البرجوازيَّة من عصر النَّهضة إلى الإمبرياليَّة


إعداد: عبد العظيم الأنصاري

البرجوازيَّة هي طبقةٍ اجتماعيَّة ظهرت في القرنين الخامس عشر والسَّادس عشر، امتلكت رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج، وطبقًا لرؤيَّة كارل ماركس فإنَّ البرجوازيَّة هي الطبقة المُسيْطِرَة والحاكمة في المجتمع الرَّأسمالي، وتعيش من فائض قيمة عمل العمال.



وبالرَّغم من أنَّ نشأة البرجوازيَّة تزامنت مع عصر النَّهضة الأوروبيَّة، والانفلات من هيمنة الكنيسة واحتكارها للدين والكتاب المقدس، خاصة بعد ظهور مارتن لوثر والبروتستانتيَّة واختراع الطَّابعة، بالإضافة إلى ما قدمته البرجوازيَّة من مساعدة للثَّورة الفرنسيَّة، إلا أنَّ ما كانت تحمله من سلبيَّاتٍ داخل بُنيتها الأساسيَّة خرَّب ما صاحب نشأتها وتطورها من إيجابيَّاتٍ؛ حيث كانت البرجوازيَّة طبقةٌ استغلاليَّةٌ لا تسعى إلا لمصلحة رأس المال فقط، وذلك بغض النَّظرِ عن أيِّ اعتبارات أخلاقيَّةٍ أو إنسانيَّةٍ أو دينيَّةٍ.
وقامت على أساس استغلال الطَّبقة الكادحة من البروليتاريا العماليَّة أولاً، ثم بعد تضخُّم الإنتاج، تحوَّلت إلى وقود يدفع عجلة الاستعمار إلى الاندفاع من دون توقُّفٍ لاستغلال الشُّعوب الأخرى للحفاظ على حركة سير الإنتاج وتدفق رأس المال.

كانت أوروبا العصور الوسطى على أدنى درجات التَّخلُّف والجهل والفقر، وكان النِّظام السِّياسي السَّائد هو النظام الملكيِّ الذي سيطرت فيه الكنيسة ورجالها على مُقدَّرات الدِّول والشُّعوب، بل ومستقبل كلِّ فردٍ في الحياة الآخرة؛ حيث كانت تباع الأراضي في الجنة والجحيم، و"بصكوك الغفران" يمنح رجال الكنيسة المغفرة والرَّحمة مقابل قدرٍ مُعيَّنٍ من الأموال، فكان الأغنياء وهم النُّبلاء والإقطاعيون لا يحملون همًّا في الدنيا ولا في الآخرة.

أما الفقراء وهم الغالبيَّة الكاسحة من الشَّعب فعليهم طاعة الأوامر والاستجابة لرغبات الكنيسة، حتى ولو وصلت إلى شنِّ حربٍ عشوائيَّةٍ همجيَّةٍ في بلادٍ بعيدةٍ، مثل الحروب الصَّليبيَّة على بلاد المشرق الإسلامي، وكانت الكنيسة تحتفظ لنفسها بنسخ "الكتاب المقدس"، وكان جهل العامة التَّام به يُضفي هالةً من العظمة والسِّحر على الكنيسة "التي تحتفظ بالأسرار المقدسة دون غيرها".

أمَّا النِّظامُ الاقتصاديُّ الذي كان سائدًا في ذلك الحين فهو الإقطاع؛ حيث تعتمد الدولة أساسًا على الزراعة وبعض الصناعات البسيطة؛ حيث امتلك الإقطاعيون، وكانوا قلة عديدة في كل شيء، باستثناء بينما يرزح الشعب تحت نير الاستعباد.

في تلك العصور كانت تعاني أوروبا من الهاجس الأمني والذي مثل صداعًا أرَّق أوروبا لقرون، وهو ما اصطلح عليه بـ"المسألة الشرقيَّة"، والمقصود كان إرث الدَّولة العثمانيَّة، بما كانت تشكله من خطرٍ على أوروبا كقوةٍ عظمى صاعدة، تسعى لاستكمال الفتوحات الإسلاميَّة في الغرب، إلى أنْ وصلت تحت قيادة السُّلطان سليمان القانوني إلى أبواب فيينا في العام 152م، وكان النظام الإقطاعيِّ في الدَّولة العثمانيَّة أكثر مرونةٍ منه في أوروبا، ممَّا كان يُرجِّح كَفَّتها على أوروبا.

