(إذا كان يعتقد أنَّ باستطاعته تجاهُل الجماهير فإنَّ آمال أوباما في تحقيق الدِّيمُقراطيَّة ستنهار)
المصدر: صحيفة (الجارديان) البريطانيَّة
التَّاريخ: 17 أغسطس 2009م
المُؤلِّف: سارة خورشيد
ترجمة: سامر إسماعيل
*.*.*
يبدو واضحًا أنَّ جمال مبارك وريث الحكم في مصر سيكون الحليفُ المثاليُّ للولايات المتحدة والحكومات الغربيَّة.. إنَّه المُصلح الاقتصادي ذو التَّوجُّه الغربيِّ الذي قال بأنَّه يعتنق رأسماليَّة السُّوق الحُرَّة في البلاد التي كان يحكمها النِّظام الاقتصاديِّ الاشتراكيِّ لعقودٍ من الزَّمان
لقد ارتفع مُعدَّل النُّمو الاقتصاديِّ في مصر بنسبة 4% إلى 7% بين أعوام 2002م إلى 2008م، فقد تمَّ تعيين جمال مبارك في الأمانة العامة للحزب الوطني عام 2000م, ثم أصبح أمين السِّياسات في الحزب عام 2002م، ويمكن القول بأنَّ معظم وزراء حكومة رئيس الوزراء أحمد نظيف، هم من المُقرَّبين لجمال مبارك، وفي العام 2007م أعلن البنك الدَّوليُّ أنَّ مصر تمَّ تصنيفها كأكبر سوقٍ عالميٍّ سياسته الاقتصاديَّة حُرَّةٌ.
لقد اعتمدت الإدارة الأمريكيَّة في عامَيْ 2004م و2005م على فكرة التَّرويج للدِّيمُقراطيَّة في الشَّرق الأوسط بطريقةٍ غير مباشرةٍ من خلال دعم التَّنمية الاقتصاديَّة في الوقت الذي أصبح فيه الإسلاميُّون في المنطقة يُشكِّلون خطرًا على السِّياسة الأمريكيَّة وحلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة، لذلك تأمل الولايات المتحدة في أنْ يكون الإصلاحُ السِّياسيُّ متزامنًا مع النُّمو الاقتصاديِّ الذي نجح جمال مبارك في تحقيقه.
ولكن من الواضح أنَّ رغبة الولايات المتحدة في تحسين حياة المصريين لن تتحقَّق، خاصَّة مع إعلان مُنظَّمة الشَّفافية الدَّوليَّة عام 2008م أنَّ مصر تحتل المرتبة 115 من أصل 180 بلد في الدِّول التي تحارب الفساد، مما يعني أنَّ الفساد في مصر منتشرٌ في كافَّة نواحي الحياة في مصر.
في العام 2007م أُجرِيَ استفتاءٌ في مصر تابعٌ لمجلس الوزراء، أظهر أنَّ 75% من المصريِّين يعتقدون أنَّ الفساد منتشرٌ في مصر، وفي ذلك الحين قالت الصُّحف المعارِضَة أنَّ الحكومة المصريَّة التي تضم عددًا من المُقرَّبين لجمال مبارك، يمكن وصفها بمجلس وزراء جمال.
لقد مثَّل حادث غرق العبَّارة المصريَّة القادمة من المملكة العربيَّة السعوديَّة عام 2006م، والتي راح ضحيَّتُها أكثر من ألفٍ من المصريين، رمزًا للفساد المستشري في البلاد، وعلاقة المحسوبيَّة التي كانت تحكم العلاقة بين رجال الأعمال ووزراء الحكومة المصريَّة، خاصَّة مع سماح الحكومة المصريَّة بمغادرة صاحب العبارة الغارقة (ممدوح إسماعيل) للبلاد.
الحقيقة أنَّه لا أحد يمكن أنْ يقول أنَّ هناك علاقةً بين مالك العبَّارة الغارقة وبين جمال مبارك، ولكن يمكن القول بأنَّ الملياردير أحمد عز عضو مجلس الشَّعب المصريِّ، وعضو لجنة السِّياسات بالحزب، والمُقرَّب جدًّا من جمال مبارك، مُتورِّطٌ في قضايا احتكارٍ للحديد الذي يقوم بتصنيعه في مصر، ويقوم ببيعه بأسعارٍ أكبر بكثيرٍ من سعر تكلفة التَّصنيع، ولكنه بذل جهودًا كبيرةً جدًّا في المجلس كي يُخرِج نفسه ممَّن يُعتَبَرون محتكرين وفقًا لقانون الاحتكار الذي صدر عن مجلس الشَّعب، أما أيمن نور المعارض الِّليبراليُّ المصريُّ، فيقول إنَّ أعضاء لجنة السِّياسات بالحزب الوطنيِّ يحصلون على امتيازاتٍ كبيرةٍ، كلٌّ حسب مقدار ولائِه لمبارك وجمال.
