الأمريكيِّ للعراق، ووقفت وراء الرَّئيس (المصري حسني) مبارك ونظامه المرتد، ثم ضغطت على تركيا لأنَّ حكومتها نصف إسلاميَّةٍٍ.
سويسرا كانت جزءًا من اتِّفاق الصَّليب الدَّوليِّ، وكانت تحاول إختراق المجتمع الإسلاميِّ لجمع معلوماتٍ استخباريَّةٍ عنه.
تسرَّبت أقوال الغانم على ما يبدو إلى المواقع الجهاديَّة على الإنترنت، وهو أمرٌ لم يكن مُسلِّيًا لسويسرا؛ لأنَّ الغانم قال إنَّنا نُعدُّ للضَّربة الكبيرة، وسوف ننتقم.
وفي يناير 2007م، أخبرت سويسرا لجنة الاختفاء القسريِّ والطَّوعيِّ التَّابعة للأمم المتحدة، أنَّ الغانم معتقلٌ على خلفيَّة تصريحاته الخطيرة.
وفي العام الماضي اتَّصل بي تليفونيًّا أخو محمد الغانم من واشنطن، ويدعى علي، وقال لي إنَّ محمد قد اختفى، ولم يعد هناك اتِّصالٌ بين محمد وعائلته أو محمد وأصدقائه، وتمَّ إخباره بأنَّ محمد لا يُريد التَّحدُّث معه.
الأمم المتحدة أصبحت طرفًا في القضية، وطالبت السُّلطات السُّويسريَّة بتحديد مكان محمد الغانم.
أستطيع القول بأنَّ محمد موجودٌ بسجن شامب دولون بجنيف.. لقد تمَّ إرساله إلى هناك في 12 مارس 2007م، ولا يزال هناك حتى يومنا هذا من دون توجيه أيَّة تهمٍ له.
لماذا تحتجز سويسرا الغانم؟.. عندما التقيت به في القاهرة كان يقود حملةً لمساوات الأقباط المصريِّين بالمسلمين، فهل هذا هو الرجل الذي يمكن أنْ يكتب مقالاً يُهدِّد فيه سويسرا؟، ولماذا أنكرت سويسرا اختفائه؟، ولماذا يُحتَجَز في جنيف؟.. إذا كان سجنه بمعزلٍ عن العالم الخارجيِّ، ولا يستطيع التَّحدُّث مع أحدٍ، فهو بالتَّأكيد قد اختفى.. لذلك فأنا من هنا أعتبر نفسي محامي الغانم، وستكون قضيَّة الغانم هي قضيَّتي...
المصدر: صحيفة (الإندبندنت) البريطانيَّة
التَّاريخ: 29 أغسطس 2009م
المُؤلِّف: روبرت فيسك
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
الآن هنا قصَّةٌ غريبةٌ من القاهرة، أو بالأحرى من جنيف؛ حيث يوجد العقيد السَّابق محمد الغانم، الذي كان أحد كبار الضباط بوزارة الدَّاخليَّة المصريَّة.
منذ 9 سنوات فقط التقينا به خلف فندق الماريوت القديم على النِّيل، وكان قد أصبح حينها صديقٌ جديدٌ لكل مُحبِّي الحديث ومعرفة الحقائق، ولكن كانت لديه مشكلةٌ صغيرةٌ، هي أنَّه كلما أراد الخروج من مصر عبر مطار القاهرة، يُفاجَئ برجال الشُّرطة في المطار، وكانوا من تلامذته في كلية الشُّرطة، ليخبروه بأنَّه ممنوعٌ من السَّفر.
إنَّه أراد كما ترى الحصول على الُّلجوء السِّياسيِّ.. حاول ذلك أولاًَ في إيطاليا ثم بعد ذلك سويسرا... لقد حصل على الدُّكتوراه في القانون من روما، ونشر كتابًا عن القانون والإرهاب عام 1991م، وقال بأنَّه شكَّل الأساس القانوني للتَّشريعات المصريَّة الأخيرة.
لقد كان يشغل منصب رئيس قسم الشُّئون القانونيَّة بوزارة الدَّاخليَّة لكن تستطيع أنْ تقول إنَّه كان غاضبًا من فساد الحكومة المصريَّة، وسياسات المحسوبيَّة، وإلصاق الاتِّهامات المُلفَّقة بالصَّحفيين المصريِّين، والتَّعذيب داخل السُّجون، وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
كما كان غاضبًا من رفض السُّلطات المصريَّة السَّماح للأقباط ببناء كنائسٍ جديدةٍ لهم في بلد الأغلبيَّة المسلمة.. وقال لي هل يمكنك أنْ تطلب من منظمة العفو الدَّوليَّة مساعدتي؟.
كنت قد نشرت تقريرًا مُطوَّلاً عن الحملة التي يقودها ضد الحكومة المصريَّة، ووضعت صورته بجانب التَّقرير؛ لأنَّه يبدو وكأنَّه رجلٌ شجاعٌ، ولكني فقدت الاتِّصال به.. لقد ظل عامًا مختفيٍ، ثم عاود الاتِّصال بي ليخبرني أنَّ سويسرا منحته حق الُّلجوء السِّياسيِّ المُؤقَّت، واعتقدتُ أنَّه أمرٌ جيِّدٌ وطيبٌ.