لكن الأوضاع لم تستمر على نفس المنوال؛ حيث أدى الفساد داخل الكنيسة الكاثوليكيَّة في القرن السادس عشر الميلادي إلى تهيئة الأوضاع المناسبة لقيام حركة إصلاحيَّة دينيَّة أطلقها القسيس الألماني مارتن لوثر في العام 1517م.

ومع اختراع الطَّابعة واكتشاف الفحم كطاقةٍ، والنَّشاط المُتزايد في رحلات الكشوف الجغرافيَّة، وما صاحب كل هذا من نشاطٍ تجاريٍّ طهَّرت الطبقة البرجوازيَّة من التجار الذين تزايدت ثرواتهم على حساب الطبقة الإقطاعيَّة بل وعلى حساب النُّبلاء؛ حيث ساعدت الطَّبقة البرجوازيَّة على قيام العديد من الثَّورات ضد النِّظام الملكيِّ، أبرزها الثَّورة الفرنسيَّة كما لعبت الدَّور الرَّئيس في تحطيم سلطة الكنيسة الكاثوليكيَّة؛ وما تميزت به فترة صعود الطَّبقة البرجوازيَّة عمليَّة إحياء العلوم، الطَّبيعيَّة منها والاجتماعيَّة، فأرست بذلك أسس النَّهضة الأوروبيَّة التي تُرى معالم عظمتها وقوَّتها في نموذج الغرب الحضاريِّ حتى الآن.

وهكذا نشأت البرجوازيَّة في قلب المجتمع الإقطاعي، فحملت أسلوب الإنتاج الرَّأسماليِّ الأرقى، وارتبطت بالتَّراكُم الأوَّليِّ لرأس المال الذي قام على انتزاع الأراضي وأدوات الإنتاج والعمل من جماهير الشَّعب الغفيرة، وككرة الثلج تمامًا بدأت صغيرة، وأخذت تتضخَّم بسرعةٍ مُبهرةٍ، خاصةً بعد أنْ تخطَّت مرحلة الثَّورة الصناعيَّة؛ حيث تضاعف الإنتاج وأصبح فوق استيعاب استهلاك السُّوق المحليِّ، وكان يجب توفير أسواقٍ جديدةٍ لتصريف بضاعة الثَّورة الصِّناعيَّة، بضاعة البرجوازيَّة.

ومن ثمَّ تسارعت عجلة الاستعمار في العالمَيْن الجديد والقديم على حدٍ سواءٍ، فخضع العالم الجديد بأسره للغرب الأوروبيِّ، بينما ظلَّت الدَّولة العثمانيَّة دُميةً بين أيدي الدِّول الأوروبيَّة، ولم يبق من المسألة الشرقيَّة إلا الاختلاف بين الأوروبيين على سيناريو النَّهاية التي حسمت بعد الحرب العالميَّة الأولى، واستسلم جل العالم القديم للقيادة الغربيَّة التي خضعت واستسلمت للبرجوازيَّة التي نهبت ثروات العالمَيْن الجديد والقديم سواءً أكانت هذه الثَّروات مواردًا طبيعيَّةً أم بشريَّةً.

وفي العقود المتأخرة من القرن الماضي، وفي مطلع القرن الحالي، ومع توسُّع مجالات عمل الشَّركات العالميَّة، ظهرت فئة البرجوازيَّة المتعددة الجنسيَّات، إذ أسهمت عالميَّة الإنتاج والرأسماليَّة البرجوازيَّة ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات وانتشار طرق الإدارة العلميَّة للانتاج، في توحيد ذهنيَّة البرجوازيَّة المعاصرة، وتلاشي الاختلافات الوطنيَّة، فيما بينها فيما يطلق عليه "العولمة الاقتصاديَّة"، وتصدَّرت البرجوازيَّة بما بلغت من قوةٍ اقتصاديَّةٍ هائلةٍ مكان السِّيادة داخل البرجوازيَّة الحكوميَّة ووضعت يدها على المواقع الأساسيَّة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة في البلدان الرَّأسماليَّة.

وفي واقع الأمر أصبحت البرجوازيَّة هي التي تُحدِّد السِّياسة الداخليَّة والخارجيَّة لهذه الدول وفق مصلحتها الخاصَّة، وهي المسئولة عن المشكلات الاجتماعيَّة في هذه البلدان.

إلى جانب ذلك تنامى في عددٍ من البلدان المُتقدمة ما يُسمَّى بـ"المجتمعات الصِّناعيَّة- الحربيَّة"، أي تحالُف أصحاب الاحتكارات الصِّناعيَّة والعاملين في المجال العسكريِّ، مع الأوساط الرَّجعيَّة العسكريَّة والبيروقراطيَّة.