أما أحمد نظيف رئيس وزراء مصر، فحاول أنْ يُدافع عن وجود عددٍ من رجال الأعمال في حكومته، وذلك من خلال كلمةٍ ألقاها في مجلس الشعب عام 2007م، معتبرًا أنَّ أعضاء حكومته من رجال الأعمال ساهموا بقوةٍ في زيادة مُعدَّلات النَّاتج الإجماليِّ المحليِّ.
الغريب في الأمر أنَّ هذه الزِّيادة في النَّاتج المحليِّ صاحبها زيادةٌ في معدَّلات الفقر المُدْقِع في مصر خلال هذا العِقد وفقًا لما ذكرته وكالة (رويترز) عام 2007م.
وبالتَّالي فإنَّ الإصلاحات الاقتصاديَّة التي يقودها جمال مبارك ومساعدوه، أضَّرت بالمواطن المصريِّ العاديِّ، واستفاد منها جيِّدًا رجال الأعمال، فوفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن الأمم المتحدة للتَّنمية البشريَّة فإنَّ 20% من المصريِّين يتحكمون في ثروة 80% من المصريِّين.
المعارضة المصريَّة تعتبر أنَّ فساد مساعدو جمال هو السَّبب في اتِّساع الفجوة بين الأغنياء وملايين المصريِّين المُهمَّشين.
أحمد عز قال إنَّ انتشار المحمول بيد المصريين وكذلك السَّيَّارات، دليلٌ على التَّرَف الذي يعيش فيه المصريِّين متناسيًا بذلك ارتفاع مُعدَّلات الفقر التي أظهرت أنَّ 43% من المصريين يعيشون على أقل من دولارَيْن في اليوم.
هذه النِّسبة في مُعدَّلات الفقر بين المصريِّين صدرت عام 2009م عن تقرير التَّنمية البشريَّة العربيِّ، والذي كشف كذلك عن وجود 28.6% من المصريِّين أُمِّيِّين، هذا بالطَّبع يُسئ إلى جهود التَّنمية الاقتصاديَّة التي يقودها جمال مبارك وتجعل المصريِّين يطالبون بالدِّيمُقراطيَّة.
حتى ولو كان التَّحوُّل الدِّيمُقراطيِّ في مصر لم يعد أولويَّةٌ لدى الولايات المتحدة، فإنَّ التَّقارير تجعل الولايات المتحدة قلقةٌ بشأن خوفها من أنْ تُؤدِّي سياسة جمال مبارك إلى عدم الاستقرار في مصر.
مركز (بيو) (الأمريكي لاستطلاعات الرَّأي) أعد تقريرًا عام 2009م قال إنَّ 73% من المصريِّين يعتبرون الوضعَ الاقتصاديَّ المصريَّ سيءٌ، في حين يعتقد 41% من المصريِّين أنَّ الحالة الاقتصاديَّة في مصر تتَّجه إلى الأسوأ،، فالسَّنوات القليلة الماضية شهدت نموًّا كبيرًا وزيادةً في عدد المظاهرات العُمَّاليَّة ومظاهرات الغضب الشَّعبيِّ، في الوقت الذي يتم فيه قمع المُعارضة ممَّا يعني أنَّ بعض المصريِّين سيتجهون للتَّطرُّف لمحاولة مواجهة حكومتهم بالقوة، والانضمام لصفوف (زعيم تنظيم القاعدة) أسامة بن لادن الذي صنعته الدِّيكتاتوريَّات.
من غير الواضح ما إذا كان الجيش سيوافق على تولِّي جمال مبارك رئاسة البلاد أم لا، خاصة وأنَّ والده حسني مبارك ورؤساء مصر السَّابقين ينتمون إلى المُؤسَّسة العسكريَّة في حين أنَّ جمال مبارك رجلٌ مدنيٌّ، لذلك يخشى المُحلِّلون في مصر أنْ يكون انتقال السُّلطة في مصر سيتم بطريقةٍ غير سلميَّةٍ، وسيحاول جمال مبارك كسب الرَّأي العام ضد الجيش، ممَّا يعني بدايةً حقبةً جديدةً من الحكم المدنيِّ في مصر.
جمال مبارك يمكن أنْ يكسب الشَّباب بفضل تعليمه الغربيِّ، وكذلك كونه شابًّا إلى حدٍّ مع، ولكن الفقر والبطالة ومعاناة الشَّباب في الخارج والدَّاخل، خاصة مع وفاة المئات خلال عمليَّات الهجرة غير الشَّرعيَّة، بل ومعاناة الملايين من الشَّباب المُغترِب في الخارج الذي خرج بطريقةٍ قانونيَّةٍ، لأنَّهم لم يجدوا أملاً في مستقبلهم داخل بلدهم التي انتشر فيها الفساد والمعاناة والتَّسلُّط.
كل هذا يمكن أنْ يؤثر سلبًا على الوضع في مصر واستقرار هذه البلد ممَّا يعني أنَّ الولايات المتحدة عليها أنْ تتدخَّل لحماية مصالحها في المنطقة من خلال مساندة مصر للخروج من أزمتها في البلد الأكثر كثافةٍ سكانيَّةٍ في المنطقة والمُعرَّض للخطر...











0 تعليقات:
Post a Comment