ولكن حدث أمرٌ غريبٌ، وهو أنَّه اتَّصل بي في بيروت عام 2003م، ليخبرني بأنَّ الشُّرطة السُّويسريَّة السِّرِّيَّة كانت تحاول إجباره على اختراق تنظيم القاعدة والمجتمع العربيِّ في سويسرا، ولكنه رفض لذلك كانت الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة تُهدِّدُه.
الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة.. أنا أسمع القُرَّاء يتساءلون: الشُّرطة السِّرِّيَّة السُّويسريَّة؟!.. كأنك تقول لي إنَّ جهاز مخابرات لوكسمبورج ينتهك حقوق الإنسان، ولكني فكَّرتُ قليلاً، وتذكَّرت أنَّه منذ سنواتٍ قليلةٍ تمكَّنت الشُّرطة السُّويسريَّة من إلقاء القبض على خليَّةِ تجسُّس إسرائيليَّة في جنيف كانت تعمل على اختراق منزل عضوٍ مزعومٍ بحزب الله، ولكن المخابرات الإسرائيليَّة لم تكن في غاية الذَّكاء؛ لأنَّها أرسلت رجلاً وامرأةً لمراقبة منزل عضو حزب الله المزعوم، ولكن تصرفهما داخل سيَّارتهما جعل إمرأةً سويسريَّةً تشكُّ فيهما، وقامت بإبلاغ الشُّرطة التي ألقت القبض عليهما.
الإسرائيليُّون سمح لهم بالعودة بهدوءٍ إلى تلِّ أبيب، ولكن بشرط عدم العودة مرَّةً أخرى إلى سويسرا، ولكن أحدهم عاد مرَّةً أخرى متنكِّرًا في صورة رجل أعمال، ورتَّب حزب الله عمليةً مُدبَّرةً لإقناعه للذَّهاب إلى بيروت لإنقاذ الجُنديَّيْن الإسرائيليَّيْن المختطفَيْن، وانتهى به الأمر في السَّجن، حتى تم تسليمه في صفقةٍ لتبادل للأسرى [المقصود ضابط الموساد الحنان تيننباوم].
نعود إلى عقيدنا المصري، فبحلول العام 2005م، كان من المفترض أنْ يُؤلِّف مقالاً بعنوان "سويسرا الأحقر من بين أعداء الإسلام"، لأنَّها أيَّدت الاحتلال الأمريكيِّ للعراق، ووقفت وراء الرَّئيس (المصري حسني) مبارك ونظامه المرتد، ثم ضغطت على تركيا لأنَّ حكومتها نصف إسلاميَّةٍٍ.
سويسرا كانت جزءًا من اتِّفاق الصَّليب الدَّوليِّ، وكانت تحاول إختراق المجتمع الإسلاميِّ لجمع معلوماتٍ استخباريَّةٍ عنه.
تسرَّبت أقوال الغانم على ما يبدو إلى المواقع الجهاديَّة على الإنترنت، وهو أمرٌ لم يكن مُسلِّيًا لسويسرا؛ لأنَّ الغانم قال إنَّنا نُعدُّ للضَّربة الكبيرة، وسوف ننتقم.
وفي يناير 2007م، أخبرت سويسرا لجنة الاختفاء القسريِّ والطَّوعيِّ التَّابعة للأمم المتحدة، أنَّ الغانم معتقلٌ على خلفيَّة تصريحاته الخطيرة.
وفي العام الماضي اتَّصل بي تليفونيًّا أخو محمد الغانم من واشنطن، ويدعى علي، وقال لي إنَّ محمد قد اختفى، ولم يعد هناك اتِّصالٌ بين محمد وعائلته أو محمد وأصدقائه، وتمَّ إخباره بأنَّ محمد لا يُريد التَّحدُّث معه.
الأمم المتحدة أصبحت طرفًا في القضية، وطالبت السُّلطات السُّويسريَّة بتحديد مكان محمد الغانم.
أستطيع القول بأنَّ محمد موجودٌ بسجن شامب دولون بجنيف.. لقد تمَّ إرساله إلى هناك في 12 مارس 2007م، ولا يزال هناك حتى يومنا هذا من دون توجيه أيَّة تهمٍ له.
لماذا تحتجز سويسرا الغانم؟.. عندما التقيت به في القاهرة كان يقود حملةً لمساوات الأقباط المصريِّين بالمسلمين، فهل هذا هو الرجل الذي يمكن أنْ يكتب مقالاً يُهدِّد فيه سويسرا؟، ولماذا أنكرت سويسرا اختفائه؟، ولماذا يُحتَجَز في جنيف؟.. إذا كان سجنه بمعزلٍ عن العالم الخارجيِّ، ولا يستطيع التَّحدُّث مع أحدٍ، فهو بالتَّأكيد قد اختفى.. لذلك فأنا من هنا أعتبر نفسي محامي الغانم، وستكون قضيَّة الغانم هي قضيَّتي...











0 تعليقات:
Post a Comment