بقلم: حسن القباني
هناك العديد من الحقائق التي يجب أنْ نُعيد التَّذكير بها في زحمة أحداث العنف الأمني الباطش في وطننا، وهي حقائقٌ كالشَّمس يحاول محبو العنف حجبها، وكالنَّفس يسعي محبو السُّلطة قتلها، ولكن هيهات أنْ يستمر هذا مهما بلغ الظلم والعدوان والاستبداد.
أوَّلها أنَّ جهاز الشُّرطة بات جهازًا حزبيًّا، ويمكن أنْ نعتبره "ميليشيا حزبيَّة للحزب الوطني"، تلعب دورًا حزبيًّا بعيدًا تمامًا عن العمل المهني الوطني، وتمارس مهامٌّ خاصة لصالح فصيلٍ ضد فصيلٍ في غيبةٍ من الدُّستور وصحيح القانون، حتي باتت مصر وفي القلب منها المعارضة أمام جهازٍ غير وطنيٍّ، لا يجيد إلا مداهنة النِّظام الحاكم والصَّمت علي جرائمه، والتَّدخُّل السَّافر لصالحه دون خوفٍ من الله عز وجل، ومراعاةً لمصالح الوطن العليا ومطالب الشَّعب الحقيقيَّة، أو على الأقل مراعاة نصوص القانون.
وثانيها أنَّنا نواجه حالة من تغييب الوعي والقانون بتعمُّد من قِبَلِ كُلِّيَّات الشُّرطة ومراكز تدريبها، بحيث صرنا أمام ضباط يمارسون العنف والتَّعذيب ضد أبناء الشَّعب، وخاصة المعارضين منهم للحزب الوطني، وكأنَّهم في مهمةٍ وطنيَّةٍ فدائيَّةٍ، استحلُّوا فيها الكذب والدَّجل والتَّطاول على الحُرِّيَّات، واندمجوا في حالةٍ انفصاميَّةٍ غريبةٍ، حتى بات فيهم من يرى أنَّه بالمقارنة بغيره معتدلاً ورحيمًا (!!)، وكأن الاسلام قد أباح العنف والتَّعذيب لصالح الحزب الوطني، لأنَّه الحزب الحاكم المفدَّى!!
وثالثها: ابتزاز الجهاز لمعظم العاملين الصِّغار به كالمخبرين وأمناء الشُّرطة وصغار الرُّتَب، لخروج معظمهم من مناطقٍ تُعاني الفقر الشَّديد أوالجهل, عن طريق ايهامهم أنَّه صاحب الفضل وولي نعمتهم الذي جعل منهم أصحاب صولةٍ وجولةٍ، بما أدَّى إلى جعل هؤلاء العاملين الصِّغار دمية في أيدي ضباطٍ لا يخافون إلا على مصالحهم الشَّخصيَّة، ويُخالفون صحيح القانون.
ورابعها: أنَّنا أمام جهازٍ يتستَّر على مجرميه، ويحاول أنْ يُضفي عليهم قداسةً ومنعةً شخصيَّةً، ممَّا يجعلهم يفعلون أيِّ شيءٍ مهما بلغ جرمه في سبيل التَّرقية والمحافظة على المكتسبات الشَّخصيَّة العالية التي يتلقَّوْنَها منه.
وخامسها: استغلال النِّظام الحاكم للواقع الاقتصادي السَّيِّء، واهتمامه بمرتبات العاملين بجهاز الشُّرطة بدرجةٍ جعلت من بعضهم ينسلخون من الواقع الاقتصاديِّ الأليم الذي يرزح تحته شعب مصر الصَّابر, ويُسمُّون الواقع بغير اسمه، وهنا لا انتقد حقوقهم الماليَّة التي تناسب أعمالهم، بقدر ما أنتقد إغراء أبناء الجهاز بالمال مقابل تنفيذ أوامر الدَّمار والخضوع والتَّنفيذ.
لقد نجحت القيادات الشُّرَطيَّة- للأسف- في تغذية الضُّباط بفكرة شخصنة الوطن في شخصٍ واحدٍ، و"حزبنة" الحياة السِّياسيَّة المصريَّة في حزبٍ واحدٍ لا مُنافس له, وجَعْل أمن الوطن والمواطن هو أمن النِّظام الحاكم لا غير، فضلاً عن عدم وجود تربيةٍ إيمانيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ لصف العاملين بجهاز الشُّرطة، وكل ما هو موجودٌ في هذه النَّاحية إنَّما هو رصيد تربية الآباء لأبنائهم، لا تربية هذا الجهاز لنفسه.
باختصار: لا حلَّ إزاء ذلك من وجهة نظرنا، إلا باستمرار الفاعليَّات الرامية إلى زيادة الوعي الوطني لدى الشَّعب المصريِّ خلال الأعوام المقبلة، بجوار زيادة المقاومة القانونيَّة لأعمال العنف؛ حتى نكتسب أرضًا وأجيالاً صالحة للعمل في جهاز الشرطة, ويرجع جهازًا وطنيًّا لا يحب إلا الوطن، ولا يعرف إلا الحق، ولا يتعامل إلا بالحق وللحق، والله قادرٌ على ذلك، إنَّه نِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصير.











0 تعليقات:
Post a Comment