وتستغل البرجوازيَّة المعاصرة الدَّولة على نحوٍ متزايدٍ، وتلجأ إلى أسلوب برمجة الإنتاج والتنبؤ بتطوره، وإلى طريقة تمويل التَّقدُّم العلميِّ والتِّقنيِّ والإنتاج الحربيِّ من قِبَلِ الدَّولة، وإلى أسلوب التَّكامُل الإمبرياليِّ.

وما سبق لا ينفي ظهور البرجوازيَّة في الدِّول المتخلفة التي استقلَّت حديثًا عن الاستعمار القديم لتواجه الاستعمار الحديث، الذي تطوَّر بتطوُّرِ البرجوازيَّة في المجتمعات الغربيَّة الإمبرياليَّة.

والبرجوازيَّة في الدِّول المتخلِّفة كمثل كلِّ شيءٍ هناك، تابعةٌ للغرب؛ حيث لا وجود لبرجوازيَّةٍ صناعيَّةٍ قويَّةٍ، فإنَّ البرجوازيَّة التِّجاريَّة المُؤلَّفة من المُضاربين والوسطاء الطُّفيليِّين ومقاولي أعمال البناء الذين يستثمرون أموالهم في مجالاتٍ غير منتجةٍ، مثل خدمات الاتِّصالات وتصدير المواد الأوليَّة... إلخ، هم الذين يُحدِّدون وجه الطَّبقة الرَّأسماليَّة المواليَّة للإمبرياليَّة التي تقوم بدور الوسيط في خدمة رأس المال الأجنبيِّ، وتُؤدِّي وظيفة السَّند الاجتماعيِّ للاستعمار الجديد بحكم مصالحها المرتبطة بالخارج.

ولكن هذا لبا يمنع من وجود برجوازيَّةٍ وطنيَّةٍ في هذه البلدان تتَّسم بالضَّعف العام بسبب تحكُّم رأس المال الأجنبيِّ والبرجوازيَّة الوسيطة أو التَّابعة والعلاقات الاقتصاديَّة السَّابقة التي يحتفظ بها المستعمر، وهكذا بدأت البرجوازيَّة في عصر النَّهضة وكانت وقودًا للاستعمار، وظلَّت قوة دافعة للإمبرياليَّة..


0 تعليقات:


تقرأون في العدد الجديد



تركيا.. بين الحنين للأصل والتَّوجُّه غربًا!!...


كانت منطقة الشَّرق الأوسط خلال الفترة القليلة الماضية على موعدٍ مع ظهور لاعبٍ جديدٍ في الُّلعبة السِّياسيَّة الإقليميَّة..


تحالفاتٌ مصريَّةٌ جديدةٌ.. "مايحكومشِ"!!...

ولا نَزَالُ مع قضيَّة السَّاعة على السَّاحة السِّياسيَّة المصريَّة، وهي قضيَّة التَّحالُفات الوطنيَّة في مصر






صناعة الدَّواء في مصر.. صناعةٌ إستراتيجيَّةٌ في قبضة الاحتكارات!!...






تركيا.. الحنين إلى الشَّرق والتَّطلُّع إلى الغرب..
ملف خاص عن تركيا ...






الإخوان المسلمين.. انشقاقاتٌ.. ولكن هل من تأثيراتٍ؟!...
أنشطة المُخابرات الإسرائيليَّة والغربيَّة في السُّودان
رؤيةٌ أمريكيَّةٌ مُغايرةٌ حول المشهد المصري



الوجود العسكريُّ الأمريكيُّ في العالم العربيِّ ومخاطره





جمهوريَّات الموز".. من أمريكا الوسطى إلى الشَّرق الأوسط!!...





القرار ١٨٩١ (٢٠٠٩) الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته المعقودة في ١٣ أكتوبر ٢٠٠٩ بشأن السُّودان...





الصحافة العالمية في الأسبوع

لا عجب في كَوْن حماس ليست خائفةً!!



صورة العدد 8



فريق العمل

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التَّحرير

عبد الجليل الشَّرنوبي

مدير التَّحرير

أحمد التلاوي

المشرف العام

علاء عيَّاد

فريق التَّحرير (بحسب التَّرتيب الأبجدي)

أحمد عبد الفتَّاح

إيمان إسماعيل

الزَّهراء عامر

سامر إسماعيل

شيماء جلال

عبد العظيم الأنصاري

كارم الغرابلي

مراجعة لغويَّة

أحمد محمود

تنفيذ وإخراج

أحمد أبو النَّجا

تصوير

محمد أبو زيد

باحثون ومشاركون من الخارج

مُحمَّد الشَّامي

الموقع الإلكتروني

أحمد عبد الفتاح


لافضل تصفح